الباب السادس عشر في الرد على من أجاز الصغائر على الأنبياء صلى الله عليهم وسلم

صفحة 144

الباب السادس عشر في الرد على من أجاز الصغائر على الأنبياء صلى الله عليهم وسلم

قال القاضي عياض رحمه الله تعالى في كتابه الشفا:

اعلم: أن المجوزين للصغائر على الأنبياء صلى الله عليهم وسلم من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين احتجوا على ذلك بظواهر كثيرة من القرآن والحديث إن التزموا ظواهرها أفضت بهم إلى تجويز الكبائر وخرق الإجماع ما لا يقول به مسلم، فكيف وكل ما احتجوا به مما اختلف المفسرون في معناه وتقابلت الاحتمالات في مقتضاه وجاءت أقاويل فقهاء السلف بخلاف ما التزموه من ذلك. فإذا لم يكن مذهبهم إجماعا وكان الخلاف فيما احتجوا به قديما وقامت الدلالة على خطأ قولهم وصحة غيره وجب تركه والمصير إلى ما صح، والله تعالى أعلم.

صفحة 144

فصل فيما يجب على الأنام من حقوق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام

أولها: تصديقه في كل ما جاء به وما قاله ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان أنه رسول الله إلى الناس كافة واتباعه في جميع ما أمر به أو نهى عنه، وكذلك محبته ومناصحته وتوقيره وبره والصلاة عليه كل ذلك واجب، لأنه مما جاء به صلى الله عليه وسلم.

واعلم: أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان وكفايته منه فلا يصل إلى ظاهره بشيء من أنواع الأذى ولا إلى باطنه بشيء من الوساوس، وكذا عصمته عن الجهل بالله تعالى وصفاته أو كونه على حالة تنافي العلم بشيء من ذلك كله جملة بعد النبوة عقلا وإجماعا وقبلها سمعا ونقلا، ولا بشيء مما قرره من امور الشرع وأداه عن ربه عز وجل من الوحي قطعا وعقلا وشرعا. وكذا عصمته من الكذب وخلف القول منذ نبأه الله تعالى وأرسله قصدا أو غير قصد واستحالته عليه عقلا وإجماعا لمناقضته للمعجزة وتنزيهه عنه قبل النبوة قطعا، وكذا تنزيهه عن الكبائر إجماعا وعن الصغائر وملابسة المكروهات تحقيقا، بل تنزيه همته الشريفة عن تناول المباحات إلا على قصد تبيين إباحتها والاستعانة بها على طاعة ربه عز وجيل، وكذا عصمته في جميع حالاته من رضى وغضب، وجد وهزل، وصحة ومرض، وكذا استحالة السهو والنسيان، والغفلة والغلط عليه في الأخبار والأقوال البلاغية إجماعا لمناقضته المعجزة وجواز السهو عليه في الأفعال البلاغية بشرط أن لا يقر عليه، بل ينبه عليه على الفور بتظهر فائدة النسيان من معرفة الخجكم والاتباع له فيما

صفحة 145

يشرعه، وفرقوا بين السهو في الأفعال البلاغية والأقوال البلاغية لقيام المعجزة على الصدق في القول ومخالفة ذلك يناقض المعجزة، وأما السهو في الأفعال: فغير مناقض للمعجزة ولا قادح في النبوة، نعم بل حالة النسيان هنا في حقه صلى اله عليه وسلم سبب إفادة علم وتقرير شرع، كما قال صلى الله عليه وسلم: “إني لست أنسى ولكني أنسى لأسنّ”. وهذه الحالة بعيدة عن سمات النقص، بل هو زيادة في التبليغ وتمام عليه في النعمة، وأما ما ليس طريقة البلاغ ولا بيان الأحكام من أفعاله صلى الله عليه وسلم ما يختص من أمور دينه وأذكار قلبه، فالذي ذهب إليه جماعة الصوفية وأصحاب علم القلوب استحالة السهو والنسيان والغفلات والفترات عليه فيه جملة. وأجاز ذلك الأكثر من طبقات علماء الأمة وذلك بما كلفه من سياسة الأمة ومقاساة الخلق ومعاناة الأهل وملاحظة الأعداء، ولكن ليس على سبيل التكرار ولا الاتصال، بل على سبيل الندور وليس في هذا شيء يحط من مرتبته أو يناقض معجزته صلى الله عليه وسلم.

