الباب الخامس في بيان معنى التوحيد والمعرفة ويضاف إليهما البصيرة والمكاشفة والمشاهدة والمعاينة والحياة واليقين والإلهام والفراسة لأنها من مواريثهما

صفحة 115

الباب الخامس في بيان معنى التوحيد والمعرفة ويضاف إليهما البصيرة والمكاشفة والمشاهدة والمعاينة والحياة واليقين والإلهام والفراسة لأنها من مواريثهما

أما التوحيد: فهو إفراد القدم عن الحدوث والإعراض عن الحادث والإقبال على القديم حتى لا يشهد نفسه فضلا عن غيره، لأنه لو شاهد نفسه في حال توحيد الحق تعالى أو غيره لكان مثنيا لا موحدا ذاته القديمة بوصف الوحدانية موصوفة وبنعت الفردانية  منعوتة، وصفات المحدثات من المشاكلة والمماثلة والاتصال والانفصال والمقارنة والمجاورة والمخالطة والحلول والخروج والدخول والتغيير والزوال والتبدل والانتقال من قدس ذاته ونزاهة صفاته مسلوبة، ولا ينسب نقصان إلى كمال جماله وكمال جمال أحديته مبرأ عن وصمة ملاحظة الأفكار، وجلال صمديته معرى عن مزاحمة ملابسة الأذكار، ضاقت عبارات المبارزين في ميدان الفصاحة عن وصف كبريائه، وعجز بيان السابقين في عرصة المعرفة عن تعريف ذاته تعالى، وتعالى إدراكه عن مناولة الحواس ومحاولة القياس، وليس لأصحاب البصائر في أشعة أنوار عظمته سبيل التعامي والتغاشي. إن قلت: أين؟ فالمكان خلقه، وإن قلت: متى؟ فالزمان إيجاده، وإن قلت: كيف؟ فالمشابهة والكيف مفعوله، وإن قلت: كم؟  فالمقدار والكمية مجعوله، الأزل والأبد مندرج تتحت إحاطته، والكون والمكان منطو في بساطه كل ما يسع في العقل والفهم والحواس والقياس ذات الله تعالى مقدسة عنه. إذ كل ذلك محدث والمحدث لا يدرك إلا المحدث دليل وجوده، وبرهان شهوده الإدراك في هذا المقام عجز. والعجز عن درك الإدراك إدراك. لا يصل بكنه الواحد إلا الواحد، وكل ما انتهى إدراك الموحد إليه فهو غاية إدراكه لا غاية الواحد تعالى عن ذلك علوا كبيرا. وكل من ادعى أن معرفة الواحد منحصرة في معرفته فهو بالحقيقة ممكور ومغرور. وقوله تعالى: “وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ” (الحديد: 14). إشارة إلى هذا الغرور.

صفحة 115

فصل في التوحيد

والتوحيد في البداية نفي التفرقة والوقوف على الجمع. وأما في النهاية فيمكن أن يكون الموحد حال التفرق مستغرقا في عين الجمع وفي عين الجمع بعين الجمع ناظراً إلى

صفحة 116

التفرقة بحيث كل واحد من الجمع والتفرقة لا يمنع من الآخر. وهذا هو كمال التوحيد وذلك أن يصير حال التوحيد وصفاً لازماً لذات الموحد، وتتلاشى وتضمحل ظلمة رسوم وجوده في غلبة إشراق أنوار توحيده، ونور علم توحيده يستتر ويندرج في نور حاله على مثال اندراج الكواكب في نور الشمس، فلما استبان الصبح أدرج ضوءه بإسفاره أضواء نور الكواكب. وفي هذا المقام يستغرق وجود الموحد في مشاهدة جمال الواحد في عين الجمع بحيث لا يشاهد غير ذات الواحد تعالى وغير صفاته عز وجل واستلبه أمواج بخر التوحيد وغرق في عين الجمع من هنا.

قال الجنيد -قد الله روحه- : معنى ذلك تضمحل فيه الرسوم وتندرج فيه العلوم ويكون الله تعالى كما لم يزل. وقيل: من وقع في بحار التوحيد لا يزداد على ممر الزمان إلا عطشاً.

صفحة 116

فصل في بيان أنواع التوحيد

اعلم أن إثبات التوحيد خمسة أشياء في أصول التوحيد لا بدّ لكل مكلف من اعتقادهم.

إحداها: وجود البارئ تعالى ليبرأ به من التعطيل.

ثانيها: وحدانيته تعالى ليبرأ به من الشرك.

وثالثها: تنزيهه تعالى عن كونه جوهراً أو عرضا. وعن لوازم كل منهما ليبرأ به من التشبيه.

