السعيد من سعد بقضاء الله والشقي من شقي بقضاء الله، القدر وأنه سر الله في خلقه

صفحة 82

السعيد من سعد بقضاء الله والشقي من شقي بقضاء الله

(والأعمال) إنما تعتبر (بالخواتيم) وإن كان قبلها يوصف بضدها، قال النسفي[1] في عقائده:[2] والسعيد قد يشقى والشقي قد يسعد. اهـ. والخواتيم مبنية على سابقة القضاء كما أشار إليه بقوله: (والسعيد من سعد بقضاء الله تعالى) وقدره (والشقي من شقي بقضاء الله تعالى) وقدره السابق على وجوده، وهذا إشارة إلى قوله تعالى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق: 29]، قال البيضاوي:[3] أي بوقوع الخُلف فيه فلا تطمعوا أن أُبدل وعيدي. وعفوُه عن بعض المذنبين لبعض الأسباب ليس من التبديل، فإن دلائل العفو تدل على تخصيص الوعيد. اهـ [كلام البيضاوي].

واعلم أن مبنى هذه المسألة وهي مسألة السعادة والشقاوة على مسألة الاستثناء في الإيمان، فمن قال بجوازه في الإيمان نظراً إلى الخاتمة ذهب إلى عدم التبدل، ومن قال بعدم جوازه نظراً إلى تسمية الشرع المؤمن مؤمناً وإجراء أحكام الإيمان عليه وإن كان مآله الكفر، والكافر كافراً وإجراء أحكام الكفر عليه وإن كان مآله الإيمان ذهب إلى حصول التبديل، فكل من الفريقين ناظرٌ إلى طرف، والخلاف بينهما مرجعُه اللفظُ دون المعنى، ولهذا لم يذكر المصنف رضي الله عنه مسألةَ الاستثناء في الإيمان ولا صرح بأن الشقي يصير سعيداً وبالعكس، وإنما أتى بعبارة أجمع عليها الفريقان وهي أن العبرة في الخاتمة، وأن من له سعادة في الأزل أو شقاوة فلا تتبدل، بل لا بد أن تنفذ وتظهر على ذلك الشخص، فإن كان لها أمر في الدنيا معين لا بد أن تكون فيه، فإذا انقضى أَمَدُهَا تبدلت بضدها، وإذا لم يكن لها أمد معين بقيت إلى الآخرة، وهذا المقدار لا خلاف فيه لأحد.

صفحة 83

وفي بحر الكلام: والاستثناء في أصل الإيمان غير صحيح عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم لأن الاستثناء يرفع جميع العقود نحو الطلاق والعتاق والبيع فكذلك يرفع عقد الإيمان والاستثناء قوله: أنا مؤمن إن شاء الله، لأن هذا الاستثناء شك، والشك في أصل الإيمان كفر وضلالة، ولذا لو قال الكافر: أنا مؤمن إن شاء الله لا يصير مؤمناً، وكذا لو وقف وقال: آمنت بالله ورسوله إلى ألف سنة لا يصير مؤمناً، ولو قال: أكون مؤمناً غداً إن شاء الله أو أموت مؤمناً إن شاء الله أو يكون إيماني مقبولاً إن شاء الله يكون مستحسناً، لأن هذا الاستثناء في الدوام والثبات والقبول لا في أصل الإيمان، وقال السعد في شرح العقائد[4] عند قول النسفي: وإذا وُجد من العبد التصديقُ والإقرارُ صح له أن يقول: أنا مؤمن حقاً لتحقق الإيمان، ولا ينبغي أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لأنه إن كان للشك فهو كفر لا محالة، وإن كان للتأدب وإحالة الأمور إلى مشيئة الله تعالى أو للشك في العاقبة والمآل لا في الآن والحال، أو للتبرك بذكر الله تعالى أو للتبري عن تزكية نفسه والإعجاب بحاله فالأولى تركُه لما أنه يوهم الشك، ولهذا قال: ولا ينبغي، دون أن يقول ولا يجوز لأنه إذا لم يكن للشك فلا معنى لنفي الجواز، كيف وقد ذهب إليه كثير من السلف حتى الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين، وليس هذا مثل قولك أنا شاب إن شاء الله لأن الشباب ليس من الأفعال المكتسبة ولا مما يتصور البقاء عليه في العاقبة والمآل، ولا مما تحصل به تزكية النفس والإعجاب، بل مثل قولك: أنا زاهد متق إن شاء الله.

