الرحمن الرحيم

صفحة 27

الرَّحْمَنُ الرَّحِيْمُ

هما اسمان مشتقان من الرحمة، وهي في حقه – تعالى – بمعنى إرادة الإنعام الدنيوي والأخروي فتكون صفة ذَاتٍ، أو بمعنى نفس الإنعام فتكون صفة فِعْلٍ. وأما معناهما الحقيقي – الذي هو الرقّة[1] والتحنُّن – فمستحيل في حقه تعالى.

وَقُدِّمَ الاسمُ الأول على الثاني لأن الأول لما كان خاصّاً بالمولى – تبارك وتعالى – جرى مَجرى العَلَمِ، فَقُدِّمَ على ما تمحَّض للوصفيَّة، وأيضاً فالاسمُ الثاني كالتتِمَّة للأول بناءً على أن الأول دَالٌّ على الإنعام بجلائل النِّعَمِ والثاني على الإنعام بدقائقها، فإردافُ الأول بالثاني من باب التكميل والتتميم.

ويحتمل أيضاً أن يكون قدّم الأول على الثاني لأن متعلَّقَ الأول متقدمٌ في الوجود، بناءً على أنه دَالٌّ على الإنعام الدنيويّ، وأن الثاني دال على الإنعام الأخروي، ويحتمل على هذا أن يكون من باب الترقي لأن الإنعام الدنيوي دون الإنعام الأخروي بكثير؛ إذ (موضع سَوْطٍ من الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها)،[2] ومع هذا يُعطى لأدنى أهل الجنة قَدْرَ الدنيا عشر مرات.

صفحة 28

وفي الوَصْلِ بين هذين الاسمين الكريمين على هذا إشارة لطيفة إلى أنّ المطلوب من العاقل أن يُؤاخي بين متعلَّقيهما[3] في التحصيل كما آخى بينهما في التلفِّظ، وذلك بأن لا يأخذ من النِّعَمِ الدنيوية – التي هي مُتَعَلَّقُ اسم الرحمن – إلا ما يُوصل إلى النِّعم الأخروية – التي هي متعلَّق اسم الرحيم -، وذلك كالإيمان والأعمال الصالحات وما يُعِيْنُ عليها من ضروريٍّ في[4] المَعاش، ثم يَزْهَدُ فيما سوى ذلك زُهداً كُلِّيّاً خوفَ أن ينقطع[5] بذلك عن نعيم[6] الآخرة التي هي الغايةُ والمقصود، فيَتعلَّم العاقل الزهد من وَصْلِ هذين الاسمين وترتيبهما كما تعلَّم التوحيد من معناهما.

وحظُّ العبد منهما الاتِّسامُ بالرحمة بجميع العباد، ورفضُ كل ما سواه – تبارك وتعالى – اكتفاءً برحمته الواسعة التي إليها الاستنادُ في هذا اليوم ويوم يقوم الأشهاد،[7] ولزومُ الشكر للرب المولى الكريم، ورؤيةُ المِنَّةِ له – تعالى – وحدَه في كل ما يبدو من النعم بالتخصيص والتعميم. وأما حظُّه مِنْ وَصْلِ الاسمين، فقد قدّمنا بسطه على أشرفِ[8] وجه، وبالله التوفيق.

  1. [1] في (أ): الرأفة.
  2. [2] أخرجه البخاري في الرقائق، باب مثل الدنيا في الآخرة.
  3. [3] في (أ): متعلقهما.
  4. [4] في: ليست في (أ).
  5. [5] في (أ): يقتطع.
  6. [6] في (ب): نعم.
  7. [7] اقتباس من قوله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51]. والأشهاد، جمع شاهد، كصاحب وأصحاب. والمراد بهم: من يقوم يوم القيامة للشهادة على الناس، من الملائكة والأنبياء والمؤمنين. (أنوار التنزيل، للبيضاوي 2/ 343).
  8. [8] في (ب): أطرف.
الرحمن الرحيم
 
Top