مسألة النهي عن تكفير المسلمين

صفحة 28

مسألة النهي عن تكفير المسلمين

وقوله: ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، ونرجوا للمحسنين من المؤمنين، أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته ولا نأمن عليهم،ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم ولا نقنطهم، والأمن والإياس سبيلان ينقلان عن الأمة، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة، ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه.

مسألة: قال أهل الحق في مقترف الكبائر من أهل القبلة: إذا لم يستحل ذلك، ولا يستخف بمن نهى عنها، بل بقلبه شهوة أو حمية نرجو له الغفران من الله تعالى، ونخاف عليه من عذابه وعقابه، ونسميه مؤمنا، ولا ينقص بذلك إيمانه، ولا يخرج من الإيمان إلا من الباب الذي دخل فيه، وإن مات من غير توبة فهو في مشيئة الله تعالى إن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه، وعاقبة أمره الجنة لا محالة، ولا يخلد في النار.

وزعمت المرجئة أن أحداً من المسلمين لا يعاقب على الكبائر، ولا يضر مع الايمان ذنب، كما أن الحسنة لا تنفعغ مع الكفر، ويحكى هذا القول عن مقاتل بن سليمان صاحب التفسير.

وقالت المعتزلة: نسميه فاسقا، ولا نسميه مؤمناً ولا كافراً، وله منزلة بين منزلتين الإيمان والكفر، فإن مات من غير توبة خلد في النار.

وقالت الخوارج: من ارتكب معصية يخرج عن الإيمان ويخلد في النار صغيرة أو كبيرة.

والحجة لأهل الحق: قوله تعالى: “وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا” (الحجرات: 9).

فالله سبحانه أبقى لها اسم الإيمان مع كونها باغية، وقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى” (البقرة: 178).

بقي اسم الإيمان مع وجوب القصاص الذي هو حكم القتل العمد الخالي عن الشبهة كلها، ولا شك في كونها كبيرة.

صفحة 29

والدلالة الثانية من الآية: وهي أن الله تعالى أبقى اسم الإخوة الثابتة بالإيمان بقوله تعالى: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ” (الحجرات: 10).

بين القاتل والمقتول بقوله تعالى: “فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ” (البقرة: 178).

والدلالة الثالثة من الآية: أنه تعالى ما أخرج مرتكب الكبيرة عن اشتمال الرحمة والتخفيف بقوله تعالى: “ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ” (البقرة: 178).

وهذه الوجوه الثلاثة مروية عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، والآيات الواردة في وعيد الفساق فبعضها يوجب تعميم الوعيد، وبعضها يوجب تعميم الوعد، ولا يمكن الترجيح لما في ذلك من تعطيل بعض الآيات، والإيمان ثابت يتغير، فلا يزول بالشك، فوجب حمل آيات الوعيد على استحلال الذنب، كقوله تعالى: “وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا” (النساء: 93).

أي: متعمداً لإيمانه، أي: قتله لأجل أنه مؤمن، ومن هذا قصده يكون كافراً، والذي يؤيد التأويل أن الله سبحانه وتعالى جعل موجب القتل العمل القصاص وبقي اسم الإيمان والأخوة وجعله أهلا للرحمة على ما مر.

والدليل على أن الكبيرة لا تزيل الإيمان  ولا توجب النفاق: أن إخوة يوسف عليه السلام ائتمنوا فخانوا حيث ألقوه في غيابة الجب، وحذثوا فكذبوا حيث قالوا: أكله الذئب، وباعوه بثمن بخس، ولم يكن في شريعتهم بيع الأخ حلالاً، ووعدوا حيث قالوا: “وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” (يوسف: 12).

والقول بتكفير الأنبياء كفر صراح ولأن المعتزلة والخوارج اعتبروا أن المرء بارتكاب الكبيرة ييأس من روح الله ورحمته ويقنط من يرتكبها وإنه “لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ” (يوسف: 87).

والذي يدل عليه قوله تعالى: “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” (الزمر: 53).

فالله تعالى لم يقنط المسرفين من عباده ولم ييأسهم من رحمته، وهم أيسوهم وقنطوهم فقد ردوا نص الكتاب، والله سبحانه وتعالى وصف نفسه بالرحمة والغفران والعفو، وذلك ما يعارض آيات الوعيد، ولأن من أمارات الكرم إنجاز الوعد واختلاف الوعيد، ولأنه

صفحة 30
 ضمن العفو والفضل والكرم، والله سبحانه وتعالى هو أهل التقوى وأهل المغفرة وبالله العون والعصمة.

ماهية الإيمان

وقوله: والإيمان هو الإقرار باللسان وتصديق بالجنان، وأن جميع ما أنزل الله تعالى  في القرآن  وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق، والإيمان كله واحد وأصله في أهله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى، والمؤمنون كلهم أولياء الله تعالى وأكرمهم أطوعهم وأتبعهم للقرآن.

مسألة: قال أبو حنيفة وأصحابه -رحمة الله عليهم أجمعين-: الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالقلب، وأراد بالتصديق أن يعرف الله كما هو أهله ويعرف رسوله وجميع ما يجب معرفته في تصحيح الإيمان فيعتقد ذلك بقلبه تصديقاً، ويجري على لسانه تحقيقاً.

وقال الشافعي، ومالك، وأحمد، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وأبوالعباس القلانسي وغيرهم: إنه إقرار باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالأركان، والحجة لأبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين قوله تعالى:

“إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ” (التوبة: 18).

شرح العقيدة الطحاوية للشيباني
مسألة النهي عن تكفير المسلمين
 
Top