ورابعها: إبداعه تعالى بقدرته واختياره لكل ما سواه ليبرأ به عن القول بالعلة والمعلول.

وخامسها: تدبيره تعالى لجميع مبتدعاته ليبرأ به عن تدبير الطبائع والكواكب والملائكة، وقوله (لا إله إلا الله) يدل على الخمسة.

صفحة 116

فصل

اتفق المسلمون على أن الله تعالى موصوف بكل كمال. برئ من كل نقصان، لكنهم اختلفوا في بعض الأوصاف فاعتقد بعضهم أنها كمال فأثبتها له واعتقد آخرون أنها نقصان فنفوها عنه. ولذلك أمثلة:

صفحة 117

أحدها: قول المعتزلة إن الإنسان خالق لأفعاله، لأن الله لو خلقها ثم نسبها إليه، ولأنه لو فعلها مع أنه لم يفعلها وعذبه عليها مع أنه لم يوجدها، لكان ظالماً له والظلم نقصان. وكيف يصح أن يفعل شيئا ثم يلوم غيره عليه ويقول له: كيف فعلته ولم فعلته؟ وأهل السنة يقولون: وجدنا كمال الإله في التفرد ونفي القدرة عيب ونقصان، وليس تعذيب الرب على ما خلقه بظلم بدليل تعذيب البهائم والمجانين والأطفال، لأنه يتصرف في ملكه كيف يشاء “لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ” (الأنبياء: 23). والقول بالتحسين والتقبيح باطل، فرأوا أن يكون هو الخالق لأفعال العباد ورأوا تعذيبهم على ما لا يخلقون جائزاً من أفعاله غير قبيح.

المثال الثاني: اختلاف المجسمة مع المنزهة. قالت المجسمة: لو لم يكن جسماً لكان معدوماً ولا عيب أقبح من العدم. وكذا النفس عن الجهات قول بعدمه لأ من لا جهة له لا يتصور وجوده. وقالت المنزهة: لو كان جسماً لكان حادثا ولفاته كمال الأزلية والنفي عن الجهات كلها إنما يوجب عدم من كان محدوداً منحصراً في الجهات. فأما ما كان موجوداً قديماً لم يزل ولا جهة فلا ينصرف إلى النفي.

المثال الثالث: إيجاد المعتزلي على الله تعالى أن يثبت الطائعين كيلا يظلمهم والظلم نقصان، وقول الأشعري: ليس ذلك بظلم إذ لا يجب عليه حق لغيره إذ لو وجب عليه حق غيره لكان في قيد والتقييد بالأغيار نقصان.

المثال الرابع: قول المعتزلة إن الله تعالى يريد الطاعات وإن لم تقع، لأن إرادتها كمال. ويكره المعاصي وإن وقعت، لأن إرادتها نقصان. وقول الأشعري: لو أراد ما لا يقع لكان ذلك نقصاً في إرادته لكلالها عن النفوذ فيما تعلقت به ولو كره المعاصي مع وقوعها لكان ذلك كلالاً في كراهته، وذلك نقصان.

المثال الخامس: إيجاب المعتزلي على الله تعالى رعاية الأصلح لعباده لما في تركه من النقصان. وقول الأشعري: لا يلزمه ذلك، لأن الإلزام نقصان وكمل الإله أن لا يكون في قيد المتألهين. وبالله التوفيق.

صفحة 117

فصل

اعلم أن من نسب المشيئة، والكسب إلى نفسه فهو قدري، ومن نفاهما عن نفسه فهو جبري. ومن نسب المشيئة إلى الله تعالى والكسب إلى العبد فهو سني صوفي رشيد، فقدرة العبد وحركته خلق للرب تعالى وهما وصف للعبد وكسب له، والقدر اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر والقضاء هو الخلق، والفرق بين القضاء والقدر هو أن القدر أعم

صفحة 118
والقضاء أخص، فتدبير الأوليات قدر وسوق تلك الأقدار بمقاديرها وهيئاتها إلى مقتضياتها هو القضاء، فالقدر إذا تقدير الأمر بدءاً والقضاء فصله وقطع ذلك الأمر كما يقال قضى القاضي.

