حدائق الفصول وجواهر الأصول المعروفة بالعقيدة الصلاحية

صفحة 7

حدائق الفصول وجواهر الأصول المعروفة بالعقيدة الصلاحية

للإمام تاج الدين محمد بن مكي الحموي

صفحة 7

أَفْتَتِحُ المَقَالَ بِسْمِ اللهِ … وَأَكِلُ الأَمْرَ إِلَى الإِلَهِ

وأحمدُ اللهَ الذي قَدْ أَلهَما … بفضلهِ دينًا حَنيفًا قَيّما

حَمْدًا يكونُ مُبلغِي رِضوانَهْ … فَهْوَ إلهي خَالقي سُبحانَهْ

ثُمَّ أصلّي بعدَ حَمْدِ الصَّمَدِ … على النبيِّ المصطفى محمَّدِ

وأسألُ اللهَ إلهَ الخَلْقِ … هدايةً إلى سَبيلِ الحقّ

فهذِهِ قواعِدُ العقائِدِ … ذكرْتُ منها مُعظَمَ المقاصِدِ

نظمْتُها شِعرًا يخِفُّ حِفظُهُ … وفَهمُهُ ولا يشِذُّ لفظُهُ

حَكيتُ فيها أعدلَ المذاهبِ … لأنَّه أنهَى مُرادَ الطالبِ

جَمعتُها للملكِ الأمينِ … النَّاصرِ الغازي صَلاحِ الدّينِ

عزيزِ مصرَ قيصرِ الشَّامِ ومَنْ … ملَّكَهُ اللهُ الحِجازَ واليمنْ

ذي العَدلِ والجُودِ معًا والباسِ … يوسفَ مُحيي دولةَ العباسِ

ابنِ الأَجَلِّ السيدِ الكبيرِ … أيوبَ نَجمِ الدينِ ذي التَّدبيرِ

لا زالتِ الأيامُ طَوْعَ أمرهِ … والسَّعْدُ يَسعى مَعَ جيوشِ نَصْرِهِ

حتى ينالَ منتهى آمالِهِ … مؤيَّدًا مُمَتَّعًا بآلهِ

لما استفاضَ في الأنامِ مَيلُهُ … إلى اعتقادِ الحقّ وهْوَ أهلُهُ

صفحة 8

حَكيتُ فيهِ أعدَلَ المذاهبِ … إذْ كانَ أنهَى مُنتهَى المطالبِ

مَخَّضتُ كُتْبَ الناسِ واستخرجْتُها … لا فَضلَ إلا أنني ابتكرتُها

لقَّبتُها حدائقَ الفصولِ … ثمارُها جواهِرُ الأصولِ

وها أنا أبدأُ بالحَدّ كمَا … بدا بِهِ في القَولِ مَنْ تقدَّمَا

لأنَّ مَن لم يعرِفِ الحُدودا … أضاعَ مما يَطْلُبُ المقصُودا

فإنْ رأيْتَ حُمرةً في خَطّي … مُثبتَةً فهْيَ للفظِ شَرْطِ

أو لفْظِ حدّ فانْفِ مَا عداهُ … وحَرّرِ اللفظَ بحدِّ أداهُ

أو نُكتةٍ تصلُحُ أن تُميَّزا … وأنَّ ما فعلتُه تَحرُّزا

أو رسمِ فَصلٍ فاعرِف الإشارةْ … إذا أتَتْ كَيْ تُحْسِنَ العِبارةْ

فإنَّما أوردتُهُ اضطِرارَا … وقدْ ذَكرتُ ذلكَ استظهارَا

فصل

قالَ شُيوخُ هذه الطريقةْ … لا فرْقَ بينَ الحَدّ والحَقيقةْ

وذكروا معناهُما مِنْ بَعْدُ … مُستوعبًا في كُلِّ مَا يُحَدُّ

وهَا أنا أنقلُهُ وأوجِزُهْ … خَصيصَةُ الشيءِ التي تُميّزُهْ

وهكذا إنْ قيلَ ما الشيءُ وَما … مَائيَّةُ الشيءِ ومَا معناهُما

والشيءُ مِمَّا يستطيعُ حَدَّهُ … علا على الأشياءِ رَبي وحدَهُ

فكلُّها أسئلةٌ معدَّدَةْ … لفظًا وفي مَقصودِهَا مُتَّحِدَةْ

صفحة 9

