الإيمان بالملائكة الكرام الكاتبين، الإيمان بملك الموت وبعذاب القبر وسؤال منكر ونكير، القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار

صفحة 114

الإيمان بالملائكة الكرام الكاتبين

(ونؤمن بـ) الملائكة (الكرام الكاتبين وأن الله قد جعلهم) لأفعال العباد مما لهم وعليهم (حافظين) أي لا يهملون من شأنهم شيئاً فعلوه، قصداً أو ذهولاً أو نسياناً، صحةً أو مرضاً، قال الإمام مالك: يكتبون على العبد كل شيء حتى أنينه في مرضه، محتجاً بإفادة الآية العموم وهي قوله تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]. وحينئذ يدخل في العبد الكافرُ لأنه تضبط أنفاسه وأعماله له أو عليه، قال النووي: والصواب الذي عليه المحققون بل نقل فيه بعضهم الإجماع أن الكافر إذا فعل أفعالاً جميلة كالصدقة وصلة الرحم ثم أسلم ومات على الإسلام أن ثواب عمله يكتب له، أما دعوى مخالفته للقواعد فغير مسلمة. اهـ. قلت: وضابطه كما قاله بعضهم: إذا كانت لا تتوقف على نية، وذكر بعضهم أن المعقّبات في قوله تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11] غير الكاتبين بلا خلاف، وعن عثمان رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم كم ملكاً على الإنسان فذكر عشرين ملكاً. قال المهدي[1] في الفيصل[2] وذكر الآبي: أنه يحفظ لابن عطية: أن كل آدمي يوكل به من حين وقوعه نطفة

صفحة 115

في الرحم إلى موته أربعمائة ملك، كذا ذكره اللقاني، وعلى ذلك ففي كلام المصنف مسألتان وظاهر الآثار أن الكَتْبَ حقيقي وعلم الآلة مفوض إلى الله تعالى.

الإيمان بملك الموت وبعذاب القبر وسؤال منكر ونكير

(ونؤمن بملك الموت الموكل) من الله تعالى (بقبض أرواح العالمين) عند انتهاء آجالها. والعالمين: جمع عالَم، وهو اسم لما يعلم به كالخاتم غلّب فيما يعلم به الصانع، وهو كل ما سواه من الجواهر والأعراض، فإنها لإمكانها وافتقارها إلى مؤثر واجب لذاته تدل على وجوده، واختلف هل القبض من مقرها أو من يد أعوانه المعالجين لنزعها من برغوث وبعوض وبشر وملك وجن، بَرّاً وبحراً، حتى روح نفسه كما قيل، وقيل: يقبضها الله تعالى، كما قيل: أنه يقبض أرواح شهداء البحر. وروي أنه سئل الإمام مالك: أيقبض أرواح البراغيث؟ فقال: ألها نفس؟ قيل: نعم، قال: يقبضها.

واختلف في حقيقة الروح، ومذهب أهل السنة من المتكلمين والمحدثين والفقهاء والصوفية أنها جسم لطيف متخلل في البدن تذهب الحياة بذهابها. وعبارة بعض المحققين: هي جسم لطيف مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر، وبه جزم النووي ونقل تصحيحه عن أصحابهم، وابن عرفة المالكي ونقل تصحيحه عن أصحابهم كذا ذكره اللقاني.

(و) نؤمن (بعذاب القبر لمن كان له) أي للعذاب (أهلاً) كما دلت عليه الآيات كقوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى} الآية [السجدة: 21] وقوله: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [المؤمن: 46]، وكذلك الأخبار كقوله صلى الله عليه وسلم: (أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة الدجال) الحديث،[3] وقوله صلى الله عليه وسلم في صاحبي القبرين اللذين غرز عليهما الجريدة: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير)، ثم قال: (بلى أما أحدهما فكان لا يستنزه من

صفحة 116

البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)،[4] كذا في المسايرة.

