تعريف علم التوحيد وموضوعه، اتصاف الله بالوحدانية ولا شيء مثله، دليل برهان التمانع، دلالة الآية قطعية وحجة، العامة والخاصة مكلفة بالتصديق بوجود الصانع

صفحة 47

تعريف علم التوحيد وموضوعه، اتصاف الله بالوحدانية ولا شيء مثله، دليل برهان التمانع، دلالة الآية قطعية وحجة، العامة والخاصة مكلفة بالتصديق بوجود الصانع

علم التوحيد: هو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية.

وموضوعه: المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية لأنه يبحث في هذا العلم عن أحوال الصانع من الوجود والقدم لاعتقاد ثبوتها.

وغايته أن يصير الإيمان والتصديق بالأحكام الشرعية محكماً.

وغايته العظمى: الفوز بسعادة الدارين؛ الدنيا بالأمان، والأخرى بالفوز بالجنان والنجاة من النيران المعدة لأهل الكفر والطغيان.

(قال الإمام) الأعظم (وبه) أي بقوله (قال) صاحباه (الإمامان المذكوران) آنفاً (رحمهما الله تعالى، نقول في توحيد الله تعالى معتقدين) حال من فاعل نقول، والاعتقاد هو الحكم الجازم الذي لا يقبل التشكيك وهو (بتوفيق) من (الله تعالى) لنا لا بحولنا ولا بقوتنا، والتوفيقُ لغة: التسديد، واصطلاحاً: جعل الله تعالى فعل عباده موافقاً لما يحبه ويرضاه. كذا قاله السيد[1] وقوله: (إن الله تعالى) إلى آخر الكتاب مقول لقول الإمام (نقول) وهو ومقوله مقول لقول المصنف (قال الإمام) (واحد) لا من طريق العدد، بل من طريق أنه (لا شريك له) في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. والوحدانية صفة سلبية تقال على ثلاثة أنواع:

الأول: الوحدة في الذات، والمراد بها انتفاء الكثر عن ذاته تعالى، بمعنى عدم قبولها الانقسام.

والثاني: الوحدة في الصفات، والمراد بها انتفاء النظير له تعالى في كل صفة من صفاته، فيمتنع أن يكون له تعالى علوم وقدرات متكثرة بحسب المعلومات والمقدورات، بل علمه تعالى واحد، ومعلوماته كثيرة، وقدرته واحدة، ومقدوراته كثيرة، وعلى هذا جميع صفاته.

صفحة 48

والثالث: الوحدة في الأفعال، والمراد بها انفراده تعالى باختراع جميع الكائنات عموماً، وامتناع إسناد التأثير لغيره تعالى في شيء من الممكنات أصلاً. كذا في شرح الطريقة.

(ولا شيء مثله) تأكيد لصفة الوحدة إذ لو كان له مثل لم يكن واحداً ولزم منه إما حدوث القديم أو قدوم الحادث ضرورة أن حد المثلين أن يسد أحدهما مسد الآخر، وأن لا يختص أحدهما بصفة دون الآخر، وإلا لم يكن مثلاً، وأين الباطل من الحق؟! والمخلوق ممن له الأمر والخلق، والزائل من الأزلي، والفاني من السرمدي إنما يقع الإشكال في أوصاف من له أشكال، وإنما تضرب الأمثال لمن له أمثال، وأما من انفرد بالعظمة والجلال فما للعقل في إدراكه مجال، فسبحانه وتعالى من إله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير المتعال. كذا في شرح الجوهرة لبعض العارفين، ثم أكد ذلك بقوله (ولا شيء يعجزه) عن فعل ممكن ما وجوداً وعدماً، والعجز صفة لا يتأتى معها إيجاد شيء ولا إعدامه، وهو أمر وجودي على مذهب أهل السنة يضاد القدرة. كذا في شرح السنوسية[2] للهدهدي. (ولا إله) في الوجود (غيره) بدليل برهان التمانع[3] المشار إليه بقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] {وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون: 91] وقد انتفى الفساد ووجد الصلاح، فظهرت الوحدة لأهل الفلاح. وإنما قلت المشار إليه بقوله تعالى لما ذكر العلامة المحقق

صفحة 49

الزاهد علاء[4] الدين محمد بن محمد البخاري الحنفي تلميذ المولى سعد[5] الدين التفتازاني قدس الله سرهما في ضمن جواب[6] انتصر به لشيخه عما شنع عليه بعض معاصريه بقوله في شرح العقائد: إن الآية حجة إقناعية والملازمة عادية، والمعتبر في البرهان الملازمة العقلية، واستند هذا المعاصر في تشنيعه إلى أن صاحب التبصرة[7] كَفَّرَ أبا هاشم[8] بقدحه بدلالة الآية، رأيت أن أسوقه بلفظه لاشتماله على فوائد، قال رحمه الله تعالى: الإفاضة في الجواب على وجه يرشد إلى الصواب يتوقف على ما أورده الإمام حجة الإسلام رضي الله عنه وحاصله: أن الأدلة على وجود الصانع وتوحيده تجري مجرى الأدوية التي يعالج بها القلب، والطبيب إذا لم يكن حاذقاً مستعملاً للأدوية على قدر قوة الطبيعة وضعفها كان إفساده أكثر من إصلاحه، كذلك الإرشاد بالأدلة إلى الهداية إذا لم يكن على قدر إدراك العقول كان الإفساد للعقائد بالأدلة أكثر من إصلاحها، وحينئذ يجب أن لا يكون طريق الإرشاد لكل أحد على وتيرة واحدة، فالمؤمن المصدق سماعاً أو تقليداً لا ينبغي أن تُحرك عقيدته بتحرير الأدلة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطالب العرب في مخاطبته إياهم بأكثر من التصديق، ولم يفرق بين أن يكون ذلك بإيمان وعقد تقليدي، أو بيقين برهاني، والجافي الغليظ الضعيف العقل الجامد على التقليد المصر على الباطل لا تنفع معه الحجة والبرهان وإنما ينفع معه السيف والسنان، والشاكون الذين