فصل

واعلمْ بأنَّ الحَدَّ وصْفٌ راجعُ … حقًّا إلى المحدودِ وهْوُ قَاطِعُ

دونَ كلامِ الحَدِّ فَاعْرِفْ لَفظي … وواظِبِ التَّكرارَ بعدَ الحِفْظِ

وانفردَ القاضي لِسانُ الأمَّةْ … بمذهبٍ عن مُعظمِ الأئمّةْ

فقالَ إنَّ الحَدَّ وصْفٌ راجعُ … إلى كَلامِ الحَدّ وهْوَ شَاسِعُ

فصل

وأبلَغُ الألفاظِ في التحديدِ … ما قالَ أهلُ العلمِ بالتَّوحيدِ

وذاكَ مُختارُ الإمامِ الأَوْحَدِ … أبي المعالي بنِ أبي مُحمَّدِ

الحَدُّ لفظٌ يَجمعُ المحدُودا … ويَمنعُ النُّقصانَ والمزيدا

وقَال مَنْ قدْ أحكَمَ الأصُولا … أرى الذي ذكرتَهُ مَدخولا

وأوضَحَ الدَّخْلَ وأبدى قولَهُ … اللفظُ لا جَمْعَ ولا مَنعَ لهُ

واعلمْ بِأَنَّ الدخْلَ غيرُ مَاضي … إلاَّ على ما يرتضيهِ القاضي

وقيل فيما قَدْ حكاهُ الأوَّلُ … الجَامعُ المانعُ وهْوَ مُجْمَلُ

وقد سمعتُ فيهِ لفظًا رائقا … مُطَّرِدًا منعكسًا مُوافقا

حرَّرَهُ فُحُولُ أهلِ المنطقِ … وسلكوا فيهِ أسَدَّ الطُّرُقِ

وهْوَ كما أذكرُ فافْهمْهُ كما … فهِمتُهُ تجدْهُ حَدًّا مُحكمَا

قَوْلٌ وجيزٌ زِدهُ في صِفاتهِ … دلَّ على مَحدودِه من ذاتِهِ

صفحة 10

واشترطُوا للحَدِّ شَرطينِ هُما … جِنْسٌ وَفَصْلٌ لا غناءَ عنهُما

والرَّسمُ غيرُ الحَدِّ فيما ذَكروا … قَد أطنَبوا في وَصفهِ وأكثروا

فالشيء لا يُحدُّ لكن يُرسَمُ … لعَدَمِ الفَصلِ كَذا قدْ رسمُوا

صفحة 10

فصل

في أول ما يجبُ على المكلَّفِ

أوَّلُ واجبٍ على المكلَّفِ … البالغِ العاقلِ فَافهَمْ تَكْتَفِ

بالشَّرعِ لا بالعقلِ إذ لا حُكْمَ لهْ … خَالفَنا في ذلكَ المعتزلةْ

مَعرفةُ اللهِ وَقُدْسِ ذَاتِهِ … وَكُلِّ ما يَجوزُ منْ صفاتِهِ

وقيلَ بلْ أوَّلُ فَرضٍ لزِمَا … النَّظَرُ المفضي إلى العلمِ بما

قدَّمتُهُ وإنما ضمَّنتُهُ … ليحصلَ المقصودُ ممَّا رمتُهُ

وقيلَ بل أوَّلُ جُزءِ النَّظرِ … واختارَهُ القاضي الجليلُ الأشعري

وذكَرَ الأستاذُ قولاً رابعا … أعني أبا بكرِ الإمامَ البَارِعا

فقالَ قصدُ النَّظرِ المفضي إلى … معرفةِ الصانِعِ بارينَا عَلا

صفحة 10

فصل

في ماهية العقل

العقلُ لا يَقدِرُ أنْ يَحُدَّهْ … إلا إلهُ العالمينَ وحدَهْ

لأنَّه خَصيصَةٌ أودَعهَا … في الآدميِّ جَلَّ مَنْ أبدعهَا

وكُلُّ ذي رُوْحٍ لَهُ إلهامُ … تَعجزُ عَن إدراكِهِ الأفهامُ

صفحة 11

كالنَّحلِ خُصَّ ببديعِ الهندَسَةْ … حَتَّى بَنَى بُيُوْتَهُ مُسَدَّسَةْ

وهكذا خصائصُ الأحجارِ … مِنْ حِكمةِ المهيمِنِ الجبَّارِ

