العرش ووصفه، الكرسي ووصفه وما ورد فيه

صفحة 90

العرش ووصفه

(و) نقول (العرش) وهو في اللغة: السرير، ومعناه هنا كما قال اللقاني [رحمه الله تعالى]: هو جسم عظيم نوراني علوي، محيط بجميع الأجسام. قيل: هو أول المخلوقات وجوداً عينياً، ولا قطع لنا بتعيين حقيقته لعدم العلم بها، وإن أخرج ابن أبي حاتم[1] في تفسيره وأبو الشيخ في كتاب العظمة عن وهب[2] بن منبه قال: إن الله خلق العرش من نوره، والكرسي بالعرش ملتصق والماء كله في جوف الكرسي، والماء على متن الريح، وحول العرش أربعة أنهار: نهر من نور يتلألأ، ونهر من نار تتلظى، ونهر من ثلج أبيض تلتمع منه الأبصار، ونهر من

صفحة 91

ماء، والملائكة قيام في تلك الأنهار يسبحون الله تعالى وللعرش ألسنة بعدد ألسنة الخلق كلهم يسبح الله تعالى ويذكره بتلك الألسنة، وفي شرح البخاري لشيخ الإسلام أن العرش فوق العالم وأنه ليس بكرة كما يزعم كثير من أهل الهيئة بل قبة ذات قوائم تحمله الملائكة. انتهى. قلت: ويمكن[3] الاستدلال على أن العرش والكرسي على صورة الكرة كما يزعمه أهل الهيئة، بما ورد في الحديث: (بأن السماوات السبع مع الكرسي كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة)،[4] فإن تخصيص الحلقة بالتمثيل بها في السماوات والكرسي، وذكر العرش معها مؤذن بذلك فإن الحلقة مستديرة كما هو المتبادر والله أعلم. وقال البيضاوي في تفسيره: والعرش: الجسمُ المحيط بسائر الأجسام سمي به لارتفاعه أو للتشبيه بسرير الملك، فإن الأمور والتدابير تنزل منه، وقيل: الملك. اهـ. أي قيل: إن العرش هو الملك كما قيل ذلك في الكرسي أيضاً يعني ملك السماوات والأرض. كذا في المطالب الوفية.

الكرسي ووصفه وما ورد فيه

(والكرسي) بضم الكاف وربما كسرت وهو جسم عظيم نوراني بين يدي العرش ملتصق به، لا قطع لنا بحقيقته فنمسك عنها لعدم العلم بها وأخرج ابن جرير وابن مردويه وأبو الشيخ عن أبي ذر [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة، وفضلُ العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة)،[5] وأخرج ابن جرير[6] عن

صفحة 92

الضحاك قال: الكرسي الذي يوضع تحت العرش الذي يجعل الملوك عليه أقدامهم. وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني[7] في المستدرك وصححه على شرط الشيخين عن ابن عباس [رضي الله عنهما] قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره، كذا ذكره اللقاني. وفي رشف النصائح للسهروردي رحمه الله تعالى قال: ومما ورد من عظيم قدرة الله تعالى وخلقه الذي تتضاءل[8] دون إدراكه العقول وتتلاشى الأفهام في وصف الكرسي، يقول الله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة: 255] ورد: أن كل قائمة من الكرسي طولُها مثلُ السماوات السبع والأرضين السبع وهو بين يدي العرش، ويحمل الكرسي بأربعة أملاك، لكل ملك أربعة وجوه، أقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى خمسمائة عام، ملك على صورة سيد البشر آدم عليه السلام، وهو يسأل للآدميين الرزق والمطر من السنة إلى السنة، وملك على صورة سيد الأنعام وهو الثور يسأل للأنعام الرزق من السنة إلى السنة، وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد يسأل للسباع الرزق من السنة إلى السنة، وملك على صورة سيد الطير وهو النسر يسأل للطير الرزق من السنة إلى السنة، وعن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر [رضي الله عنه] قال: قلت: يا رسول الله، أي آية نزل عليك أعظم، قال: (آية الكرسي)، ثم قال: (يا أبا ذر، ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة).[9]

وفي بعض الأخبار: أن بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعون حجاباً من ظلمة، وسبعون حجاباً من نور، غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة سنة، ولولا ذلك لاحترقت حملة الكرسي من نور حملة العرش. كذا في المطالب الوفية.

