الباب السادس في بيان معنى النفس والروح والقلب والعقل

صفحة 122

الباب السادس في بيان معنى النفس والروح والقلب والعقل

rencontre irl définition اعلم أن هذه الأسامي الأربعة مشتركة بين مسميات مختلفة ونحن نشرح من معانيها ما يتعلق بغرضنا.

صفحة 123

http://big-balloon.nl/?author=20 wo kann ich binäroptionen handeln الأول: لفظ القلب وهو يطلق لمعنيين:

http://gatehousegallery.co.uk/?myka=forex-investimenti-on-line&a2d=bb أحدهما: اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر وفي باطنه تجويف فيه دم أسود وهو منبع الروح الحيواني ومعدنه.

https://www.tuseguro.com/kambjasie/4352 والمعنى الثاني: هي لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق يضاهي تعلق الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان المدرك العالم المخاطب المطالب المثاب المعاقب.

here http://reha-baunatal.de/?biiodr=wien-bekanntschaften&026=df اللفظ الثاني: الروح وهو أيضا بتعلق بغرضنا لمعنيين:

أحدهما: جسم لطيف بخاري حامله دم أسود منبعه تجويف القلب الجسماني، وينشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن وجريانها في البدن وفيضان أنوار الحياة، والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها يضاهي فيضان النور من السراج في زوايا البيت. فالحياة: مثالها النور الحاصل في الحيطان والروح مثاله السراج، وسريان الروح وحركته في الباطن مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحرك محركه فالأطباء إذا أطلقوا لفظ الروح أرادوا به هذا المعنى وهو بخار لطيف أنضجته حرارة القلب.

والمعنى الثاني: هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان الذي هو أحد معيني القلب وهو الذي أراده الله تعالى بقوله: “وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي” (الإسراء: 85). وهو أمر عجيب رباني يعجز أكثر العقول والأفهام عن درك فهم حقيقته.

speed dating abbeville اللفظ الثالث: النفس وهو أيضا مشترك بين معنيين:

أحدهما: أنه يراد به المعنى الجامع لقوتي الغضب والشهوة في الإنسان وهذا الاستعمال هو الغالب على الصوفية فهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان فيقولون: لا بد من مجاهدة النفس وكسر شهوتها، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: “أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك”

والمعنى الثاني: اللطيفة التي ذكرناها وهي حقيقة الإنسان ونفسه وذاته، ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها ، فإذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة قال تعالى: “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ” (الفجر: 27، 28). والنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها إلى الله تعالى، فإنها مبعدة عن الله سبحانه وتعالى وهي حزب الشطان، وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية سميت النفس اللوامة، فإذا تركت الاعتراض وأذعنت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان سميت  النفس الأمارة بالسوء.

http://www.shyamtelecom.com/?siterko=uso-delle-bande-di-bollinger-nelle-opzioni-binarie&ca6=91 اللفظ الرابع: العقل والمتعلق بغرضنا منه معنيان:

صفحة 124

أحدهما: أنه يطلق ويراد به العلم بحقائق الأمور. فيكون عبارة عن صفة العلم الذي محله خزانة القلب.

والثاني: قد يطلق ويراد به المدرك للعلوم، فيكون هو القلب أعني تلك اللطيفة التي هي حقيقة الإنسان وحيث ورد في القرآن والسنة ذكر القلب فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء، وقد يكنى عنه بالقلب الجسماني الذي في الصدر لأن بينه وبين تلك اللطيفة العالمة التي هي حقيقة الإنسان علاقة خاصة لأن تعلقها بسائر البدن إنما هو بوسطتنه فهو مملكتها ومطيتها والمجرى الأول لتدبيرها وتصرفها. فالقلب الجسماني والصدر بالنسبة إلى الإنسان كالعرش الكرسي بالنسبة إلى الله تعالى من وجه.

صفحة 124

فصل في بيان جنود القلب

اعلم أن الله تعالى في القلب والأرواح وغيرها من العوالم جنوداً مجندة لا يعلم حقيقتها وتفصيل عددها إلا الله تعالى. ونحن الآن نشير إلى بعض جنود القلب وهو الذي يتعلق بغرضنا. فاعلم أن له جندين  جند يرى بالإبصار وجند لا يرى إلا بالبصائر، فالقلب في حكم الملك، والجنود في حكم الخدم والأعوان.

