أهل الكبائر من أمة محمد عليه السلام لا يخلدون في النار، الصلاة على من مات من أهل القبلة، لا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا

صفحة 106

أهل الكبائر من أمة محمد عليه السلام لا يخلدون في النار

(و) نقول (أهل الكبائر من أمة) نبينا (محمد صلى الله عليه وسلم) وكذا جميعُ أمم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وخصه بالذكر إما لاتفاق الحكم في جميع الأمم فإذا عُلم حكم أمته عُلم الحكم في جميع الأمم الماضية حيث كانوا كلهم جاؤوا بالتوحيد، وإما لكونهم داخلين في حكم أمته حيث كان العهد مأخوذاً عليهم إن أدركوه ليؤمنن به، فرسالته عامة لجميع الأمم والحاصل أن جميع أهل الكبائر من أهل التوحيد إذا أراد الله تطهيرهم (في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين) أي معترفين له بالتوحيد وبه (مؤمنين) بلا ترديد، وذلك لأن التخليد في النار من أعظم العقوبات وقد جعله الله جزاء الكفر الذي هو أعظم الجنايات، فلو جوزي به غير الكافر كان زيادة على قدر الجناية فيلزم منه خُلف الوعد وذلك لا يجوز عليه تعالى، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9]، قال العلامة النووي في شرح صحيح مسلم: واعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحداً دخل الجنة قطعاً على كل حال، فإن كان سالماً من المعاصي كالصغير والمجنون الذي اتصل جنونه بالبلوغ، والتائب توبة صحيحة من الشرك وغيره من

صفحة 107

المعاصي إذا لم يحدث معصية بعد توبته، والموفق الذي لم يبتائل معصية أصلاً فكل هذا الصنف يدخل الجنة ولا يدخلون النار أصلاً، لكنهم يَرِدُوْهَا على الخلاف المعروف في الورود، والصحيح أن المراد به المرور على الصراط، وأما من كانت له معصية كبيرة ومات من غير توبة بمشيئة الله تعالى، فإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة أولاً وجعله كالقسم الأول، وإن شاء عذبه القدْر الذي يريده سبحانه وتعالى ثم يدخله الجنة، فلا يخلد في النار أحدٌ مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل، كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل، وهذا مختصر جامع لمذاهب أهل الحق في هذه المسألة، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به على هذه القاعدة وتواترت بذلك نصوص تُحصِّل العلم القطعي، فإذا تقررت هذه القاعدة حمل عليها جميع ما ورد من أحاديث الباب وغيره، فإذا ورد حديث في ظاهره مخالفة له وجب تأويله عليها، ليجمع بين نصوص الشرع، وإذا تأملت ما حققه تجده عين ما ذكره المصنف حيث قال: (وهم) أي أهل الكبائر المتقدم ذكرهم (في مشيئته) تعالى (وحكمه) فهو سبحانه وتعالى (إن شاء غفر لهم وعفا عنهم) وذلك (بفضله) ورحمته (كما قال تعالى في كتابه العزيز: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ}) [النساء: 48]. {وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]. (وإن شاء عذبهم في النار) المعدة لتطهير الأوزار (بقدر جنايتهم) وظلمهم لأنفسهم وذلك (بعدله) وحكمته (ثم يخرجهم منها برحمته) التي وسعت كل شيء من بريته،[1] (وشفاعة الشافعين من أهل

صفحة 108

طاعته) كأنبيائه ورسله وملائكته وأهل معرفته وذلك بإذنه ومشيئته للأحاديث الكثيرة المتواترة المعنى منها: حديث أبي سعيد في الصحيحين أن ناساً قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ الحديث بطوله وفيه: (فيقول الله تعالى: شَفِعَتِ الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين).[2] ومنها حديث الترمذي وابن ماجه وابن حبان وغيرهم: (ليدخُلَنَّ الجنةَ بشفاعة رجلٍ من أمتي أكثر من بني تميم).[3] (ثم يبعثهم إلى جنته) دار كرامته (وذلك بأن الله مولى) أي ناصر (أهل معرفته) في دنياه وآخرته (ولم يجعلهم في الدارين كأهل نُكرته) الجاحدين لتوحيده وقدرته (الذين خابوا من هدايته) لمعرفته (ولم ينالوا من ولايته) ما يرشدهم لتوحيده وعبادته.

(اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسِّكنا بالإسلام حتى نلقاك به) راضياً عنا يوم الحشر وهَوله فإنك المهدي إليه والمنعم به.