صفحة 93

كل منهما (حق) ثابت بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، قال تعالى: {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129]، وقال تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة: 255]، وقد مر من الأحاديث ما فيه الكفاية.

(وهو عز وجل مستغنٍ) بذاته (عن العرش وما دونه) قال الإمام في وصيته: وهو الحافظ للعرش وغير العرش (محيطٌ) علمُه (بكل شيء) حواه (وبما فوقه) وبما تحته وما والاه (و) هو سبحانه وتعالى (قد أعجز عن الإحاطة) بكنهه (خَلْقَهُ) سبحان من لا يبلغ الواصفون وصفه، ولا يقدر أحد قدره.

  1. [1] هو عبد الرحمن بن (أبي حاتم) التميمي الحنظلي (أبو محمد) عالم محدث عارف بالرجال فقيه، ولد سنة 240هـ وتوفي سنة 327هـ – معجم المؤلفين: 5/ 170.
  2. [2] هو: وهب بن منبه الأبناوي أبو عبد الله: مؤرخ، كثير الأخبار عن الكتب القديمة يعد في التابعين، ولد سنة 34هـ وتوفي سنة 114هـ – الأعلام: 9/ 150.
  3. [3] وفي م يكره.
  4. [4] الحديث رواه البيهقي في الأسماء والصفات 404 عن أبي ذر قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فذكر الحديث قال فيه قلت: فأي آية أنزل الله عليك أعظم؟ قال: (آية الكرسي) ثم قال: (يا أبا ذر ما السماوات السبع في الكرسي) الخ… وقال: تفرد به يحيى بن سعيد وله شاهد بإسناد أصح.
  5. [5] الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية 1/ 166 عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر وهو قسم من حديث طويل.
  6. [6] تفسير ابن جرير الطبري 3/ 7 ميمنية.
  7. [7] هكذا في الأصول الثلاثة، والصواب: الحاكم في المستدرك 2/ 282 طبع الهند.
  8. [8] قوله تتضاءل قال في المختار: رجل ضئيل الجسم إذا كان صغير الجسم نحيفاً وقد ضؤل بالهمز من باب ظرف. اهـ. والعبارة من هامش م وهي للشيخ محمد البيطار.
  9. [9] الحديث تقدم فيما تقدم.
صفحة 93

وجوب الإيمان بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة

(ونقول: إن الله) قد (اتخذ إبراهيم خليلاً وكلم موسى تكليماً) أتى بالمصدر المؤكد لدفع حمل الكلام على المجاز[1] كما نص في كتابه تعالى تنويهاً في شأنهما وتعليماً فنؤمن أنه موصوف بذلك على المعنى الذي أراده (إيماناً) ثابتاً (و) نصدق به (تصديقاً) لازماً (و) نُسَلِّمُ بجميع ما وصف به ذاته العلية في كتابه أو على لسان نبيه (تسليماً) خالصاً عن التأويل، وننزهه عما يستحيل في حقه من ميل القلب وعطفه والكلام الذي هو بالآلة من الحرف والصوت وغير ذلك.

وقد اختلف في أن المسموع هل هو الكلام النفسي أو ما يدل عليه، قال في المسايرة: قال الإمام الأشعري: الكلام النفسي مما يسمع قاسه على رؤية ما ليس بلون، فكما عقل رؤية ما ليس بلون ولا جسم فليعقل سماع ما ليس بصوت، واستحال الماتريدي سماع ما ليس بصوت، وعنده سمع موسى عليه السلام صوتاً دالاً على كلام الله تعالى وخص به أعني باسم الكليم لأنه بغير واسطة الكتاب وَالمَلَكِ وهو أوجه، لأن المخصوص باسم السمع من العلم ما يكون إدراك صوت وإدراك ما ليس بصوت قد يخص باسم الرؤية، وقد يكون له الاسم الأعم أعني العلم مطلقاً، أي عن التقييد بمتعلق خاص، ثم قال: وبعد اتفاق أهل السنة على أنه