فأنا جنوده المشاهدة بالبصر فهي اليد والرجل والأذن والعين واللسان فجملة جنود القلب تحصره ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: باعث مستحث إلى جلب الموافق النافع كالشهورة وإما إلى دفع المخالف الضار كالغضب وقدر يعبر عن هذا الباعث بالإرادة.

الصنف الثاني: هو المحرك للأعضاء إلى تحصيل هذه المقاصد وقد يعبر عنه بالقدرة وهي جنود مبثوثة في سائر الأعضاء.

الصنف الثالث: هو المدرك المعرف بهذه الأشياء كالجواسيس وهو قوة السمع والبصر والشم والذوق واللمس وهي مبثوثة في الأعضاء الظاهرة المركبة من اللحم والشحم والعصب والدم والعظم التي أعدت آلات لهذه الجنود. ويعبر عن عمل هذا الصنف بالعلم والإدراك، وهذا الصنف الثالث هو المدرك من هذه الجملة، وينقسم إلى ما أسكن المنازل الظاهرة وهي الحواس الخمس. أعني السمع والبصر والشم والذوق واللمس، وإلى ما أسكن منازل باطنة وهي تجاويف الدماغ وهي أيضا خمسة: حس مشترك وتخيل وتفكر وتذكر وحفظ.

فأما الحس المشترك فيرتسم فيها صورة ما أدته إليها الحواس الظاهرة مما أدركته كما نرسم الصورة في المرآة ومحل تصرفها مقدم البطن الأول من الدماغ.

صفحة 125

القوة الثانية: الخيال وهي خزانة الحس المشترك يخزن فيها ما ارتسم فيه لتحفظها له إلى وقت حاجته إليه، فإن له قوة القبول وليس له قوة الحفظ والخيال له قوة الحفظ وليس له قوة القبول ومحل تصرف الخيال موخر البطن من الدماغ.

القوة الثالثة: الوهم موضع تصرفه مقدم البطن المؤخر من الدماع، لأن تصرفه هو المعاني الجزئية المتنوعة من الصورة المخزونة في الخيال فكانت بعدها في الرتبة لتقليبها منه.

القوة الرابعة: الحافظ ومحل تصرفها مؤخر البطن المؤخر من الدماغ يلي محل تصرف الوهم لأنها خزانته.

القوة الخامسة: المتصرفة ومحل تصرفها في وسط الدماغ، لأنها أشرف القوى ولأنها تأخذ من الخيال في حال دون حال وتعطيه أيضا في حال دون حال في النوم واليقظة، وتعطى الحافظة وتطلب منها عند النسيان فكان الأليق بها أن تكون بين الحرارتين ليسهل عليها أخذها منهما وإعطاؤها إياهما والله أعلم.

وإنما افتقر القلب إلى هذه الجنود من حيث افتقاره إلى المركب والزاد لسفره إلى الله تعالى وقطع المنازل إلى لقائه الذي لأجله خلق وإنما مركبه البدن، وإنما زاده العلم والعمل وليس يمكن أن يصل العبد إلى الله ما لم يسكن البدن وتجاوز الدنيا ليتزود منها للمنزل الأقصى فافتقر إلى تعهد بدنه بأن يجلب إليه ما يوافقه من الغذاء وغيره وأن يدفع عنه ما يؤذيه، ويمكن منه أسباب الهلاك فافتقر لأجل الغذاء إلى جندين: باطن وهو الشهوة، وظاهر وهو الأعضاء الحالبة للغذاء فخلق في القلب من الشهوات ما احتاج إليه وخلقت الأعضاء التي هي آلات الشهوة وافتقر لأجل دفع المهلكات إلى جندين: باطن، وهو الغضب، الذي يدفع المهلكات وينتقم من الأعداء، وظاهر وهي اليد والرجل والأسلحة التي بها تعمل بمقتضى الغضب ثم المحتاج إلى الغذاء إذا لم يعرف الغذاء، لا تنفعه شهوة معرفة الغذاء  وآلته فافتقر  في المعرفة إلى جندين؛ بطان: وهو إدراك السمع والبصر والشم والذوق واللمس، وظاهر: وهو العين والأذن والأنف وغيرها وتفصيل الحاجة إليها  ووجه الحكمة فيها يطول ولا تحويه مجلدات كثيرة، فسبحان الكريم الحليم.

