إن الله لم يكلف خلقه إلا ما يطيقونه، تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله

صفحة 128

إن الله لم يكلف خلقه إلا ما يطيقونه

(ولم يكلفهم) الله تعالى (إلا ما يطيقونه) ولم يكلفهم بما ليس في وسعهم، سواء كان ممتنعاً في نفسه كجمع الضدين أو ممكناً، كخلق الجسم، وأما ما يمتنع بناءً على أن الله تعالى عَلِمَ خلافه أو راد خلافه، كإيمان الكافر وطاعة العاصي، فلا نزاع في وقوع التكليف به لكونه مقدورَ المكلف بالنظر إلى نفسه. ثم عدم التكليف بما ليس في الوسع متفق عليه لقوله تعالى:[1] {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] والأمر في قوله تعالى: {أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ} [البقرة: 31] للتعجيز لا للتكليف، وقوله تعالى حكاية: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] ليس المراد بالتحميل هو التكليف، بل إيصال ما لا يطاق من العوارض إليهم، وإنما النزاع في الجواز فمنعه المعتزلة بناء على القبح

صفحة 129

العقلي، وجوزه الأشعري لأنه لا يقبح من الله تعالى شيء، وقد يستدل بقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} على نفي الجواز. وتقريره أنه لو كان جائزاً لما لزم من فرض وقوعه محال ضرورة أن استحالة اللازم يوجب استحالة الملزوم، لكنه لو وقع لزم كذب كلام الله تعالى وهو محال، وهذه نكتة في بيان استحالة وقوع كل ما يتعلق علم الله تعالى وإرادته واختياره بعدم وقوعه وحَلّها: أن لا نسلّم أن كل ما يكون ممكناً في نفسه لا يلزم من فرض وقوعه محال، وإنما يجب ذلك لو لم يعرض له الامتناع بالغير، وإلا لجاز أن يكون لزوم المحال بناءً على الامتناع بالغير، ألا يرى أن الله تعالى لما أوجد العالم بقدرته واختياره، فعدمه ممكن في نفسه مع أنه يلزم من فرض وقوعه تخلف المعلول عن علته التامة وأنه محال. والحاصل: أن الممكن لا يلزم من فرض وقوعه محال بالنظر إلى ذاته، وأما بالنظر إلى أمر زائد على نفسه فلا نسلّم أنه لا يستلزم المحال. كذا في شرح العقائد.[2]

تتمة: قال في جمع الجوامع: يجوز التكليف بالمحال مطلقاً، ومنع أكثر المعتزلة والشيخ أبو حامد الغزالي وابن دقيق العيد ما ليس ممتنعاً لتعلق العلم بعدم وقوعه، ومنع معتزلة بغداد والآمدي المحالَ لذاته، وإمامُ الحرمين [منع] كونه مطلوباً لا ورودَ صيغة الطلب. والحق وقوع [التكليف بالمحال] الممتنع بالغير لا بالذات. اهـ. وفي المسايرة: ولا أعلم أحداً منهم يعني الحنفية جَوَّزَ تكليف ما لا يطاق. قال الشارح: فهم في هذا مخالفون للأشعرية في تجويزهم إياه عقلاً، والمراد أنهم يمنعون التكليف بالممتنع لذاته، أما الممتنع لتعلق علم الله تعالى بعدم وقوعه كإيمان من علم الله تعالى أنه لا يؤمن، فإن التكليف به جائز عقلاً واقع وفاقاً. اهـ. وفيها أيضاً: واعلم أن الحنفية لما استحالوا عليه تكليف ما لا يطاق منهم لتعذيب المحسن الذي استغرق عمره في الطاعة مخالفاً لهوى نفسه في رضا مولاه أمنع بمعنى أنه يتعالى عن

صفحة 130

ذلك فهو من باب التنزيهات إذ التسوية بين المسيء والمحسن غير لائق بالحكمة في فِطَرِ سائر العقول، وقد نص الله تعالى على قبحه حيث قال: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21] فجعله سيئاً، وهذا في التجويز عليه وعدمه، أما الوقوع فمقطوع بعدمه غير أنه عند الأشاعرة للوعد بخلافه وعند الحنفية وغيرهم لذلك ولقبح خلافه. اهـ.

تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حيلة ولا حركة لأحد عن معصية الله إلا بمعونته، لا قوة لأحد على إقامة الطاعة والثبات عليها إلا بتوفيق الله عز وجل، كل شيء يجري بمشيئة الله وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئة الله المشيئات كلها وغلب قضاؤه الحيل كلها يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبداً

(و) هم (لا يطيقون إلا ما كلفهم) الله تعالى به (و) هذا المعنى (هو حاصل تفسير قول) القائل (لا حول ولا قوة إلا بالله) كأنك (تقول لا حيلة ولا حركة لأحد) عن التحول (عن معصية الله إلا بمعونة الله) تعالى (ولا قوة لأحد على إقامة طاعة والثبات عليها إلا بتوفيق الله) تعالى (و) نقول (كل شيء يجري) في الكون فهو (بمشيئة الله عز وجل وعلمه وقضائه وقدره) وهو الذي (غلبت مشيئته المشيئات كلها وغلب قضاؤه) وقدره (الحيلَ كلها، يفعل ما يشاء) ويريد (وهو غير ظالم) بفعله (أبداً) لأن الظلم يقال على التصرف في ملك الغير كرهاً، وهذا محال في حقه تعالى لأن الكل ملكه، فله التصرف كيف شاء وعلى وضع الشيء في غير موضعه، والله تعالى أحكم الحاكمين وأعلم العالمين وأقدر القادرين، فكل ما وضعه فهو في موضعه وإن خفي علينا وجهه. قال الإمام الغزالي: ولا يتصور الظلم من الله تعالى فإنه لا يصادف لغيره ملكاً حتى يكون تصرفه ظلماً. اهـ. فجريان الظلم من الله تعالى محال عقلاً (تقدس) سبحانه وتعالى (عن كل سوء) أي ما يسوءه (وتنزه عن كل عيب وشين) بمعنى العيب (لا يُسأل عما يفعل) لتصرفه في خالص ملكه (وهم يُسألون) كما أخبر سبحانه وتعالى في كتابه وفي الحديث: (لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه؟).[3]

صفحة 131

(و) نقول (في دعاء الأحياء للأموات وصدقتِهم) عنهم (منفعة للأموات) خلافاً للمعتزلة تمسكاً بأن القضاء لا يتبدل، وكل نفس مرهونة بما كسبت، والمرء مجزي بعمله لا بعمل غيره، ولنا ما روي في الصحاح من الدعاء للأموات خصوصاً في صلاة الجنازة، وقد توارث له السلف فلو لم يكن للأموات نفع فيه لما كان له معنى، وقال عليه الصلاة والسلام: (ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة، كلهم[4] يشفعون له إلا شفعوا فيه)،[5] وعن سعد بن عبادة أنه قال: يا رسول الله، إن أم سعد ماتت فأي صدقة أفضل؟ قال: (الماء)،[6] فحفر بئراً وقال: هذه لأم سعد. والأحاديث والآثار في هذا الباب أكثر من أن تحصر. كذا في شرح العقائد.

(والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات) لقوله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [المؤمن: 60] ولقوله عليه الصلاة والسلام: (يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل يقول: دعوتُ فلم يستجب لي)،[7] ولقوله صلى الله عليه وسلم: (إن ربكم

صفحة 132

حييٌّ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صُفراً).[8] واعلم أن العمدة في ذلك صدق النية وخلوص الطوية وحضور القلب لقوله صلى الله عليه وسلم: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله تعالى لا يستجيب الدعاءَ من قلب غافلٍ لَاهٍ).[9]