وقدْ أطالَ البحثَ عنهُ السلفُ … وزادَ في الغَوصِ عليهِ الخَلَفُ

واضطربتْ عبارةُ الأوائلِ … في حَدّهِ ومَا أَتَوْا بطائلِ

وهُم أولو العُلومِ بالطَّبائِعِ … لا عِلْمَ إلا للبَديعِ الصَّانِعِ

وأكثَروا التَّحديدَ والتَخليطا … حتَّى دَعَوْهُ جوهرًا بسيطا

وبعضُهُم أقرَّهُ في الرَّاسِ … وخصَّهُ بالقلبِ بعضُ الناسِ

فأقربُ الحدودِ في المعقولِ … ما قالَهُ أئمةُ الأصولِ

وقد حكاهُ صاحبُ الإرشادِ … فيهِ وقدْ عُدَّ منَ الأفرادِ

بعضُ العلومِ ثُمَّ زَادَ وَصَفَا … وهُو الضَّروريةُ ليسَ يخفى

هذا هو المختارُ فيما ذَكروا … وهْوَ على التًَّحقيقِ حَدٌّ مُنكَرُ

فإنْ يكُن بعضُ العلومِ مطلقَا … لا يعرفونَ عينَه مُحقَّقَا

فَهم بِهِ من جُملةِ الجُهَّالِ … وما حَكَوْهُ ظاهرُ الإجمالِ

وإنْ يكُن عندَهُم مُعَيَّنَا … هَلَّا أتَى في لَفظهم مُبَيَّنَا

فإنَّ أنواعَ العُلومِ سِتَّةْ … ليس لها نوعٌ سِواها بَتَّةْ

تُدرَكُ بالرؤيةِ والسَّمْعِ وما … أذكرُهُ من بعدُ حتَّى تفهَما

الشمُّ واللمسُ معًا والذوقُ … فهذِهِ الخمْسُ إليها التَّوْقُ

صفحة 12

وَمُدْرِكُ السادسِ من أنواعها … النَّفْسُ إذ ذلكَ من طِباعهَا

كعلمِ كُلِّ عاقلٍ بصحَّتِهْ … وسُقمِهِ وعَجزهِ وقُدرتِهْ

وَالفَرَحِ الحادثِ والآلامِ … ثمَّ العَمَى والقصدِ بالكلامِ

والقَطعِ في الأخبارِ بالتَّصديقِ … أو ضِدّهِ فيها على تحقيقِ

وأنَّ ما قَامَ بهِ السُّكونُ … إذ كانَ في التحريكِ لا يكونُ

وما أحالَ العقلُ في الأضدادِ … كالجمعِ للبياضِ والسَّوادِ

وما تواترتْ بهِ الأخبارُ … فاسمعْ فهذا قالَهُ الأحبارُ

كالعلمِ بالملوكِ والأمصارِ … وما جرى في غابرِ الأعصارِ

ومعجزاتِ الأنبيا كمُوسى … والمصطفى محمَّدٍ وعيسى

فَخَصِّصِ العقلَ بنوعٍ منها … تجدهُ عندَ السَّبْرِ ينأى عنها

واعلمْ هُدِيْتَ إنما تجوَّزوا … كي لا يُقَالَ إنَّهُم قد عجزوا

وهُم أولو القرائحِ الوَقَّادَةْ … والعلمِ والسُّؤدَدِ والسّيادَةْ

صفحة 12

فصل

في حقيقة العلم

العِلمُ بَحرٌ حَدُّهُ لا يُعرفُ … قَد قالَه أهلُ الحِجى وأنصفوا

مع أنَّ كُلّاً غاصَ فيهِ جُهْدَهُ … وَلَمْ يَنَلْ بعدَ العناءِ قصدَهُ

وهُم ذَوو الفضائِلِ المشتهِرَةْ … العلماءُ الأذكياءُ المَهَرَةْ

صفحة 13

وَهَا أنا أذكُرُ ما قالوهُ … وَمَا مِنَ المأثورِ أوردوُهُ

معرِفَةُ المعلومِ قَالَ الأوحَدُ … أبو المعالي إنَّهُ مُطَّرِدُ

حَكاهُ في التلخيصِ للتقريبِ … وقدْ أتى النقلُ على التَّرتيبِ

مَعَ أَنَّهُ الحَبْرُ حَكَى فِيْ كُتْبِهِ … زيادةً وهْي عَلى ما هُوْ بِهِ