صفحة 125

فصل

اعلم أن القسمة ثلاثة: الجسم والعرض والجوهر الفرد. فالروح الحيواني جسم لطيف كأنه سراج مشعل، والحياة هو السراج والدم دهنه والحس والحركة نوره، والشهوة حرارته، والغضب دخانه، والقوة الطالبة للغذاء الساكنة في الكبدة خادمه وحارسه ووكيله. وهذا الروح يوجد عند جميع الحيوانات، لأنه مشترك بين البهائم وسائر الحيوانات والإنسان

صفحة 126

هو جسم وآثاره أعراض، وهذا الروح لا يهتدي إلى العلم. ولا يعرف طريق المصنوع ولا حق الصانع، وإنما هو خادم أسير يموت البدن لو يزيد دهن الدم وينطفئ لزيادة الحرارة ولو ينقص ينطفئ بزيادة البرودة، وانطفاؤه سبب موت البدن وليس خطاب البارئ جلت عظمته وتكليف الشارع عليه الصلاة والسلام لهذا الروح، لأن البهائم وسائر الحيوانات غير مكلفين ولا مخاطبين بأحكام الشرع، والإنسان إنما يكلف ويخاطب لأجل معنى آخر وجد عنده زائدا خاصا وذلك المعنى هو النفس الناطقة والروح اللطيفة، وهذا الروح ليس بجسم ولا عرض، لأنه من أمر الله تعالى كما أخبر بقوله: “وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي” (الإسراء: 85). وأمر الله تعالى ليس بجسم ولا عرض، بل هو جوهر ثابت دائم لا يقبل الفساد ولا يضمحل ولا يفنى ولا يموت، بل يفارق البدن وينتظر العود إليه يوم القيامة كما ورد به الشرع، وهذا الروح يتولد منه صلاح البدن وفساده والروح الحيواني وجميع القوى كلها من جنوده، فإذا فارق الروح الحيواني البدن، تعطل أحوال القوى الحيوانية فيسكن المتحرك، فيقال لذلك السكون موت، وإن كان الروح من أمر الله تعالى في البدن كالغريب، فاعلم أنه لا يحل في محل ولا يسكن في مكان وليس البدن مكان الروح ولا محل القلب، بل البدن آلة الروح والله أعلم.

صفحة 126

فصل

في بيان معنى المراد من قوله تعالى: “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ” (الحجر: 29). قال رحمه الله تعالى ورضي عنه:

أما التسوية: فهي عبارة عن فعل في المحل القابل للروح وهو الطين في حق آدم عليه السلام، والنطفة في حق أولاده بالتصفية وتعديل المزاج والتردد في أطوار الخلقة إلى الغاية حيث ينتهي في الصفاء ومناسبة الأجزاء  إلى الغاية فيستعد لقبول الروح وإمساكها كاستعداد الفيلة بعد شرب الدهم لقبول النار وإمساكها.

وأما النفخ: فهو عبار عن اشتعال نور الروح في المحل القابل، فالنفخ سبب الاشتعال وصورة النفخ في حق الله تعالى محال، والسبب غير محال فعبر عن نتيجة النفخ وهو الاشتعال في فتيلة النطفة، وللنفخ صورة ونتيجة.

وأما صورته: فهو إخراج هواء من جوف النافخ إلى جوف المنفوخ فيه. وهو فتيلة النطفة. فيشتعل فيها. وأما السبب الذي اشتعل به نور الروح فهو صفة في الفاعل وصفة في المحل القابل، وأما صفة الفاعل فالجود الذي هو ينبوع الوجود وهو فياض بذاته على كل موجود حقيقة وجوده ويعبر عن تلك الصفة بالقدرة، ومثالها فيضان نور الشمس على

صفحة 127

كل قابل الاستنارة عند ارتفاع الحجاب بينهما، والقابل هو الملونات دون الهواء الذي لا لون له. وأما صفة القايل فالاستواء واعتدال الحاصل في التسوية كما قال تعالى: “فإذا سوّيته”.

ومثال صفة القابل: صفات المرآة فإن المرآة قبل صقالتها لا تقبل الصورة وإن كانت محاذية لها، فإذا صقلت حدثت فيها صورة من ذي الصورة المحاذية لها فمذلم إذا حصل على الاستواء في النطفة حدث فيها الروح من خالق الروح من غير تغير في الخالق تعالى الآن لا بل إنما حدث  الروح قبله لتغير المحل بحصول الاستواء الآن لا قبله.

