تعريف علم التوحيد وموضوعه، اتصاف الله بالوحدانية ولا شيء مثله، دليل برهان التمانع، دلالة الآية قطعية وحجة، العامة والخاصة مكلفة بالتصديق بوجود الصانع

صفحة 47

تعريف علم التوحيد وموضوعه، اتصاف الله بالوحدانية ولا شيء مثله، دليل برهان التمانع، دلالة الآية قطعية وحجة، العامة والخاصة مكلفة بالتصديق بوجود الصانع

علم التوحيد: هو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية.

وموضوعه: المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية لأنه يبحث في هذا العلم عن أحوال الصانع من الوجود والقدم لاعتقاد ثبوتها.

وغايته أن يصير الإيمان والتصديق بالأحكام الشرعية محكماً.

وغايته العظمى: الفوز بسعادة الدارين؛ الدنيا بالأمان، والأخرى بالفوز بالجنان والنجاة من النيران المعدة لأهل الكفر والطغيان.

(قال الإمام) الأعظم (وبه) أي بقوله (قال) صاحباه (الإمامان المذكوران) آنفاً (رحمهما الله تعالى، نقول في توحيد الله تعالى معتقدين) حال من فاعل نقول، والاعتقاد هو الحكم الجازم الذي لا يقبل التشكيك وهو (بتوفيق) من (الله تعالى) لنا لا بحولنا ولا بقوتنا، والتوفيقُ لغة: التسديد، واصطلاحاً: جعل الله تعالى فعل عباده موافقاً لما يحبه ويرضاه. كذا قاله السيد[1] وقوله: (إن الله تعالى) إلى آخر الكتاب مقول لقول الإمام (نقول) وهو ومقوله مقول لقول المصنف (قال الإمام) (واحد) لا من طريق العدد، بل من طريق أنه (لا شريك له) في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. والوحدانية صفة سلبية تقال على ثلاثة أنواع:

الأول: الوحدة في الذات، والمراد بها انتفاء الكثر عن ذاته تعالى، بمعنى عدم قبولها الانقسام.

والثاني: الوحدة في الصفات، والمراد بها انتفاء النظير له تعالى في كل صفة من صفاته، فيمتنع أن يكون له تعالى علوم وقدرات متكثرة بحسب المعلومات والمقدورات، بل علمه تعالى واحد، ومعلوماته كثيرة، وقدرته واحدة، ومقدوراته كثيرة، وعلى هذا جميع صفاته.

صفحة 48

والثالث: الوحدة في الأفعال، والمراد بها انفراده تعالى باختراع جميع الكائنات عموماً، وامتناع إسناد التأثير لغيره تعالى في شيء من الممكنات أصلاً. كذا في شرح الطريقة.

(ولا شيء مثله) تأكيد لصفة الوحدة إذ لو كان له مثل لم يكن واحداً ولزم منه إما حدوث القديم أو قدوم الحادث ضرورة أن حد المثلين أن يسد أحدهما مسد الآخر، وأن لا يختص أحدهما بصفة دون الآخر، وإلا لم يكن مثلاً، وأين الباطل من الحق؟! والمخلوق ممن له الأمر والخلق، والزائل من الأزلي، والفاني من السرمدي إنما يقع الإشكال في أوصاف من له أشكال، وإنما تضرب الأمثال لمن له أمثال، وأما من انفرد بالعظمة والجلال فما للعقل في إدراكه مجال، فسبحانه وتعالى من إله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير المتعال. كذا في شرح الجوهرة لبعض العارفين، ثم أكد ذلك بقوله (ولا شيء يعجزه) عن فعل ممكن ما وجوداً وعدماً، والعجز صفة لا يتأتى معها إيجاد شيء ولا إعدامه، وهو أمر وجودي على مذهب أهل السنة يضاد القدرة. كذا في شرح السنوسية[2] للهدهدي. (ولا إله) في الوجود (غيره) بدليل برهان التمانع[3] المشار إليه بقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] {وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون: 91] وقد انتفى الفساد ووجد الصلاح، فظهرت الوحدة لأهل الفلاح. وإنما قلت المشار إليه بقوله تعالى لما ذكر العلامة المحقق