صفحة 50

فيهم نوع ذكاء ولا تصل عقولهم إلى فهم البرهان العقلي المفيد للقطع واليقين ينبغي أن يتلطف في معالجتهم بما أمكن من الكلام المقنع المقبول عنده لا بالأدلة اليقينية البرهانية لقصور عقولهم عن إدراكها، لأن الاهتداء بنور العقل المجرد عن الأمور العادية لا يخص الله تعالى به إلا الآحاد من عباده، والغالب على الخلق القصور والجهل، فهم لقصورهم لا يدركون براهين العقول، كما لا تدرك أنوار الشمس أبصار الخفافيش، بل تضرهم الأدلة العقلية البرهانية كما تضر رياح الورد للجعل وفي مثل هذا قيل:[9]

وَمَنْ مَنَحَ الجهالَ علماً أضاعَهُ … ومن منع المستوجبينَ فقد ظَلَمْ

وأما الفطن الذي لا يقنعه الكلام الخطابي فيجب المحاجة معه بالدليل القطعي البرهاني.

إذا تمهد هذا فنقول: لا يخفى أن التكليف بالتصديق بوجود الصانع وبتوحيده يشمل الكافة من العامة والخاصة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بالدعوة للناس أجمعين، وبالحاجة مع المشركين الذين عامتهم من إدراك الأدلة القطعية البرهانية قاصرون، ولا يجدي معهم إلا الأدلة الخطابية المبنية على الأمور العادية والمقبولة التي ألفوها وحسبوا أنها قطعية، وأن القرآن العظيم مشتمل على الأدلة العقلية القطعية البرهانية التي لا يعقلها إلا العالمون، وقليل ما هم بطريق الإشارة على ما بينه الرازي[10] في عدة آيات من القرآن، وعلى الأدلة الخطابية النافعة مع العامة لوصول عقولهم إلى إدراكها بطريق العبارة، تكميلاً للحجة على الخاصة والعامة على ما يشير بذلك قوله تعالى: {وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 59] وقد اشتمل عليهما عبارة وإشارة قوله تعالى: {لَوْ كَانَ

صفحة 51

فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]. أما الدليل الخطابي المدلول عليه بطريق العبارة فهو لزوم فساد السماوات والأرض بخروجهما عن النظام المحسوس عند تعدد الآلهة، ولا يخفى أن لوزم فسادهما إنما يكون على تقدير لزوم الاختلاف، ومن البين أن الاختلاف ليس بلازم قطعاً لإمكان الاتفاق فلزوم الفساد لزوم عادي،[11] وقد أشار إليه الإمام الرازي حيث قال: أجرى الله تعالى الممكن مجرى الواقع بناء على الظاهر ولا يخفى على ذوي العقول السليمة أن ما لا يكون في نفس الأمر لازماً وقطعياً لا يصير بجعل الجاعل وتسميته إياه برهاناً دليلاً قطعياً زعماً أن تسميته برهاناً قطعياً صلابة في الدين ونصرة للإسلام والمسلمين هيهات هيهات فإن ذلك مدرجة لطعن الطاعنين، ونصرة التدين لا تحتاج إلى ادعاء ما ليس بقطعي قطعياً لاشتمال القرآن على الأدلة القطعية العقلية التي لا يعقلها إلا العالمون بطريق الإشارة[12] النافعة للخاصة، وعلى الأدلة الخطابية النافعة للعامة بطريق العبارة، وأما البرهان العقلي القطعي المدلول عليه بطريق الإشارة فهو برهان التمانع القطعي بإجماع المتكلمين المستلزم لكون مقدور بين قادرين، ولعجزهما أو عجز أحدهما على ما بُين في علم الكلام، وكلاهما محالان عقلاً على ما بين فيه أيضاً، لا التمانع الذي تدل عليه الآية بطريق

صفحة 52

العبارة بل التمانع قد يكون برهانياً وقد يكون خطابياً ولا ينبغي أن يتوهم أن كل تمانع عند المتكلمين برهان، وقطعية لزوم الفساد المدلول عليه بالإشارة لا ينافي خطابية لزوم الفساد المدلول عليه بالعبارة لأن الفساد المدلول عليه بالإشارة هو كون مقدور بين قادرين وعجز الإلهين المفروضين أو عجز أحدهما والفساد المدلول عليه بالعبارة هو خروج السماوات والأرض عن النظام المحسوس، فأين أحدهما عن الآخر، وحينئذ لا ينبغي أن يتوهم أنه يلزم من انتفاء جواز الاتفاق على تقدير الفساد المدلول عليه بطريق الإشارة بناء على أنه يستلزم امتناع تعدد الآلهة عقلاً، فيلزم منه انتفاء جواز الاتفاق لأنه فرع إمكان التعدد وانتفاء جواز الاتفاق على طريق الفساد المدلول عليه بطريق العبارة لعدم استلزامه امتناع التعدد عقلاً، وإنما يستلزمه عادة، والاستلزام العادي لا ينافي عدم الاستلزام العقلي فليتأمل، ثم ذكر بقية الجواب وضمنه التعجب من تكفير صاحب التبصرة لمن قال: إن دلالة الآية ظنية ونحو ذلك كذا نقله في شرح المسايرة.[13]