وذهب بعض المحققين إلى أن الحاصل للعبد هو حقيقةُ التصديق الذي به يخرج عن الكفر، لكن التصديق بنفسه قابل للشدة والضعف، وحصولُ التصديق الكامل المنجي المشار إليه بقوله تعالى: {أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ} [الأنفال: 4] الآية، إنما هو في مشيئة الله تعالى.

صفحة 84

قلت: فعلى هذا تكون مسألة الاستثناء في الإيمان مبنية على مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، كما أن مسألة السعادة والشقاوة مبنية على مسألة الاستثناء في الإيمان كما ذكرنا، فمن قال: إن الإيمان يزيد وينقص قال بجواز الاستثناء فيه وبعدم التبديل والتغيير في السعادة والشقاوة بيان، ومن قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص قال بعدم جواز الاستثناء، وقال بالتبديل والتغيير في السعادة والشقاوة، وسيأتي في كلام المصنف مسألة الزيادة والنقصان في الإيمان.

والحاصل أن الخلاف لفظي كما ذكرنا وأن الإيمان والكفر حالتان توصف بهما العباد، فمن وصف بالإيمان فهو مؤمن، ومن وصف بالكفر فهو كافر، كما أن الكبر والصغر حالتان، فمن وصف بِالكِبَرِ فهو كبير، ومن وصف بِالصِّغَرِ فهو صغير، ولو كان المعتبر في صحة الوصف الخاتمة ما كان الموصوف بالصغر يسمى صغيراً، لأنه إذا كبر ومات مات كبيراً لا صغيراً، ولا نزاع في صحة تسمية من اتصف بالصغر صغيراً في تلك الحالة فكذا هذا، ومتى صح الاتصاف كان مقطوعاً به من غير شك، فمن اتصف بالإيمان فهو مؤمن حقاً في تلك الحالة، ومن اتصف بالكفر فهو كافر حقاً في تلك الحالة.

وأما بقاء وصف الإيمان على المؤمن إلى الموت وبقاء وصف الكفر على الكافر إلى الموت فليس من الأمور التي تدخل تحت مقدور المكلف إلا باعتبار الوقت الذي هو فيه، لعدم علمه بذلك، فإن الله تعالى هو الذي استأثر بعلمه.

وبيان ذلك أن الساعة التي أنت فيها إن كانت إيماناً فقل: أنا مؤمن إيماناً حقاً، واشكرْ نعمة الله تعالى عليك باعترافك بتحققها فيك، ولا تقل: أنا مؤمن إن شاء الله، فتكون شاكاً في تلك النعمة متردداً فيها – ربما إنها تكون نقمة – غير شاكر عليها ربك فيلزم من ذلك أنك لا تشكر ربك على نعمة من نعمه التي أنعمها عليك أبداً، لأن أعظم النعم التي هي نعمة الإيمان ترددتَ في أنها نعمة عليك أم نقمة، فكيف غيرها من النعم، وهو ينافي حصولَ الشكر من أحد، وشكرُ النعم فرض.

صفحة 85

وإن كانت ساعتك التي أنت فيها كفراً فقل: أنا كافر حقاً، واعزم على إزالة ذلك منك في الحال بضده وهو الإيمان، واشكر ربك على التوفيق لذلك وبالله المستعان. كذا في المطالب للعارف سيدي عبد الغني.