صفحة 118

فصل في الأهواء

اعلم أن أهل الأهواء المختلفة ست فرق، وكل اثنين منها ضدان وهي: التشبيه والتعطيل، والجبر والقدر، والرفض والنصب، وكل واحدة منها تفترق إلى اثنتي عشرة فرقة، فالتشبيه والتعطيل ضدان، والجبر والقدر ضدان، والرفض والنصب ضدان، وكل من هؤلاء منحرفون عن الصراط المستقيم، والفرقة الناجية الوسط وهم أهل السنة والجماعة. فأما الفرقة المشبهة فإنهم بالغوا وغلوا في إثبات الصفات حتى شبهوا وجوزوا الانتقال والحلول والاستقرار والجلوس وما أشبه ذلك، وأما الفرقة المعطلة: فإنهم بالغوا وغلوا وبالغوا في نفي التشبيه حتى وقعوا في التعطيل، وأما أهل السنة والجماعة: فإنهم سلكوا الطريق الوسط وأثبتوا صفات الله كما وردت من غير تشبيه ولا تعطيل، فعلمت بذلك سبيل الشيطان ما عليه المشبهة والمعطلة، وأما الجبرية والقدرية: فكل منهم بعيد عن الصراط المستقيم، فمن نفى المشيئة والكسب عن نفسه فهو جبري، ومن نسبها إلى نفسه فهو قدري، ومن نسب المشيئة إلى الله تعالى والكسب إلى العبد فهو سني، وأما الرافضة والناصبة: فكل منهما بعيد عن الصراط. فالرافضي: ادعى محبة أهل البيت وبالغ في سب الصحابة وبغضهم، والناصبي: بالغ في التعصب من جهة الصحابة حتى وقع في عداوة أهل البيت ونسب عليّا رضي الله عنه إلى الظلم والكفر، وأما أهل السنة: فإنهم سلكوا الطريق الوسط فأحبوا أهل البيت وأحبوا الصحابة وحفظ الله تعالى ألسنتهم من الوقيعة في أحد منهم إلا بالحمد والثناء عليهم فلله الحمد والمنة والشكر.

صفحة 118

فصل في القضاء

القضاء يطلق تارة يراد الأمر المبرم نحو قوله تعالى: “فَإِذا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ” (غافر: 68). وتراة يراد به الإعلام بوجوب الحكم الواجب لله كقوله تعالى: “وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ” (الإسراء: 23). إذ لو كان هذا القضاء المبرم لما عبد غيره تعالى إذ يستحيل تخلف الأثر عن مؤثره، وكذا قوله تعالى: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ” (الذاريات: 56). والمراد به الإعلام إذ لو كان قضاء وحكماً مبرماً لعبده الكل فنشأ الخلاف لعدم الفرقان.

صفحة 119

فصل

اعلم أن الله تعالى قضى فيما قضاه أزلا أن الأمور يكون منوطا بالعبد موقوفا عليه في أفعاله وأقواله ما قضاه فقد أمضاه فلا يجوز تغيره ولا يقال: إن الله تعالى يغير ما قضاه لأنه تعالى لا يعارض نفسه فيما قضاه، إذ لم يكن عبثاً ولا تبعا للشهوات تعالى عن ذلك، وإنما قضى بمقتضى الحكمة وما صدر عن الحكمة فلا مغير له، فما قضاه منوطا بفعل العبد، فكالحرث والنسل، وما قضاه موقوفا على فعل العبد فكالدعاء والاستغفار.

واعلم أن الله تعالى أثبت فعل العبد في مواضع نحو قوله تعالى: “جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” (الواقعة: 24). وقوله تعالى: “فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ” (التوبة: 5). ومحاه في مواضع أخر نحو قوله تعالى: “فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ” (الأنفال: 17). والحكمة فيه أنه تعالى  خالق الأفعال ومقدرها والعبد كاسبها ومسببها، فالعبد يعمل العبادة والله تعالى يجازي عليها ولولا نسبة هذه الأفعال خلقا وكسبا لما سمى عابداً معبوداً، فثبت أن العبد عابد كاسب وأن الله تعالى معبود خالق، واعلم أن الأفعال قسمان:

أحدهما: قوله ما يقع من العبد وهو الكسب المنسوب إليه ولهذا أنزلت الكتب وأرسلت الرسل وثبتت الحاجة إلى العقول لتقوم بها الحجة وتتضح بها المحجة.