وأما فيضان الجود، فالمراد به أن الجود الإلهي سبب لحدوث أنوار الوجود في كل ماهية قابلة للجود فعبر عنه بالفيض لا كما يفهم من فيض الماء من الإناء على اليد فإن ذلك عبارة عن انفصال جزء مما في الإناء واتصاله باليد، فإن الله سبحانه يتعالى عن مثل هذا.

وأما كشف معنى ماهية الروح ومعرفة حقيقتها فهو من السر الذي لم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كشفه لم ليس من أهله فإن كنت من أهله فاسمع. واعلم أن الروح ليس بجسم يحل في البدن حلول الماء في الإناء، ولا هو عرض يحل في القلب أو الدماغ حلول السواد في الأسود والعلم في العالم، بل هو جوهر لا يتجزأ باتفاق أهل البصائر، لأنه لو انقسم لجاز أن يقوم بجزء منه العلم بالشيء ويجزء آخر منه الجهل بذلك الشيء بعينه فيكون في حالة واحدة عالما بشيء وجاهلا به وذلك محال، فدل بذلك على أنه واحد لا ينقسم.

فإن قيل: لم منع رسول الله صلى الله عليه وسلم إفشاء سر الروح وكشف حقيقته؟ فيقال لأنه  يتصف بصفات لا تحملها الأفهام إذ الناس قسمان عوام وخواص أما من غلب على طبعه العامية فإنه لا يصدق بما هو وصف الروح أن يكون وصفا لله تعالى، فكيف يصدق به في وصف الروح الإنساني؟ وكذلك أنكرت الكرامية والحنبلية وغيرهم ممن غلبت عليهم العامية بتنزيه الإله تعالى عن الجسمية وعوارضها إذ لا يعقلون موجودا إلا متجسما مشارا إليه. ومن ترقى عن العامية قليلا نفى الجسمية عن الإله تعالى. وما أطلق أن ينفى عوارض الجسمية عنه، فأثبت الجهة وترقى عن هذه العامية الأشعرية والمعتزلة فنزهوا الإله تعالى عن الجسمية والجهة.

فإن قيل: لم لا يجوز كشف هذا السر مع هؤلاء؟ فيقال: لأنهم أحالوا أن تكون هذه الصفة لغير الله تعالى، فإذا ذكرت هذا معهم كفروك، وقالوا: هذا تشبيه لأنك تصف نفسك بما هو صفة الإله تعالى على الخصوص وذلك جهل بأخص أوصاف الله تعالى.

فإن قيل: إن الإنسان حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم والله تعالى كذلك ليس فيه تشبيه لأن هذه الصفات ليست أخص أوصاف الله تعالى، فكذلك البراءة عن المكان

صفحة 128

والجهة ليست أخص وصف الإله تعالى، بل أخص وصفه تعالى أنه قيوم أي قائم بذاته وكل ما سواء قائم به وهو موجود بذاته لا بغيره وليس للأشياء من أنفسها إلا العدم، وإنما لها الوجود من غيرها على سبيل العارية فالوجود لله تعالى ذاتي ليس بمستعار وما سواه فوجوده منه تعالى لا من نفسه وهذه القيومية ليس إلا لله تعالى.

فإن قيل: ما معنى نسبة الروح إلى الله تعالى في قوله: “وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي” (الحجر: 29). فاعلم أن الروح منزهة عن الجهة والمكان وفي قوتها العلم بجميع المعلومات والاطلاع عليها، فهذه مضاهاة ومناسبة ليست لغيره من الجسمانيات، فلذلك اختصت بالإضافة إلى الله تعالى.

فإن قيل: فما معنى قوله: “قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي” (الإسراء: 85). وما معنى عالم الأمر وعالم الخلق؟ فيقال: إن كل ما يقع عليه مساحة وتقدير فهو الأجسام وعوارضها. فهذا هو عالم الخلق والخلق ها هنا بمعنى التقدير لا بمعنى الإيجادوالإحداث. يقال: خلق الشيء أي قدره وكل ما لا كمية له ولا تقدير. يقال: إنه أمر رباني وتلك المضاهاة التي ذكرناها، فكل ما هو من هذا الجنس من أرواح البشرية وأرواح الملائكة يقال: إنه من عالم الأمر وعالم الأمر عبارة عن الموجودات الخارجة عن الحس والخيال والجهة والمكان والتحيز والدخول تحت المساحة والتقدير لانتفاء الكمية عنه.

