حب أصحاب النبي عليه السلام، بغض من يبغض أصحاب النبي عليه السلام، العشرة المبشرين في الجنة

صفحة 133

حب أصحاب النبي عليه السلام

(ونحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) جمع صاحب، قال الحافظ ابن حجر:[1] وهو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام، وهو أولى من تعريف غيره كابن الصلاح:[2] بأنه كل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه غير جامع ولا مانع، إذ

صفحة 134

يخرج منه من كان من الصحابة أعمى كابن أم مكتوم مع أنه صحابي بلا خلاف، ويدخل فيه من ليس من الصحابة بالاتفاق كمن رآه كافراً ثم أسلم بعد موته كرسول قيصر، ومن رآه بعد موته قبل الدفن وقد وقع لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي ولا صحبة له. أما من ارتد بعده ثم أسلم ومات مسلماً فقال العراقي:[3] في دخوله فيهم نظر فقد نص الشافعي وأبو حنيفة على أن الردة محبطة للعمل قال: والظاهر أنها محبطة للصحبة السابقة كقرة بن ميسرة[4] والأشعث بن قيس أما من رجع في حياته صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن أبي سرح فلا مانع من دخوله في الصحبة،[5] وهل يشترط لقيه في حال النبوة أو أعم من ذلك حتى يدخل من رآه قبلها ومات على الحنيفية كزيد بن عمرو بن نفيل فقيل: نعم، لأن ابن منده عده في الصحابة، وكذا لو رآه ثم أدرك البعثة وأسلم ولم يره قال العراقي:[6] ولم أر من تعرض لذلك، قال: ويدل على اعتبار الرؤيا بعد النبوة ذكرهم في الصحابة ولده إبراهيم دون من مات قبلها كالقاسم قال: وهل يشترط في الرائي التمييز حتى لا يدخل من رآه وهو لا يعقل، والأطفال الذين حنكهم ولم يذكروه بعد التمييز أو لا يشترط؟ لم يذكروه أيضاً إلا أن العلائي[7] قال في المراسيل: عبد الله بن الحارث بن نوفل حنكه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له ولا صحبة بل ولا رؤية له أيضاً. كذا في شرح أسماء أهل بدر للشهاب المنيني.[8]

وقد ورد في الحث على حبهم من الآيات القرآنية

صفحة 135

والأحاديث النبوية شيء كثير كقوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} إلى {وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29] وقوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} [المائدة: 4] الآية وقوله: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} إلى قوله: {هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8] وإلى غير ذلك من الآيات. وروى الترمذي[9] عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه).[10]

(و) لكن (لا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم) كما وقع لغلاة الروافض قبحهم الله وقد قال أبو القاسم الحكيم: الرافضة أقبح فعلاً من اليهود والنصارى إذ لو قيل ليهودي: من أفضل الناس بعد موسى؟ قال: نقباؤه، ولو قيل لنصراني: من أفضل الناس بعد عيسى؟ قال: حواريه، ولو قيل لرافضي: من أشر الناس؟ قال: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقبحهم الله تعالى، ويكفي في الرد عليهم قولُه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [الأحزاب: 57] كذا ذكره المنلا إلياس الزاهد.

بغض من يبغض أصحاب النبي عليه السلام

(ونبغض من يبغضهم) أو واحداً منهم ونسكت عن ذكر ما وقع بينهم فإنه الذي أدى إليه اجتهادهم، قال ابن دقيق العيد في عقيدته: وما نقل فيما بينهم واختلفوا فيه فمنه باطل وكذب فلا يلتفت إليه، وما كان صحيحاً أوَّلناه تأويلاً حسناً، لأن الثناء

صفحة 136

عليهم من الله تعالى سابق، وما نقل من الكلام اللاحق محتمل للتأويل والمشكوك والموهوم لا يبطل المحقق والمعلوم. اهـ.

(وبغير الحق لا نذكرهم) ففي صحيح الإمام مسلم:[11] (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).[12] وعن ابن عباس: (لا تسبوا أصحاب محمد فلمقام أحدهم ساعة – يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم – خير من عمل أحدكم أربعين سنة)، وفي رواية: عمره.

(ونرى حبهم ديناً وإيماناً وإحساناً و) نرى (بغضهم كفراً وشقاقاً ونفاقاً وطغياناً) حيث كان حبهم من حبه صلى الله عليه وسلم، وبغضهم من بغضه مع شهادته صلى الله عليه وسلم لهم بالخيرية.

