اختيار النبي عليه السلام مقام العبودية، النبي عليه السلام خاتم الأنبياء والمرسلين، كل دعوة بعد دعوة النبي عليه السلام فغي وهوى

صفحة 63

اختيار النبي عليه السلام مقام العبودية، النبي عليه السلام خاتم الأنبياء والمرسلين، كل دعوة بعد دعوة النبي عليه السلام فغي وهوى

(و) نقول (إن) نبينا (محمداً صلى الله عليه وسلم) أشهر أسمائه الشريفة، وهي ألف عند بعضهم، وقيل ثلاثمائة، وقيل: تسعة وتسعون، وهو عَلَمٌ منقول من اسم مفعول المضاعف، فسمي بذلك لكثرة خصاله الحميدة، وقد سماه به جده عبد المطلب في سابع يوم من ولادته بإلهام من الله تعالى، فقيل له: لم سميت ابنك محمداً، وليس من أسماء آبائك وأجدادك؟ قال: رجوت أن يُحمد في السماء والأرض، فحقق الله رجاءه على الوجه الذي سبق في علمه، ولم يسم به أحد قبله،

صفحة 64

ولكن لما قرب زمنه ونشر أهل الكتاب نعته سمى أقوام أولادهم به رجاء النبوة لهم، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وعدتهم خمسة عشر كما نبه عليه بعض المحققين.

(عبده) قدمه امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح: (لا تُطروني كما أَطرت النصارى عيسى بن مريم ولكن قولوا عبده ورسوله)،[1] ولتقدمها وجوداً على الرسالة، وللدلالة عن عدم استنكافه عن ذلك المقام بل للإشارة إلى أنه مفتخر بذلك المرام، ولأنه أحب الأسماء إلى الله تعالى وأرفعها إليه ومن ثَمَّ وصفه الله تعالى به في أشرف المقامات في إنزال القرآن كما في قوله: {أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [الكهف: 1]، وقوله: {نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ} [الفرقان: 1]، وفي مقام الدعوة إليه في قوله: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} [الجن: 19]، وفي مقام الإسراء والوحي إليه في قوله: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء: 1]، وقوله: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10]، فلو كان له وصف أشرف منه لذكره به في تلك المقامات العلية، واحتراساً عن الإفراط بوصفه، حيث إنه صلى الله عليه وسلم مع ما بلغ من الاصطفاء والاجتباء والارتضاء والختم والسيادة مع النبوة والرسالة، ما برح عن صفة العبودية، وأن صفة الألوهية والربوبية إنما هي لله تعالى لا غير، والعبودية لمن دونه، ففي الوصف بها إشارة إلى غاية كمال الله تعالى واحتياجِ غيره إليه في سائر أحواله.

(المصطفى) نعت له أي المختار من الأخيار، أخرج ابن ماجه والترمذي عن عمران[2] بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم).[3]

(ونبيه) من النبوة وهي

صفحة 65

الرفعة، أي أن له عند الله رتبة شريفة ومكانة منيفة، أو من النبأ بالهمز وقد تسهل، وهو الخبر أي أن الله أطلعه على غيبه وأعلمه أنه نبيه فيكون نبياً منبأ، أو يكون مخبراً عما بعثه الله تعالى به ومنبأ بما أطلعه الله تعالى عليه وهو – كما قال الشهاب ابن حجر -: إنسان حر، ذكر من بني آدم أُوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه. (المجتبى) نعت له، وهو كالمصطفى وزناً ومعنى. (ورسوله) وهو – كما قال الشهاب -: إنسانٌ حر ذكر من بني آدم أُوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه سواء كان معه كتاب أُنزل عليه ليبلغه، ناسخاً لشرع من قبله، أو غير ناسخ له، أو على من قبله، وأُمر بدعوة الناس إليه، أو لم يكن له ذلك بأن أُمر بتبليغ الوحي من غير كتاب فهو أخص من النبي. (المرتضى) لما أكرمه الله تعالى به، وهو صلى الله عليه وسلم (خاتَم) جميع (الأنبياء) كما قال تعالى: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]، وعنه صلى الله عليه وسل: (وخُتم بي النبيون)،[4] رواه مسلم، (وإمام) جميع (الأتقياء) جمع تقي وهو من اتصف بالتقوى.

قال البيضاوي: والتقوى فرط الصيانة، وهي في عرف الشرع اسم لمن يقي نفسه عما يضره في الآخرة، ولها ثلاث مراتب.

الأولى: التوقي عن العذاب المخلد بالتبري عن الشرك وعليه قوله تعالى: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} [الفتح: 26].

والثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر، وهو

صفحة 66

المتعارف باسم التقوى في الشرع، وهو المعنيُّ بقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا} [الأعراف: 96].

والثالثة: أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه بسرائره، وهو التقى الحقيقي المطلوب بقوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] اهـ.