فإن قيل: فهذا يوهم أن الروح قديم ليس بمخلوق. فيقال: قد توهم هذا قوم جهال ضلال، فمن قال إنه ليس بمخلوق بمعنى أنه غير مقدر بكمية لأنه لا يتجزأ ولا يتحيز فهو مصيب إلا أنه مخلوق بمعنى أنه حادث وليس بقديم، لأن حدوث الروح البشري متوقف على استعداد النطفة كما حدثت الصورة في المرآة بحدوث الصقالة وإن كان ذو الصورة سابق الوجود على الصقالة.

فإن قيل: ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله تعالى خلق آدم على صورته” وروى “على صورة الرحمن” فيقال: إن الصورة اسم مشترك قد يطلق على ترتيب الأشكال ووضع بعضها على بعض واختلاف تركيبها وهي الصورة المحسوسة. وقد يطلق على ترتيب المعاني التي ليست محسوسة وللمعاني أيضا تركيب وترتيب وتناسب يسمى ذلك صورة. يقال: صورة المسألة كذا وصورة الواقعة كذا وصورة العلوم الجسمانية والعقلية كذا، فالمسألة بالصورة المذكورة هي الصورة المعقولة المعنوية والإشارة إلى المضاهاة التي ذكرنهاه، ويرجع ذلك إلى الذات والصفات والأفعال وحقيقة ذات الروح أنه قائم بنفسه ليس بعرض ولا جسم ولا جوهر متحيز ولا يحل المكان والجهة، ولا هو متصل بالبدن والعالم، ولا هو منفصل ولا هو داخل البدن والعالم ولا هو خارج. وهذا كله صفات ذات الله تعالى.

صفحة 129

وأما الصفات: فقد خلق حيّا عالما قادرا سميعا بصيرا متكلما والله تعالى كذلك وأما الأفعال: فمبدأ فعل الآدمي إرادة يظهر أثرها أولا في القلب فينتشر منه أثر بواسطة الروح الحيواني الذي هو بخار لطيف في تجويق ويتصاعد إلى الدماغ، ثم يسري منه أثر إلى الأعضاء إلى ان تصل الآثار إلى الأصابع مثلا فتتحرك فيتحرك بالأصابع القلم وبالقلم المداد، فيحدث منه صورة ما يريد كتبه على القرطاس في خزانة التخيل، فإنه لم يتصور في خياله صورة المكتوب أولا لا يمكن إحداثه على البياض. ثانيا فمن استقرأ أفعال الله تعالى وكيفية إحداث الحيوان والنبات على الأرض بواسطة تحريك الكواكب والسموات بواسطة الملائكة علم أن تصرف الآدمي في عالمه يشبه تصرف الخالق سبحانه في العالم الأكبر، فحينئذ يعرف قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام على صورته”.

فإن قيل: فإذا كانت الأرواح حادثة مع الأجساد فما معنى قوله عليه الصلاة والسلام: “خلق الله تعالى الأرواح قبل خلق الأجساد بألفي عام”، وقوله: “أنا أول الأنبياء خَلقا وآخرهم بعثا وكنت نبيا وآدم بين الماء والطين”. فاعلم أن شيئا من ذلك لا يدل على قدم الروح ولكن قوله: “أنا أول الأنبياء خلقا” ربما دل بظاهره على تقدم وجوده على جسده وغير الظاهر متعين. فإن تأويله ممكن والبرهان القاطع لا يدرأ بالظاهر بل ليسلط على تأويل الظاهر، كما في ظواهر التشبيه في حق الله تعالى.

فأما قوله: “خلق الله تعالى الأرواح قبل الاجساد بألفي عام” أراد بالأرواح أرواح الملائكة، والاجسام أجسام العالم من العرض والكرسي والسموات والكواكب والهواء والماء والأرض.

وأما قوله: “أنا أول الأنبياء خلقا” فالخلق ها هنا بمعنى التقدير دون الإيجاد، فإنه صلى الله عليه وسلم قبل أن تلده أمه لم يكن موجودا مخلوقا، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير لاحقة في الوجود، فإن الله تعالى يقدر أولا أي يرسم في اللوح المحفوظ الأمور الإلهية على وفق علمه تعالى، فإذا فهمت نوعي الوجود فقد كان عليه الصلاة والسلام قبل وجود آدم عليه السلام أعني الوجود الأول التقديري دون الوجود الحسي العيني. هذا آخر الكلام في معنى الروح والله أعلم.

click روضة الطالبين وعمدة السالكين
can you get high off premarin الباب السادس في بيان معنى النفس والروح والقلب والعقل
 
Top