صفحة 94

تعالى متكلم لم يزل متكلماً به، اختلفوا في أنه تعالى هل هو مكلم لم يزل مكلماً، فعن الأشعري: نعم، وعن بعض أهل السنة ونقله بعض متكلمي الحنفية عن أكثرهم: لا. وهو عندي حسن، فإن معنى المكلمية لا يراد به هنا نفس الخطاب الذي يتضمنه الأمر والنهي كـ[قوله تعالى]: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32] لأن معنى الطلب يتضمنه ولا يختلف فيه إذ هو داخل في الكلام القديم، وإنما يُراد به إسماعٌ لمعنى {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه: 12] وحاصل هذا عروض إضافة خاصة للكلام القديم بإسماعه لخصوص بلا واسطة معتادة، ولا شك في انقضاء هذه الإضافة بانقضاء الإسماع، فإن أريد به غير هذين الأمرين فليبين حتى يُنظر فيه، والله أعلم. اهـ.

(ونؤمن بالملائكة) المكرمين (و) بجميع (النبيين) والمرسلين (و) بجميع (الكتب المُنزلة على) الأنبياء (المرسلين) صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (ونشهدُ أنهم) كلهم (كانوا على الحق المبين) وعن جميع ما يؤدي إلى نقص مراتبهم العلية معصومين (ونُسمي أهل قبلتنا) وهم الذين شهدوا شهادتنا واستقبلوا قبلتنا وصلوا صلاتنا وأكلوا ذبيحتنا (مسلمين) و(مؤمنين) وإن وصفوا بارتكاب الكبائر فاسقين (ما داموا) أي مدة دوامهم (بما) أي بالذي (جاء به النبي عليه الصلاة والسلام معترفين، وله) صلى الله عليه وسلم (بكل ما قال وأخبر) به (مصدقين) جازمين به (غير مكذبين) ففي صحيح البخاري[2] عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تخفروا الله في ذمته) وفيه:[3] عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله

صفحة 95

إلا الله، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وذبحوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابُهم على الله).

(و) مما يجب علينا أننا (لا نخوض في) ذات (الله) تعالى. روي عن أبي حنيفة أنه قال: لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء، بل يصفه بما وصف به نفسه.

عدم المماراة والمجادلة في دين الله والقرآن كلام الله لا يساويه شيء

(ولا نماري) أي لا نُداهن وهي عدم المبالاة (في دين الله تعالى ولا نجادل) أحداً (في القرآن) العظيم بل نعتقد (ونعلم أنه كلام رب العالمين نزل به) جبرائيل (الروح الأمين فعلمه سيد) الأنبياء و(المرسلين) نبينا (محمداً صلى الله عليه وعلى آله) الأكرمين (وصحبه أجمعين). روي عن أبي يوسف أنه قال: كنت عند أبي حنيفة إذ دخل عليه جماعة في أيديهم رجلان فقالوا: إن أحد هذين يقول: إن القرآن مخلوق، والآخر ينازعه ويقول: القرآن غير مخلوق، فقال رضي الله عنه: لا تصلوا خلفهما، فقلت: أما الذي يقول: القرآن مخلوق فنعم، لأنه لا يقول بقدم القرآن، وأما الآخر فما باله لا يُصلى خلفه؟ قال: إنهما تنازعا في الدين، والمنازعةُ في الدين بدعة. (وكلام الله تعالى لا يساويه) ولا يشبهه (شيءٌ من كلام المخلوقين) لأنه صفة من صفات رب العالمين، وقد تقدم لك أن من شَبَّهَ من صفات الله بشيء من صفات المخلوقين كان من الكافرين.

