فصل

صفحة 116

فصل

اتفق المسلمون على أن الله تعالى موصوف بكل كمال. برئ من كل نقصان، لكنهم اختلفوا في بعض الأوصاف فاعتقد بعضهم أنها كمال فأثبتها له واعتقد آخرون أنها نقصان فنفوها عنه. ولذلك أمثلة:

صفحة 117

أحدها: قول المعتزلة إن الإنسان خالق لأفعاله، لأن الله لو خلقها ثم نسبها إليه، ولأنه لو فعلها مع أنه لم يفعلها وعذبه عليها مع أنه لم يوجدها، لكان ظالماً له والظلم نقصان. وكيف يصح أن يفعل شيئا ثم يلوم غيره عليه ويقول له: كيف فعلته ولم فعلته؟ وأهل السنة يقولون: وجدنا كمال الإله في التفرد ونفي القدرة عيب ونقصان، وليس تعذيب الرب على ما خلقه بظلم بدليل تعذيب البهائم والمجانين والأطفال، لأنه يتصرف في ملكه كيف يشاء “لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ” (الأنبياء: 23). والقول بالتحسين والتقبيح باطل، فرأوا أن يكون هو الخالق لأفعال العباد ورأوا تعذيبهم على ما لا يخلقون جائزاً من أفعاله غير قبيح.

المثال الثاني: اختلاف المجسمة مع المنزهة. قالت المجسمة: لو لم يكن جسماً لكان معدوماً ولا عيب أقبح من العدم. وكذا النفس عن الجهات قول بعدمه لأ من لا جهة له لا يتصور وجوده. وقالت المنزهة: لو كان جسماً لكان حادثا ولفاته كمال الأزلية والنفي عن الجهات كلها إنما يوجب عدم من كان محدوداً منحصراً في الجهات. فأما ما كان موجوداً قديماً لم يزل ولا جهة فلا ينصرف إلى النفي.

المثال الثالث: إيجاد المعتزلي على الله تعالى أن يثبت الطائعين كيلا يظلمهم والظلم نقصان، وقول الأشعري: ليس ذلك بظلم إذ لا يجب عليه حق لغيره إذ لو وجب عليه حق غيره لكان في قيد والتقييد بالأغيار نقصان.

المثال الرابع: قول المعتزلة إن الله تعالى يريد الطاعات وإن لم تقع، لأن إرادتها كمال. ويكره المعاصي وإن وقعت، لأن إرادتها نقصان. وقول الأشعري: لو أراد ما لا يقع لكان ذلك نقصاً في إرادته لكلالها عن النفوذ فيما تعلقت به ولو كره المعاصي مع وقوعها لكان ذلك كلالاً في كراهته، وذلك نقصان.

المثال الخامس: إيجاب المعتزلي على الله تعالى رعاية الأصلح لعباده لما في تركه من النقصان. وقول الأشعري: لا يلزمه ذلك، لأن الإلزام نقصان وكمل الإله أن لا يكون في قيد المتألهين. وبالله التوفيق.

روضة الطالبين وعمدة السالكين
الباب الخامس في بيان معنى التوحيد والمعرفة ويضاف إليهما البصيرة والمكاشفة والمشاهدة والمعاينة والحياة واليقين والإلهام والفراسة لأنها من مواريثهما
فصل
 
Top