العلم الموجود والعلم المفقود، وجوب الإيمان باللوح والقلم، سبق علم الله في كل شيء كائن من خلقه أنه كائن

صفحة 88

العلم الموجود والعلم المفقود

(فهذا جملة ما يحتاج إليه) مريدُ اليقين (من هو منوّرٌ قلبه من أولياء الله تعالى) المتقين (وهي) أي صفةُ التسليم (درجةُ) أي مرقاة (الراسخين في العلم) {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] (لأن العلم علمان: علمٌ في الخلق موجود) وفيه مرغوب، وإليه مندوب، (وعلم في الخلق مفقود) استأثر بعلمه علامُ الغيوب، (فإنكار العلم الموجود) بِرَدٍّ أو طعن أو تهاونٍ بالحدود (كفر) بلا خلاف وجحود، (وادعاء العلم المفقود) الذي استأثر بعلمه علام الغيوب (كفر) أيضاً وعتود (و) لذا قال (لا يصح الإيمان إلا بقبول العلم الموجود) العملِ على مقتضاه (وترك طلب العلم المفقود) بالتسليم وتفويض علمه لمولاه.

وجوب الإيمان باللوح والقلم

(ونؤمن باللوح) المحفوظ، وهو جسم عظيم نوراني كَتَبَ فيه القلمُ بإذن الله تعالى ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة. (والقلم) وهو جسم عظيم نوراني خلقه تعالى من نوره، فنؤمن بأنهما مخلوقان لله تعالى موجودان ثابتان كما وردت به الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، قال تعالى: {فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} [البروج: 22] وقال: {ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 1]، وفي الهيئة السنية للجلال السيوطي: أخرج أبو الشيخ[1] من طريق مالك[2] بن دينار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله لوحاً إحدى وجهيه ياقوتة حمراء، والوجه الثاني زمردة خضراء، قلمه نور، فيه يخلق، وفيه يرزق، وفيه يحيي، وفيه يميت، وفيه يعز، وفيه يفعل ما يشاء في كل يوم وليلة،[3] وأخرج أبو الشيخ عن ابن عمر [رضي الله عنهما] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أولَ شيءٍ خَلَقَ القلمَ، وهو من

صفحة 89

نوره مسيرة خمسمائة عام، فأمَره فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة)،[4] ونؤمن (بجميع ما فيه)، الله تعالى (قد رقم) مما هو كائنٌ على الوصف الذي وصفه (فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء) قد (كتبه الله) تعالى (فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن) أو على غير صفته (لم يقدروا عليه) حيث (جف القلم) وارتفعت الصحف (بما هو كائن إلى يوم القيامة).

(و) نؤمن أن (ما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه) ففي الأربعين النووية: عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنتُ خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا غلام إني أُعلِّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمع على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلى بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلامُ وجفت الصحف) رواه الترمذي[5] وقال: حسن صحيح.

سبق علم الله في كل شيء كائن من خلقه أنه كائن

(و) الواجب (على العبد أن يعلم أن الله) تعالى (قد سبق علمه في كل شيء كائن من) جميع (خلقه وقدر ذلك) وقضاه (بمشيئته) وإرادته (تقديراً محكماً مبرماً) وأنه (ليس فيه ناقضٌ ولا معقبٌ ولا مزيلٌ ولا مغيرٌ ولا محولٌ ولا زائدٌ ولا ناقصٌ من) جميع (خلقِه في سماواته وأرضه وذلك من عقد الإيمان) من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الإيمان المعقود عليه بالإيقان (و) من (أصول المعرفة) لأهل العرفان.

(والاعترافُ) بالرفع عطفاً على المصدر المتأول من (أن يَعلمَ) أي الواجب

صفحة 90

العلم، والاعتراف (بتوحيد الله) تعالى بأنه هو الموجد للكائنات بأسرها من غير تأثيرٍ لدهر أو لنوء أو غيرها من الأسباب[6] العادية فإنها غيرُ مؤثرة بطبعها، وإنما المؤثر هو الله تعالى وحده عندها ولذا سميت عادية، (وربوبيته) فيتصرف في ملكه بمشيئته على حسب ما سبق في علمه وحكمته (كما قال تعالى في كتابه العزيز: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}) [الفرقان: 2] (وقال تعالى: {وَكَانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا}) [الأحزاب: 38] فهذا وغيره من الآيات الكثيرة إخبار منه تعالى بأنه الخالق لكل شيء والمقدر له، فمن لم يعترف بذلك فهو خصمه (فويل لمن صار له الله في القدر خصيماً، وأحضر للنظر فيه قلباً سقيماً) وعقلاً ذميماً فإنه (لقد التمس بوهمه في محض الغيب سراً كتيماً، وعاد بما قال فيه أفاكاً أثيماً).

  1. [1] هو عبد الله بن محمد بن حبان الأنصاري، ويعرف بأبي الشيخ، محدث، حافظ، مؤرخ، ولد سنة 274 وتوفي سنة 369 – معجم المؤلفين: 6/ 114.
  2. [2] مالك بن دينار البصري، أبو يحيى: من رواة الحديث، كان ورعاً يأكل من كسبه، توفي سنة 131هـ – الأعلام: 6/ 134.
  3. [3] رواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس بلفظ قريب منه – الفتح الكبير: 1/ 325.
  4. [4] ورواه أحمد في مسنده 5/ 317 وليس فيه (وهو من نوره مسيرة خمسمائة عام) واختلاف عدة ألفاظ عن عبادة بن الصامت.
  5. [5] في جامعه: 8/ 253.
  6. [6] السبب: ما أفضى إلى الشيء من غير تأثير فيه، والسبب العادي هو سبب غير تام يتوقف وجود المسبب عليه بحكم العادة وهي التكرار مع صحة التخلف، ومثاله قولنا: النار تحرق، والماء يروي، والسكين تقطع، كل ذلك عادة طبعاً.
شرح العقيدة الطحاوية للميداني
العلم الموجود والعلم المفقود، وجوب الإيمان باللوح والقلم، سبق علم الله في كل شيء كائن من خلقه أنه كائن
 
Top