واختارَ هذا أكثرُ الأصحابِ … العَارفونَ سُبُلَ الصوابِ

وهْوَ كلامٌ ظاهرُ الفسَادِ … يَعرفُهُ ذو العلمِ والسَّدادِ

لأنَّهُم قَد جعلوا المعدومَا … من غيرِ خُلْفٍ بينَهم معلومًا

ومالَهُ مائيَّةٌ فتُحصَرا … ومَن أتى بجَهدِهِ مَا قصَّرَا

وقدْ أتوا فيهِ بلفظِ المعرِفَةْ … وهيَ والعلمُ سَواءٌ في الصّفَةْ

وإنْ تَقُلْ ما يُعلَمُ المعلومُ بهِ … كنتَ أسَدَّ قائِلٍ في مذهبِهِ

وقد أطالَ الناسُ في تَحديدِهِ … قِدمًا ولم يأتوا على مقصودِهِ

وبعضُهُم ينقُصُ حَدَّ بعضِ … حتَّى تساوَتْ كلُّهَا في النَّقضِ

وكلُّ ما قالوهُ إقناعيُّ … في معرضِ التحديدِ لا قَطعيُّ

وكلُّ لفظٍ عنهُم منقولِ … يقصرُ عَن مدارِكِ العُقولِ

صفحة 13

فصل

في حدّ الجهل

وَإِنْ أَرَدْتَ أن تَحُدَّ الجَهلا … مِنْ بَعْدِ حَدِّ العلمِ كان سهْلا

صفحة 14

وهْو انتفاءُ العلمِ بالمقصودِ … فاحفظْ فهذا أوجَزُ الحُدودِ

وقيل في تحديدهِ ما أذكُرُ … مِنْ بعدِ هذا والحُدودُ تكثُرُ

تصَوُّرُ المعلومِ هَذا حرفُهُ … وحَرفُهُ الآخَرُ يأتي وصفُهُ

مُستوعَبًا على خِلافِ هَيئتِهْ … فَافهَمْ فَهذا اللفظُ مِن تَتِمَّتِهْ

صفحة 14

فصل

في حقيقة الشكّ والظنّ

أَوْجَزُ لفظٍ قد أتى في حَدِّهِ … تَجويزُ أمريْنِ وزِدْ مِن بعدِه

سِيَّانِ في التَّجويزِ وَهْوَ آخِرُهْ … وقَد أجادَ لَفظَهُ مُحَرِّرُهْ

وإنْ تقُلْ مَعَ ظهورِ الواحِدِ … تقِفْ منَ الظنّ على المقاصِدِ

صفحة 14

فصل

في حدّ السهو

للسَّهوِ حَدٌّ مَنْ نَحَا أن يَفهمَهْ … فهْوَ ذُهولُ المرءِ عمَّا عَلِمَهْ

صفحة 14

فصل

في حدّ الدليل

وإنْ تُرِدْ مَعرفةَ الدَّليلِ … مِنْ غيرِ إطنابٍ ولاَ تطويلِ

فإنَّهُ المرشِدُ فافهَمْ لفظَهُ … وهْوَ إلى المطلوبِ أحكِمْ حِفظَهْ

وَحَدُّهُ المأثورُ في التَّلخيصِ … لم يتأتَّ لي على المنصوصِ

وهْوَ الذي آثَرَهُ الفُحولُ … وَشَهِدَتْ بقطعِه العُقولُ

صفحة 15

فصل

في تقسيم العلم

العلمُ قسمانِ سوى القديمِ … عِلمٌ إلهي جَلَّ عن تَقسيمِ

قِسمٌ ضَروريٌّ فكلُّ عاقلِ … يعرفُهُ من عالِمٍ وجَاهلِ

ولاَ يسُوغُ الانفكاكُ عنهُ … لعاقلٍ والانفصالُ منهُ

هذا إذا ما صحَّتِ الآلاتُ … وانتفتِ الأسقامُ والآفاتُ

وقد مضتْ أنواعُهُ مستوعبَةْ … مُوجزَةً بيّنَةً مُهذَّبَةْ

والنَّظريّ قِسمُهُ الثاني فَما … أجلَّهُ فانظُر إلى أنْ تعلَمَا

فكُلُّ ما عرفتَهُ استِدلالا … فنظريٌّ فاعرِفِ الأمثالَ

صفحة 15

فصل

في حد العالَم