  1. [1] التعريفات 61.
  2. [2] ص132 مخطوط بحاشية حسن النماري والعبارة قريبة منها وهي من مخطوطات محمد رياض المالح.
  3. [3] (أنه لو أمكن إلهان لأمكن بينهما تمانع بأن يريد أحدهما سكون زيد والآخر حركته، لأن كلاً منهما أمر ممكن، وكذا تعلق الإرادة بكل منهما ممكن في نفسه أيضاً إذ لا تضاد بين الإرادتين، بل بين المرادين، فهو إما أن يجعل الأمران متحققين فيجتمع الضدان، أو لا، فيلزم عجز أحدهما وهو أمارة الحدوث والإمكان لما فيه من شائبة الاحتياج، فالتعدد مستلزم لإمكان التمانع المستلزم للمحال فكان محالاً وهذا تفصيل ما يقال: إن أحدهما إن لم يقدر على مخالفة الآخر لزم عجزه، وإن قدر لزم عجز الآخر) اهـ. تحفة الأعالي على ضوء المعالي. والبيجوري على الجوهرة.
  4. [4] محمد بن محمد البخاري (علاء الدين) عالم مشارك في العلوم، ولد سنة 779 توفي سنة 841هـ – معجم المؤلفين: 11/ 294.
  5. [5] مسعود بن عمر التفتازاني (سعد الدين) عالم مشارك في العلوم، ولد سنة 712هـ وتوفي سنة 791هـ، له تصانيف كثيرة. معجم المؤلفين: 12/ 228.
  6. [6] العبارة برمتها في شرح المسايرة 49.
  7. [7] تبصرة الأدلة للنسفي المتوفى سنة 508.
  8. [8] عبد السلام بن محمد الجبائي (أبو هاشم) من شيوخ المعتزلة، ولد سنة 277هـ وتوفي سنة 321هـ. معجم المؤلفين: 5/ 230.
  9. [9] هذا البيت من أبيات قالها الإمام الشافعي، راجع طبقات الشافعية للسبكي 1/ 294.
  10. [10] محمد بن عمر الطبرستاني الرازي (فخر الدين) فقيه مفسر ولد سنة 543هـ وتوفي سنة 606هـ معجم المؤلفين: 11/ 79.
  11. [11] لا عقلي، والمعتبر في الفساد هو اللزوم العقلي، ويقال له الذهني.

    وهو: كونه بحيث يلزم من تصور المسمى في الذهن تصوره فيه، فيتحقق الانتقال منه إليه كالزوجية للاثنين.

    فوائد في بحث اللازم واللزومية:

    اللازم: هو ما يمتنع انفكاكه عن الشيء.

    واللزوم البين: هو الذي يكفي تصوره مع تصور ملزومه في جزم العقل باللزوم بينهما.

    ولازم الوجود: ما يمتنع انفكاكه عن الماهية مع عارض مخصوص.

  12. [12] العبارة والإشارة هما قسمان من أربعة أقسام النظم باعتبار المعنى: عبارة النص – إشارته – دلالته – اقتضاؤه. وكل قسم منها أقوى من الذي يليه.
  13. [13] من ص49 إلى ص57.
صفحة 52

الله قديم لا يفنى ولا يبيد، صفة الإرادة، قصر الأوهام والأفهام عن إدراك الله عز وجل، صفات الله من الحياة والقيومية والخلق والرزق والأمانة

(قديم) قدماً ذاتياً (بلا ابتداء) أي ليس مسبوقاً بعدم وإلا لزم الدور أو التسلسل[1] وكلاهما محال كما هو مقرر، وخرج بقيد الذاتي القدم الزماني كأمس بالنسبة لليوم والإضافي كالأب بالنسبة لولده، والقدم صفة سلبية أخص من الأزل لأن القديم موجود لا أول له، والأزلي ما لا أول له أعم من أن يكون وجودياً كذات مولانا عز وجل أو عدمياً كعدمنا الأزلي. (دائم) أي بَاقٍ (بلا انتهاء) أي ليس ملحوقاً بعدم، المعبر عنه بامتناع طروء العدم على وجوده تعالى، لأن من ثبت قدمه استحال عدمه، والبقاء صفة سلبية أيضاً وقد أردفها على طريق التفسير والتأكيد بقوله (لا يفنى) أي لا يزول بقاؤه، يقال: فني الميت إذا زال وذهب أثره. مختار.

