الباب العاشر في بيان معنى القرب

صفحة 135

الباب العاشر في بيان معنى القرب

قال الله تعالى: “وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ” (العلق: 19).

وقد ورد أقرب ما يكون العبد من ربه في سجوده، فالساجد إذا أذيق طعم السجود يقرب، لأنه يسجد ويطوي بسجوده بساط الكون ما كان وما يكون ويسجد على طرف رداء العظمة فيقرب.

قال بعضهم: إني لا أجد الحضور، فإقول: يا الله أو يا رب فأجد ذلك أثقل علي من الجبال. قيل: ولم ذلك؟ قال: لأن النداء يكون من وراء حجاب، وهل رأيت جليسا ينادي جليسه؟ وإنما هي إشارات وملاخظات ومناغاة وملاطفات، وهذا الذي وصفه مقام عزيز يتحقق في القرب ولكنه مشعر بمحو ومؤذن بسكر يكون ذلك لمن غابت نفسه في نور روحه لغلبة سكره وقوة محوه، فإذا صحا وأفاق تتخلص الروح من النفس والنفس من الروح ويعود كل من العبد إلى محله ومقامه. فيقول: يا الله ويا رب بلسان النفس المطمئنة العائدة إلى مقام حاجتها ومحل عبوديتها والروح يشتغل بفتوحه بكمال الحال عن الأقوال، وهذا أتم وأقرب من الأول، لأنه في حق القرب باستقلال الروح بالفتوح وأقام رسم العبودية بعود حكم النفس إلى محل الافتقار وحظ القرب لا يزال يتوفر للروح بإقامة رسم العبودية من النفس.

وقال الجنيد: إن الله تعالى يقرب من قلوب عبادة على قدر قربهم منه، فانظر ماذا

صفحة 136

تقرب من قلبك. وقال أبو يعقوب السوسي: ما دام العبد يكون بالقرب لم يكن قريبا حتى يغيب عن القرب بالقرب، فإذا ذهب عن رؤية القرب بالقرب فذلك قرب. وقد قال قائلهم:

قج قد تحققتك في السِّـ *** ـرِّ فناجاك لساني

فاجتمعنا لمعانٍ *** وافترقنا لمعاني

إن لم يكن عيبك التـ *** ـعظيم عن الحظ عياني

فلقد صيّرك الوَجـ *** ـد من الأحشاء داني

وقال ذون النون: ما ازداد أحد من الله قربة إلا ازداد هيبة. وقال سهل: أدنى مقام من مقامات القرب الحياء. وقال النصر آبادي: باتباع السنة تنال المعرفة، وبأداء الفرائض تنال القرب، وبالمواظبة على النوافل تنال المحبة، والحمدلله وحده.

روضة الطالبين وعمدة السالكين
الباب العاشر في بيان معنى القرب
 
Top