فَكلُّ ما أوجدَهُ إلهُنا … عُبِّرَ بالعالَم عنهُ هَاهُنا

وَهْوَ على نوعينِ نَوعٌ عَرَضُ … والآخَرُ الجوهَرُ تمَّ الغرَضُ

ومنهُما تأتلِفُ الأجسامُ … فاحفظ فكُلُّ حَافظٍ إمامُ

وليس يَعرى جوهَرٌ عنْ عَرَضِ … هذا هُوَ المختارُ فافهَمْ غَرضي

وأنكرَتْ جماعةُ الملاحدَةْ … العرَضَ المدرَكَ بالمُشاهدَةْ

وقدْ رأوْا تحرُّكَ الجَواهرِ … بعدَ سُكونٍ شاهدوهُ ظاهِرِ

وعقلوا فَرقًا ضروريًّا فمَا … أضلَّهُم إذْ جهِلوا مَا عُلِمَا

صفحة 16

فصل

في حقيقة الجوهر

فكُلُّ ما حُيّز فهْوَ جَوهرُ … هذا هوَ المأثورُ ممَّا ذكروا

وقيلَ ما قامَتْ بهِ الأعراضُ … ومَا على ما قلتُهُ اعتراضُ

وقالَ قومٌ كلُّ جِرمٍ جَوهرُ … وهْوَ على شُذوذِهِ مُحرَّرُ

صفحة 16

فصل

في حقيقة العَرَضِ

وما تقَضَّى بتقضّي الزَّمَنِ … فَعَرَضٌ مثلُ اخضرارِ الدِّمَنِ

وسائرِ الطُّعومِ والألوانِ … والعَجزِ والقُدرةِ والأكوانِ

وكَالأرائِجِ وضَوءِ النَّارِ … وحرّها والليلِ والنَّهارِ

والموتِ والحياةِ والتأليفِ … والنُّطقِ والسُّكوتِ والتأفيفِ

والعلمِ والجهلِ فَسُقْ ما استبْهَمَا … في ضمنِ ما ذكرْتُ حَدّا أَمَمَا

وقالَ في تحديدِهِ ابنُ فُورَكا … ما لَمْ يقُم بنفسِه كَذا حَكى

وقالَ كلُّ بارعٍ مُستيقظِ … ما يتلاشى حينَ ينشا فاحفظِ

فصل

وجُملةُ الأعراضِ نوعانِ هُما … مُفارقٌ ولازِمٌ فاعرفهُما

أمَّا الذي يُفارقُ الجوهرا … فقدْ تراهُ يتلاشى ظاهِرا

واللازمُ الناشي من الأعراضِ … معَ التلاشي وهْوَ كالبياضِ

صفحة 17

وسائرِ الألوانِ فاعرِفْ أصلَهُ … وألحِقَنْ بكلّ نوعٍ مِثلَهُ

صفحة 17

فصل

في بيان حقيقة الجسم

الجسمُ ما أولفَ منْ جواهِرِ … فهذهِ عبارةُ الأكابرِ

ومنهُمُ مَنْ قَالَ جوهرينِ … فما يزيدُ فافهمِ الحَصرينِ

فصل

والعالمُ العلويُّ والسفليُّ … أنشأهُ إلهُنا العَليُّ

واعلمْ بأنَّ العُقلاءَ أطبقوا … قَطعًا على حُدوثِهِ واتفقوا

من سائرِ الأصنافِ كالجهميَّة … ومنكري الرُّسْلِ مع الجبريَّة

وشَذَّ عنهُم سائرُ الدَّهرية … في فِرقٍ من الهَيولائِيَّة

وأنكروا حُدوثَهُ في الأصلِ … ثُمَّ ادَّعَوا بقاءَهُ عَنْ فَضلِ

وكلُّ ما مضَى منَ الكلامِ … في حدَثِ الأعراضِ والأجسامِ

دَلَّ على الحُدوثِ بالمشاهدَةْ … كَما ذَكرناهُ معَ الملاحدَةْ

فالجسمُ لا يَخلو منَ الأعراضِ … كما حَكيتُ في الكلامِ الماضي

واعلمْ بأنَّ دَوَرَانَ الفَلَكِ … في حَدَثِ العَالَمِ أقوى مَسْلَكِ

لأنَّهُ يحدثُ في العِيانِ … مُشاهدًا بحدَثِ الزَّمانِ