صفحة 53

(ولا يبيد) أي لا ينقطع بقاؤه، يقال: بادت القبيلة: إذا انقطعت. مختار. (ولا يكون) أي لا يوجد في ملكه (إلا ما) يشاء و(يريد) والإرادة: صفة أزلية قائمة بذاته تعالى تخصص كل ممكن ببعض ما يجوز عليه. قال اللقاني:[2] واعلم أن الخلاف في معنى إرادته تعالى كثير والقول في تفصيله شهير مع اتفاق المتكلمين والحكماء وجميع الفرق على القول بأنه تعالى مريد، فعند الجبَّائية[3] هي صفة زائدة قائمة لا بمحل، وعند الكرَّامية:[4] صفة حادثة قائمة بالذات، وعند ضرار:[5] نفس الذات، وعند محققي المعتزلة: هي العلم بما في الفعل من المصلحة، وعند الحكماء والفلاسفة: هي العلم بالنظام الأكمل، والحق عندنا كما قاله السعد: إنها صفة شأنها التخصيص قديمة زائدة، قائمة به على ما هو شأن سائر الصفات الحقيقية، لأن تخصيص بعض الأضداد بالوقوع دون البعض، وفي بعض الأوقات دون البعض مع استواء نسبة الذات إلى الكل لا بد أن يكون لصفة شأنها التخصيص لامتناع التخصيص بلا مخصص، وامتناع احتياج الواجب في فاعليته إلى أمر منفصل. انتهى.

تنبيهان: الأول: الإرادة والمشيئة واحدة عندنا في حق الله تعالى أما في جانب العباد فيفترقان حتى لو قال لامرأته: أردت طلاقك لا تطلق ولو قال: شئت طلاقك يقع لأن الإرادة مشتقة من التردد وهو الطلب، والمشيئة عبارة عن الإيجاد فكأنه قال: أوجدت طلاقك وبه يقع الطلاق كذا ذكروه.

قال القونوي: وفيه نظر إذ لو كان كذلك لما احتيج إلى النية، والحاصل أن

صفحة 54

المشيئة عبارة عن الإرادة التامة التي لا يتخلف عنها الفعل والإرادة تطلق على التامة وعلى غير التامة.

فالأولى: هي المرادة في جانب الله تعالى، والثانية: في جانب العباد. اهـ.

الثاني: قال اللقاني: مذهب أهل الحق أن كل ما أراده الله تعالى فهو كائن، وكل كائن فهو مراد له تعالى، وإن لم يكن مرضياً له ولا مأموراً به، وهذا ما اشتهر عن السلف ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وخالفت المعتزلة في الأصلين. اهـ.

(لا تبلغه الأوهام) جمع وهم وهو قوة جسمانية للإنسان محلها آخر التجويف الأوسط من الدماغ، من شأنها إدراك المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوسات كشجاعة زيد وسخاوته، قاله السيد.[6] (ولا تدركه الأفهام) جمع فهم: وهو تصور المعنى من اللفظ، فكل ما تخيل في الوهم أو تصور في الفهم فالله سبحانه وتعالى بخلافه، وهو سبحانه وتعالى خالق التخيل في الوهم والتصور في الفهم ومنشؤه وسوسة الشيطان،[7] وكراهته علامة محض الإيمان. (ولا تشبهه الأنام) أي المخلوقات وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، وهو كالذي قبله من قوله: لا تبلغه الأوهام، عبارة عن صفة من صفاته السلبية، وهي مخالفته تعالى للحوادث، وهي المتصفة بالوجود خارجاً أو ذهناً فلا يماثله سبحانه وتعالى شيء، لا في الذات ولا في الصفات ولا في الأفعال، فليست ذاته بجسم، ولا جوهر، كما أنها

صفحة 55

ليست بعرض، وصفاته ليست حادثة، وأفعاله ليست معلولة ولا مكتسبة.

(حي) أي موصوف بصفة الحياة وهي صفة أزلية قائمة بذاته تعالى لا تتعلق بشيء، وهي شرط عقلي لسائر الصفات كما أن الوجود شرط لها، واعلم أن المصنف قد أعرض عن بحث الوجود واكتفى بما هو ظاهر في مقام الشهود ففي التنزيل: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية [إبراهيم: 10]، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25]، فوجود الحق ثابت في فطرة الخلق كما يشير إليه قوله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30]، ويومئ إليه حديث: (كل مولود على الفطرة)[8] وإنما جاء الأنبياء عليهم السلام لبيان التوحيد، وتبيان التفريد، ولذا أطبقت كلمتهم واجتمعت حجتهم على كلمة التوحيد بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ولم يأمروا أهل ملتهم بأن يقولوا: الله موجود بل قصدوا إظهار أن غيره ليس بمعبود، رداً لما توهموا وتخيلوا حيث قالوا: {هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ} [يونس: 18]، {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ} [الزمر: 3]، على أن التوحيد يفيد الوجود مع مزيد التأييد، ولذا صدر عقيدته بشهادة التوحيد.

وكما أن حياته أزلية فهي أبدية كما نص عليها بقوله: (لا يموت) أي أبداً، إذ من ثبت قدمه استحال عدمه، (قيوم)[9] أي قائم بنفسه وذاته وهي عبارة عن استغنائه تعالى عن المحل والمخصص،[10] تعالى الله عنهما. وتعبير المصنف بصيغة المبالغة للإشارة بأنه قائم بنفسه، المقيم لغيره بالتدبير والحفظ، ثم أكد ذلك

صفحة 56

بقوله: (لا ينام) أي لا يأخذه ما يأخذ الحيوانات من آفة النوم، وهي حالة تعرض للحيوان عن استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة بحيث تقف المشاعر الظاهرة عن الإحساس رأسياً. قال السيد: والله تعالى منزه عن ذلك، إذ من يعتريه ذلك غير تام الحياة، ناقص الحفظ والقيام، فكيف وهو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم.