الصلاة على من مات من أهل القبلة

(ونرى الصلاة) جائزة (خلف كل بر) مهتد (وفاجر) معتد حيث كان (من أهل القبلة) لقوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا خلف كل بر وفاجر)[4] ولأن علماء الأمة كانوا يصلّون خلفَ الفسقة وأهل الأهواء والبدعة من غير نكير، وما نقل عن بعض السلف من المنع عن الصلاة خلف المبتدع فمحمول على الكراهية إذ لا كلام في كراهة الصلاة خلف الفاسق والمبتدع، وهذا إذا لم يؤد الفسق أو البدعة إلى حب

صفحة 109

الكفر وإلا فلا كلام في عدم جواز الصلاة خلفه، كذا في شرح العقائد. (و) كذلك (نصلي على من مات منهم) أي أهل القبلة البر والفاجر بالشرط المتقدم لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تدعوا الصلاة على من مات من أهل القبلة)[5] (ولا ننزل أحداً منهم جنة ولا ناراً ولا نشهد عليهم بكفر ولا شرك ولا نفاق) وإن كان لازم مذهبهم لأن لازم المذهب ليس بمذهب، قال في شرح المواقف: قال الشيخ أبو الحسن في أول كتاب مقالات الإسلاميين: اختلف المسلمون بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم في أشياء ضلل بعضُهم بعضاً، وتبرأ بعضُهم عن بعض فصاروا فرقاً متباينين إلا أن الإسلام يجمعهم ويعمهم فهذا مذهبه وعليه أكثر أصحابنا. وقد نقل عن الشافعي أنه قال: لا أرد شهادة أحد من أهل الأهواء إلا الخَطّابية[6] فإنهم يعتقدون حِلَّ الكذب، وحكى الحاكم صاحب المختصر في كتاب المنتقى عن أبي حنيفة: أنه لم يُكَفِّرْ أحداً من أهل القبلة، وحكى أبو بكر الرازي مثل ذلك عن الكرخي وغيره. اهـ.

(ما لم يظهر منهم من ذلك) اللازم (شيء) ظاهر كقولهم بذلك اللازم وتصريحهم به وليس لنا أن نلزمهم بلازم مذهبهم ونحكم عليهم على مقتضاه بكفر أو شرك أو نفاق، فإن في ذلك جرأةً على الله تعالى، ففي البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما).[7] (ونذر) أي نترك

صفحة 110

(سرائرهم إلى الله تعالى) العالم بالسرائر.

(ولا نرى السيف) أي سفك الدم واجباً (على أحد من أمة) نبينا (محمد صلى الله عليه وسلم إلا) على (من وجب عليه السيف) أي سفك الدم بالنص القاطع كالقاتل والزاني المحصن والمرتد. ففي البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دَمُ امرئ مسلم إلى بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة).[8]

لا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا

تنبيه: قد درج علماء الكلام على ذكر مبحث الإمامة وإن لم يكن منه، لكنه من المتممات. قال في العقائد النسفية: والمسلمون لا بد لهم من إمام يقوم بتنفيذ أحكامهم وإقامة حدودهم وسد ثغورهم وتجهيز جيوشهم وأخذ صدقاتهم وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطريق، وإقامة الجمع والأعياد، وقطع المنازعات الواقعة بين العباد، وقبول الشهادات القائمة على الحقوق، وتزويج الصغار والصغائر الذي لا أولياء لهم، وقسمة الغنائم. ثم ينبغي أن يكون الإمام ظاهراً لا مخفياً منتظراً ويكون من قريش، ولا يجوز من غيرهم ولا يختص ببني هاشم وأولاد علي رضي الله عنه، ولا يشترط أن يكون معصوماً، ولا أن يكون أفضل من أهل زمانه، ويشترط أن يكون من أهل الولاية سائساً، قادراً على تنفيذ الأحكام، وحفظ حدود دار الإسلام، وإنصاف المظلوم من الظالم. ولا ينعزل الإمام بالفسق والجور. اهـ.

وقد أشار المصنف إلى بعض أحكامه بقوله: (ولا نرى الخروج على أئمتنا و) لا (ولاة أمورنا وإن جاروا) بالظلم علينا؛ لأنه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمة والأمراء بعد الخلفاء الراشدين، والسلف كانوا ينقادون لهم ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروج عليهم، ولأن العصمة ليست بشرط الإمامة ابتداءً فبقاءً أولى. كذا في شرح العقائد. وفي سنن أبي داود مرفوعاً: (سيأتيكم ركيب مبغوضون يطلبون منكم

صفحة 111

ما لم يجب عليكم، فإذا سألوكم ذلك فأعطوهم ولا تسبوهم، ولتوفوا لهم)،[9] وفي الصحيحين: (من كره من أميره شيئاً فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتةً جاهلية)،[10] وفي مسلم: (من ولي عليه وَالٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتيه من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعته).[11]

بل (ولا) ينبغي لنا أن (ندعو على أحد منهم) لما يلزم من نفرة القلوب ووقوع المشاققة وربما أغراهم ذلك على شدة الظلم (ولا ننزع يداً من طاعتهم) لما في ذلك من إثارة الفتنة (ونرى طاعتَهم من طاعة الله عز وجل فريضة) علينا (ما لم يأمروا بمعصية) وإلا فلا طاعة لهم، ففي شرح البخاري في باب لا تطيع المرأة زوجها في معصية: واجبٌ على المرأة أن لا تطيع زوجها في معصية، وكذلك كل من لزمته طاعةُ غيره فلا تجوز طاعته له في معصية الله تعالى، ويشهد لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم حين أمَّر على بعث، وأمر الناس بطاعته فأمرهم ذلك الأمير أن يقتحموا في نار أججها لهم فامتنعوا منها وقالوا: لم ندخل الإسلام إلا فراراً من النار، فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (والله لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً، إنما الطاعة في المعروف)،[12] وقد صوب فعلهم، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).[13] كذا في كتاب الصلح بين

