الباب الثالث في بيان معنى السلوك والتصوف

صفحة 108

الباب الثالث في بيان معنى السلوك والتصوف

اعلم ان السلوهو تهذيب الأخلاق والأعمال والمعارف. وذلك اشتغال بعمارة الظاهر والباطن، والعبد في جميع ذلك مشغول عن ربه إلا أنه مشتغل بتصفية باطنه ليستعد للوصول. والذي يفسد على السالك سلوكه شيئان: اتباع الرخص بالتأويلات، والاقتداء بأهل الغلط من متبعي الشهوات. ومن ضيع حكم وقته فهو جاهل، ومن قصر فيه فهو غافل، ومن أهمله فهو عاجز. ولا تصح إرادة المريد حتى يكون الله ورسوله وسواس قلبه، ويكون نهاره صائماً ولسانه صامتاً. لأن كثرة الطعام والكلام والمنام تقصي القلب. وظهره راكعاً وجبهته ساجدة وعينه دامعة وغامضة، وقلبه حزيناً ولسانه ذاكراً.

وبالجملة: قد شغل كل عضو فيه ومعنى فيه بوظيفة ندبه الله ورسوله إليها وترك ما كره الله ورسوله له. وللورع معانقاً ولأهوائه تاركاً مطلقاً ورائياً جميع ما وفقه الله تعالى له من فضل الله عليه، ويجتهد أن يكون ذلك كله احتسابا لا ثوابا، وعبادة لا عادة، لأنه من لاحظ المعمول له اشتغل به عن رؤية الأعمال ونفسه تاركا للشهوات، فصحة الإرادة ترك الاختيار والسكون إلى مجاري الأقدار كما قيل:

أريد وصاله ويريد هجري *** فأترك ما أريد لما يريد

وافن عن الخلق بحكم الله وعن هواك  بأمر الله، وعن إرادتك بفعل الله، فحينئذٍ

صفحة 109
تصلح أن تكون وعاء لعلم الله فعلامة فنائك عن الخلق انقطاعك عنهم وعن التردد إليهم والإياس عما في أيديهم، وعلامة فنائك عنك وعن هواك ترك التكسب، والتعلق بالسبب في جلب النفع ودفع الضر فلا تتحرك فيك بك، ولا تعتمد عليك لك، ولا تذب عنك ولا تضر نفسك، لكن تكل ذلك كله إلى من تولاه أولا ليتولاه آخراً، كما كان ذلك موكلاً إليه في حال كونك مغيباً في الرحم، وكونك رضيعاً في مهدك، وعلامة فنائك عن إرادتك بفعل الله أن لا تريد مراداً قط لأنك لا تريد مع إرادة الله سواها، بل يجري فعله فيك فتكون أنت إرادة الله وفعله ساكن الجوارح مطمئن الجنان، مشروح الصدر، منور الوجه، عامر البطن، تقلبك القدرة ويدعوك لسان الأزل، ويعلمك رب الملك، ويكسوك من نور الحلل، وينزلك منازل من سلف من أولي العلم.

صفحة 109

فصل في لزوم العزلة

على السالك أن يلزم العزلة ليستظهر بها على أعدائه. وهي نوعان: فريضة وفضيلة. فالفريضة: العزلة عن الشر وأهله. والفضيلة: العزلة عن الفضول وأهله. وقيل: الخلوة غير العزلة، والخلوة من الأغيار، والعزلة من النفس وما تدعو إليه وتشغل عن الله. وقيل: السلامة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت وواحدة في العزلة. وقيل: الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت عما لا يعني والعاشرة في العزلة عن الناس. كثير من ندم على الكلام وقلّ من ندم عن السكون. وقيل: الخلوة أصل والخلطة عارض، فيلزم الأصلا ولا يخالط إلا بقدر الحاجة، وإذا خالط يلازم الصمت فإنه أصل.