(خالق) لجميع خلقه (بلا حاجة) إليهم (رازق لهم) فضلاً منه (بلا) تحمل كلفة (مؤنة) تثقله (مميت) لهم عند انقضاء آجالهم (بلا مخافة) ترهبه (باعث) لهم عند إرادة بعثهم (بلا مشقة) تلحقه لأن كلاً من الحاجة والمؤنة والمخافة والمشقة ونحوها من سمات النقص والله سبحانه وتعالى منزه عنه.

(ما زال) سبحانه وتعالى (بصفاته) أي معها (قديماً) من (قبل خلقه) الخلق (لم يزدد بكونهم) أي بسبب وجودهم (شيئاً لم يكن قبلهم) أي قبل وجودهم (من صفاته) متعلق بمحذوف صفة لشيء، أي لم يزدد بوجودهم شيئاً من صفاته لم يكن قبل وجودهم، إذ لو استفاد صفة لم يكن موصوفاً بها في الأزل لكان إذ ذاك ناقصاً تعالى الله عن ذلك. (وكما كان) سبحانه وتعالى (بصفاته) قديماً (أزلياً كذلك لا يزال عليها أبدياً) سرمدياً.

(ليس منذ خلق الخلق) وأوجدهم (استفاد اسم الخالق ولا بإحداثه البرية) أي الخلق (استفاد اسم البارئ) بل هو سبحانه موصوف وثابت (له معنى الربوبية ولا) إذ ذاك (مربوب) موجود. (و) له (معنى الخالقية ولا) إذ ذاك (مخلوق) موجود (وكما أنه) سبحانه وتعالى يوصف بأنه (محيي الموتى بعدما أحياهم) أي بعد إحيائهم وقد (استحق هذا الاسم) الآن والحال أنه (قبل إحيائهم كذلك استحق اسم الخالق قبل)

صفحة 57

خلقهم و(إنشائهم) و(ذلك بأنه) أي بسبب أنه (على كل شيء قدير وكل شيء إليه فقير وكل أمر عليه يسير).

  1. [1] الدور: هو توقف وجود كل من الشيئين على وجود الآخر.

    والتسلسل: توقف وجود شيء على ما لا نهاية له، أو هو ترتب أمور وتعاقبها في جانب الأزل لا نهاية لها، وكلاهما محال عقلاً. اهـ ملخصاً من الحصون الحميدية.

  2. [2] إبراهيم بن إبراهيم اللقاني المالكي توفي سنة 1041هـ – معجم المؤلفين: 1/ 2.
  3. [3] فرقة من معتزلة البصرة، نسبة للجبائي، تقدمت ترجمته – التعريفات: 65.
  4. [4] نسبة إلى محمد بن كرام السجستاني من المجسمة، له ضلالات كثيرة منها أنه كان يسمي معبوده جسماً – التبصير: 99.
  5. [5] ضرار بن عمرو القاضي: معتزلي – ميزان الاعتدال: 2/ 328.
  6. [6] التعريفات: 228.
  7. [7] جاء في هامش الأصول الثلاثة: أخرج الإمام مسلم في الصحيح عن أبي هريرة قال: جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: (وقد وجدتموه؟)، قالوا: نعم، قال: (ذاك صريح الإيمان)، وأخرج فيه أيضاً عن عبد الله (أي ابن مسعود) قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة فقال: (تلك محض الإيمان) ذكره الشيخ محمد البيطار مصرحاً باسمه في حاشية النسخة م، وهو في صحيح مسلم: ج1 ص82 طبة الأستانة.
  8. [8] الحديث: (كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير عن الأسود بن سريع – الفتح الكبير: 2/ 229.
  9. [9] وهو اسم من أسمائه الحسنى، ويدل على الأزلية والأبدية ما لا يدل عليه لفظة القديم… وهو معنى كونه واجب الوجود. اهـ. شرح الفقه الأكبر.
  10. [10] ويعبر ذلك عند علماء التوحيد بالصفات السلبية الخمس.
صفحة 57

مسألة التكوين، نفي المثلية لله عز وجل، مشيئة الله تنفذ، دائرة الرحمة ودائرة الحكمة

واعلم أنه قد اشتهر الخلافُ في صفات الفعل من الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحو ذلك[1] المعبر عنها بالتكوين، فذهب الماتريدية إلى أنها صفات قديمة، بدليل أن البارئ تعالى مكونُ الأشياء ومنشئُها إجماعاً، وكونه تعالى مكون الأشياء بدون صفة التكوين – التي المكونات آثار تحصل عن تعلقها بها – محالٌ ضرورة استحالة وجود الأثر بدون الصفة، التي يحصل بها الأثر كالعالم بلا علم، ولا بد أن تكون صفة التكوين أزلية لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى.

قال في شرح المقاصد: أُسند القول بالتكوين إلى الشيخ أبي منصور الماتريدي[2] وأتباعه، وهم ينسبونه إلى قدمائهم الذين كانوا قبل الشيخ أبي الحسن الأشعري حتى قالوا: إن قول أبي حنيفة والطحاوي [رحمهما الله] له معنى الربوبية ولا مربوب، والخالقية ولا مخلوق إشارة إلى هذا ثم أطبقوا على إثبات أزلية التكوين ومغايرته للقدرة، وكونه غير المكون، وأن أزليته لا تستلزم أزلية المكونات. انتهى.