صفحة 49

الزاهد علاء[4] الدين محمد بن محمد البخاري الحنفي تلميذ المولى سعد[5] الدين التفتازاني قدس الله سرهما في ضمن جواب[6] انتصر به لشيخه عما شنع عليه بعض معاصريه بقوله في شرح العقائد: إن الآية حجة إقناعية والملازمة عادية، والمعتبر في البرهان الملازمة العقلية، واستند هذا المعاصر في تشنيعه إلى أن صاحب التبصرة[7] كَفَّرَ أبا هاشم[8] بقدحه بدلالة الآية، رأيت أن أسوقه بلفظه لاشتماله على فوائد، قال رحمه الله تعالى: الإفاضة في الجواب على وجه يرشد إلى الصواب يتوقف على ما أورده الإمام حجة الإسلام رضي الله عنه وحاصله: أن الأدلة على وجود الصانع وتوحيده تجري مجرى الأدوية التي يعالج بها القلب، والطبيب إذا لم يكن حاذقاً مستعملاً للأدوية على قدر قوة الطبيعة وضعفها كان إفساده أكثر من إصلاحه، كذلك الإرشاد بالأدلة إلى الهداية إذا لم يكن على قدر إدراك العقول كان الإفساد للعقائد بالأدلة أكثر من إصلاحها، وحينئذ يجب أن لا يكون طريق الإرشاد لكل أحد على وتيرة واحدة، فالمؤمن المصدق سماعاً أو تقليداً لا ينبغي أن تُحرك عقيدته بتحرير الأدلة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطالب العرب في مخاطبته إياهم بأكثر من التصديق، ولم يفرق بين أن يكون ذلك بإيمان وعقد تقليدي، أو بيقين برهاني، والجافي الغليظ الضعيف العقل الجامد على التقليد المصر على الباطل لا تنفع معه الحجة والبرهان وإنما ينفع معه السيف والسنان، والشاكون الذين

صفحة 50

فيهم نوع ذكاء ولا تصل عقولهم إلى فهم البرهان العقلي المفيد للقطع واليقين ينبغي أن يتلطف في معالجتهم بما أمكن من الكلام المقنع المقبول عنده لا بالأدلة اليقينية البرهانية لقصور عقولهم عن إدراكها، لأن الاهتداء بنور العقل المجرد عن الأمور العادية لا يخص الله تعالى به إلا الآحاد من عباده، والغالب على الخلق القصور والجهل، فهم لقصورهم لا يدركون براهين العقول، كما لا تدرك أنوار الشمس أبصار الخفافيش، بل تضرهم الأدلة العقلية البرهانية كما تضر رياح الورد للجعل وفي مثل هذا قيل:[9]

وَمَنْ مَنَحَ الجهالَ علماً أضاعَهُ … ومن منع المستوجبينَ فقد ظَلَمْ

وأما الفطن الذي لا يقنعه الكلام الخطابي فيجب المحاجة معه بالدليل القطعي البرهاني.

إذا تمهد هذا فنقول: لا يخفى أن التكليف بالتصديق بوجود الصانع وبتوحيده يشمل الكافة من العامة والخاصة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بالدعوة للناس أجمعين، وبالحاجة مع المشركين الذين عامتهم من إدراك الأدلة القطعية البرهانية قاصرون، ولا يجدي معهم إلا الأدلة الخطابية المبنية على الأمور العادية والمقبولة التي ألفوها وحسبوا أنها قطعية، وأن القرآن العظيم مشتمل على الأدلة العقلية القطعية البرهانية التي لا يعقلها إلا العالمون، وقليل ما هم بطريق الإشارة على ما بينه الرازي[10] في عدة آيات من القرآن، وعلى الأدلة الخطابية النافعة مع العامة لوصول عقولهم إلى إدراكها بطريق العبارة، تكميلاً للحجة على الخاصة والعامة على ما يشير بذلك قوله تعالى: {وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 59] وقد اشتمل عليهما عبارة وإشارة قوله تعالى: {لَوْ كَانَ

صفحة 51

فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]. أما الدليل الخطابي المدلول عليه بطريق العبارة فهو لزوم فساد السماوات والأرض بخروجهما عن النظام المحسوس عند تعدد الآلهة، ولا يخفى أن لوزم فسادهما إنما يكون على تقدير لزوم الاختلاف، ومن البين أن الاختلاف ليس بلازم قطعاً لإمكان الاتفاق فلزوم الفساد لزوم عادي،[11] وقد أشار إليه الإمام الرازي حيث قال: أجرى الله تعالى الممكن مجرى الواقع بناء على الظاهر ولا يخفى على ذوي العقول السليمة أن ما لا يكون في نفس الأمر لازماً وقطعياً لا يصير بجعل الجاعل وتسميته إياه برهاناً دليلاً قطعياً زعماً أن تسميته برهاناً قطعياً صلابة في الدين ونصرة للإسلام والمسلمين هيهات هيهات فإن ذلك مدرجة لطعن الطاعنين، ونصرة التدين لا تحتاج إلى ادعاء ما ليس بقطعي قطعياً لاشتمال القرآن على الأدلة القطعية العقلية التي لا يعقلها إلا العالمون بطريق الإشارة[12] النافعة للخاصة، وعلى الأدلة الخطابية النافعة للعامة بطريق العبارة، وأما البرهان العقلي القطعي المدلول عليه بطريق الإشارة فهو برهان التمانع القطعي بإجماع المتكلمين المستلزم لكون مقدور بين قادرين، ولعجزهما أو عجز أحدهما على ما بُين في علم الكلام، وكلاهما محالان عقلاً على ما بين فيه أيضاً، لا التمانع الذي تدل عليه الآية بطريق