القدر وأنه سر الله في خلقه

(وأصل القدر) بتحريك الدال وتسكينها، مصدر قدَرت الشيءَ بفتح الدال وتخفيفها إذا أحطت بمقداره أي حقيقته (سر الله) تعالى أي علمه بما يكون (في خلقه) ثم إيجاده ما سبق في علمه أنه يوجد ويعبر عن هذا بقضائه.

قال الإمام النووي[5] في شرحه[6] على صحيح الإمام مسلم: اعلم أن مذهب أهل السنة[7] إثباتُ القدر، وهو أنه سبحانه وتعالى قدر الأشياء في القدم وعلم سبحانه وتعالى أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى، وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها سبحانه وتعالى، وأنكرت القدرية[8] هذا وزعمت أنه سبحانه وتعالى لم يُقَدِّرْهَا في سابق علمه وأنها مُستأنَفة العلم، أي يعلمها سبحانه وتعالى بعد وقوعها، تعالى رَبُّنَا عن أقوالهم الباطلة علواً كبيراً، وسميت هذه الفرقة القدرية لإنكارهم القدر وقد انقرضت هذه الفرقة، وصارت القدرية في هذا الزمان تعتقد أن الخير من الله والشر من غيره، تعالى الله عن ذلك.

قال إمام الحرمين في إرشاده:[9] إن بعض القدرية قال: لسنا بقدرية بل

صفحة 86

أنتم القدرية لاعتقادكم إثبات القدر،[10] وهذه جهالة وتواقح، فإننا بحمد الله تعالى نفوض أمورنا لله تعالى ونضيف جميع الأمور إليه، وهؤلاء الجهلة يضيفونها إلى أنفسهم، ومضيف الشيء إلى نفسه أولى بأن ينسب إليه ممن يعتقده لغيره، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (القدرية مجوس هذه الأمة)،[11] شبههم بهم لتقسيمهم الخير والشر في حكم الإرادة، كما قسمت المجوس الخير إلى يزدان، والشر إلى أهرمن.[12] كذا في شرح الطريقة وشرح الجوهرة للمصنف عند ذكر القدر.

و[القدر] هو عند الماتريدية: تحديد الله تعالى أزلاً كُلَّ مخلوق بحده الذي يوجد به، من حسن وقبح ونفع وخير، وما يحويه من زمان ومكان، وما يترتب عليه من طاعة وعصيان وثواب وعقاب أو غفران ونحوه. قال بعضهم: المراد من القدر أن الله تعالى علم مقاديرَ الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته. هذا هو المعلوم من الدين بقواطع البراهين وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين قبل حدوث القدرية المخالفين.

و[القدر] عند الأشاعرة إيجاد الله تعالى الأشياء على قَدْرٍ مخصوص وتقدير معين، في ذاتها وأحوالها كما نسبه لهم السيد في شرح المواقف.[13]

والظاهر أنه اختلاف عبارة وأن المراد علم الله تعالى بإيجاده الأشياء، ألا ترى

صفحة 87

عبارة النووي نفعنا الله به وهو منهم – حيث قال: (ومعناه أن الله قَدَّرَ الأشياء في القدم وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفاتٍ مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها) اهـ. لكن استظهر سيدي عبد الغني في المطالب أن الخلاف معنوي، وأنه مبني على الخلاف في صفات الفعل قدماً وحدوثاً فراجعه.

