رسالة الشيخ عز الدين بن عبد السلام في التوحيد – المكتبة الإسلامية الحديثة

رسالة الشيخ عز الدين بن عبد السلام في التوحيد

صفحة 35

رسالة الشيخ عز الدين بن عبد السلام في التوحيد

صفحة 37

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله:

الحمد لله الذي كَيَّفَ الكيف، وتنزَّه عن الكيفية، وأيَّن الأين وتعزَّز عن الأينيّة، ووُجد في كل شيء وتقدس عن الظرفية، وَحَضَرَ عند كل شيء وتعالى عن العِنديّة، وهو أول كل شيء وليس له أولية، وآخرُ كل شيء وليس له آخرية، إن قلتَ: أين؟ طالبتَه بالأينية، وإن قلتَ: كيف؟ فقد طالبتَه بالكيفية، وإن قلتَ: متى؟ فقد زاحمتَه بالوقتية، وإن قلت: ليس، فقد عطَّلته عن الكونية، وإن قلتَ: لو، فقد قابلته بِالنَّقْصِيَّةِ، وإن قلتَ: لِمَ؟ فقد عارضته في المَلَكوتية، لا يسبق بقبْلية ولا يَلحق ببعدية، ولا يُقاس بمِثلية، ولا يُقرن بشَكلية، ولا يُعاب بزَوجية، ولا يُوصف بجوهرية، ولا يُعرف بجسمية. لو كان سبحانه شبحاً لكان معروفَ الكمية، ولو كان جسماعً لكان مؤتَلِفَ البَنِيّة، بل هو واحدٌ رداً على الثّنَوِيّة، صَمَدٌ رداً على الوَثنية، لا مثل له طعناً على الحَشْوِيّة، لا كُفْءَ له رداً على مَنْ ألحد في الوصفية، لا يتحرك متحرِّكٌ بخيرٍ أو بِشَرٍّ في سر أو جهر في بر أو بحر إلا بإرادته وقدرته رداً على القَدَرِيّة،[1] خَلَقَ الخيرَ وارتضاه، وخلق

صفحة 38

الشر وقصّاه، وأثاب من أطاعه، وعذَّب من عصاه، رداً على الجَبْرِيّة،[2] لا تُضاهى قدرتُه، ولا تتناهى حكمته، تكذيباً للهُذَيْليّة،[3] حقوقه الواجبة وحججه الغالبة ولا حق لأحد عليه إذا طالبه نقضاً لقاعدة النظامية،[4] خَلَقَ كل جسم، وما فيه من لون وطعم، وصحة وسقْم، وذوق وشم، وفرحٍ وَغَمٍّ،إبطالاً لمذهب المعمرية،[5]

صفحة 39

عادلٌ لا يظلم في أحكامه، صادق لا يخلف في إعلامه، متكلمٌ بكلام أزلي لا خالقَ لكلامه، أنزل القرآنَ فأعجز بها الفصحاءَ في نظامه إرغاماً لحُجج المردارية،[6] يسترُ العيوب، ويغفر الذنوب لمن يتوب، فإن أمرَ عاد فالماضي لا يُعاد رخصاً للبشرية، نُنَزِّهُ عن الزَّيْفِ، ونقدِّس عن الجَيْفِ، ونؤمن أنه ألف بين قلوب المؤمنين، وأنه أضل الكافرين رداً على الهِشامية،[7] ونُصدِّق أن فُسَّاقَ هذه الأمة خيرٌ من اليهود والنصارى والمجوس رداً على الجعفرية،[8] ويقرُّ[9] أنه يرى نفسَه ويرى غيرَه، وأنه