(ولا نقول بخلق القرآن) لأن الخلق صفة المحدَث العديم والقرآن كلام الله القديم (و) مما يجب علينا أننا (لا نخالف جماعة المسلمين) السواد الأعظم أهل السنة والجماعة، فإن الله تعالى عصم هذه الأمة عن الاتفاق على الضلالة، فمن خالفها كان ضالاً، قال تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]. فإن قيل: الوعيد متعلق بالمجموع وهو المشاققة والاتباع قلنا: بل بكل

صفحة 96

واحد وإلا لم يكن في ضمه إلى المشاققة فائدة، وذلك لأنه تعالى جمع بين مشاققة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، ولا شك أن مشاققة الرسول وحدها توجب الوعيد، فلولا أن الاتباع المذكور كذلك لم يكن في ضمه إلى المشاققة فائدة وكان الكلام حينئذ ركيكاً، كما لو قال: من يشاقق الرسول ويأكل الخبز. وإذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراماً ولا شك أن اتباع سبيل من السبل واجب لقوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} [يوسف: 108] الآية، فيكون الواجب اتباع سبيل المؤمنين، ثم سبيل المؤمنين لا يمكن أن يكون غير ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه إذا كان كذلك فاتباع غيره يكون مخالفة الرسول، كذا في التوضيح لصدر الشريعة.

  1. [1] هو اسم لكل لفظ أريد به غير ما وضع له لمناسبة بينهما.
  2. [2] الجامع الصحيح: 1/ 95 بولاق برقم 386.
  3. [3] صحيح البخاري: 1/ 95 بولاق برقم 387.
صفحة 96

عدم قولنا لا يضر مع الإسلام ذنب لمن عمله

(ولا نقول لا يضر مع الإسلام ذنبٌ لمن عمله) خلافاً للمرجئة القائلين بأنه لا يضر مع الإيمان ذنبٌ كما لا تنفع مع الكفر حسنة، فحسناتنا مقبولة وسيئاتنا مغفورة، وباينتهم المعتزلة والخوارج فقطعوا بعقابه، وتوسطت أهل السنة فلم يقطعوا بعقاب ولا ثواب لعاص ولا لأواب، بل فوضوا أمره إلى رب الأرباب (و) قالوا (نرجو) أي نؤمل من فضل الله إنجاز ما وعده (للمحسنين من المؤمنين و) لكن (لا نأمنُ عليهم) مكر الله تعالى إذ لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (ولا نشهد لهم بالجنة) بما هم لها مقدمون وبها إن قبلت أعمالهم موعودون.

واعلم أن للسلف في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال: أحدها: أن لا يُشهد لأحد إلا للأنبياء، وهذا ينقل عن محمد بن الحنفية والأوزاعي، وهذا أمر قطعي لا نزاع فيه. والثاني: أن يُشهد لكل مؤمن جاء نص في حقه، وهو قول كثير من العلماء وعليه المصنف كما سيأتي. والثالث: أن يُشهد لمن شهد له المؤمنون كما في الصحيحين:[1] أنه مر بجنازة فأثنوا عليها بخير فقال عليه الصلاة والسلام:

صفحة 97

(وجبت) ومر بأخرى فأثني عليها بشرّ فقال: (وجبت) فقال عمر: يا رسول الله ما وجبت؟ فقال: (هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله تعالى في الأرض). (ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم) مما أعد لهم (و) لكن (لا نقنطهم) ونؤيسهم من رحمة الله تعالى إذ لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.

الأمن والإياس ينقلان من الملة

(والأمنُ) من مكر الله تعالى (والإياس) من روح الله (ينقلان عن الملة) الإسلامية لما تلونا، (وسبيل) القول (الحق) ما (بينهما) وهو القول (لأهل القبلة) وفي شرح العقائد: فإن قيل الجزم بأن العاصي يكون في النار يأس من الله تعالى، وبأن المطيع يكون في الجنة أمن من الله تعالى فيكون المعتزلي كافراً مطيعاً كان أو عاصياً، لأنه إما آمن أو آيس، ومن قواعد أهل السنة: أن لا يكفر أحد من أهل القبلة، قلنا: هذا ليس بيأس ولا أمن، لأنه على تقدير العصيان لا ييأس أن يوفقه الله تعالى للتوبة والعمل الصالح، وعلى تقدير الطاعة لا يأمن أن يخذله، فيكتسب المعاصي وبهذا يظهر الجواب عما قيل: إن المعتزلي إذا ارتكب كبيرة لزم أن يكون كافراً ليأسه من رحمة الله تعالى ولاعتقاده أنه ليس بمؤمن، وذلك لأنا لا نسلم أن استحقاقه النار يستلزم اليأس، وأن اعتقاده عدم إيمانه المفسر بمجموع التصديق والإقرار والأعمال بناء على انتفاء يوجب الكفر. هذا والجمع بين قولهم: لا يكفر أحد من أهل القبلة، وقولهم بكفر من قال بخلق القرآن واستحالة الرؤيا أو سب الشيخين وأمثال ذلك مشكل. اهـ.