(لم يطلع على ذلك) السر الذي أسره سبحانه وتعالى (ملكٌ مقربٌ ولا نبي مرسل) إظهاراً لعجز من اتصف بالعبودية عن درك ما استبدت به الذات الأحدية،[14] (والتعمق والنظر في ذلك) لإدراكه (ذريعة) أي وسيلة (الخُذلان) بالضم: ترك العون والنصرة، (وَسُلَّمُ الحرمان) عن الثبات على صحيح الإيمان (ودرجةُ) أي مرقاة (الطغيان) أي الزلل عما عليه الراسخون أهلُ العرفان. (فالحذرَ) أي الحذر (كل الحذر من ذلك نظراً أو فكراً أو وسوسةً) فإن ذلك من مكائد الشيطان، فمتى خلج في خاطرك فاستعذ منه بالرحمن، وفوض العلم لعالمه بالتصديق والإذعان (فإن الله تعالى) قد (طوى علم القدر عن) جميعِ (أنامه) أي خلقه (ونهاهم عن مَرامه) أي طلبه (كما قال في) محكم (كتابه) عز وجل ({لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] فمن سأل: لم فعل؟ فقد) وقع في الزلل لأنه قد (رد حكم كتاب الله) تعالى (ومن رد حكم كتاب الله تعالى كان من الكافرين) فهذا قياس اقتراني من الشكل الأول[15] كل مقدمتيه بديهي التسليم فينتج مسلماً من سأل لم فعل كان من الكافرين.

  1. [1] عمر بن محمد النسفي، مفسر فقيه محدث متكلم، ولد سنة 461هـ وتوفي سنة 537هـ – معجم المؤلفين: 7/ 305.
  2. [2] ص6 مخطوط.
  3. [3] تفسير البيضاوي 2/ 459 طبع الأستانة وهو: عبد الله بن عمر البيضاوي الشيرازي الشافعي، ناصر الدين قاض عالم بالفقه والتفسير، توفي سنة 685هـ – معجم المؤلفين: 6/ 97.
  4. [4] ص162.
  5. [5] يحيى بن شرف النووي الدمشقي الشافعي (أبو زكرياء) فقيه محدث حافظ لغوي، ولد سنة 631هـ وتوفي سنة 677هـ – معجم المؤلفين: 3/ 202.
  6. [6] شرح مسلم 1/ 208 هامش قسطلاني طبعة ميمنية.
  7. [7] في شرح مسلم أهل الحق.
  8. [8] القدرية: هم الذين قالوا إن للإنسان قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله تعالى ونفوا أن تكون الأشياء بقدر الله تعالى وقضائه، ومن أسبق الناس قولاً بالقدر معبد الجهني وغيلان الدمشقي.
  9. [9] الإرشاد 256 طبع الخانجي بلفظ مغاير لبعض الألفاظ.
  10. [10] انتهى كلام الإرشاد.
  11. [11] وتمام الحديث: (إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم) رواه أبو داود والحاكم في الإيمان عن ابن عمر، قال ابن المنذر: حديث منقطع وأشار إلى ذلك الحاكم حيث قال: على شرطهما إن صح لأبي حازم سماع من ابن عمر – فيض القدير: 4/ 534 وأورده الذهبي في الكبائر 149 وهو في مسند الإمام أحمد 2/ 86 بلفظ قريب جداً.
  12. [12] الكلام المتقدم برمته من شرح مسلم للنووي مع حذف بعض الجمل – شرح مسلم: 1/ 209 هامش قسطلاني.
  13. [13] شرح المواقف 529.
  14. [14] قيل للحسن البصري: أأجبر الله عباده؟ فقال: الله أعدل من ذلك، فقيل: أفوض إليهم؟ فقال: هو أعز من ذلك، ثم قال: لو أجبرهم لما عذبهم، ولو فوض إليهم لما كان للأمر معنى، ولكنها منزلة بين المنزلتين، ولله فيه سر لا تعلمونه. اهـ من شرح كفاية العوام.
  15. [15] وهو الذي لم تكن النتيجة أو نقيضها مذكورة فيه بالفعل، وهو إما مركب من حَمليتين: كل (أ ب) وكل (ب ج) يُنتج كل (أ ج) أي بحذف المكرر.

    أو من شرطيتين: مثل (كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، وكلما كان النهار موجوداً فالأرض مضيئة) ينتج ( كلما كانت الشمس طالعة فالأرض مضيئة).

شرح العقيدة الطحاوية للميداني
السعيد من سعد بقضاء الله والشقي من شقي بقضاء الله، القدر وأنه سر الله في خلقه
 
Top