الثاني: ما يقع على العبد جزاء وهو ما بيد الله تعالى ويد العبد وكلاهما لا يكون إلا بما كسبت يد العبد لقوله تعالى: “وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ” (الشورى: 30). وما ناسب هذه الآية فمن فهم هذه الجملة أمكنه أن يفقه المراد من كلام الله تعالى فيما هو المضاف إلى العباد، ومثال ذلك: قطع الجلاد يد السارق. يصح أن يقول: القاطع هو الجلاد لأنه كاسب، ويصح أن يقال:إن الله تعالى هو القاطع بيد الجلاد لأنه تعالى هو المجازي للمقطوع لما بدا منه، ويصح أن يقال: إن السارق هو القاطع ليده لأنه هو المبتدئ لما جناه فلا يقع عليه إلا ما كسبت يداه، فيكون الفعل الواجد من الرب تعالى جزاءً من المقطوع ابتداءً ومن القاطع كسباً ولا يناقض أحدٌ أحداً وأدلته واضحة في الكتاب، ومن فهم هذه الجملة حق فهمها لم يخف إلا من نفسه ولم يرج إلا رحمة الله سبحانه وتعالى. قال: أين عبد الله كلنا في ذات الله تعالى أحمق، يعني إن نظرنا إلى قضائه نتوهم أن العبد معذور فيما يفعل، وإن نظرنا إلى الأمر والنهي وإلى اختيار  العبد ربما يظن أن العبد مستبد بما يفعل، بل الحق فيه ان يعتقد أن العبد غير مستغن عن الله تعالى في سائر

صفحة 120
أفعاله وأقواله، وأحواله، بل هو متقلب في مشيئته وأنه غير مجبور ولا مسخر كالحيوانات والجمادات، بل هو موفق في ضمن أسباب السعادة ومخذول أو مطرود في ضمن أسباب الشقاوة.

صفحة 120

فصل

لو قيل: إن كان للقدرة الحادثة أثر في المقدور فهو شرك خفي، وإن لم يكن لها أثر فهو جبر. يقال: إنما يكون شركاً إذا كان لها في التخليق أثر، وإنما أثرها في الكسب والله تعالى ليس بكاسب حتى يكون شركا ولو لم يكن لها أثر في المقدور لزم أن يكون وجودها كعدمها فهو إذا قدير بلا قدرة وهو محال.

واعلم أن من ظن أن الله تعالى أنزل الكتب وأرسل الرسل وأمر ونهى ووعظ وتواعد لغير قادر مختار، فهو مختل المزاج يحتاج إلى علاج ولسبب اختلاف الناس في الاستدلال بالقرآن قبل فهمه وقعوا في الجبر والقدر، لأنهم لم يفرقوا بين قدرة الخالق القديمة وبين قدرة المخلوق الحادثة والفرق بينهما أن القدرة القديمة مستقلة بالخلق ولا مدخل لها في الكسب، وأن القدرة الحادثة مستقلة بالكسب ولا مدخل لها في الخلق والظلم إنما ينسب إلى الحادثة، وأما القديمة فمبرأة عنه لقوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِم النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” (يونس: 44).

صفحة 120

فصل في الفرق بين العلم والمعرفة

وأما المعرفة: فهي نفس القرب وهو ما أخذ القلب وأثر فيه أثراً يؤثر في الجوارح. فالعلم: كرؤية النار مثلا. والمعرفة: كالاصطلاء بها، والمعرفة في اللغة: هو العلم الذي لا يقبل الشك وفي العرف اسم لعلم تقدمه نكرة، وفي عبارة الصوفية  المعرفة هو العلم الذي لا يقبل الشك إذا كان المعلوم ذات الله تعالى وصفاته. فإن قيل: ما معرفة الذات وما معرفة الصفات؟ يقال: معرفة الذات أن يعلم أن الله تعالى موجود واحد فرد وذات وشيء عظيم قائم بنفسه ولا يشبهه شيء، وأما معرفة الصفات: فأن تعرف أن الله تعالى حي عالم قادر سميع بصير إلى غير ذلك من الصفات. فإن قيل: ما سر المعرفة؟ يقال: سرها وروحها التوحيد، وذلك بأن تنزه حياته وعلمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه عن التشبيه بصفات الخلق، ليس كمثله شيء.

فإن قيل: ما علامة المعرفة؟ يقال: حياة القلب مع الله تعالى، أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام أتدري ما معرفتي؟ قال: لا. قال: حياة القلب في مشاهدتي.

صفحة 121

فإن قيل: ففي أي مقام تصح المعرفة الحقيقية؟ يقال: في مقام الرؤية والمشاهدة بسر القلب، وإنما يرى ليعرف، لأن المعرفة الحقيقية في باطن الإرادة فيرفع الله تعالى بعض الحجب فيريهم نور ذاته تعالى وصفاته عز وجل من وراء الحجاب ليعرفوه تعالى، ولا يرفع الحجب بالكلية لكيلا يحترق الرائي. قال بعضهم بلسان الحال:

ولو أني ظهرت بلا حجاب *** ليَتّمتُ الخلائق أجمعينا

ولكن الحجاب لطيف معنى *** به تحيا قلوب العاشقينا

اعلم أن تجلي العظمة يوجب الخوف والهيبة، وتجلي الحسن والجمال يوجب العشق، وتجلي الصفات يوجب المحبة، وتجلي الذات يوجب التوحيد، قال بعض العارفين: والله ما نال رجل الدنيا إلا أعمى الله قلبه وبطل عليه عمله إن الله تعالى خلق الدنيا مظلمة، وجعل الشمس فيها ضياء، وجعل القلوب مظلمة، وجعل المعرفة فيها ضياء، فإذا جاءه السحاب ذهب نور الشمس، فكذلك يجيء حب الدنيافيذهب بنور المعرفة من القلب. وقيل: حقيقة المعرفة نور يطرح في قلب المؤمن وليس في الخزانة شيء أعز من المعرفة. وقال بعضهم: إن شمس قلب العارف أضوأ وأشرق من شمس النهار، لأن شمس النهار قد تكسف وشمس القلوب لا كسوف لها وشمس النهار تغرب بالليل دون شمس القلوب، وأنشدوا في ذلك:

إن شمس النهار تغرب ليلا *** غير شمس القلوب لا تغيب

من أحب الحبيب طار إليه *** اشتياقا إلى لقاء الحبيب

قال ذو النون: حقيقة المعرفة اطلاع الحق على الأسرار بمواصلة لطائف الأنوار، وأنشدوا فيه:

للعارفين قلوب يعرفون بها *** نور الإله بسر السر في الحجب

صمّ عن الخلق عميٌ عن مناظرهم *** بكمٌ عن النطق في دعواه بالكذب

وسئل بعضهم: متى يعرف العبد أنه على تحقيق المعرفة؟ فقال: إذا لم يجد لي قلبه مكاناً لغير ربه، وقال بعضهم: حقيقة المعرفة مشاهدة الحق بلا واسطة ولا كيف ولا شبهة،

صفحة 122

كما سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقيل: يا أمير المؤمنين أتعبد من ترى أو من لا ترى؟ فقال: لا بل أعبد من أرى لا رؤية العيان، ولكن رؤية القلب. وقيل لجعفر الصادق رضي الله عنه: هل رأيت الله عز وجل؟ قال: لم أكن لأعبد ربّاً لم أره. قيل: وكيف رأيته وهو لا تدركه الأبصار؟ قال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، ولكن تراه القلوب بحقائق الأيمان، لا يدرَك بالحواس ولا يقاس بالناس.

وسئل بعض العارفين عن حقيقة المعرفة. فقال: تخلية السر عن كل إرادة وترك ما عليه العادة وسكون القلب إلى الله تعالى بلا علاقة وترك الالتفات منه إلى ما سواه، ولا يمكن معرفة كنه ذاته ولا معرفة كنه صفاته عز وجل، ولا يعرف من هو إلا هو تبارك وتعالى والمجد لله وحده.

صفحة 122

فصل وأما البصيرة والمكاشفة والمشاهدة والمعاينة

فهي أسماء مترادفة على معنى واحد، وإنما تحصل التفرقة في كمال الوضوح لا في أصلا، فمنزلة البصيرة من العقل منزلة نور العين من العين، والمعرفة من البصيرة منزلة قرص الشمس لنور العين فتدرك بذلك الجليات والخفيات. وأما الحياة: فهي نفس التوحيد. قال الله تعالى “أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ” (الأنعام: 122). وأما اليقين: فاعلم أن الاعتقاد والعلم إذا استوليا على القلب ولم يكن لهما معارض أثمرا في القلب المعرفة، فسميت  هذه المعرفة يقينا، لأن حقيقة اليقين صفاء العلم المكتسب حتى يصير كالعلم الضروري ويصير القلب مشاهداً لجميع ما أخبر عنه الشرع من أمر الدنيا والآخرة. يقال: أيقن الماء إذا صفا من كدورته.

وأما الإلهام:  فهو حصول هذه المعرفة بغير سبب ولا اكتساب، بل بإلهال من الله تعالى بعد طهارة القلب عن استحسان ما في الكونين.

وأما الفراسة: فهي التوسم بعلامة من الله تعالى بينه وبين العبد يستدل بها على أحكام باطنة، وذلك لا يكون إلا في درجة التقريب وهو دون الإلهام، لأن الإلهام لا يفتقر إلى علامة والفراسة تفتقر إلى علامة وهو عام وخاص، والله سبحانه وتعالى أعلم.

روضة الطالبين وعمدة السالكين
الباب الخامس في بيان معنى التوحيد والمعرفة ويضاف إليهما البصيرة والمكاشفة والمشاهدة والمعاينة والحياة واليقين والإلهام والفراسة لأنها من مواريثهما
 
Top