(و) نؤمن (بسؤال) الملكين (منكر ونكير للميت) مطلقاً، وقيل للكافر فقط، وتسميتهما بمنكر ونكير ليست على جهة الذم، وإنما هي لقب وليس في الأسماء والذوات قبيح ولا حسن للذات، والمتعارف أنهما اثنان، وفي حلية أبي نعيم: ثلاثة: منكر ونكير وناكور. وحكى العراقي: أن ملكي المؤمن مبشر وبشير، كذا ذكره المنلا الياس. وقوله: (في قبره) جرى على الغالب، وإلا فمن أكلته السباع وأحرقته النار ومن لم يدفن يأتيانه من حيث شاء الله تعالى ويسألانه كما يعلم الله تعالى، وكأن المصنف جرى على ظاهر الحديث، ففي الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (إذا قبر الميت) أو قال: (أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما: منكر والآخر نكير، ويقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول [ما] كان يقول فيه هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له: نم، فيقول: حتى أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس [التي] لا يوقظها إلا أحب أهلها منها، فينام حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وإن كان منافقاً قال: سمعت الناس يقولون شيئاً فقلت مثله[5] لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك).[6] قال الترمذي: حديث حسن غريب.

فيسألانه (عن ربه ودينه ونبيه على ما جاءت به الأخبار عن

صفحة 117

رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين) فإن له حكمَ المرفوع إليه صلى الله عليه وسلم لأنه لا يقال من قبل الرأي. قال اللقاني: السؤال في القبر عن العقائد فقط، يقول الملك للميت: من ربك؟ وما دينك؟ وما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ وفي رواية: ومن أبوك وما قبلتك؟ وفي أخرى: الاقتصار على تلك المذكورات، وجمع باختلاف المسؤولين أو بأن بعض الرواة اقتصر وبعضهم أتم. اهـ.

القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار

(والقبر) بعد ذلك على صاحبه (روضةٌ من رياض الجنة أو حفرةٌ من حفر النار) بحسب الثبات والارتياب. أخرج الترمذي والنسائي والحاكم بسند صحيح عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: أن القبر أول منزل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه. واعلم أن أهل الحق اتفقوا على أن الله تعالى يخلق في الميت نوعَ حياة في القبر، قدْر ما يتألم ويلتذ، لكن اختلفوا في أنه هل تعاد الروح إليه أم لا؟ والمنقول عن الإمام أبي حنيفة التوقف.

  1. [1] هو أحمد بن عمار المهدوي المغربي (أبو العباس) نحوي لغوي مقرئ مفسر، توفي سنة 440هـ، من تصانيفه تفسير كبير سماه التفصيل – معجم المؤلفين: 2/ 27.
  2. [2] هكذا في الأصول ولعل الأصوب: التفصيل الجامع لعلوم التنزيل وهو كتاب تفسير كبير مخطوط موجود منه الجزء الرابع في فهرس الخديوية بدار الكتب المصرية – الخديوية: 1/ 126.
  3. [3] هو قسم من حديث في البخاري 1/ 27 بولاق برقم 85 وصدر الحديث: (ما من شيء لم أكن أريته في مقامي هذا) الخ… رواه الإمام أحمد في مسنده والديلمي في مسند الفردوس وأبو يعلى في مسنده عن أسماء بنت أبي بكر – الفتح الكبير: 3/ 111.
  4. [4] رواه الإمام أحمد في مسنده 1/ 225 وأصحاب الصحاح الستة عن ابن عباس رضي الله عنهما – الفتح الكبير: 1/ 449.
  5. [5] جاء في هامش الأصل س: بلغ مقابلة.
  6. [6] هو في الترمذي 4/ 25 برقم 6071 وقال في الفتح الكبير: رواه الترمذي عن أبي هريرة 1/ 14.
شرح العقيدة الطحاوية للميداني
الإيمان بالملائكة الكرام الكاتبين، الإيمان بملك الموت وبعذاب القبر وسؤال منكر ونكير، القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار
 
Top