فالدَّوراتُ الحادثاتُ كالتي … في غابرِ الأعصارِ قدْ تولَّتِ

إذْ كلُّ ما ليستْ لهُ نهاية … يلزَمُ فرضُ الحُكمِ في البداية

صفحة 18

فنفرِضُ المقصودَ في كلامِنا … في دورةٍ تحدُثُ في زَمانِنا

وكلُّ شيءٍ حادثٍ لا بدَّ له … مَنْ مُحدِثٍ فضَلَّ مَنْ قدْ جهِلَه

هذا الذي يلزَمُ في العقولِ … فافهمْ فذا أصلٌ من الأصولِ

فصل

وصانعُ العالَمِ فَردٌ واحِدُ … ليسَ لهُ في خلقِهِ مُساعِدُ

جَلَّ عن الشَّريكِ والأولادِ … وعزَّ عن نقيصةِ الأندادِ

صفحة 18

فصل

في حقيقة الواحد

والواحِدُ الشيءُ الذي لا ينقسِم … والشيءُ إن أفردتَهُ لم يَقتسِم

وقدْ حكاهُ وارتضاهُ الماهرُ … أبو المعالي وهْو حَدٌّ قاصِرُ

فصل

وهْوَ قديمٌ ما لَهُ ابتداءُ … ودائمٌ ليسَ له انتهاءُ

لأنَّ كُلَّ ما استقرَّ قِدَمُهْ … فيستحيلُ في العقول عدَمُهْ

فصل

ليسَ بجسمٍ إذ لكلّ جسمِ … مُؤلِّفٌ مُخصِّصٌ بعلمِ

ويلزمُ المخصّصَ المؤلفا … مَا لزِم المنزّهَ المكلَّفَا

فينقضي القولُ إلى التسلسلِ … في عقلِ كُلّ يقِظٍ مُحصّلِ

أو ينتهي الأمرُ إلى قَديمِ … فيستوي في النهجِ القَويمِ

صفحة 19

وهْوَ الذي سُمّي جلّ صَانِعا … وبارئًا ومُعطيًا ومانِعَا

فصل

ويستحيلُ أن يكونَ جوهَرا … مُجتزءًا أنعِمْ هُديتَ النَّظرا

ثم أعِدْ ما قلتُهُ هَنالِكا … ضلَّ النَّصارى حينَ قالوا ذلِكا

لأنَّ ما لا يسبِقُ الحوادثِا … يلزَمُ عقلاً أن يكونَ حادِثا

فصل

وإن سُئلتَ هل لهُ لونٌ أجِبْ … بِـ “لا” تعالى اللهُ عن لَونٍ تُصِبْ

سُبحانهُ هو الإلهُ الأحدُ … الملِكُ الأعلى القديرُ الصَّمَدُ

فصل

وصانِعُ العالَمِ لا يَحويِهِ … قُطْرٌ تعالى اللهُ عن تَشبيهِ

قَد كانَ مَوجودًا ولا مكانا … وحُكمُهُ الآنَ على مَا كانَا

سُبحانَهُ جَلَّ عَن المكانِ … وعَزَّ عَنْ تغيُّرِ الزَّمانِ

فقَدْ غلا وزادَ في الغُلوّ … مَنْ خصَّه بجهةِ العُلُوّ

وحصَرَ الصانعَ في السماءِ … مبدِعَها والعرشِ فوقَ الماءِ

وأثبتوا لذاتِه التحيُّزَا … قد ضَلَّ ذو التشبيهِ فيما جوَّزَا

فصل

قد استوى اللهُ على العرشِ كما … شاءَ ومَنْ كيَّفَ ذاكَ جسَّمَا

والاستواءُ لفظُةٌ مشهُورةْ … لها معانٍ جمَّةٌ كثيرةْ

صفحة 20

فنكِلُ الأمَرَ إلى اللهِ كما … فوَّضَهُ مَنْ قبلَنا مِنْ عُلمَا

والخَوضُ في غوامِضِ الصفاتِ … والغوصُ في ذاكَ منَ الآفاتِ

إذ في صفاتِ الخَلقِ مَا لا عُلِما … فَكيفَ بالخالِقِ فانْحُ الأسلَما

صفحة 20

فصل

القول في الصفات

اعلمْ بأنَّ الاسمَ غيرُ التَّسميةْ … ومَا أرى بينَهما منْ تسويةْ