وذهب الأشاعرة إلى أنها حادثة، لأنها عبارة عن تعلقات القدرة، والتعلقات كلها حادثة، وفي المسايرة[3] للمحقق الكمال ابن الهمام: اختلفت مشايخ الحنفية والأشاعرة في صفات الأفعال، والمراد صفات تدل على تأثير لها أسماء غير اسم القدرة باعتبار أسماء آثارها، والكل يجمعها اسم التكوين، فإن كان ذلك الأثر مخلوقاً فالاسم

صفحة 58

الخالق والصفة الخلق، أو الأثر رزقاً فالاسم الرازق والصفة الترزيق، أو حياة فهو المحيي، أو موتاً فهو المميت، فادعى متأخرو الحنفية من عهد أبي منصور أنها صفات قديمة زائدة على الصفات المتقدمة، وليس في كلام أبي حنيفة [رضي الله عنه] والمتقدمين تصريح بذلك سوى ما أخذوه من قوله: كان تعالى خالقاً قبل أن يخلق، ورازقاً قبل أن يرزق، وذكروا له أوجهاً من الاستدلال.

والأشاعرة يقولون: ليست صفة التكوين على فصولها سوى صفة القدرة باعتبار تعلقها بمتعلّق خاص، فالتخليق القدرة باعتبار تعلقها بالمخلوق، والترزيق تعلقها بإيصال الرزق، وما ذكروه – يعني متأخري الحنفية – في معناه لا ينفي هذا، ولا يوجب كونها صفات أخرى لا ترجح إلى القدرة المتعلقة بما ذكر، ولا يلزم في دليل لهم ذلك، وأما نسبتهم ذلك للمتقدمين ففيه نظر، بل في كلام أبي حنيفة [رضي الله عنه] ما يفيد أن ذلك على ما فهم الأشاعرة من هذه الصفات على ما نقله عنه الطحاوي وساق العبارة المتقدمة في المتن بحروفها ثم قال: فقوله ذلك بأنه على كل شيء قدير تعليل وبيان لاستحقاق اسم الخالق قبل المخلوق، وأفاد أن معنى الخالق والحال لا مخلوق في الأزل لمن له قدرة الخلق في الأزل، وهذا ما يقوله الأشاعرة، والله الموفق. انتهى.

وفي المطالب: وأما صفة التكوين فمذهب أهل الحق رجوعها لتعلقات القدرة والإرادة. اهـ.

(لا يحتاج إلى شيء) ويحتاج إليه كل شيء ({لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}) [الشورى: 11] قال في المصباح:[4] مثل: يستعمل على ثلاثة أوجه: بمعنى الشبيه، وبمعنى نفس الشيء وذاته، وزائدة والجمع أمثال ويوصف به المذكر والمؤنث والجمع، فيقال: هو وهي وهما وهم وهن مثله، وفي التنزيل: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} [المؤمنون: 47] وخرَّج بعضهم على هذا قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} أي ليس كوصفه شيء وقال: هو أولى من القول

صفحة 59

بزيادتها لأنها على خلاف الأصل، وقيل: المعنى ليس كذاته شيء كما يقال: مثلك من يعرف الجميل ومثلك لا يفعل كذا، أي أنت تكون كذا، وعليه قوله تعالى: {كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنعام: 122]، أي كمن هو في الظلمات، ومثال الزيادة: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ} [البقرة: 137]، قال ابن جني[5] في الخصائص: قولهم: مثلك لا يفعل كذا، قالوا: مثلُ زائدةٌ، أي أنت لا تفعل كذا، قال: وإن كان المعنى كذلك إلا أنه على غير هذا التأويل الذي رواه من زيادة مثل، وإنما تأويله: أنت من جماعة شأنُهم كذا ليكون أثبت للأمر إذا كان له فيه أشباه وأضراب، ولو انفرد هو به لكان انتقاله عنه غير مأمون، وإذا كان له فيه أشباه كان أحرى بالثبوت والدوام عليه، قوله: ومثلي لا تنبو عليك مضاربه.[6] انتهى.

وتأويل ليس كمثله شيء، على مقتضى تفسير المِثل في النفس والذات واضح، إذ ليس كذاته ذات، ولا كصفاته صفات، إذ المعنى: ليس كهو شيء، وكذلك على القول بزيادة مثل، وأما على تأويلها بالشبيه فيكون على سبيل الفرض والتقدير، والمعنى لو فرض أن له مِثْلاً وشبيهاً – تعالى وتقدس – لكان ليس كمثله شيءٌ ولا شبيهٌ كما قال تعالى: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف: 81]، يعني لو فرض وقدر ولكنه لا يجوز فَرض ذلك ولا تقديره. وعلى تفسير المثل بالذات اللازم منه بقاء الكاف على وضعها غير زائدة، جرى البيضاوي في التفسير مُصَدِّراً به كلامه، ثم قرر معنى لزيادتها بعده، وأوضح مرادَه القاضي زكريا[7] في حاشيته بما نقله عن السعد