واعلم: أنه يجوز طريان الآلام والأوجاع على ظاهر جسم النبي صلى الله عليه وسلم ليتحقق بشريته ولكن لا يصل شيء من ذلك إلى باطنه صلى الله عليه وسلم لتعلقه بمشاهدة ربه عز وجل والأنس به، ثم اعلم أن المصير في جميع ما ذكرنا في حق جميع الأنبياء والملائكة كالمصير في حق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين.

صفحة 145

فصل في بيان ما يجب على النبي عليه السلام وما يحرم عليه وما يباح له وما خص به من الفضائل دون غيره

فأما ما يجب عليه فهو التهجد والوتر والضحى والأضحية والمشاورة وتخيير الزوجات والسواك ومصابرة العدو وإن كثروا وتغيير المنكر.

وأما ما يحرم عليه دون غيره: فهو الخط والشعر والصدقة والزكاة ومد عينيه إلى ما متع به غيره، والمخادعة في الحرب، ومسك الزوجة المكارهة وفي طلاق الراغبة، وأكل الكراث والثوم والبصل، والأكل متكئا وفيه خلاف، والأصح الكراهية لا التحريم، ونكاح الحرة الكتابية والأمة المسلمة وغيرها، والصلاة على المدين على خلاف، والأصلح أنه صلى بعد ذلك، ونزعه لأمة الحرب قبل القتال.

وأما ما يباح له صلى الله عليه وسلم: فهو حكمه لنفسه ولفرعه وشهادته وقبوله أيضا لهما وخمس الخمس وحل الغنائم ومن أرادها لزم زوجها طلاقها، وله النكاح بلا مهر لمن شاء ويصح نكاحه بلفظ الهبة، ويجوز أخذه طعام المحتاج ويلزم المضطر بذله ويحيى ما شاء من موات ويقتضى بعلمه أبدا ويجب على خاطره دفع قاصده بسوء، ولا ينتقض وضوءه بالنوم ولا باللمس على الأصح، ولا يورث ماله ويلزم الخلية إجابته، ويعقد نكاحه بلا ولي ولا

صفحة 146

شهود، وله الزيادة على أربع وعلى تسع في الأصح، وله النكاح في الإحرام ويصح نكاحه من نفسه وممن شاء.

وأما ما خص به من الفضائل فهو: أن أزواجه اللاتي مات عنهن حرام على غيره قطعا. وكذا اللاتي فارقهن بعد الدخول في الأصح، وهن أمهات المؤمنين، وشرعه صلى الله عليه وسلم ناسخ لما قبله يستمر إلى انقضاء الأبد، وكتابه المعجز المستمر السالم من التبديل والتحريف وهو حجة الله تعالى على عباده، وجعلت له الأرض مسجدا وطهورا، وأعطي خمسة شفاعات وخص بالشفاعة العظمى، وهو أول من يقرع باب الجنة، وأمته خير أمة ولا تجتمع على ضلال، وهو أول شافع مشفع، وأول من تنشق عليه الأرض، ونصف أمته كالملائكة يوم القيامة، وفضلاته طاهرة على الأصح يتبرك بها ويستشفى بها، ويرى من ورائه كما يرى من أمامه، ولا يحل مناداته من وراء حجرته، وصلاته في النفل قاعدا في أجره كصلاته في الوقوف، ولا يجوز نداؤه باسمه، وأعطي جوامع الكلم.

صفحة 146

فصل

اعلم: أن الله تعالى قد حرم أذى النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن ولعن مؤذيه، واجتمعت الأمة على قتل منتقصيه وسابّه من المسلمين تصريحان كان أو تعريضا وأما ما هو حقه سبّ أو نقص.

فاعلم: أن من سبه أو عابه أو ألحق به نقصا في خلقه أو خُلُقه أو دينه أو خصلة من خصاله أو نسبه أو عرض به أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير بلسانه فهو سابّ له وسابّه يقتل. وكذا حكم من غيره بما جرى من الابتلاء والمحنة عليه أو غمضه ببعض العوارض البشرية الجائزة عليه، وهكذا كله بإجماع من العلماء من لدن الصحابة إلى الآن.

قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمع عوام أهل العلم على أن من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل، وممن قال بذلك مالك والليث وأحمد وإسحق ومذهب الشافعي وهو مقتضى مذهب أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعنهم فلا تقبل توبته عند هؤلاء، وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأهل الكوفة والأوزاعي في المسلم لكنهم قالوا: هي ردة، والله أعلم.

روضة الطالبين وعمدة السالكين
 
Top