أقول: قد ذكر العلامة البخاري: أن إطلاق مشايخنا الكفر بالكلمات المذكورة ونحوها ليس على ظاهره بل تغليظاً يريدون به التنفير، أو مقيد باعتقاد ما يكون به اللفظ كفراً ويرشد إلى هذا قوله:

(ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما) أي الذي (أدخله فيه) أي في الإيمان وهو الإقرار بالتوحيد والإذعان به، وبكل ما عُلِمَ بالضرورة أنه من الدين، كما ذكره بقوله:

  1. [1] صحيح البخاري: 2/ 92 برقم 128 بولاق واللفظ له، ومسلم 2/ 376 البابي الحلبي.
صفحة 98

الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان

(والإيمان هو) أي حقيقته (الإقرار) بالوحدانية وحقية الرسالة (باللسان والتصديق بالجنان) أي قبول القلب وإذعانه لما عُلِمَ بالضرورة أنه من دين النبي صلى الله عليه وسلم، بحث تعلمه العامة من غير افتقار إلى نظر واستدلال، كالوحدانية، والنبوة، والبعث والجزاء، ووجوب الصلاة والزكاة، وحرمة الخمر ونحوها، ويكفي الإجمال فيما يلاحظ إجمالاً، كالإيمان بالملائكة، والكتب والرسل، ويُشترط التفصيل فيما يلاحظ تفصيلاً، كجبريل وميكائيل، وموسى وعيسى، والتوراة والإنجيل، حتى إن من لم يصدق بواحد معين منها كافر. واعلم أن كلاً منهما ركن إلا أن التصديق ركن لا يحتمل السقوط أصلاً، والإقرار قد يحتمله كما في حالة الإكراه والعجز. وفي المسايرة في أول الخاتمة في بحث الإيمان ومفهومه: فقيل: هو التصديق بالقلب فقط وهو المختار عند جمهور الأشاعرة، أو مع الطاعة وهو قول الخوارج ولذا كفَّروا بالذنب لانتفاء جزء الماهية، أو باللسان فقط وهو قول الكرامية، فإن طابق تصديق القلب فهو مؤمن نَاجٍ، وإلا فهو مؤمن مخلد في النار، أو بالقلب واللسان وهو منقول عن أبي حنيفة ومشهور عن أصحابه والمحققين من الأشاعرة، قالوا: لما كان الإيمان التصديق، والتصديق كما يكون بالقلب يكون باللسان فيكون كل منهما ركناً في الباب، ولا يثبت الإيمان إلا بهما إلا عند العجز، وكذا الاحتياط واقع عليه، والنصوص دالة عليه، وذكروا ما تعلقت به يعني الكرامية يعني من نحو قوله عليه الصلاة والسلام: (أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)[1] ومن قوله تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ} الآية [النحل: 106]، جعل المتكلم كافراً مع أن قلبه مطمئن بالإيمان، ولكن عفي عنه، وإذا كان كافراً باعتبار اللسان يكون مؤمناً باعتباره لاتحاد مورد الإيمان والكفر، وصرح بالآية بإثبات الإيمان للقلب والكفر أيضاً له بقوله: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [الآية تتمة التي تقدمت] وهو محل اتفاق بين الفريقين، فوجب كون الإيمان بهما وهو الاحتياط، إلا