صفحة 60

التفتازاني وهو أنه – أعني التفتازاني – قال: إن قولنا ليس كذاته شيء، وقولَنا: ليس كمثله شيء، عبارتان في معنى واحد، هو أن المماثلة منفية عمن يكون مثله وعلى صفته، فكيف عن نفسه؟ وهذا لا يستلزم وجود المثل، ألا ترى أن قولهم: مثل الأمير لا يفعل كذا ليس اعترافاً بوجود المثل له فالمعنى: أن مثل مثله تعالى منفي فكيف بمثله؟! وأيضاً مثل المثل مثل فيلزم من نفيه نفيهما. كذا في شرح الشيبانية للشيخ علوان.[8]

ورأيت بخط بعض الفضلاء معزواً للشيخ الأكبر[9] قدس سره: من فهم معنى قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} لم يفكر قط في كنه ذات الحق أبداً، وما رأيت أحداً ممن يدعي أنه من فحول العلماء من أصناف النُّظَّارِ إلا وقد تكلم في ذات الله تعالى بفكره زاعمين أنهم ينزهونه حتى وقع في ذلك أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى لكنه رجع عن ذلك قبل موته، وكان من فضل الله علي أن حفظني من التفكر في ذاته، فلم أعرفه تعالى إلا من قوله وخبره وشهوده فبقي الفكر مني معطلاً في هذه الحضرة، فشكرني فكري على ذلك وقال: الحمد لله الذي عصمني بك عن التصرف والتعب فيما لا ينبغي لي أن أتصرف فيه، وكان ذلك من مبايعة سابقة، فإني كنت قد بايعت فكري أن لا يتعب في التفكر في ذات الله تعالى، وأن يصرفَ تعبه في الأغيار، فبايعني على ذلك، فلله الحمد على صرفه في الشغل الذي خلق له. اهـ.

(خلق الخلق) بقدرته عند تعلق إرادته حسبما تعلق (بعلمه) في سابقته (و) كذلك (قدر لهم أقداراً) من خير أو شر (وضرب لهم آجالاً) لاستيفاء ما لهم من رزق وعمر، فلا يأكل أحد رزق غيرِه، ولا يموت إلا بأجله وسببه، وفي

صفحة 61

هذا رد على المعتزلة القائلين: إن الحرام ليس رزقاً، والمقتول منقوص من أجله، بناء على أصلهم الفاسد، وقد قال تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]، وقد عُرف في الخَلق من لم يأكل غيرَ الحرام قط، فلو لم يكن الحرام رزقاً لزم الخُلف في الآية وقال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34]، {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [نوح: 4]، مع أن القتل فعل القاتل قائم به والموت قائم بالميت، يخلقه الله تعالى عقب فعل الفاعل. كذا ذكر الملا إلياس.[10]

(لم يخف عليه شيء من أفعالهم) من (قبل أن خلقهم) بل (وعلم ما هم عاملون) من (قبل أن يخلقهم) والعلم[11] صفة من صفاته الذاتية وهي صفة أزلية ينكشف بها المعلومات عند تعلقها بها، فالله تعالى عالم بجميع الموجودات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض والسماوات، بل أحاط بكل شيء علماً من الجزئيات والكليات والموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، فهو بكل شيء عليم من الذوات والصفات.

(و) قد (أمرهم بطاعته) ووعدهم عليها برحمته (ونهاهم عن معصيته) وتوعدهم على انتهاكها بعقوبته.

(وكل شيء يجري) في الكون إنما هو (بقدرته ومشيئته) كما قال تعالى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16]، {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2]، {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، (ومشيئته تنفذ) حكم ما شاء وأراد (ولا مشيئة للعباد إلا) حيث وافقت

صفحة 62

(ما شاء) الله (لهم) وأراد (فما شاء لهم كان) أي وُجد (وما لم يشأ) لهم (لم يكن) لم يوجد، أي ما تعلقت المشيئة وهي الإرادة الإلهية بوجوده يوجد لتعلق العلم بوجوده، وما لم تتعلق المشيئة بوجوده لا يوجد، لتعلق العلم بعدم وجوده، وفي هذا رد على المعتزلة القائلين: إنما يريد الله من أفعال العباد ما كان طاعة، والمعاصي والقبائح واقعة بإرادة العبد على خلاف إرادة الله تعالى وقد قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} [الدهر: 30]، وهم قد شاؤوا المعاصي فكانت بمشيئة الله تعالى بهذا النص.

وهو سبحانه (يهدي) إلى الخير (من يشاء) هدايته، قال الإمام الرازي في التفسير الكبير: الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب أوصل إليه بالفعل أولاً فإنها مستعملة في كلا المعنيين كما في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56]، وقوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} [فصلت: 17] لكن الاستعمال في معنى الدلالة الموصلة أكثر، ولهذا عرفها المتقدمون من مشايخ أهل السنة بخلق الاهتداء. اهـ. وفي الكشاف: هي الدلالة الموصلة إلى المطلوب. واعترض عليه الرازي ودفع بعضهم اعتراضاته وبعضهم دفع دفعها لم أر في إيرادها جدوى لكونها مدافعة، ودعوى (ويعصم) من يشاء عصمته وهي ملكة تحمل صاحبها على اجتناب المعاصي مع التمكن منها قاله السيد،[12] (ويعافي) أي يدفع عن (من يشاء) عافيته. وهي دفاع الله تعالى عن العبد. مختار (فضلاً) منه ومنة (ويضل من يشاء) إضلالَه وهو ضد الرشاد (ويخذُل) بضم الذال يترك نصرته وعونه (ويبتلي) بالشر من يشاء خذلانه وابتلاءه (عدلاً) منه ونقمة. قال العارف السيد عبد الله[13] الحداد في حكمه: الخلق مع الحق لا يخلو أحد منهم أن يكون في إحدى الدائرتين، إما في دائرة الرحمة أو في دائرة الحكمة،