وإذا صفا لك من زمانك واحدٌ *** فهو المراد فأين ذاك الواحد

وقيل: الخلوة بالقلب فيكون مستغرقاً بكليته مع الحق تعالى معكوفاً قلبه عليه مشغوفا به والهاً إليه متحققا كأنه بين يديه. قيل: أول مبادئ السالك أن يكثر الذكر بقلبه ولسانه بقوة حتى يسري الذكر في أعضائه وعروقه، وينتقل الذكر إلى قلبه فحينئذٍ يسكت لسانه ويبقى قلبه ذاكرا يقول (الله الله) باطناً مع عدم رؤيته لذكره، ثم يسكن قلبه ويبقى ملاحظاً لمطلوبه مستغرقاً به معكوفاً  عليه مشغوفاً إليه مشاهداً له، ثم يغيب عن نفسه بمشاهدته، ثم يفنى عن كليته بكليته حتى كأنه في حضرة “لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ” (غافر: 16). فحينئذٍ يتجلى الحق على قلبه فيضطرب عند ذلك ويندهش ويغلب عليه السكر وحالة الحضور والإجلال والتعظيم، فلا يبقى فيه متسع لغير مطلوبه الأعظم. كما قيل: فلا حاجة لأهل الحضور إلى غير شهود عوانه. وقيل في قوله تعالى: “وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ” (البروج: 3).

صفحة 110
فالشاهد: هو الله، والمشهود: هو عكس جمال الحضرة الصمدية، فهو الشاهد والمشهود.

صفحة 110

فصل

يا حبيبي أطبق جفنيك وانظر ماذا ترى، فإن قلت لا أرى شيئاً حينئذٍ فهو خطأ منك بل تبصر. ولكن ظلام الوجود لفرط قربه من بصيرتك لا تجده. فإن أحببت أن تجده وتبصره قدامك مع أنك مطبق جفنيك، فانقص من وجودك شيئا أو أبعد من وجودك شيئا، وطريق تنقيصه والإبعاد منه قليلا المجاهدة، ومعنى المجاهدة بذل الجهد في دفع الأغيار أو قتل الأغيار، والأغيار الوجود والنفس والشيطان. وبذل الجهد مضبوط بطرق:

الأول: تقليل الغذاء بالتدريج، فإن مدد الوجود والنفس والشيطان من الغذاء، فإذا قلّ الغذا قلّ سلطانه.

والثاني: ترك الاختيار وإفنائه في اختيار شيخ مأمون ليختار له ما يصلحه، فإنه مثل الطفل الصبي الذي لم يبلغ مبلغ الرجال أو السفيه المبذر. وكل هؤلاء لا بد لهم من وصي أو ولي أو قاضٍ أو سلطان يتولى أمرهم.

والثالث: من الطرق طريقة الجنيد قدس الله روحه وهو ثمان شرائط، دوام الوضوء، ودوام الصوم، ودوام السكوت، ودوام الخلوة، ودوام الذكر وهو قول (لا إله إلا الله)، ودوام ربط القلب بالشيخ واستفادة علم الواقعات منه بفناء تصرفه في تصرف الشيخ، ودوام نفي الخواطر، ودوام ترك الاعتراض على الله تعالى في كل ما يرد منه عليه ضرّا كان أو نفعا، وترك السؤال عنه من جنة أو تعوذ من نار.

والفرق بين الوجود والنفس والشيطان في مقام المشاهدة: أن الوجود شديد الظلمة في الاول، فإذا صفا قليلاً تشكل قدامك بشكل الغيم الأسود، فإذاذ كان عرش الشيطان كان أحمر، فإذا صلح وفنى الحظوظ منه وبقى الحقوق صفا وابيض مثل المزن، والنفس إذا بدت فلونها لون السماء وهي الزرقة، ولها نبعان كنبعان الماء من أصل الينبوع. فإذا كانت عرش الشيطان فكأنها عين من ظلمة ونار يكون نبعها أقل. فإن الشيطان لا خير فيه وفيضان النفس على الوجود وتربيته منها، فإن صفت وزكت أفاضت عليه الخير وما نبت منه. فإن أفاضت عليه الشر فكذلك ينبت منه الشر، والشيطان، والشيطان نار غير صافية ممتزجة بظلمات الكفر في هيئة عظيمة، وقد يتشكل قدامك كأنه زنجي طويل ذو هيبة يسعى كأنه يطلب الدخول فيك. فإذا طلبت منه الانفكاك فقل في قلبك يا غياث المستغيثين أغثنا فإنه يفر عنك.