(ونثبت الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أولاً لأبي بكر الصديق رضي الله عنه) الذي صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في النبوة بلا تلعثم،[13] وفي المعراج بلا تردد، فلقبه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، واسمه: عبد الله بن أبي قحافة، وإنما اختاروه (تفضيلاً) له (وتقديماً على جميع الأمة) وقد ثبتت خلافته بالإجماع بعد توقف أولاً لما اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة فاستقر الرأي بعد المشاورة والمراجعة على خلافته وبايعوه ما عدا علياً، ثم بايعه رضي الله عنه على رؤوس الأشهاد فصارت خلافته مجمعاً عليها من غير مدافع.

(ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه) وقد ثبتت خلافته بنص الإمام السابق والإجماع فإن الصديق رضي الله عنه بعدما انقضت من خلافته سنتان وأربعة أو ستة أشهر مرض فلما أيس من حياته دعا عثمان وأملى عليه كتاب العهد لعمر فقال: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما عهد أبو بكر بن أبي

صفحة 137

قحافة في آخر عهده في الدنيا خارجاً عنها، وأول عهده في الآخرة داخلاً فيها، حين يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر أني أستخلف عمر بن الخطاب فإن عدل فذاك ظني به ورأيي فيه، وإن جار فلكل امرئ ما اكتسب، والخيرَ أردتُ ولا أعلم الغيبَ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.[14] فلما كتب ختم الصحيفة وأخرجها إلى الناس وأمرهم أن يبايعوا لمن في الصحيفة فبايعوا حتى مرت بعلي كرم الله وجهه فقال: بايعنا لمن فيها وإن كان عمر فوقع الاتفاق على خلافته فقام عشرَ سنين.

(ثم لعثمان بن عفان رضي الله عنه) فإن أمير المؤمنين لما استشهد على يد اللعين أبي لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة واستشعر الموت قال: ما أحداً أحق بهذا الأمر ممن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فسمى عثمان وعلياً والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله ابنه بشرط أن لا يكون خليفة رضي الله عنهم، وجعلها شورى بينهم فاجتمعوا بعد دفنه رضي الله عنه، وفوضَ الأمرَ خمستُهم إلى عبد الرحمن بن عوف ورضوا بحكمه فاختار عثمان وبايعه بمحضر من الصحابة فبايعوه وانقادوا له فكان ذلك إجماعاً.

(ثم لعي بن أبي طالب) رضي الله عنه، فإنه لما استشهد عثمان رضي الله عنه اجتمع كبار المهاجرين والأنصار بعد ثلاثة أو خمسة أيام من موته على خلافة علي كرم الله وجهه، والتمسوا منه قبول الخلافة فقبل بعد مدافعةٍ وامتناعٍ كثير، فبايعوه وصارت خلافته مجمعاً عليها من أهل الحل والعقد. فقام بأمر الخلافة ست سنين واستشهد على رأس الثلاثين من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتم نصاب الخلافة على ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تصير ملكاً عضوضاً).[15] وقيل: إن الثلاثين إنما تمت بخلافة أمير المؤمنين حسن بن علي كرم الله وجههما لستة أشهر من وفاة أبيه. كذا في شرح

صفحة 138

الشيبانية للشيخ علوان. (رضوان الله) تعالى (عليهم أجمعين، وهم الخلفاء الراشدون، والأئمة المهديون الذين قضوا بالحق وكانوا به يعدلون) الذين نوه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأنهم وحث على اتباعهم واقتفاء آثارهم حيث قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ).[16]

العشرة المبشرين في الجنة

(و) نقول (إن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم) من أصحابه (نشهد لهم بالجنة كما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله الحق) فإنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى (وهم) أي الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد لهم بالجنة (أبو بكر) الصديق (وعمر) الفاروق (وعثمان) بن عفان (وعلي) بن أبي طالب (وطلحة) بن عبيد الله (والزبير) بن العوام (وسعد) بن أبي وقاص (وسعيد) بن زيد (وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وهو) أي أبو عبيدة (أمين هذه الأمة) كما شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. روى الإمام أحمد في مسنده عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لكل نبي أميناً وأميني أبو عبيدة عامر بن الجراح)[17] وفي الجامع الصغير[18] رامزاً للبخاري عن أنس: (إن لكل أمة أميناً وإن أمين هذه

صفحة 139

الأمة أبو عبيدة بن الجراح)،[19] (رضوان الله) تعالى (عليهم أجمعين و) نقول (من أحسن القول في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) الأكرمين (وأزواجه) أمهات المؤمنين (وذرياته) المطهرين (فقد برئ من النفاق) والضلال لما ذكر الله لهم من المزايا الحميدة والخصال وقد قال تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: 32] إذ هما ضدان، وبترك أحدهما يثبت الآخر والحق ما جاء به الكتاب والسنة.

