المؤمنون كلهم أولياء الرحمن، أكرم المؤمنين أطوعهم لله والإيمان بالله وملائكته ورسله، الإيمان باليوم الآخر وبالبعث وبالقدر، التصديق بجميع ما جاء به الرسل

صفحة 103

المؤمنون كلهم أولياء الرحمن

(والمؤمنون) بالتقوى كما في بعض نسخ المتن (كلهم أولياء الرحمن) جل وعلا، قال تعالى: {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} [الأنفال: 34]. والأولياء جمع ولي بوزن فعيل بمعنى مفعول كقتيل بمعنى مقتول، أو بمعنى فاعل كعليم بمعنى عالم، قال ابن عبد السلام: وكونه بمعنى فاعل أرجح لأن الإنسان لا يُمدح إلا على فعل نفسه وقد مدحهم الله تعالى. اهـ. فعلى الأول يكون الولي من تولى اللهُ عز وجل رعايتَه وحفظَه، فلا يَكِلُهُ إلى نفسه كما قال تعالى: {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196] وعلى الثاني يكون الولي من تولى عبادةَ الله عز وجل وطاعته، فهو يأتي بها على التوالي، آناء الليل وأطراف النهار ويجنح إلى هذا ما عرفه به

صفحة 104

السعد في شرح العقائد حيث قال: هو العارف بالله حسب ما يمكن المواظب على الطاعات المتجنب للمعاصي، المعرضُ عن الانهماك باللذات والشهوات.[1] وإلى الأول ما عرف به السيد الشريف حيث قال:[2] الولاية هي قيام العبد بالحق عند الفناء عن نفسه.

أكرم المؤمنين أطوعهم لله والإيمان بالله وملائكته ورسله

(وأكرمهم) عنده تعالى (أطوعُهم) وأتقاهم له، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] (وأتبعهم للقرآن) قال تعالى: {فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: تكفل الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه بأن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في العقبى، ثم قرأ: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} [طه: 123].

(والإيمانُ) المطلوب من المكلف (هو الإيمان) أي الإقرار[3] مع التصديق والإذعان (بالله) تعالى بأنه موجود بصفاته الواجبة له منزهاً عما يستحيل عليه (وملائكته) بأنهم عباد الله المكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وبأنهم سُفُرُ الله بينه وبين خلقه، يتصرفون فيهم كما أذن، صادقون فيما أخبروا به وأنهم بالغون في الكثرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى، قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: 31] وقال عليه الصلاة والسلام: (أَطَّتِ السماء وحق لها أن تَئِط، ما من موضع قدم إلا وفيه مَلَكٌ ساجداً أو راكعاً).[4]

(وكتبه) بأنها كلام الله تعالى الأزلي القديم المنزه عن الحروف

صفحة 105

والأصوات، وبأنه تعالى أنزلها على بعض رسله بألفاظ حادثة في ألواح أو على لسان ملك، وبأن جميع ما تضمنته حق وصدق. (ورسله) بأنه أرسلهم إلى الخلق لهدايتهم وتكميل معاشهم ومعادهم، وأيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم فبلَّغوا عنه رسالته وبينوا ما أمروا ببيانه، وبأنهم معصومون من الصغائر والكبائر قبل النبوة وبعدها على المختار، بل هو الصواب، وما وقع في قصص يذكرها المفسرون مما يخالف ذلك لا يُعتمد عليه ولا يلتفت إليه، وإن جَلَّ ناقلوه كالبغوي[5] والواحدي،[6] وما جاء في القرآن من إثبات العصيان لآدم، ومن معاتبة جماعةٍ منهم على أمور فعلوها، فهي من باب أن للسيد أن يخاطب عبده بما شاء وأن يعاتبه على خلاف الأولى معاتبةَ غيره على المعصية.

الإيمان باليوم الآخر وبالبعث وبالقدر

(واليوم الآخر) وهو من الموت إلى آخر ما يقع يوم القيامة وصف بذلك لأنه آخر يوم محدود. وقوله (والبعث بعد الموت) إما تأكيد لليوم الآخر، وإما من عطف الخاص على العام (وَالقَدَرِ خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى) أي بأن جميع ما قدَّر الله تعالى في أزليته لا بد من وقوعه، وما لم يقدره يستحيل وقوعه، وبأنه تعالى قدر الخير والشر قبل خلق الخلق، وأن جميع الكائنات بقضائه وقدره وإرادته لقوله تعالى: {خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [الأنعام:

صفحة 106

101]، {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، ولخبر: كل شيء بقدر حتى العجز وَالكَيْس. والكل من شرح الأربعين[7] لابن حجر[8] على حديث جبريل.

التصديق بجميع ما جاء به الرسل

(ونحن مؤمنون بذلك كله ولا نفرق بين أحد من رسله) وكذا كتبه (ونصدقهم كلهم على ما جاؤوا به) من ربهم.

  1. [1] شرح العقائد 175.
  2. [2] التعريفات 227.
  3. [3] وفيه إشارة إلى عدم اشتراط لفظ أشهد كما هو المذهب خلافاً لمن شرطه مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) مع أنه جاء في رواية أخرى: (حتى يقولوا لا إله إلا الله) اهـ. الشيخ محمد البيطار وليس في هامش س و ع هذه العبارة وهي من م.
  4. [4] الحديث (إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ولا تلذذتم بالنساء على الفرشات) ثم ساق الحديث، رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي ذر وفيه إبراهيم بن مهاجر ضعيف ومورق مجهول – المسند 5/ 173.
  5. [5] الحسين بن مسعود البغوي، فقيه محدث مفسر، ولد سنة 436هـ وتوفي سنة 510هـ – الأعلام: 2/ 284.
  6. [6] علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، مفسر نحوي لغوي، له تصانيف، توفي سنة 468هـ – معجم المؤلفين: 7/ 26.
  7. [7] المسمى بالفتح المبين لشرح الأربعين أي النووية لأحمد بن حجر الهيتمي ص72 طبع البابي الحلبي.
  8. [8] هو أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي (شهاب الدين، أبو العباس) فقيه مشارك في أنواع من العلوم، ولد سنة 909 وتوفي سنة 973هـ – معجم المؤلفين: 2/ 152.
شرح العقيدة الطحاوية للميداني
المؤمنون كلهم أولياء الرحمن، أكرم المؤمنين أطوعهم لله والإيمان بالله وملائكته ورسله، الإيمان باليوم الآخر وبالبعث وبالقدر، التصديق بجميع ما جاء به الرسل
 
Top