صفحة 111

فصل في التصوف

حكم الصوفي أن يكون الفقر زينته والصبر حليته والرضى مطيته والتوكل شأنه. والله عز وجل وحده حسبه يستعمل جوارحه في الطاعات وقطع الشهوات والزهد في الدنيا والتورع عن جميع حظوظ النفس، وأن لا يكون له رغبة في الدنيا البتة، فإن كان ولا بد فلا تجاوز رغبته كفايته ويكون صافي القلب من الدنس ولهاً بحب ربه فارّا إلى الله تعالى بسره يأوي إليه كل شيء، ويأنس به وهو لا يأوي إلى شيء، أي لا يركن بشيء ولا يأنس بشيء سوى معبوده آخذا بالأولى والأهم والأحوط في دينه  مؤثرا الله على كل شيء.

التصوف: طرح النفس في العبودية وتعلق القلب بالربوبية. وقيل: كتمان الفاقات ومدافعة الآفات.

وقال سهل بن عبدالله: الصوفي من صفا من الكدر وامتلأ من الفكر واستوى عنده الذهب والمدر. وقيل: التصوف تصفية القلب عن مرافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد صفات البشرية، ومجانبة الدواعي النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق بالعلوم الحقيقية واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشريعة. وقيل: الصوفي هو الذي يكون دائم التصفية لا يزال يصفي الأوقات عن شوب الأكدار بتصفية القلب عن شوب النفس ومعينه على هذه دوام افتقاره إلى مولاه، فبدوام الافتقار يتفطن للكدر كلما تحركت النفس وظهرت بصفة من صفاتها أدركها ببصيرته النافذة وفر منها إلى ربه، فبدوام تصفيته جمعيته وبحركة نفسه تفرقته وكدره فهو قائم بربه على قلبه وقائم بقلبه على نفسه. قال الله تعالى: “كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ” (المائدة: 8). وهذه لله على النفس هو تحقق بالتصوف.

صفحة 111

فصل في أصول التصوف

أكل الحلال والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسنته. ومن لم يحفظ القران ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر لأن علمنا مضبوط بالكتاب والسنة. أخذ هذا المذهب بالورع والتقوى لا بالدعاوى.

التصوف: أوله علم وأوسطه عمل وآخره موهبة. فالعلم: يكشف عن المراد، والعمل يعين على الطلب، والموهبة تبلغ غاية الأمل.

وأهله على ثلاث طبقات: مريد طالب، ومتوسط سائر، ومنته واصل. فالمريد صاحب وقته، والمتوسط صاحب حال، والمنتهي صاحب يقين. وأفضل الأشياء عندهم عد الأنفاس. فمقام المريد المجاهدات والمكابدات وتجرع المرارات ومجانية الحظوظ وما على

صفحة 112
النفس فيه تبعة. ومقام المتوسط ركوب الأهوال في طلب المراد ومراعاة الصدق واستعمال الأدب في المقامات وهو مطالب بآداب المنازل وهو صاحب تلوين، لأنه ينتقل من حال إلى حال وهو الزيادة. ومقام المنتهى الصحو والثبات وإجابة الحق من حيث دعاه قد تجاوز المقامات، وهو في محل التمكين لا تغيره الأهوال ولا تؤثر فيه الأحوال. قد استوى في حال الشدة أو الرخاء والمنع والعطاء والجفاء والوفاء. أكله كجوعه ونومه كسهره. قد فنيت حظوظه وبقيت حقوقه ظاهرة مع الخلق، وباطنه مع الحق كل ذلك من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم. المنتهى لو نصب له سنان في أعلى شاهق في الأرض وهبت له الرياح الثمانية ما حركت منه شعرة واحدة. وقيل: سموا صوفية لأنهم وقفوا في الصف الأول بين يدي الله عز وجل بارتفاع هممهم وإقبالهم على الله تعالى بقلوبهم ووقوفهم بين يديه بسرائرهم.

صفحة 112

فصل في الملامتية

حكم الملامتي أن لا يظهر خيراً ولا يضمر شرّا. وشرح هذا: هو أن الملامتي تشربت عروقه طعم الإخلاص وتحقق بالصدق فلا يحب أن يطلع أحد على حاله أو أعماله. والملامتية لهم مزيد اختصاص بالتمسك والإخلاص يرون كتم الأحوال ويتلذذون بكتمها حتى لو ظهرت أعمالهم وأحوالهم لأحد استوحشوا من ذلك، كما يستوحش العاصي من ظهور معصيته. الملامتى عظّم موقع الإخلاص وموضعه وتمسك به معتمدا به. والصوفي غاب في إخلاصه.

