الباب التاسع في بيان معنى الحياء والمراقبة ويضاف إليهما الإحسان لأنه غايتهما وكذلك الرعاية والحرمة والأدب لأنهن من ثمراتهما

صفحة 133

الباب التاسع في بيان معنى الحياء والمراقبة ويضاف إليهما الإحسان لأنه غايتهما وكذلك الرعاية والحرمة والأدب لأنهن من ثمراتهما

اعلم أن الحياء أول مقام من مقامات المقربين كما أن التوبة أول مقام من مقامات المنقين. أما العلم الحامل على الحياء: فهو علم العبد باطّلاع الله تعالى عليه. وهذا واجب، لأنه من الإيمان بالله وبالله تعالى. وكذا معرفته بعيوب نفسه وقصورها عن القيام بحق ربه سبحانه وتعالى وهذا أيضا واجب، لأنه من الإيمان بالله تعالى، فينفتح من هاتين المعرفتين حال يسمى الحياء، وهو إطراق عين القلب خجلا من الله تعالى كتقصيره في واجب حقه تعالى، والقدر الواجب من هذه الحالة ما يحث على ترك المحظورات وفعل الواجبات. وأما المراقبة والإحسان: فهما لفظان متداخلان على معنى واحد. فأما ثمرة بداية المراقبة فهو

صفحة 134

رعاية الخواطر وكشف ما التبس منها والأدب مع الله تعالى بحرمة مراقبته والحياء على الوصف العام الخاص، وأما الوصف العام ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: “استحيوا من الله حق الحياء” قالوا: إنا نستحيي يا رسول الله، قال: “ليس ذلك ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى والبطل وما حوى وليذكر الموت والبلى. ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء”. وهذا الحياء من المقامات، وأما الحياء الخاص من الأحوال وهو ما نقل عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: إني لأغتسل في البيت المظلم فأنطوي حياء من الله عز وجل. وعن أحمد بن صالح قال: سمعت محمد بن عبدون يقول: سمعت أبا العباس المؤذن يقول: قال لي سرى: احفظ عني ما أقول لك، إن الحياء والأنس يطوفان بالقلوب، فإذا وجدا قلبا فيه الزهد والورح حطّا وإلا رحلا، والحياء إطراق الروح إجلالا لتعظيم الجلال، والأنس التذاذ الروح بكما الجمال، فإذا اجتمعا فهو الغاية في المنى والنهاية العظمى.

قال بعض الحكماء: من تكلم في الحياء ولا يتسحيي من الله عز وجل فيما يتكلم فهو مستدرج. وقال ذو النون: الحياء وجود الهيبة في القلب مع حشمة ما سبق منك إلى ربك.

قال ابن عطاء: العلم الأكبر: الهيبة والحياء، فإذا ذهب عنه الهيبة والحياء فلا خير فيه. قال سليمان: إن العباد عملوا على أربع درجات على الخوف والرجاء والتعظيم والحياء، وأشرفهم منزلة من عمل على الحياء لما أيقن أن الله تعالى يراه على كل حال استحيا من حسناته أكثر مما استحيا العاصون من سيئاتهم. وقال بعضهم: الغالب على قلوب المستحيين الإجلال والتعظيم دائما عند نظر الله تعالى إليهم. وأنشد الشيخ أبو النجيب السهروردي:

أشتاقه فإذا بدا ***  أطرقت من إجلاله

لا خيفة بل هيبة *** وصيانة لجماله

الموت في إدباره *** والعيش في إقباله

وأصدّ عنه تجلّدا *** وأروم طيف خياله

والمراقبة على درجتين: مراقبة الصديقين، ومراقبة أصحاب اليمين.

أما الدرجة الأولى: فهي مراقبة المقربين من الصديقين وهي مراقبة التعظيم

صفحة 135

والإجلال، وهو أن يكون مستغرقا بملاحظة ذلك الجلال ومنكسرا تحت الهيبة فلا يبقى له متسع للالتفاتات إلى الغير أصلا، وهذه المراقبة لا يطول النظر في تفصيل ثوابها فإنها مقصورة على القلب. أما الجوارح فإنها تتعطل عن الالتفات إلى المناجاة فضلا عن المنظورات، فإذا تحركت بالطاعات كانت كالمستعملة فلا يحتاج إلى تدبير وتسبب في حفظها عن الانحراف عن سنن السداد.

وأما الدرجة الثانية: فهي مراقبة الورعين من أصحاب اليمين، وهم قوم غلب اطلاع الله تعالى على ظاهرهم وباطنهم ولكن لم تدهشهم ملاحظة الجلال، بل بقيت قلوبهم على حد الاعتدال متسعة للتلفت إلى الأحوال والأعمال إلا أنها مه ممارسة الأعمال لا تخلو عن المراقبة. نعم غلب عليهم الحياء من الله تعالى فلا يقدمون ولا يحجمون إلا بعد التقبت فيه ويمتنعون من كل ما يفتضحون به في القيامة فإنهم يرون الله تعالى في الدنيا مطلعا عليهم فلا يحتاجون إلى انتظار القيامة، وتعرف اختلاف الدرجتين بالمشاهدات والله أعلم.

روضة الطالبين وعمدة السالكين
الباب التاسع في بيان معنى الحياء والمراقبة ويضاف إليهما الإحسان لأنه غايتهما وكذلك الرعاية والحرمة والأدب لأنهن من ثمراتهما
 
Top