الباب التاسع والثلاثون في بيان القناعة

صفحة 171

الباب التاسع والثلاثون في بيان القناعة

قال الله تعالى: “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً” (النحل: 97). قال كثير من المفسرين: الحياة الطيبة في الدنيا القناعة: والقناعة موهبة من الله عز وجل. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “القناعة كنز لا يفنى”. وعنه عليه الصلاة والسلام: “من أراد صاحبا فالله يكفيه، ومن أراد مؤنسا فالقرآن يكفيه، ومن أراد كنزا فالقناعة يكفيه، ومن أراد واعظا فالموت يكفيه، ومن لم يكفه هذه الأربع فالنار تكفيه”. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قنعاً تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلماً، وأقل من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب”. وقيل في قوله تعالى: ” لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا” (الحج: 58). يعني القناعة.

وقال وهب: إن العز والغنى خرجا يجولان فلقيا القناعة فاستقرا فيها.

وفي الزبور: “القانع غني وإن كان جائعا”. وفي التوراة: “قنع ابن آدم فاستغنى اعتزل الناس فسلم، ترك الحسد فظهرت مروءته، تعب قليلا فاستراح طويلا”. وقيل: وضع الله تعالى خمسة أشياء في خمسة مواضع: “العز في الطاعة، والذل في المعصية، والهيبة في قيام الليل، والحكمة في البطن الخالي، والغنى في القناعة”.

وقال بعضهم: انتقم من حرصك بالقناعة كما تنتقم من عدوك بالقصاص. وقيل: من تعبت عيناه إلى ما في أيدي الناس طال حزنه. وقيل: إن أبا يزيد غسل ثوبه في الصحراء مع صاحب له فقال له صاحبه: نعلق الثياب في جدران الكروم، فقال: لا تغرز الوتد في جدران الناس، فقال: نعلقه في الشجر، فقال لا، لأنه يكسر الأغصان، فقال نبسطه في الحشيش. فقال لا، علف الدواب، ثم ولّى بظهره للشمس والقميص على ظهره حتى جفّ جانبه، ثم قلبه حتى جف الجانب الآخر.

روضة الطالبين وعمدة السالكين
الباب التاسع والثلاثون في بيان القناعة
 
Top