أصل التوحيد والاعتقاد

صفحة 9

أصل التوحيد والاعتقاد

نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله تعالى واحد لا شريك له ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره.

مسألة: قوله: إن الله واحد لا شريك له. معناه: أنه تعالى توحد عن خلقه بذاته وصفاته وهذه المسألة…فيها مع الثنوية القائلين بأصلين قديمين وهما النور والظلمة، ومع المجوس القائلين: إن للعالم خالقين أحدهما يسمى يزدان قديم يخلق النور والخير، والآخر يخلق الظلمة والشر والقبيح يقال له: أهرمن وهذا محدث، والأول قديم، تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيرا. دليلنا أنه لا جائز أن يكون للعالم صانعان؛ لأنه لا يخلو إما إن كان كل واحد منهما قادراً على إيجاده أو لم يكن قادراً، أو كان أحدهما قادراً دون الآخر، فإن لم يكن كل واحد منهما قادراً كان عاجزاً لزوال قدرته عما في نفسه، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهاً.

وإن كان أحدهما قادراً دون الآخر، فالثاني لا يصلح أن يكون إلهاً، ولو كانا جميعاً قادرين لا يخلو إما إن قدرا على طريق التعاون، أو قجر كل واحد منهما على الانفراد والاستبداد. فإن قدر على  سبيل التعاون، كان كل واحد منهما عاجزاً لزوال قدرته عما هو مقدور في نفسه، ولو قدر كل واحد منهما على الانفراد والاستبداد على ما يقدر عليه الآخر، فالآخر يكون مستغنىً عنه في الإيجاد. وما يستغنى عنه لا يصلح أن يكون إلهاً تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيرا. ولأنه يلزم منه دخول مقدور واحد تحت قدرة قادرين من جهة واحدة وإنه محالف، ودلالة التمانع مستفادة من قوله تعالى: “لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا” (الأنبياء:22). و “لَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ”.

وقوله: “ولا شيء يعجزه” … لأن العاجز لا يصلح أن يكون إلهاً..

وقوله: “ولا إله غيره”. لأنه يلزم منه ما ذكرنا من التمانع بين الإلهين.

وقوله: “ولا شيء مثله”.

لأنه لو كان له مثل للزم منه حدث القديم، أو قدم المحدث وهو محال؛ لأن حد المثلين أن يسد أحدهما مسد الآخر وألا يختص أحدهما بصفة دون الآخر، وهذا ممتنع في ذات الباري وصفاته لأن غيره من خلقه لا يسد مسده، ولا يتصف بصفاته.

صفحة 10

من صفات الوحدانية

قوله: “قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء”.

يعني: ليس لقدمه بداية ولا لدوامه نهاية، كما قال أبو حنيفة رضي الله عنه لما سئل عن الله عز وجل فقال: كان هو ويكون على ما كان.

وقوله: “لا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد”.

لأن الباري جل وعلا واجب الوجود والبقاء، يستحيل عليه العدم والفناء، والبقاء صفة أزلية لله تعالى، لم يزل باقياً ولا يزال كذلك.

وقوله: “ولا يكون إلا ما يريد”.

مسألة: قال أهل الحق: الإرادة صفة أزلية لله تعالى، وقالت المعتزلة: إنها حادثة لا في محل، وقالت الكرامية: إنها حادثة في ذات الله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

والحجة لأهل الحق قوله تعالى: “فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ” (الأنعام: 125).

ومن المعقول أن الإرادة معنى توجب اختصاص المفعولات بوجه دون وجه، لولا ذلك لوقعت كلها على هيئة واحدة في وقت واحد في مكان واحد على صفة واحدة، فلما وقعت على الترادف والتوالي، وعلى النظام والاتساق على حسب ما اقتضته الحكمة الإلهية، دلّ ذلك على اتصاف الفاعل بالإرادة، ولولا ذلك لما كان وقت أولى من وقت، ولا هيئة أولى من هيئة، ولا صفة أولى من صفة، ولأنه تعالى لو لم يكن مريداً لكان مكرهاً أو مضطراً أو ساهياً أو مغلوباً وكل ذلك مستحيل على الله تعالى.

ولا وجه لقول أهل الضلالة: إنها حادثة لأنها لو كانت حادثة كما زعموا، لكان لا يخلو إما أن حدثت في ذات الله تعالى كما قالت الكرامية فيكون محلّا للحوادث، ويستحيل ذات القديم أن يكون محلّا للحوادث، وإما أن حدثت لا في محل كما قالت المعتزلة فلا وجه له؛ لأن الإرادة صفة ويستحيل قيامها بنفسها لا في محل يحققه، وأنها إذا قامت لا في محل لم يكن ذات أولى بالاتصاف بها من غيرها، فلم يكن ذات الباري جل

صفحة 11

وعلا أولى بالاتصاف بالإرادة من غيره، فيكون الباري -جل وعز- وجميع العالم مريدين بتلك الإرادة، وإنه محال.

وقوله: “لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام”.

لأن كل ما تخيل في الوهم، أو تصور في الفهم، فالله تعالى بخلافه، وهو سبحانه خالق التخيل في الوهم، والتصور في الفهم، وهذا وسوسة الشياطين، وعلامة محض الإيمان، كما قال صلى الله عليه وسلم: “الحمد لله الذي رد أمر الشيطان إلى الوسوسة”. الحديث المعروف.

شرح العقيدة الطحاوية للشيباني
أصل التوحيد والاعتقاد
 
Top