مسألة رؤية الله تعالى يوم القيامة

صفحة 18

مسألة رؤية الله تعالى يوم القيامة

قوله: “والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية”. يعني: رؤية الله سبحانه وتعالى.

مسألة: قال أهل الحق: إن الله تعالى جائز الرؤية، يراه المسلمون بعد دخولهم الجنة، وقالت المعتزلة والخوارج والنجارية والزيدية من الرافضة: غير جائز الرؤية.

والحجة لأهل الحق: “وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ” (القيامة: 22،23).

“وتفسيره” على ما أراد الله تعالى وعلمه.

والنظر المقرون بكلمة “إلى” في كلام العرب: النظر إلى ذاته، لا إلى غيره، وكذلك قوله تعالى خبراً عن موسى صلوات الله عليه: “رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ” (الأعراف: 143).

فالاستدلال بهذه الآية من ستة وجوه:

الأول: أن موسى عليه السلام سأل ربه الرؤية، فلو كانت الرؤية محالاً لما سألها موسى، إذ لا نظن بالأنبياء سؤال المحال.

والثاني: أن موسى عليه السلام اعتقد أن الله تعالى مرئي، ولو لم يكن مرئياً لكان هذا منه جهلاً يخالفه، ونسبة الأنبياء صلوات الله عليهم إلى الجهل كفر، ولأنه لو لم يعلم أنه مرئي لكان سؤاله الرؤية من الله محالاً، وحاشا موسى من ذلك.

الثالث: أن الله تعالى قال: “لَن تَرَانِي” (الأعراف: 143).

نفى رؤية موسى، وما أخبر أنه ليس بمرئي، فإنه ما قال: لست بمرئي، وروي عن

صفحة 19

ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله تعالى قال لموسى: لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، ولا رطب إلا تفرق، إنما يراني أهل الجنة”[1] الحديث.

الرابع: أن الله تعالى علقه بشرط متصور متكون وهو: استقرار الجبل، واستقرار الجبل من الجائزات، فكان تعليق الرؤية به دليلاً أنها جائزة.

الخامس: ما عاتبه على هذا السؤال، ولو كان خارجاً عن الحكمة لعاتبه كما عاتب نوحاً وغيره من الأنبياء، لقوله تعالى:

“إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ” (هود: 46).

لما سأله إنجاء ابنه، وكما عاتب آدم عليه السلام على أكل الشجرة.

السادس: أنها قال تعالى: “فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً” (الأعراف: 143).

والتجلي: هو الظهور، رواه الشيخ أبو منصور الماتريدي -رحمه الله- عن أهل التأويل.

وقال أبو منصور: لا ينبغي أن يفهم من ظهوره ما يفهم من ظهور غيره، بل يفهم أن بينه وبين الله تعالى حجاب فارتفع وظهر، والاستدلال بهذه يغني عن الاستدلال بالمعقول. كيف وقد روى حديث الرؤية عن الرسول صلى الله عليه وسلم عدة من الصحابة كلهم أئمة قدوة كابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وصهيب، وأنس بن مالك، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبدالله، ومعاذ بن جبل، وثوبان، وعمر بن دويبة الثقفي، وحذيفة، عن أبي بكر، وزيد بن ثابت، وجرير بن عبدالله، وأبي أمامة، وبريدة السلمي، وأبي بردة، وعبدالله بن الحرثي بن جزيء الزبيدي،واحد وعشرون رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن كذب الرؤية فقد كفر وقصد تكذيب هؤلاء السادة القادة أوتاد الدين ونقلة الشرع وليوث الإسلام وعمدة الملة وقد حل خبرهم محل التواتر[2].

ثم الدليل العقلي أيضا: يجوز رؤية الله تعالى وذلك أن كل موجود قائم بذاته جائز

صفحة 20

الرؤية، ولأن الرؤية لا توجب حدوث شيء في المرئي ولا تغيراً فيه: كالعلم مع المعلوم، ولهذا يجوز أن الله تعالى يرى نفسه، فجاز أن يراه غيره، كما يجوز أن يعلم نفسه فجاز أن يعلمه غيره، وما يقول أهل الضلال بأن الرؤية في الشاهد لا ينفك عن الجهة والمقابلة واتصال الشعاع ونحو ذلك، كل ذلك باطل برؤية الله. فإنه سبحانه وتعالى يرى المرئيات بلا جميع ذلك، ولأن الله سبحانه قادر على أن يخلق قوة الرؤية في عين من يراه بلا جهة ولا اتصال شعاع، ولا شيء مما ينفي رؤية الباري تعالى في النبي صلى الله عليه وسلم قوة الرؤية، فكان يرى من خلف كما يرى من قدام.

وقوله: وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهو كما قال. ومعناه على ما أراد. لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله -عليه الصلاة والسلام- ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه، ولا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، ومن رام علم ما يحظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوساً تائهاً، شاكّاً، زائغاً، لا مؤمناً مصدقاً، ولا جاحداً مكذباً، ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها بوهم، أو تأولها بفهم، إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية [بـــ] ترك التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين المرسلين.

مسألة: لم ير بعض العلماء بتأويل الآيات المتشابهة والأخبار المشابهة المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قد اختاره الطحاوي -رحمه الله- وأن يتلقى بالإيمان والتسليم كما بين هنا، لكن مع اعتقادنا أن الجسمية وجميع أمارات الحدث منفية عن الله.

وسئل محمد بن الحسن عن الآيات والأخبار التي يؤدي أكثر ظاهرها إلى التشبيه فقال: نمر بها كما جاءت، ونؤمن بها، ولا نقول: كيف وكيف. وهو مذهب مالك بن أنس، وعبدالله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهم من العلماء.

ومنهم -أي: بعض المتأخرين- من أول ذلك بما يليق بالواحد القديم ذاتاً ووصفاً، وما يلائم للتوحيد ودلائله كاليد: يراد بها القدرة والسلطان والمملكة، واليمين: يراد بها القوة، والعين: يراد بها الحفظ، ونحو ذلك، وما ذكره هو الأسلم والأحوط.

صفحة 21

وقوله: ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه، فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه احد من البرية.

يعني: بالنفي نفي الصفات على ما ذهب إليه المعطلة، والتشبيه ما ذهبت إليه على ما ذكرنا قبل ذلك. وقد روي عن أبي حنيفة في بيان مذهب السنة والجماعة: أن لا تعطيل ولا تشبيه ولا جبر ولا تفويض، روي ذلك عن محمد بن علي الباقر رضي الله عنهما.

وقوله: تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.

  1. [1] رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (235/10)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (45/2)، (208/3)، والديلمي في الفردوس (267/2).
  2. [2] انظر: حد الجديث المتواتر في تدريب الراوي السيوطي (176/2).
شرح العقيدة الطحاوية للشيباني
مسألة رؤية الله تعالى يوم القيامة
 
Top