صفحة 112

الإخوان[14] لسيدي عبد الغني [النابلسي] وفي البخاري عن عبادة بن الصامت قال: دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعنا فكان فيما أخذ علينا أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً[15] عندكم من الله فيه برهان).[16]

وينبغي لنا أن (ندعو لهم بالصلاح) أي إصلاح نيتهم، وسلامةِ طويَّتِهم (والنجاح) أي نجاح طلبتهم في قهر مخالفِ مِلَّتِهِمْ (والمعافاة) مما هم فيه من ظلم رعيتهم وسيء سيرتهم.

  1. [1] تتمة: قال في المسايرة: واعلم أن الحنفية لما استحالوا عليه تكليف ما لا يطاق فهم لتعذيب المحسن: الذي استغرق عمره في الطاعة مخالفاً لهوى نفسه في رضا مولاه أمنع بمعنى أنه يتعالى عن ذلك فهو من باب التنزيهات إذ التسوية بين المسيء والمحسن غير لائق بالحكمة في فطر سائر العقول وقد نص تعالى على قبحه حيث قال: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} فجعله سيئاً، هذا في التجويز عليه وعدمه، أما الوقوع فمقطوع بعدمه غير أنه عند الأشاعرة للوعد بخلافه وعند الحنفية وغيرهم لذلك ولقبح خلافه. اهـ منه الشيخ محمد البيطار. العبارة من هامش م والعبارة في شرح المسايرة 173.
  2. [2] رواه الإمام أحمد في مسنده 3/ 94 ومسلم 1/ 78 في الإيمان باب معرفة طريق الرؤية عن أبي سعيد.
  3. [3] رواه الإمام أحمد 3/ 469 و470 و5/ 366 وابن ماجه 2/ 304 في الزهد وابن حبان والحاكم 1؟ 71 وقال صحيح عن عبد الله بن أبي الجدعاء – فيض القدير: 5/ 352.
  4. [4] رواه البيهقي في السنن 4/ 19 من مرسل مكحول عن أبي هريرة – الفتح الكبير 2/ 190.
  5. [5] لم نجده بهذا اللفظ وله شواهد منها ما أخرجه أبو نعيم في الحلية 10/ 320 والخطيب في تاريخه 11/ 283 عن ابن عمر: (صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وصلو على من مات من أهل لا إله إلا الله) وله شاهدٌ أيضاً في الحلية 4/ 236 عن عبد الله بن مسعود. وغير ذلك.
  6. [6] الخطابية: هم أصحاب أبي الخطاب الأسدي، قالوا: الأئمة الأنبياء وأبو الخطاب نبي، وهم يستحلون شهادة الزور لموافقيهم على مخالفيهم، وقالوا: الجنة نعيم الدنيا والنار آلامها – تعريفات السيد: 89.
  7. [7] وله شاهد عند أبي داود 2/ 524 عن ابن عمر بلفظ: (أيما رجل مسلم أكفر رجلاً مسلماً فإن كان كافراً وإلا كان هو الكافر) – الفتح الكبير: 1/ 498 ورواه الترمذي 7/ 293 عن ابن عمر.
  8. [8] رواه أحمد وأصحاب الصحاح الستة عن ابن مسعود رضي الله عنه – الفتح الكبير: 3/ 356.
  9. [9] رواه أبو داود في سننه 1/ 367 عن جابر بن عتيك عن أبيه بلفظ: (سيأتيكم ركيب مبغضون، فإذا جاؤوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون، فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم).
  10. [10] متفق عليه من حديث ابن عباس – هداية الباري: 2/ 155.
  11. [11] هو قسم من حديث عوف بن مالك الأشجعي عند مسلم 3/ 210 باب خيار الأئمة وأوله: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم) الخ…
  12. [12] هو قسم من حديث عند مسلم 3/ 202 باب وجوب طاعة الأمراء، وقال النووي في شرح مسلم: قيل إن هذا الرجل عبد الله بن حذافة السهمي وهذا ضعيف – 80/ 35 هامش قسطلاني.
  13. [13] الحديث: رواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك. قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح وله شواهد في الصحيحين – فيض القدير: 6/ 432.
  14. [14] ص58.
  15. [15] قوله: بواحاً، يقال: أباحه الشيء أحله له، والمباح ضد المحظور، واستباحه استأصله وباح بسره أظهره، وبابه قال: مختار وجاء في م الشيخ محمد البيطار.
  16. [16] حديث البيعة لعبادة بن الصامت هو في البخاري بشرح الكرماني 24/ 147 برقم 6631.
شرح العقيدة الطحاوية للميداني
أهل الكبائر من أمة محمد عليه السلام لا يخلدون في النار، الصلاة على من مات من أهل القبلة، لا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا
 
Top