الباب الثاني والعشرون في بيان معنى حقيقة حسن الخلق وسوءه

صفحة 158

الباب الثاني والعشرون في بيان معنى حقيقة حسن الخلق وسوءه

اعلم أن السعادة كلها والباقيات الصالحات أجمعها التي تبقى معك إذا غرقت سفينتك في شيئين: الأول: سلامة القلب وطهارته من غير الله تعالى لقوله: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ” (الشعراء: 89). والثاني: امتلاء القلب بمعرفة الله تعالى التي هي المقصودة من خلث العالم وبعثة الرسل صلى الله عليهم وسلم، وحسن الخلق: هو الجامع لهما ولا أعلم خصلة تزيد عليه في الفضل، ولذلك امتدح الله تعالى به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: “وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ” (القلم: 4). وقال تعالى: “إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ” (فاطر: 10). والكلم الطيب هو التوحيد والمعرفة والعمل الصالح هو طهارة القلب الرافعة لقدر التوحيد والمعرفة، ومعنى الرفعة


صفحة 159

هو حضور القلب وتأثيره بهما لينقاد خضوعا ومسكنة ومهابة. فحينئذ يكون قريبا من الله تعالى. فاما حقيقة حسن الخلق فاعلم أن للإنسان صورة باطنة وهي التي بعثت الأنبياء عليهم السلام بتقويمها وتزكيتها وكمال اعتدالها وذلك أن تصدر عنها الأخلاق المحمودة بسهولة بلا روية ولا فكر. وهذا هو معنى حقيقة حسن الخلق، وسوء الخلق يكون بعكس ذلك. واعلم أن جملة الأخلاق المحمودة والمذمومة تصدر عن ثلاث صفات هن كالأمهات:

الصفة الأولى: العقل وقوته واعتداله بالعلم والحكمة وحقيقة الحكمة معرفة الحق من الباطل في الاعتقادات والصدق من الكذب في الأقوال والحسن من القبيح في الأفعال.

الصفة الثانية: قوة الغضب الدافعة للضرر وهي خلقت لذلك فكمالها واعتدالها أن تكون منقادة للحكمة إن أشارت الحكمة لها بالاسترسال استرسلت أو بالانقباض انقبضت كالكلب المعلم.

الصفة الثالثة: قوة الشهوة الجالبة للنفع وهي خلقت أيضا مطيعة للعقل فحسنها واعتدالها في إذعانها للحكمة. واعلم أن المطلوب من الأخلاق والاعتدال والوقوف على وسط الأمور لقوله تعالى: “وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ” (الإسراء: 29). فصار العدل من هذه الصفات الثلاث ركنا رابعا. فأما مثال الاعتدال في الصفات فاعلم أن قوة الحكمة لها إفراط وتفريط ووسط والوسط هو المحمود المسمة بالحكمة، فبحبسها واعتدالها يصدر عنها التدبير وجودة الذهن والتفطن لدقائق الأعمال وخفايا آفات النفس، وأما إفراطها فيصدر عنه المكر والخداع والدهاء وشبه ذلك، ومن تفريطها يصدر البله والغباوة والحمق والجنون. فأما الغباوة: فهي قلة التجربة والحمق صحة القصد مع فساد السلوك والجنون فسادهما جميعا. وأما قوة الغضب: فلها اعتدال يسمة الشجاعة يصدر عنه الكرم والنجدة وكظم الغيظ والوفاء بالعهد، ولها إفراط يصدر عنه التكبر والعجب والاستشاطة وشبه ذلك، ولها تفريط يصدر عنه المهانة والذلة والجزع والانقباض مع تناول الحق الواجب. وأما قوة الشهوة: فلها اعتدال يسمى العفة يصدر عنه السخاء والصبر والورع والمساعدة وقلة الطمع، ولها إفراط يصدر عنه الحرص والشره وشبههما، ولها تفريط يصدر عنه الحسد والمشاتمة والعتب وشبه ذلك، فأمهات  محاسن الأخلاق الحكمة والشجاعة والعفة والعدل المكمل لكل واحدة من الثلاث، وما سوى ذلك فروع لهذه الأربعة، ولم يبلغ كمال هذه الأربع إلا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالله التوفيق.