الباب الخامس عشر في بيان حقيقة الإخلاص والرياء وحكمهما وتأثيرهما

صفحة 142

الباب الخامس عشر في بيان حقيقة الإخلاص والرياء وحكمهما وتأثيرهما

اعلم: أن الإخلاص عند علمائنا إخلاصان: إخلاص العمل وإخلاص طلب الأجر.

فأما إخلاص العمل: فهو إرادة التقرب إلى الله تعالى وتعظيم أمره وإجابة دعوتاه والباعث عليه الاعتقاد الصحيح، وضد هذا الإخلاص النفاق. وهو التقرب إلى من دون الله تعالى. وأما إخلاص طلب الأجر: فهو إرادة نفع الآخرة بعمل الخير. وضد هذا الإخلاص: الرياء، وهو إرادة نفع الدنيا بعمل الآخرة سواء أراده من الله تعالى أو من الناس، لأن

صفحة 143

الاعتبار في الرياء بالمراد لا بالمراد منه، وأما تأثيرهما: فهو أن إخلاص العمل يجعل الفعل قربة وإخلاص طلب الأجر يجعله مقبولا وافر الأجر.

وأما النفاق: فإنه يحبط العمل ويخرجه عن كونه قربة والرياء يوجب رده، وأما موضع الإخلاص وفي أي طاعة يقع ويجب، فاعلم أن الأعمال عن بعض العلماء ثلاثة أقسام: قسم يقع فيه إخلاصان جميعا وهو العبادة الظاهرة الأصلية، وقسم لا يقع فيه إخلاص طلب الأجر دون إخلاص العمل وهو المباحات المأخوذة للعدة. وقال شيخنا: إن كل عمل يحتمل الصرف إلى غير الله تعالى من العبادات الأصلية يقع فيه إخلاص العمل والعبادات الباطنة أكثرها يقع فيها إخلاص العمل. وأما الإخلاص في طلب الأجر: فكان شيخنا يقول: إذا أراد العامل من الله تعالى بالعبادات الباطنة نفع الدنيا فهو أيضا رياء. قلت: فلا يبعد إذا أن يقع في كثير من العبادات الباطنة الإخلاصان، وكذلك النوافل. يجب عليها الإخلاصان جميعا عند الشروع فيها. وأما المباحات المأخوذة للعدة: فإنه يقع  إخلاص طلب الأجر دون إخلاص العمل إذ هي لا تصلح بنفسها أن تكون قربة، بل هي عدة على القربة وهذا مواضعها. وأما وقتها: فهو أن إخلاص العمل يكون مع الفعل يقارنه لا محالة ويتأخر عنه، وإخلاص طلب الأجر ربما يتأخر عنه. وعند بعض العلماء ربما يعتبر فيه وقت الفراغ من العمل، فإذا فرغ العمل على إخلاص ورياء فقد انقضى الأمر ولا يمكن استدراكه بعد، والله أعلم.

صفحة 143

فصل

اعلم: أنه يجب على العبد أن يتحفظ في العمل من عشرة أشياء: النفاق والرياء والتخليط والمن والأذى  والندامة والعجب والحسرة والتهاون وخوف ملامة الناس. ثم ذكر شيخنا رحمه الله تعالى ضد كل خصلة منها وإضرارها بالعمل، فضد النفاق إخلاص العمل لله تعالى، وضد الرياء إخلاص طلب الأجر، وضد التخليط التقوى، وضد المن تسليم العمل لله تعالى، وضد الأذى تحصين العمل، وذد الندامة تثبيت النفس، وضد العجب ذكر المنة لله تعالى، وضد الحسرة اغتنام الخير، وضد التهاون تعظيم التوفيق، وضد خوف ملامة الناس خشية الله تعالى.

ثم اعلم أن النفاق يحبط العمل والرياء يوجب رده، والمن والأذى يحبطان الصدقة في الوقت. وعند بعض المشايخ يذهبان أضعافها، وأما الندامة فإنها تحبط العمل في قولهم جميعا، والعجب يذهب أضعاف العمل والحسرة والتهاون يخففان العمل. فعليك بقطع هذه العقبة المخوفة الخطرة وبالله التوفيق.

روضة الطالبين وعمدة السالكين
الباب الخامس عشر في بيان حقيقة الإخلاص والرياء وحكمهما وتأثيرهما
 
Top