صفحة 99

أن قول صاحب العمدة منهم يعني الحنفية: الإيمان هو التصديق، فمن صدق الرسول فيما جاء به فهو مؤمن بينه وبين الله تعالى، والإقرار شرط إجراء الأحكام، هو بعينه القول المختار عند الأشاعرة، والمراد أن أحكام الدنيا من الصلاة خلفه وعليه ودفنه في مقابر المسلمين وغير ذلك. واتفق القائلون بعدم اعتبار الإقرار على أنه يعتقد أنه متى طولب به أتى به فإن طولب به فلم يقر فهو كفر وعناد وهذا ما قالوا: إن ترك العناد شرط وفسروه به. وبالجملة فقد ضم إلى التصديق بالقلب أو بهما في تحقيق الإيمان وإثباته أمورٌ؛ الإخلال بها إخلال بالإيمان اتفاقاً، كترك السجود للصنم، وكقتل نبي أو الاستخفاف به أو بالمصحف والكعبة، وكذا مخالفة ما أجمع عليه وإنكاره بعد العلم به، قال الإمام أبو القاسم الأسفراييني بعد ذكرها: إذا وجد ذلك دلنا على أن التصديق الذي هو الإيمان مفقود من قلبه. اهـ بحروفه. أقول: وهذه إحدى المسائل الثلاث التي ذكر السبكي أن المصنف خالف فيها الأشعري. (و) نقول (أن جميع ما أنزل الله) تعالى (في القرآن) من الإخبار عما سلف ويكون في الأزمان وأحوال الآخرة من الصراط والميزان والجنان والنيران (و) كذلك (جميع ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق) وصدق بإذعان وإيقان.

الإيمان واحد وأهله سواء والتفاضل في التقوى، زيادة الإيمان ونقصانه

(و) نقول (الإيمان) وكذلك الإسلام لتلازمهما مفهوماً، فقد اتفق أهل الحق أنه لا إيمان بلا إسلام وعكسه لجميع الأنام من أهل الأرض والسماء (واحد) لأنه التصديق البالغ حد الجزم والإذعان الذي لا يقبل التشكيك (وأهلُه) من الملائكة والأنبياء والأولياء وسائر المؤمنين الأبرار والفجار (في أصله) الذي هو التصديق كلهم فيه (سواء) أي لا تفاضل فيه من حيث ذاته، ولا يزيد ولا ينقص (و) إنما (التفاضيل بينهم) والزيادة والنقص (بالتقوى ومخالفة الهوى). وفي المسايرة[2] قال أبو حنيفة وأصحابه: لا يزيد الإيمان

صفحة 100

ولا ينقص، واختاره من الأشاعرة إمام الحرمين وكثير، وذهب عامتُهم إلى زيادته ونقصانه، قيل: والخلاف مبني على أخذ الطاعات في مفهوم الإيمان وعدمه، فعلى الأول يزيد بزيادتها، وينقص بنقصانها، وعلى الثاني لا لأنه اسم للتصديق الجازم مع الإذعان، وهذا لا يتغير بضم الطاعات ولا ضم المعاصي وفيه نظر، بل قال: بزيادته ونقصانه كثير ممن صرح بأنه مجرد التصديق لظواهر كقوله تعالى: {زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2] وعن ابن عمر قلنا: يا رسول الله، إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال: (نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة، وينقص حتى يدخل صاحبه النار)،[3] وقالوا: لا مانع عقلاً من ذلك، بل اليقين الذي هو مضمون التصديق يتفاوت قوة في نفسه من أجلى البديهيات إلى أخفى النظريات القطعية، ولذا قال إبراهيم عليه السلام حين خوطب بقوله: {أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] والحنفية ومعهم إمام الحرمين وغيره لا يمنعون الزيادة والنقصان باعتبار جهات هي غير نفس الذات، بل بتفاوته يتفاوت المؤمنون.

