الباب الثاني عشر في بيان معاني الأسماء الحسنى

صفحة 137

الباب الثاني عشر في بيان معاني الأسماء الحسنى

اعلم أن جملة الأسماء الحسنى ترجع إلى ذات وسبع صفات على مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة والفلاسفة، ثم إن الاسم غير التسمية وغير المسمى وهذا هو الحق، فحد الاسم أنه اللفظ الموضوع للدلالة على المسمى.

واعلم أن كمال العبد وسعادته إنما هو في التخلق بأخلاق الله تعالى والتحلي بمعاني أسمائه وصفاته بقدر ما يتصور في حقه، ولا تظنن أن المشاركة بكل وصف يوجب المماثلة. هيهات ألم تعلم أن الله موجود لا في محل، وأن الله تعالى حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم فاعل والإنسان كذلك أيضا. أفترى أن مثبت هذه الأوصاف للإنسان يكون مشيها ممثلا. هيهات ليس الأمر كذلك، بل المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية والخاصية الإلهية أنه الموجود الواجب الوجود بذاته الذي بقدرته يوجد كل ما في الإمكان وجود على أحسن وجوه النظام والكمال، وهذه الخاصية لا يتصور فيها مشاركة ولا مماثلة البتة  بل لا يعرفها إلا الله تعالى وتقدس، فالخلق كلهم لم يعرفوا إلا احتياج هذا العالم المنظوم المحكم إلى صانع حي عالم قادر، وهذه المعرفة لها طريقان: أحدهما: يتعلق بالعلم ومعلومه يحتاج إلى مدبر. والآخر: يتعلق بالله تعالى ومعلومه أسام مشتقة من صفات غير داخلة في حقيقة الذات وماهيتها، فإن قلنا حي عالم قادر معناه شيء مبهم له وصف الحياة والقدرة فما عرف أحد إلا نفسه أولا ثم قايس بين صفات الله تعالى وبين صفات نفسه وتتعالى صفات الله تعالى أن تشبه صفاتنا، فإذاً يستحيل أن يعرف الله تعالى بالحقيقة


صفحة 138

غير الله تعالى، بل يستحيل أن يعرف النبوة غير النبي. وأما من ليس بنبي فلا يعرف من النبوة إلا اسمها.

فإن قيل: فما نهاية معرفة العارفين بالله تعالى؟ فنقول نهاية معرفتهم هو أن ينكشف لهم استحالة معرفة حقيقة ذات الله تعالى لغير الله تعالى وإنما اتساع معرفة العارفين بالله تعالى إنما تكون في معرفة أسمائه وصفاته فبقدر ما ينكشف لهم من معلوماته وعجائب مقدوراته وبدائع آياته في الدنيا والآخرة يكون تفاوتهم في معرفته سبحانه وتعالى والله أعلم.