الإيمان بالبعث لجميع العباد وجزاء الأعمال والعرض والحساب والثواب والعقاب والصراط، الإيمان بالميزان ووصفه وأن الجنة والنار مخلوقتان

صفحة 117

الإيمان بالبعث لجميع العباد وجزاء الأعمال والعرض والحساب والثواب والعقاب والصراط

(ونؤمن بالبعث) لجميع العباد ويعيدهم بجميع أجزائهم الأصلية وهي التي من شأنها البقاء من أول العمر إلى آخره ويعيد الأرواح إليها ويسوقهم إلى محشرهم لفصل القضاء بينهم، وهذا كله ثابت بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقد ورد فيه من الآيات الدالة عليه ما يقارب في الكثرة آيات الأحكام وأكثرها لا يحتمل التأويل مثل قوله تعالى: {قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [ياسين: 78] وقوله: {فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} [ياسين: 51] وقوله: {فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الإسراء: 51] وقوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ . بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} [القيامة: 3-4] وقوله: {يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ۚ ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} [ق: 44] وقوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 29]. وأما السنة فقد ورد في ذلك ما يبلغ جملته مبلغ التواتر المعنوي، ولا شك الآن أن الحشر صار من ضروريات الدين فإنكاره كفر بيقين. كذا ذكره اللقاني.

(و) نؤمن (بجزاء الأعمال يوم القيامة والعرض

صفحة 118

والحساب وقراءة الكتاب) أي كتاب عمله كما قال تعالى: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا} [الإسراء: 13] وعنه صلى الله عليه وسلم: (إن الله يدني المؤمن فيضع كتفه ويستره [من الناس ويقرره بذنوبه] فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربي، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين).[1]

(و) نؤمن بـ(الثواب) للمطيع (والعقاب) للعاصي حسب وعده ووعيده (والصراط) أنه حق، وهو جسر ممدود على متن جهنم أحدُّ من السيف وأدقُّ من الشعر. كذا في عقيدة الإمام الغزالي، قال شارحها المنلا إلياس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعن جنبي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعند رأس الصراط داع يقول: استقيموا على الصراط جميعاً ولا تعوجوا، وفي لفظ: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تعوجوا، وفوق ذلك داع يدعو: كلما هَمَّ عبد أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه)،[2] ثم فسره فأخبره أن الصراط هو الإسلام وأن الأبواب المفتحة محارم الله، وأن الستور المرخاة حدود الله، وأن الداعي على رأس الصراط هو القرآن، وأن الداعي من فوقه هو واعظ الله في قلب كل مؤمن، فإذا كان الصراط هو الإسلام فمن لا إسلام له لم يدخل الصراط في الدينا، فلا سلكه يوم القيامة إذا صار محسوساً.

هذا وأما ما نقل القرافي أنه قال: لم يصح في الصراط أنه أدق من الشعر وأحد من السيف

صفحة 119

شيء فكلام لا يصح لأن مرسل الصحابي[3] في حكم الوصل على الصواب. وقد ورد في الخبر المروي: (أن الصراط يظهر يوم القيامة فيه للأبصار على قدر أنوار الناس فمن الناس من يكون له على الصراط يمشي شعاعه بين يديه وعن يمينه وعن شماله فرسخاً وأكثر وأقل، فيتسع الصراط في حقه على قدر نوره فأقلهم نوراً هو أخفى من الشعر وأحد من السيف)[4] اهـ كلام المنلا إلياس.

الإيمان بالميزان ووصفه وأن الجنة والنار مخلوقتان

(والميزان) الذي (يوزن به أعمال المؤمنين من الخير والشر والطاعة والمعصية) هو ميزان حقيقي بكفتين ولسان، كل كفة طباق السماوات والأرض: كفة من نور والأخرى من ظلام، فالنيرة للحسنات والمظلمة للسيئات. واعلم أن من الأخيار من لا يوزن له عمل، ولا ينشر له كتاب كأهل البلاء، وكذلك من الأشرار، بل يزف الأولون إلى الجنة من غير وزن لا حساب، ويساق الآخرون إلى النار كذلك بدليل قوله تعالى: {فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 105] كذا نقله الشيخ علوان، وكأن المصنف خص الوزن لأعمال المؤمنين للإشارة إلى ذلك.

(و) نقول (الجنة والنار مخلوقتان) الآن خلافاً للمعتزلة أنهما يخلقان يوم الجزاء لنا، وقصة آدم وحواء وإسكانهما الجنة والآيات الظاهرة في إعدادهما مثل {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] ومثل {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131] فإن عورض بمثل قوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا} [القصص: 83] قلنا يحتمل الحال والاستمرار ولو سلم فقصة آدم تبقى سالمة عن المعارضة، كذا في شرح العقائد.

صفحة 120

و(لا يفنيان) هما ولا أهلهما (ولا يبيدان) سرمداً تكراراً للتأكيد أي لا يطرأ عليهما عدم مستمر لقوله تعالى في حق الفريقين: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء: 57]، فما قيل أنهما يهلكان ولو لحظة تحقيقاً لقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] فلا ينافي البقاء بهذا المعنى، على أنك قد عرفت أن لا دلالة في الآية على الفناء، وذهبت الجهمية إلى أنهما يفنيان ويفنى أهلهما وهو قول باطل مخالف للكتاب والسنة والإجماع، ليس عليه شبهة فضلاً عن حجة، كذا في شرح العقائد.

(و) نقول (إن الله تعالى خلق الجنة والنار وخلق لهما أهلاً) حيث قبض قبضتين فقال: {هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي)[5] الحديث القدسي. وفي الحديث: (فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة وفريق في السعير).[6] (فمن شاء) كان من قبضة اليمين و(إلى الجنة أدخله فضلاً منه، ومن شاء منهم) كان من الأخرى و(إلى النار أدخله عدلاً منه، وكل) منهم (يعمل لما قد فرغ منه) حيث رفعت الأقلام وجفت الصحف كما في الحديث (وصائر) بتقدير الله (إلى ما خلق له) ومستوفٍ ما قدر له.

  1. [1] رواه الإمام أحمد 2/ 104 و105 والبخاري برقم 2378 ومسلم والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما – الفتح الكبير: 1/ 357.
  2. [2] الحديث: رواه الإمام أحمد في مسنده 4/ 182 والحاكم في المستدرك عن النواس – الفتح الكبير: 2/ 207.
  3. [3] قوله: مرسل الصحابي في حكم الموصول… الخ. هو قول أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (بلغني أن الجسر أدق من الشعر وأحد من السيف) اهـ هامش الأصل ولا وجود لهذه العبارة في م.
  4. [4] الحديث طويل جداً أورد بعضه الإمام الغزالي في الإحياء 4/ 525 طبع الاستقامة وقال الحافظ العراقي في تخريجه: أخرجه البيهقي في الشعب بسند ضعيف.
  5. [5] الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده: 4/ 176 و177 و5/ 68 عن أبي نضرة بلفظ (إن الله عز وجل قبض قبضة بيمينه وقال: هذه لهذه ولا أبالي…). وليس فيه لفظ جنة أو نار.
  6. [6] الحديث رواه الترمذي 6/ 314 في القدر برقم 2142 وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب.
شرح العقيدة الطحاوية للميداني
الإيمان بالبعث لجميع العباد وجزاء الأعمال والعرض والحساب والثواب والعقاب والصراط، الإيمان بالميزان ووصفه وأن الجنة والنار مخلوقتان
 
Top