صفحة 63

فمن كان اليوم في دائرة الرحمة كان غَداً في دائرة الفضل، ومن كان اليوم في دائرة الحكمة كان غداً في دائرة العدل. اهـ. قال شارحها: وَحَلَّ هذا المقام أن الله تعالى كان موصوفاً في الأزل بأوصاف الرحمة، كالجود والكرم والرأفة واللطف والإحسان، وموصوفاً بصفات النقمة، كالقهر والإضلال والانتقام، فقسم خلقه بإرادته قسمين، فمنهم من قسم لهم أن يكونوا مظاهر أوصاف الرحمة في الأغلب، وإن كانوا لا يخلون عن الحكمة والعدل، ومنهم من قسم لهم أن يكونوا مظاهر صفات النقمة المشتملة على الحكمة في الأغلب، وإن كانوا لا يخلون عن الرحمة والفضل، ثم أخرجهم من العدم إلى فضاء الوجود فسهل لكل ما قسم له، ثم إذا أوردهم في مورد القيامة جعل أهل دائرة الرحمة بفضله في آلاء لا تحصى، وجعل أهل دائرة الحكمة بعدله في بلايا لا تقصى، فمن وفقه اله للخير فلا يحمدون إلا إياه، ومن ابتلي بالضير فلا يلومن إلا نفسه. اهـ.

(وهو) سبحانه وتعالى (متعال) أي مرتفع ومتنزه (عن الأضداد) جمع ضد وهو النظير والكفء. مصباح. (والأنداد) جمع ند بالكسر: المثل. مصباح. (لا راد لقضائه) المبرم (ولا معقب لحكمه) المحكم، أي لا يتعقبه أحد بتغيير ولا نقض، يقال: عقَّب الحاكم على حكم من كان قبله إذا حكم بعد حكمه بخلافه، أي لا راد لما أبرمه من قضائه ولا ناقض لما حكم به لأنه القاهر فوق عباده، (ولا غالبَ لأمره) وهو العزيز الحكيم، (آمنا بذلك) القضاء المقدور (كله) خيره وشره، حلوه ومره، (وأيقنا أنّ كلاً) كائن (من عنده) بمشيئته وإرادته.

  1. [1] وتمام السبعة هي الإبداع والإحياء والصنع.
  2. [2] محمد بن محمد الماتريدي (أبو منصور) متكلم أصولي، أحد أئمة السنة والجماعة، توفي سنة 323هـ. معجم المؤلفين 11/ 200.
  3. [3] المسايرة 84 وهو محمد بن عبد الواحد الاسكندري المعروف بابن الهمام (كمال الدين) إمام فقيه محدث، ولد سنة 790هـ وتوفي سنة 861هـ – معجم المؤلفين: 10/ 264.
  4. [4] المصباح المنير 2/ 98 بولاق.
  5. [5] عثمان بن جني الموصلي (أبو الفتح) أديب نحوي مشارك في العلوم، ولد سنة 230هـ وتوفي سنة 312هـ، له تصانيف كثيرة – معجم المؤلفين: 6/ 25.
  6. [6] القائل هو البحتري بن المغير أخي المهلب وهو يخاطب المهلب، والبيت بتمامه:

    أنا السيفُ إلا أنّ للسيف نبوةً … ومثلي لا تنبو عليك مضاربُه

  7. [7] زكريا بن محمد الأنصاري الشافعي (زين الدين) عالم مشارك في العلوم، شيخ الإسلام في عصره، ولد سنة 826هـ، وتوفي سنة 926هـ، له تصانيف كثيرة – معجم المؤلفين: 4/ 182.
  8. [8] علي بن عطية الحداد الحموي، الملقب بعلوان: فقيه صوفي، توفي سنة 936هـ – الأعلام: 5/ 128.
  9. [9] محمد بن علي الطائي الأندلسي المعروف بابن عربي (محيي الدين، الشيخ الأكبر) إمام مجتهد، شيخ عصره على الإطلاق، له تصانيف كثيرة جاوزت الأربعة آلاف، ولد سنة 560هـ وتوفي سنة 638هـ. معجم المؤلفين: 11/ 40، مجلة المجمع العلمي العربي المجلد 29.
  10. [10] إلياس بن إبراهيم الكردي الشافعي، صوفي فقيه، ولد سنة 1047هـ وتوفي سنة 1138هـ، وهو من مشايخ العارف النابلسي – معجم المؤلفين 2/ 330.
  11. [11] وهو من صفات المعاني السبع، ويتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات في حقه سبحانه وتعالى.
  12. [12] التعريفات 131.
  13. [13] عبد الله بن علوي الحداد، الحسيني، اليمني، واعظ، أديب، شاعر، ولد سنة 1044 توفي سنة 1132هـ، له مؤلفات كثيرة – معجم المؤلفين: 6/ 85.
شرح العقيدة الطحاوية للميداني
تعريف علم التوحيد وموضوعه، اتصاف الله بالوحدانية ولا شيء مثله، دليل برهان التمانع، دلالة الآية قطعية وحجة، العامة والخاصة مكلفة بالتصديق بوجود الصانع
 
Top