الباب السابع والثلاثون في بيان الفتوة

صفحة 169

الباب السابع والثلاثون في بيان الفتوة

الفتي من تخلى عن تدبير نفسه وماله وولده ووهب الكل لمن له الكل بل ليس له ما يهب فإنها ذهبت في قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ” (التوبة: 111). تخلق بقوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ” (النحل: 90). ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله تعالى شيئا إلا جمعه، وما ترك الفحشاء والمنكر من معصية الله تعالى شيئا إلا جمعه. فتوة العامة بالأموال، وفتوة الخاصة بالأموال والأفعال، وفتوة خاص الخواص بهما وبالأحوال، وفتوة الأنبياء بهما وبالأسرار، وهو الذي ليس في باطنه دعوى ولا في ظاهره تصنع ومراءاة، وسره الذي بينه وبين الله تعالى لا يطلع عليه صدره، فكيف الخلق. ومن شأن الفتى النظر إلى الخلق بعين الرضى وإلى نفسه بعين السخط ومعرفة حقوق من هو فوقه ومثله ودونه ولا يتعرض لإخوانه بزلة أو حقرة أو كذب، وينظر إلى الخلق كأنهم أولياء غير مستقبح منهم إلا ما خالف الشرع مع أن ذلك ينسبه إلى الشيطان ذنبا لا إلى أخيه المسلم. فكيف إلى الله عز وجل مع أنه يغيره بيده، فإن لم يستطع فبقلبه والإياس من الخلق وترك السؤال والتعريض وكتمان الفقر وإظهار الغنى وترك الدعوى وكتمان المعنى واحتمال الأذى، وأن يؤثر مراد غيره على هواه خلقا وفعلا، وأن لا يزال في

صفحة 170

حاجة غيره ويعطى بلا امتنان ولا يطالب أحدا بواجب حقه ويطالب نفسه بحقوق الناس ويرى الفضل لهم ويلزم نفسه التقصير في جميع ما ياتي به، ولا يستنكر ما يأتي به، ومن شأن الفتى ترك كل ما للنفس فيه حظ، ويستوي عنده المدح والذم من العامة، ومن شأنه الصدق والوفاء والسخاء والحياء وحسن الخلق وكرم النفس وملاطفة الإخوان ومجانبة سماع القبيح من الأصدقاء، وكرم العهد بالوفاء والتباعد عن الحقد والحسد والغش، ومن شأنه الحب والبغض في الله والتوسعة على الإخوان من ماله وجاهه إن أمكنه. وترك الامتنان عليهم بذلك وصحبة الأخيار ومجانبة الأشرار، ويكون خصما على نفسه لربه ولا يكون له خصما غيرها فيجتهد في كسر هواها، لأنه قيل: الفتى من كسر الأصنام وهي صنم الإنسان.

ومن شأن الفتى أن لا ينافر فقيرا لفقره، ولا يعارض غنيا لغناه، ويعرض عن الكونين، ويستوي عنده المقيم والطارئ، ومن يعرف ومن لا يعرف، ولا تمييز بين الولي والكافر من جهة الأكل، ولا يدخر ولا يعتذر ويظهر النعمة ويسر المحبة وإذا كان في عشرة فلا يتغير إن كان ما أتى به عشيرة أقل أو أكثر، وأن لا يحمرّ وجه أحد فيما لم يندبه الشرع إليه. ولا يربح على صديق وما خرج عنه لا يرجع فيه وإن أعطي شكر وإن منع صبر، بل إن أعطي آثر وإن منع شكر، الفتوة أن لا يشتغل بالخلق عن الحق، وفتوة العارف بمعروفه، وفتوة غيره بمعتاده ومألوفه.

صفحة 170

فصل في السخاء

السخاء: تقديم حظوظ الإخوان على حظك مطلقا دنيويا وأخرويا والمبادرة إلى الإعطاء قبل السؤال وترك الامتنان بما أعطى وتعجيله وتصغيره وتستيره، بل بذل النفس والروح والمال  على الخلق على غاية الحياء، وأن يكره أن يرى ذل السؤال في وجوه المسلمين وسخاء النفس بما في أيدي الناس أكبر من سخائها وبالبذل ومروءة القناعة، والرضى أكبر من مروءة العطاء وأكبر من ذلك كله السخاء بالحكمة.

روضة الطالبين وعمدة السالكين
الباب السابع والثلاثون في بيان الفتوة
 
Top