صفحة 52

العبارة بل التمانع قد يكون برهانياً وقد يكون خطابياً ولا ينبغي أن يتوهم أن كل تمانع عند المتكلمين برهان، وقطعية لزوم الفساد المدلول عليه بالإشارة لا ينافي خطابية لزوم الفساد المدلول عليه بالعبارة لأن الفساد المدلول عليه بالإشارة هو كون مقدور بين قادرين وعجز الإلهين المفروضين أو عجز أحدهما والفساد المدلول عليه بالعبارة هو خروج السماوات والأرض عن النظام المحسوس، فأين أحدهما عن الآخر، وحينئذ لا ينبغي أن يتوهم أنه يلزم من انتفاء جواز الاتفاق على تقدير الفساد المدلول عليه بطريق الإشارة بناء على أنه يستلزم امتناع تعدد الآلهة عقلاً، فيلزم منه انتفاء جواز الاتفاق لأنه فرع إمكان التعدد وانتفاء جواز الاتفاق على طريق الفساد المدلول عليه بطريق العبارة لعدم استلزامه امتناع التعدد عقلاً، وإنما يستلزمه عادة، والاستلزام العادي لا ينافي عدم الاستلزام العقلي فليتأمل، ثم ذكر بقية الجواب وضمنه التعجب من تكفير صاحب التبصرة لمن قال: إن دلالة الآية ظنية ونحو ذلك كذا نقله في شرح المسايرة.[13]

  1. [1] التعريفات 61.
  2. [2] ص132 مخطوط بحاشية حسن النماري والعبارة قريبة منها وهي من مخطوطات محمد رياض المالح.
  3. [3] (أنه لو أمكن إلهان لأمكن بينهما تمانع بأن يريد أحدهما سكون زيد والآخر حركته، لأن كلاً منهما أمر ممكن، وكذا تعلق الإرادة بكل منهما ممكن في نفسه أيضاً إذ لا تضاد بين الإرادتين، بل بين المرادين، فهو إما أن يجعل الأمران متحققين فيجتمع الضدان، أو لا، فيلزم عجز أحدهما وهو أمارة الحدوث والإمكان لما فيه من شائبة الاحتياج، فالتعدد مستلزم لإمكان التمانع المستلزم للمحال فكان محالاً وهذا تفصيل ما يقال: إن أحدهما إن لم يقدر على مخالفة الآخر لزم عجزه، وإن قدر لزم عجز الآخر) اهـ. تحفة الأعالي على ضوء المعالي. والبيجوري على الجوهرة.
  4. [4] محمد بن محمد البخاري (علاء الدين) عالم مشارك في العلوم، ولد سنة 779 توفي سنة 841هـ – معجم المؤلفين: 11/ 294.
  5. [5] مسعود بن عمر التفتازاني (سعد الدين) عالم مشارك في العلوم، ولد سنة 712هـ وتوفي سنة 791هـ، له تصانيف كثيرة. معجم المؤلفين: 12/ 228.
  6. [6] العبارة برمتها في شرح المسايرة 49.
  7. [7] تبصرة الأدلة للنسفي المتوفى سنة 508.
  8. [8] عبد السلام بن محمد الجبائي (أبو هاشم) من شيوخ المعتزلة، ولد سنة 277هـ وتوفي سنة 321هـ. معجم المؤلفين: 5/ 230.
  9. [9] هذا البيت من أبيات قالها الإمام الشافعي، راجع طبقات الشافعية للسبكي 1/ 294.
  10. [10] محمد بن عمر الطبرستاني الرازي (فخر الدين) فقيه مفسر ولد سنة 543هـ وتوفي سنة 606هـ معجم المؤلفين: 11/ 79.
  11. [11] لا عقلي، والمعتبر في الفساد هو اللزوم العقلي، ويقال له الذهني.

    وهو: كونه بحيث يلزم من تصور المسمى في الذهن تصوره فيه، فيتحقق الانتقال منه إليه كالزوجية للاثنين.

    فوائد في بحث اللازم واللزومية:

    اللازم: هو ما يمتنع انفكاكه عن الشيء.

    واللزوم البين: هو الذي يكفي تصوره مع تصور ملزومه في جزم العقل باللزوم بينهما.

    ولازم الوجود: ما يمتنع انفكاكه عن الماهية مع عارض مخصوص.

  12. [12] العبارة والإشارة هما قسمان من أربعة أقسام النظم باعتبار المعنى: عبارة النص – إشارته – دلالته – اقتضاؤه. وكل قسم منها أقوى من الذي يليه.
  13. [13] من ص49 إلى ص57.