قال أبو يعقوب السوسي: متى شهدوا في إخلاصهم الإخلاص احتاج إخلاصهم إلى إخلاص. قال بعضهم: صدق الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الحق، والملامتى يرى الخلق فيخفى عمله وحاله. قال جعفر الخلدي: سألت أبا القاسم الجنيد قلت: بين الإخلاص والصدق فرق؟ قال: نعم الصدق أصل وهو الأول والإخلاص فرع وهو تابع. وقال: بينهما فرق لأن الإخلاص لا يكون إلا بعد الدخول في العمل. ثم قال: إنما هو إخلاص ومخالصة الإخلاص حال الصوفي، والخالصة الكائنة في المخالصة ثمرة مخالصة الإخلاص وهو فناء العبد عن رسومه برؤية قيامه بقيومه، بل غيبته عن رؤية  قيامه وهو الاستغراق في العين عن الآثار والتخلص عن لوث الاستتار وهو فقد حال الصوفي. والملامتي مقيم في أوطان إخلاصه غير متطلع إلى حقيقة إخلاصه.

وهذا فرق واضح بين الملامتي والصوفي. فالملامتي كان متمسكاً بعروة الإخلاص مستفرشا بساط الصدق. ولكن عليه بقية رؤية الخلق وما أحسنها من بقية تحقق الإخلاص

صفحة 113

والصدق. والصوفي صفاء من هذه البقية في طرفي العمل والترك للخلق وعزلهم بالكلية وراءهم بعين الفناء والزوال، ولا له ناصية التوحيد وعاين سر “كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ” (القصص: 88). كما قال بعضهم في غلباته: ليس في الدارين غير الله. وقد يكون إخفاء الملامتي الحال على وجهين: أحد الوجهين لتحقيق الإخلاص والصدق، والوجه الآخر وهو الأتم لستر الحال عن غيره بنوع غيره، فإنه من خلا بمحبوبه يكره اطلاع الغير عليه، بل يبلغ في صدق المحبة أن يكره اطلاع أحد على حبه لمحبوبه، وهذا وإن علا ففي طريق الصوفي علة ونقص. فعلى هذا يتقدم الملامتي على المتصوف ويتأخر عن الصوفي. وقيل: من أصول أهل الملامة أن الذكر على أربعة أقسام: ذكر باللسان، وذكر بالقلب، وذكر بالسر، وذكر بالروح. فإذا صح ذكر الروح سكت السر والقلب واللسان عن الذكر وذلك ذكر المشاهدة، وإذا صح ذكر السر سكت القلب واللسان عن الذكر وذلك ذكر الهيبة، وإذا صح ذكر القلب فتر اللسان عن الذكر وذلك ذكر الآلاء والنعماء، وإذا غفل القلب عن الذكر أقبل اللسان على الذكر، وذلك ذكر العادة.

ولكل واحد من هذه الأذكار عندهم آفة، فآفة ذكر الروح اطلاه السر عليه، وآفة ذكر السر اطلاع القلب عليه، وآفة ذكر القلب اطلاع النفس عليه، وآفة ذكر النفس رؤية ذلك وتعظيمه وطلب ثواب أو ظن أنه يصل إلى شيء من المقامات به.

وأقل الناس قيمة عندهم من يريد إظهاره وإقبال الخلق عليه بذلك. وسر هذا الأصل الذي بنوا عليه أن ذكر الروح ذكر اللذات، وذكر السر ذكر الصفات بزعمهم، وذكر القلب من الآلاء والنعماء ذكر أثر الصفات، وذكر النفس متعرض للعلات، فمعنى قولهم: اطلاع السر على الروح يشيرون إلى التحقيق بالفناء عند ذكر الذات، وذكر الهيبة في ذلك الوقت ذكر الصفات وهو وجود الهيبة، ووجود الهيبة يستدعي وجوداً أو بقية، وذلك يناقض حال الفناء. وهكذا ذكر السر وجود هيبة وهو ذكر الصفات مشعر بنصيب القرب، وذكر القرب الذي هو ذكر الآلاء والنعماء مشعر ببعد ما لا به اشتغال بذكر النعمة وذهول عن المنعم، والاشتغال برؤية العطاء عن رؤية المعطى ضرب من بعد المنزلة واطلاع النفس نظراً إلى الأغراض اعتداد بوجود العمل، وذلك عين الاعتلال حقيقة، وهذه أقسام هذه الطائفة وبعضها أعلى من بعض، والله أعلم.

روضة الطالبين وعمدة السالكين
 
Top