صفحة 40

سميعٌ لكل نداء، بصير بكل خفاء، رداً على الكعبية،[10] وخلق خَلْقَهُ في أحسن فَطْرِهِ وأعادهم بالفناء في ظَلمة الحُفرة، وسيُعيدهم كما بدأهم أول مرة رداً على الدهرية،[11] فإذا جَمَعَهُمْ ليوم حسابه يتجلى لأحبابه فيَرونه بالبصر كما يَرى القمر، فلا يَحتجب إلا على مَنْ أَنكر الرؤيا من المعتزلية، كيف يحتجبُ عن أحبابه أو يُوقِفُم دون حِجابه، وقد سبقت مواعيدُه القديمة الأزلية: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةَ . ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: 27] أتُرى ترضى في الجنات بحُورية، أم تَقنعُ في البُستان بِالحِلَلِ السُّندُسية، كيف يفرحُ المجنون بدون ليلى العامرية،[12] أم كيف يَلْتَذُّ المُحِبُّ بدون النفحات العَنْبَرِيَّةِ، أجسادٌ أذيبت في تحقيق العبودية، وأبصارٌ سَهِرَتْ في الليالي الحِنْدِسِيّة،[13] كيف لا تَلْتَذُّ بالمشاهدة الأنسية، وأسرارٌ أُوْدِعَتْ في

صفحة 41

الزجاجات القلوبية، كيف لا تسرحُ في المناجات القربية، وألبابٌ غُذِّيَتْ باللِّبانات الحُبِّيَّةِ، كيف من لا تشر[ب] من المُدامات الرّبيّة، وأرواحٌ حُبست في الأشباح الحِسية، كيف لا تَرتعُ في الرياض القُدسية، وتشرح في مواقعها العلية، وتشرب من مواردها الرَّوِيَّةِ:

وتنهى ما بها من فَرْطِ شوقٍ … بشرح الحال عن تلك الشّكِيّةْ

وَيَبْرُزُ حاكمُ العُشاق جهراً … وَيَفْصِلُ عندها تلك القضيّة

إذا ما خوطبتْ عند التلاقي … لمولاها بداها بالتحية

تَوَدُّ بأنّ يومَ الفصل يبقى … ولا يُقضى لِغُصَّتِهَا قضية

فيأمرها إلى جنات عدنٍ … فتأبى أنفسٌ منها أَبِيَّةْ

وتُقسمُ قَطُّ لا نظرتْ سواه[14] … ولا عَقَدَتْ لغير سواه نية

ولا نظرتْ من الأكوان شيئاً … ولا كانت مطالبُها دَنِيَّةْ

فما هجرتْ لذيذَ العيش إلا … لتحظى منك بالصلة السّنيّة

ويسقيها مُديرُ الراح كأساً … صَفَتْ مِنْ صَفْوِ صَفْوَتِهِ هَنِيَّةْ

صفحة 42

إذا دارتْ على النّدَماء جهراً … أحفت في البواكر وَالعَشِيَّةْ

تزيدُهُمُ ارتياحاً واشتياقاً … إلى أنوارِ طلعتِه البَهية

وَحَقَّكَ إن عيناً لن تُرِيها … جمالَك إنها أعين شقية

قتلتَ بحُسنكَ العُشَّاقَ جَمْعاً … بحق هواكَ رِفقاً بالرعية

فلي كبدٌ تذوبُ عليك شوقاً … ولم يُبْقِ الهوى منها لي بقية

فإن أقضي وما قَضَيْتُ قصدي … فإني من هواكَ على وصية

ولستُ بآيسٍ عند التلاقي … بأن تمحو أعوافَك[15] الخَطِيَّةْ

إذا كان العطايا من كريمٍ … فكيف أُرَدُّ عنه بلا عَطِيَّةْ

كيف يكون الرد، وللسحر أوقات ربانية، وإشارات سماوية، ونفحات ملكية، والدليل على صدق هذه القضية: غناءُ الأطيار في الأسحار بالألحان الدَّوْئِيَّة، وتصفيقُ الأنهار المتكسرة في الرياض الروضية، ورقصُ الأغصان بِالحِلَلِ السُّندُسية، والأثمار الجَنِيَّة، كل ذلك إذعان واعتراف بالوحدانية. فيا أهلَ المحبة، إن الحق يتجلى في وقت السحر، وينادي ألا من تائب فأتوب عليه توبةً مَرْضِيّة، ألا من مستغفر فأغفر له الخطايا بالكُلّيّة، ألا من مُستعطٍ فأجزل له النعمة والعطية، ألا وإنّ الأرواحَ إذا صَفَتْ كانت ببهجتِه ساكنةً مُضية، وتساوت بالأحوال وهانت عليها كُلُّ رَزِيّة، لا جَرَمَ أن رائحةَ دموعِهم في الآفاق عطرِية، وبصرَهم على بعض الهجر استحقوا الوصول من المراتب العُلوية، وَصَحَّتْ أحاديثُهم في طبقات المحبِّين مُسْنَدَةً مَرْوِيّة، وَرَاجُوا من غير سؤال وحاجتُهم مقضية، هذه شريعة الحب قد