واختلف المشايخ في أنه هل يجوز أن يقال: يستجاب دعاء الكافرين، فمنعه الجمهور لقوله تعالى: {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [الرعد: 14] ولأنه لا يدعو الله لأنه لا يعرفه، لأنه وإن أقرَّ به فلما وصفه بما لا يليق به فقد نقض إقراره، وما روي في الحديث:[10] (أن دعوة المظلوم وإن كان كافراً تستجاب) محمول على كفران النعمة، وجوزه بعضهم لقوله تعالى حكاية عن إبليس: {رَبِّ فَأَنظِرْنِي}، فقال الله: {فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ} [الحجر: 37] هذه إجابة وإليه ذهب أبو القاسم الحكيم وأبو نصر الدبوسي قال الصدر الشهيد:[11] وبه يفتى. كذا في شرح العقائد.

  1. [1] العبارة من شرح العقائد للنسفي: 123.
  2. [2] شرح العقائد للنسفي: 124.
  3. [3] رواه الترمذي 7/ 136 برقم 2419 بلفظ: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه). والحديث عن أبي برزة الأسلمي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
  4. [4] ولفظة كلهم جاءت في الأصل وليست في النسائي وهي عند مسلم.
  5. [5] الحديث: رواه الإمام أحمد في مسنده 3/ 266 ومسلم 2/ 375 في الجنائز باب من صلى عليه مائة شفعوا فيه والنسائي 1/ 281 الجنائز باب الدعاء عن عائشة.
  6. [6] الحديث: رواه الإمام أحمد في مسنده 5/ 285 والنسائي 2/ 120 في الوصايا باب فضل الصدقة عن الميت عن سعد بن عبادة.
  7. [7] ورد بلفظ: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل بقول: دعوت فلم يستجب لي) رواه البخاري 22/ 246 بشرح الكرماني برقم 5959 في الدعوات ومسلم 4/ 244 كتاب الذكر باب يستجاب للداعي وأبو داود 1/ 343 كتاب الوتر باب الدعاء والترمذي برقم 3384 في الدعوات وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه 2/ 227 كتاب الدعاء باب يستجاب والإمام مالك في الموطأ بشرح الزرقاني 2/ 35 برقم 498 والإمام أحمد في مسنده 2/ 487 عن أبي هريرة.
  8. [8] الحديث: رواه أبو داود 2/ 342 كتاب الوتر باب الدعاء والترمذي في الدعوات برقم 3551 وابن ماجه 2/ 229 في الدعاء والإمام أحمد في مسنده 5/ 438 عن سلمان ورواه الحاكم 1/ 497 عن سلمان وأنس وقال صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي في التلخيص ورواه أيضاً الحاكم في المستدرك 1/ 497 بلفظ: (إن الله يستحي أن يبسط العبد يديه إليه فيردهما خائبتين)، عن أبي عثمان المهدي عن سلمان وقال الحاكم هذا صحيح الإسناد.
  9. [9] رواه الترمذي 9/ 156 برقم 3474 في الدعوات والحاكم في المستدرك 1/ 493 عن أبي هريرة وقال: هذا حديث مستقيم الإسناد تفرد به صالح المري وقال الذهبي متروك.
  10. [10] الحديث: (اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً فإنه ليس دونها حجاب) رواه الإمام أحمد وأبو يعلى والضياء عن أنس – الفتح الكبير: 1/ 36 والحديث في المسند للإمام أحمد 1/ 233 عن ابن عباس و3/ 153 عن أنس وفي المسند 2/ 343 (إياك ودعوة المظلوم) عن أبي هريرة.
  11. [11] هو: عمر بن عبد العزيز المعروف بالصدر الشهيد (أبو محمد، حسام الدين) فقيه أصولي من أهل بخارى، ولد سنة 483هـ وتوفي سنة 536هـ. معجم المؤلفين 7/ 291.
شرح العقيدة الطحاوية للميداني
إن الله لم يكلف خلقه إلا ما يطيقونه، تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله
 
Top