وروي عن أبي حنيفة أنه قال: أقول إيماني كإيمان جبريل، ولا أقول مثل إيمان جبريل، لأن المثلية تقتضي المساواة في كل الصفات، والتشبيه لا يقتضيه، فلا أحد يسوي بين إيمان آحاد الناس وإيمان الملائكة والأنبياء، بل يتفاوت، غير أن ذلك التفاوت بزيادة ونقص في نفس الذات أو بأمور زائدة عليها، فمنعوا يعني الحنفية وموافقيهم الأولَ وقالوا: ما يتخايل من أن القطع يتفاوت قوة، إنما هو راجع إلى جلائه، فإذا ظهر القطع بحدوث العالم بعد ترتب مقدماته كان الجزم الكائن فيه كالجزم في قولنا: الواحد نصف الاثنين، وإنما تفاوتهما باعتبار أنه إذا

صفحة 101

لوحظ هذا كان سرعة الجزم فيه ليس كالسرعة التي في الآخر خصوصاً مع عزوب[4] النظر فيُتخيل أنه إنما هو أُجلي عند العقل، فنحن لو سلمنا ثبوت ماهية المشكك وأن مآبه التفاوت كشدة البياض الكائن في الثلج بالنسبة للكائن في العاج مأخوذ في ماهية البياض بالنسبة إلى خصوص محل لا نسلم أن ماهية اليقين منه لعدم ما يوجبه، ولو سلمنا أن ماهية اليقين تتفاوت لا نسلم أنه بمقومات الماهية بل بغيرها، وقد ذكروا يعني الحنفية وموافقيهم أنه يتفاوت بإشراق نوره وثمراته، فإن كان زيادة إشراق نوره هو زيادة القوة والشدة فلا خلاف في المعنى، إذ يرجع النزاع إلى أن الشدة والقوة التي اتفقنا على ثبوت التفاوت بها زيادة ونقصاناً هل هي داخلة في مقومات حقيقة اليقين أو خارجة عنها فقد اتفقنا على ثبوت التفاوت بأمر معين والخلاف في نسبته إلى تلك الماهية لا عبرة وإن كان زيادة إشراقة غير زيادة القوة فالخلاف ثابت. اهـ[5] ثم قال:[6] ولما كان ظاهر قول الخليل: {بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} عدمَ الاطمئنان، وهو ينافي القطع وعدم التردد احتيج إلى تأويله فقيل: الخطاب مع الملك ليطمئن قلبه بأنه جبريل عليه السلام، والتأمل اليسير بنفيه وقيل: زيادة الاطمئنان ويرجع الكلام في معنى زيادته ويجيء فيه ما تقدم، وقيل [طلب] حصول القطع بالإحياء بطريق آخر وهو البديهي بسبب وقوع الإحساس به وهو حسن، ولا يفيد في محل النزاع لأحد الفريقين، وحاصله [أنه] لما قطع بذلك عن موجبه اشتاق إلى مشاهدة كيفية هذا الأمر العجيب الذي جزم بثبوته كمن قطع بوجود دمشق وما فيها من أجنة يانعة وأنهار جارية فنازعته نفسه في رؤيتها والابتهاج بمشاهدتها، فإنها لا تسكن

صفحة 102

ولا تطمئن حتى يحصل مناها، وكذا شأنها في كل مطلوب مع العلم بوجوده فليس تلك المنازعة والتطلب ليحصل القطع بوجود دمشق إذ الفرض ثبوته. اهـ.[7]