(وسيد) جميع (المرسلين) لما في الجامع[5] الصغير معلماً للإمام أحمد في مسنده[6] والترمذي وابن ماجه[7] عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي) اهـ. ولا ينافي هذا صدر الحديث لأنه إما للتأدب مع آدم، أو لأنه علم فضل بعض بنيه عليه كإبراهيم فإذا فضل الأفضل من آدم، ففضل آدم بالأولى، ولا ينافي التفضيل بين الأنبياء قوله تعالى: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} [البقرة: 136]، ولا ما جاء من الأحاديث الصحيحة كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تفضلوني) وفي رواية: (لا تخيروني على الأنبياء)[8] وقوله: (من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب)[9] وذلك لأن عدم التفرقة بينهم إنما هو في الإيمان بهم وبما جاؤوا به، أو بحمل النهي عن التفضيل في ذات النبوة والرسالة،

صفحة 67

إذ هم فيه سواء، أو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص بعضهم، وقد أجاب إمام الحرمين[10] عن خبر يونس بما حاصله: أن تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم بالأمور الحسية كالشفاعة العظمى وكونهم تحت لوائه، والإسراء به إلى فوق سبع سماوات، مع النزول بيونس إلى قعر البحر معلومٌ بالضرورة، فلم يبق إلا النهي بالنسبة إلى القرب والبعد من الله تعالى المُتَوَهَّمُ التفاوت فيه بين من فوق سبع سماوات ومن في قعر البحر، فبيَّن صلى الله عليه وسلم أنهما حينئذ بالنسبة إلى القرب والبعد من الله تعالى على حد سواء لتعاليه تعالى عن الجهة والمكان علواً كبيراً.

(وحبيب) فعيل بمعنى مفعول أي محبوب لربه، (رب العالمين) جل وعلا (وكل دعوة نبوة بعد) ظهور (نبوته) الخاتمة (فَغَيٌّ) أي ضلال وفرط جهل حمله على دعواها (وهوى) نفس أمارة بهواها، (وهو) صلى الله عليه وسلم (المبعوث إلى) الثقلين (عامة الجن) بكسر الجيم بخلاف الإنس، وهم أجسام عاقلة خفية يغلب عليهم النارية والهوى، بيضاوي، (وكافة الورى) أي الخلق فهو من عطف العام على الخاص، وإنما ابتدأ بالجن اقتداءً بقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقدمت في هذه الآية ونحوها لكونهم سبقوا في الوجود، قال تعالى: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ} [الحجر: 27].

وهو (المبعوث بالحق) من ربه (والهدى) والرشد بإذنه.

  1. [1] وتمام الحديث: (وإنما أنا عبده ورسوله فقولوا عبد الله ورسوله) رواه البخاري عن عمر – الفتح الكبير: 3/ 329، والبخاري بشرح العيني الاستانة 7/ 440 وقال رواه الترمذي في الشمائل 172 طبع الدعاس.
  2. [2] عمران بن حصين، أبو نجيد الخزاعي: من علماء الصحابة، أسلم عام خيبر سنة 7 وتوفي سنة 52هـ – الأعلام 5/ 232.
  3. [3] الحديث جاء في الفتح الكبير 1/ 323: رواه الإمام مسلم والترمذي عن واثلة بن الأسقع وهو في مسلم 4/ 54 والترمذي 9/ 235، وقال معلقه: تفرد به والروايتان عن واثلة، أما ما جاء في الأصل عن عمران بن حصين فلم نجد ذلك في ذخائر المواريث 2/ 68 ولا في ابن ماجه فليحرر.
  4. [4] الحديث بتمامه: (فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون)، رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة – الفتح الكبير 2/ 273، وهو في مسلم 1/ 194 طبع البابي الحلبي، وهو في الترمذي: 5/ 273.
  5. [5] الجامع الصغير 1/ 107.
  6. [6] المسند 3/ 2 الطبعية اليمنية.
  7. [7] السنن لابن ماجه 2/ 301 العلمية وتتمته في الترمذي 9/ 235: (وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر)، والحديث في هذه الكتب باختلاف لفظ أو لفظين بين الكتاب والآخر والمعنى واحد.
  8. [8] الحديث: (لا تخيروني من بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جزي بصعقة الطور – البخاري 3/ 96 ميمنية بحاشية السندي.
  9. [9] رواه البخاري 3/ 108 ميمنية والترمذي 8/ 371 وابن ماجه عن أبي هريرة – الفتح الكبير: 2/ 216.
  10. [10] عبد الملك بن عبد الله الجويني، أبو المعالي: الملقب بإمام الحرمين لتردده بينهما، أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي، ولد سنة 419هـ وتوفي سنة 478هـ – الأعلام: 4/ 306.
شرح العقيدة الطحاوية للميداني
اختيار النبي عليه السلام مقام العبودية، النبي عليه السلام خاتم الأنبياء والمرسلين، كل دعوة بعد دعوة النبي عليه السلام فغي وهوى
 
Top