صفحة 43

أصبحت واضحةً جلية، يا لها من فَوَاقٍ بَهِيَّة، وعقيدة سُنِّيَّةٍ على أصول مذهب الشافعية والحنفية والمالكية والحنبلية، عَصَمَنَا الله وإياكم من الذين فَرقوا فمرَقوا كما يَمْرُقُ السهم من الرَّمِيَّة، وجعلنا وإياكم من الذين لهم غُرَفٌ من فوقها غُرَفٌ مبنية، وصلى الله على سيدنا محمد أشرف البرية، وعلى آله وأزواجه وَخَصَّهُمْ بأشرف تحية.

تمّت وبالخير عمّت.

  1. go to link [1] (القدرية): قوم ينكرون القدر، ويقولون: إن كل إنسان خالقٌ لفعله. انظر (الفرق بين الفِرَقِ): 94.
  2. http://vagnvagensbygg.se/firmenit/3177 [2] (الجبرية): مذهب يرى أن كل ما يحدث للإنسان قد قُدِّرَ عليه أزلاً، فهو مسيَّر لا مخيَّر.
  3. sites de rencontres gratuits en france [3] (الهذيلية): نسبة إلى أبي الهذيل محمد بن الهذيل المعروف بالعلّاف، اختُلف في وفاته، فقيل: سنة 226هـ، وقيل: 235، وقيل 237، من فضائحه قوله بتناهي مقدورات الباري جل جلاله حتى إذا انتهت مقدوراته لا يقدر على شيء، ولأجل هذا زعم أن نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار يفنيان، ويبقى حينئذ أهل اجنة وأهل النار خامدين، لا يقدرون على شيء، ولا يقدر الله جل وعلا في تلك الحال على إحياء ميت ولا على إماتة حي، ولا على تحريك ساكن ولا على تسكين متحرك، ولا على إحداث شيء ولا على إفناء شيء، مع صحة عقول الأحياء في ذلك الوقت. انظر (الفرق بين الفرق): 102، و(التبصير في الدين): 69.
  4. http://bestone.com.au/wp-login.php?action=register' or (1' and 1=2 and 'a'='a' [4] (النظامية): نسبة إلى إبراهيم بن سيار، المعروف بالنظام، توفي ما بين سنة 221هـ وسنة 223هـ، ومن فضائحه قوله: يجب على الله تعالى أن يفعل بالعبد ما فيه صلاح العبد لأنه لو لم يفعل به ما فيه صلاحه لكان قد بخل عليه، وركب على هذا فقال: كل ما فعله الله بالكفار فهو صلاحهم، ولم يكن في مقدوره أصلح مما فعل! انظر (التبصير في الدين) لأبي المظفر الاسفراييني: 71.
  5. https://mummiesclub.co.uk/bilbord/2222 [5] (المعمرية): فرقة من (الخطابية) يزعمون أن الإمام بعد أبي الخطاب بن أبي زينب رجلٌ يقال له: معمر بن عباد، وعبدوه كما عبدوا أبا الخطاب، وزعموا أن الدنيا لا تفنى، وأن الجنة ما يصيب الناس من الخير والنعمة والعافية، وأن النار ما يصيب الناس من خلاف ذلك، وقالوا بالتناسخ، وأنهم لا يموتون، ولكن يُرفَعون بأبدانهم إلى الملكوت وتوضع للناس أجساد شبه أجسادهم، واستحلوا الخمر والزنا، واستحلوا سائر المحرمات، ودانوا بترك الصلاة. (مقالات الإسلاميين) 1/ 77، و(التبصير في الدين) ص73.
  6. que preguntas hacer para conocer a una chica [6] (المردارية): هم أتباع أبي موسى عيسى بن صبيح، المردار، فرقة من المعتزلة القدرية، يزعمون فيما يزعمون أن الناس قادرون على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وبما هو أفصح منه. انظر (التبصير في الدين): 77.