تنبيه: ما ورد من الآيات الدالة على زيادة الإيمان كقوله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} [الأنفال: 2] وقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [التوبة: 124] وقوله: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31] وقوله: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17] وقوله: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4] محمولةٌ على ما ذكره أبو حنيفة رضي الله عنه أنهم كانوا آمنوا في الجملة ثم يأتي فرض بعد فرض، فكانوا يؤمنون بكل فرض، وحاصله أنه كان يزيد بزيادة ما يجب الإيمان به، وهذا لا يتصور في غير عصر النبي صلى الله عليه وسلم، قال السعد: وفيه نظر لأن الاطلاع على تفاصيل الفرائض  ممكن في غير عصر النبي صلى الله عليه وسلم والإيمان واجب إجمالاً فيما علم إجمالاً وتفصيلاً فيما علم تفصيلاً، ولا خفاء في أن التفصيل أزيد بل أكمل من الإجمالي. اهـ. أقول: لا يخفى أن تلك التفاصيل لما كان الإيمان بها برمتها إجمالاً فالاطلاع على تفاصيلها لم ينقلب الإيمان من النقصلان إلى الزيادة، بل من الإجمال إلى التفصيل بخلاف ما في عصر النبي صلى الله عليه وسلم فإن الإيمان لما كان عبارة عن التصديق بكل ما جاء به من ربه، فكلما ازدادت تلك الجملة ازداد التصديق المتعلق به لا محالة، وأما قوله: فلا خفاء في أن التفصيلي أزيد بل أكمل، فكونه أكمل مسلم إلا أنه غير مفيد، وأما كونه أزيد ممنوع، ففي المطالب الوفية: ولا يخفى أن مثل هذه الزيادة في الاعتقاد وإن تفاوتت كما ذكر، ليست زيادةً في أصل الإيمان وإنما هي زيادة في وصفه، كالإنسان المريض والإنسان القوي صاحب العافية، فإن الإنسانية فيهما على السواء من غير تفاوت، وإنما القوة والضعف في أوصافهما لا في ذاتهما، والزيادة في وصف الشيء ليست زيادته في ذاته، وإلا لكان المؤمنون كافرين بالنسبة إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لزيادة إيمان الأنبياء بالنسبة إلى إيمانهم، ونقصان إيمانهم عن إيمان الأنبياء عليهم السلام

صفحة 103

فقد كفروا بتلك الزيادة، لعدم وجودها في إيمانهم وهو باطل، بل زيادة إيمان الأنبياء عليهم السلام من حيث القوة، وقد علمت أنها زيادة في الوصف لا في أصل الإيمان، فليست زيادة في الإيمان فلا يزيد الإيمان ولا ينقص وإنما يقوى ويضعف فلا عليك مما ذكر ابن قاضي عجلون تبعاً لنظم الشيبانية[8] حيث قال: وفي كون حقيقة التصديق لا تقبل الزيادة والنقص كلام لبعض المحققين مبسوط في المطولات وتبعه الشيخ علوان الحموي وساق عبارتهما ونظر فيها إلى أن قال: والحاصل أن الخلاف لفظي، فمن قال بالزيادة والنقصان في الإيمان اعتبر زيادة أوصافه ونقصانها، كقوته وضعفه ومن نفى الزيادة والنقصان عنه نظر إلى ذاته التي هي مجرد التصديق في نفسه وهو الأولى بالاعتبار عند أولي الأبصار. اهـ. وهذه المسألة الثانية من الثلاث التي ذكرها السبكي أن المصنف خالف فيها الأشعري ولم أقف على غيرهما في كلام المصنف. اهـ. وهو أخبر فمن ظفر بالثالثة فليلحقها في محلها إلا أن يكون فهم من قوله: له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالقية ولا مخلوق، ما فهمه الأئمة الماتريدية من أنه إشارة إلى قِدَمِ صفاتِ الفعل وقد علمت ما فيه.

  1. [1] تقدم ص94.
  2. [2] شرح المسايرة 41 بولاق.
  3. [3] رواه أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره من رواية علي بن عبد العزيز عن حبيب بن عيسى بن فروح عن إسماعيل بن عبد الرحمن عن مالك عن نافع عن ابن عمر – شرح المسايرة 42 وله شواهد في البخاري 1/ 5 بحاشية السندي وفي ابن ماجه: 1/ 20 عن أبي هريرة وابن عباس وأبي الدرداء قالوا: الإيمان يزيد وينقص.
  4. [4] قوله عزوب بالعين المهملة والزاي المعجمة مصدر عزب أي بعد وغاب وبان دخل وجلس وفي الحديث (من قرأن القرآن في أربعين ليلة فقد عزب) بالتشديد أي بعد عهده بما ابتدأ منه. اهـ مختار. وجاء في آخر النسخة م: الشيخ محمد البيطار.
  5. [5] أي كلام المسايرة ص45.
  6. [6] أي صاحب المسايرة ص46.
  7. [7] أي كلام الكمال في المسايرة ص48 في الخاتمة.
  8. [8] بديع المعاني في شرح عقيدة الشيباني للنجم ابن قاضي عجلون ص1، من مخطوطات محمد رياض.
شرح العقيدة الطحاوية للميداني
 
Top