(وعلماء السلف من الصالحين والتابعين ومن بعدهم من أهل الخير والأثر و) الأئمة المجتهدين (أهل الفقه والنظر) المقتفين سواء السبيل (لا يُذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل) ومن كان على غير سبيل المؤمنين فهو من أهل الجحيم المخلدين.

  1. [1] الإصابة: 1/ 10.
  2. [2] ذكر ذلك في المقدمة 118 طبع الخانجي.
  3. [3] ذكر ذلك في شرح الألفية 3/ 4 طبع فاس.
  4. [4] وفي شرحي ألفية العراقي: 3/ 4 قرة بن هبيرة وهو الأصح.
  5. [5] انتهى كلام الحافظ العراقي.
  6. [6] شرح الألفية المسماة بالتبصرة: 3/ 6.
  7. [7] هو خليل بن كيكلدي الدمشقي الشافعي، العلائي صلاح الدين، محدث، فقيه، أصولي، ولد سنة 694هـ وتوفي سنة 761هـ – معجم المؤلفين: 4/ 126.
  8. [8] هو: أحمد بن علي الطرابلسي الأصل، المنيني المولد، الدمشقي (شهاب الدين، أبو العباس)، عالم، محدث، شاعر، ولد سنة 1089هـ وتوفي سنة 1172هـ، له تصانيف – معجم المؤلفين: 2/ 15.
  9. [9] صحيح الترمذي 9/ 383.
  10. [10] رواه الترمذي في المناقب عن عبد الله بن مغفل قال الصدر المناوي: وفيه عبد الرحمن بن زياد قال الذهبي: لا يعرف وفي الميزان: في الحديث اضطراب – فيض القدير: 2/ 98 ورواه الإمام أحمد في مسنده: 5/ 54 و5/ 57 عن عبد الله بن مغفل أيضاً أقول: وعبد الرحمن بن زياد روى عنه أحمد في مسنده وفي الخلاصة 193 وثقه ابن حبان.
  11. [11] 4/ 166.
  12. [12] رواه الإمام أحمد في مسنده 3/ 11 و3/ 54 و3/ 93 والبخاري: 14/ 187 شرح الكرماني برقم 3436 ومسلم والترمذي: 9/ 382 عن أبي سعيد ومسلم 4/ 166 باب تحريم سب الصحابة وابن ماجه عن أبي هريرة. الفتح الكبير: 3/ 23.
  13. [13] جاء في هامش م: قوله تلعثم قال في المختار: تلعثم في الأمر إذا تمكث فيه وتأنى قال الخليل: نكل عنه وتبصره اهـ الشيخ محمد البيطار.
  14. [14] ذكر ذلك المحب الطبري في الرياض النضرة 1/ 237 و2/ 88.
  15. [15] ورد بلفظ (الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك) رواه الإمام أحمد في المسند 5/ 220 والترمذي 7/ 5 برقم 2227 وأبو يعلى وابن حبان عن سفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو داود 2/ 515 في السنة والنسائي في المناقب أيضاً عن سفينة – فيض القدير: 3/ 509.
  16. [16] قطعة من حديث وهذا لفظه: (قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وعليكم بالطاعة، وإن عبد حبشياً، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد) رواه الإمام أحمد في مسنده 4/ 126 وابن ماجه 1/ 11 واللفظ له والحاكم 1/ 96 عن العرباض بن سارية وقال الحاكم وقد تابع عبد الرحمن بن عمرو على روايته ثلاثة من الثقات الأثبات من أئمة أهل الشام منهم حجر الكلاعي – الفتح الكبير: 2/ 296.
  17. [17] رواه الإمام أحمد في مسنده 1/ 18 و3/ 133 و3/ 189 عن أنس والبزار عن عمر بن الخطاب قال الهيثمي: رجاله ثقات ورواه الطبراني عن خالد بن الوليد قال الهيثمي بسند رجاله رجال الصحيح – فيض القدير: 3/ 515.
  18. [18] الجامع الصغير: 1/ 96 طبع البابي الحلبي بلفظ (إن).
  19. [19] رواه البخاري 15/ 19 بشرح الكرماني في فضائله برقم 3498 عن أنس ومسلم 4/ 115 في فضائله عن أنس – فيض القدير: 2/ 507.
شرح العقيدة الطحاوية للميداني
حب أصحاب النبي عليه السلام، بغض من يبغض أصحاب النبي عليه السلام، العشرة المبشرين في الجنة
 
Top