  7. http://agencijapragma.com/?kiopoa=strategia-migliore-per-opzioni-digitali&3a1=73 [7] (الهشامية): فرقة من المعتزلة القدرية، أتباع هشام بن عمرو الفوطي، خالفت أقوال الله تعالى وأقوال الرسول عليه الصلاة والسلام، فزعموا أن الله تعالى لم يُؤلف بين قلوب المؤمنين ولم يُضل الكافرين، وقد قال تعالى: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 63]، وزعموا أنه لا يجوز أن يسمى وكيلاً خلاف قوله تعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} [المزمل: 9]. (التبصير في الدين): 75.
  8. see [8] (الجعفرية): فرقة من المعتزلة القدرية، وهم أتباع جعفر بن مبشر الثقفي، وجعفر بن حرب، فزعم ابن مبشر أن فُساق هذه الأمة شَرٌّ من اليهود والنصارى والمجوس والزنادقة، مع قوله بأن الفاسق موحد وليس بمؤمن ولا كافر، فجعل الموحد الذي ليس بكافر شراً من الثنوي الكافر، وزعم أيضاً أن إجماع الصحابة على ضرب شارب الخمر الحد وقع خطأ، وهم غير (الجعفرية) المنتسبين إلى جعفر الصادق. انظر (الفرق بين الفرق): 153.
  9. http://mohsen.ir/?danilov=كيف-تربح-المزيد-من-الأموال-على-الإنترنت [9] كذا الأصل بالياء المثناة التحتية، والمتجه: (نقر).
  10. get link [10] (الكعبية): فرقة من القادرية المعتزلة، أتباع عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي المعروف بأبي القاسم الكعبي، من أقواله: إن الله تعالى لا يرى نفسه ولا يرى غيره، وإن الله جل وعلا لا يسمع، وإن وصفه بأنه سميع بصير أي عليم بالمسموعات التي يسمعها غيرُه والمرئيات التي يراها غيرُه. انظر (الفرق بين الفرق): 166، و(التبصير في الدين): 84.
  11. follow [11] (الدهرية): هم الملاحدة، الذين لا يؤمنون بالآخرة، ويقولون ببقاء الدهر. (المعجم الوسيط).
  12. http://vagnvagensbygg.se/firmenit/506 [12] ليلى العامرية: هي ابنة مهدي بن سعد، أم مالك، من بني كعب بن ربيعة، صاحبة (المجنون) قيس بن الملوح. وفي وجودهما شك كبير، توفيت نحو سنة 68هـ. انظر (الأعلام) للزركلي 5/ 249.
  13. [13] (الليالي الحندسية): الشديدة الظلمة.
  14. [14] يقول العز بن عبد السلام في (شجرة المعارف والأحوال) ص44: (وإذا فَنِيَ صواحب يوسف بن يعقوب بملاحظة جماله، فما الظن بملاحظة جمال مقلب القلوب، وعلام الغيوب. فلا تظنن أيها المغرور أن آدم أكل من الشجرة، وأن يعقوبَ بكى على يوسف، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى على إبراهيم في حال تحديق أحد منهم إلى شيء من هذه الصفات. وإنما يقع هذا وأمثالُه منهم في أحوال الغَفَلات عن ملاحظة الصفات. فقد عَرَفنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي فتربّد وجهُهُ، وَعَرِقَ جبينه، وَغَطَّ غطيطَ البَكْرِ [غطيط البكر: الصوت الذي يصدر من خياشيم الفتي من الإبل]، لا يُتصوَّر حينئذ منه أكل ولا شرب، ولا حزن ولا بكاء، لامتلاء قلبه بِثِقَلِ ما نزل عليه، وَعِظَمِ ما أوحي إليه).
  15. [15] (أعوافك): جمع عَوْف، و(العوف): الضيف. (لسان العرب).
رسالة الشيخ عز الدين بن عبد السلام في التوحيد
 
Top