الباب الرابع في بيان معنى الوصول والوصال

صفحة 113

الباب الرابع في بيان معنى الوصول والوصال

اعلم أن الوصول هو أن ينكشف للعبد حيلة الحق ويصير مستغرقا به، فإن نظر

صفحة 114

إلى معرفته فلا يعرف إلا الله وإن نظر إلى همته فلا همة له سواه. فيكون كله مشغولا بكله مشاهدة وهماً ولا يلتفت في ذلك إلى نفسه ليعمر  ظاهره بالعبادة أو باطنه بتهذيب الأخلاق وكل ذلك طهارة وهي البداية، وأما النهاية أن ينسلخ من نفسه بالكلية ويتجرد له فيكون كأنه هو وذلك هو الوصول، فافهم جدا. ومعنى الوصال هو الرؤية والمشاهدة بسر القلب في الدنيا وبعين الرأس في الآخرة، فليس معنى الوصال اتصال الذات بالذات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قال بعضهم:

وإنّ طَرفي موصولٌ برؤيته *** وإن تباعد عن مثواي مثواه

اعلم أن مباني طريقة الصوفية على أربعة أشياء وهي: اجتهاد، وسلوك، وسير، وطير.

فالاجتهاد: التحقق بحقائق الإسلام. والسلوك: التحقق بحقائق الإيمان. والسير: التحقق بحقائق الإحسان. والطير: الجذبة بطريق الجود والإحسان إلى معرفة الملك المنان، منزلة الاجتهاد من السلوك منزلة الاستنجاء من الوضوء، فمن لا استنجاء له لا وضوء له. فهكذا من لا اجتهاد له لا سلوك له. ومنزل السلوك من السير منزلة الوضوء من الصلاة، فمن لا وضوء له لا صلاة له. فكذا من لا سلوك له لا سير له. وبعده الطير وهو الوصول والله تعالى أعلم. فهذه طريق السالكين ومنازل السائرين، وبعد ذلك طريق الوصول ومنازل الواصلين وهو الطير. والله أعلم.