والوصفُ في مذهبِنا غيرُ الصّفةْ … فَاخترْ منَ السُّبُلِ سبُلَ النَّصَفَةْ

وَتُحْصَرُ الصفاتُ في أقسامِ … ثلاثةٍ تأتي على نظامِ

منها صفاتُ الذاتِ نحوُ قَاهرِ … وعالِمٍ وقادرٍ وظاهرِ

ثُمَّ صفاتُ الفعلِ نحوُ خالقِ … ومُنشىءٍ وباعثٍ ورازقِ

ثُمَّ صفاتٌ إنْ أتَتْكَ مهْمَلَةْ … في اللفظِ كانت لهُما مُحتَملةْ

كمُحسنٍ ومثلُهُ اللطيفُ … جاءَ بمعنييهما التوقيفُ

إذْ لَفظَهُ الأحسنِ قد تُستعملُ … في العلم والإنعامِ فيما نَقَلوا

فصل

ونحنُ قبلَ الخوضِ في الصفاتِ … نُثبتُ فصلاً جيّدَ الإثباتِ

يَعُمُّ إن شاءَ الإلهُ نفعُهُ … ولا يَسوغُ منعُهُ ودَفعُهُ

فصل

اعلم أصبتَ نهَجَ الخَلاصِ … وَفُزْتَ بالتَّوحيدِ والإخلاصِ

صفحة 21

إنَّ الذي يُؤمنُ بالرحمنِ … يُثبتُ ما قد جاءَ في القرآنِ

مِنْ سائرِ الصفاتِ والتَّنزيهِ … عنْ سَنَنِ التعطيلِ والتشبيهِ

من غيرِ تجسيمٍ ولا تكييفِ … لِما أتى فيهِ ولا تحريفِ

فإنَّ منْ كيَّف شيئًا منها … زَاغَ عن الحقّ وضلَّ عنها

وهكذا ما جاءَ في الأخبارِ … عن النبيّ المصطفى المختارِ

فكُلُّ ما يُروى عنِ الآحادِ … في النصّ في التجسيمِ والإلحادِ

فاضربْ به وجهَ الذي رواهُ … واقطعْ بأنَّه قد افتراهُ

وإن يكُنْ رواهُ ذُو تعديلِ … صَدِّقْهُ مهما شاعَ في التأويلِ

وأفرَدَ الأستاذُ في الأخبارِ … مُصَنَّفًا يصلُحُ للأحبارِ

فاحفظْ هُديتَ هذهِ الأصولا … ثمَّ الزمَنْهَا ودعِ الفُضولا

فإنها مُجزئةٌ مَن قصَدا … مَعرفةَ الحقّ ومنهاجِ الهُدى

فهَهنا تشعَّبَ الإسلامُ … فاستسلَمَ الأئمةُ الأعلامُ

فأنكرتْ صِفاتِهِ المعتزلةْ … سُبحانَ من أنشأنا مَا أعدلَهْ

وجَعلوا كَلامَهُ في شجرةْ … لعبدهِ مُوسى ألا ما أنكرَهْ

وفِرقةٌ مالوا إلى القياسِ … فأثبتوها كَصفاتِ الناسِ

وبعضُهم أثبتَ منها البعضا … ثمَّ نفى البعضَ فجاءَ عُرْضا

ثمَّ الخلافُ بينَ مُثبتيهَا … في نفسها أكثرُ منهُ فيها

صفحة 22

ولو أخذتُ أذكُرُ المذاهبَا … كنتَ تَرى في خُلفِها عَجائِبا

فصل

آضَ الكلامُ في الصفاتِ فاسمعِ … تَعدادَها على الوِلا واحفظ وعِ

وصانعُ العالمِ حيٌّ عالمُ … لأنَّه رَبٌّ بَديعٌ حَاكِمُ

حياتُهُ قديمةٌ كذاتهِ … وهكذا ما جاءَ من صفاتِهِ

كالعلمِ والقُدرةِ والإرادةْ … وقَد يُنافي أمرُهُ مُرادَهْ

وهو السميعُ القادرُ المريدُ … ذو البطشِ فعالٌ لِمَا يريدُ

ومنْ صفاتِ الصانعِ البصيرُ … ببصرٍ ليس لهُ نظيرُ

فصل

وصانعُ العالمِ ذو كلامِ … أوصلَ معناهُ إلى الأفهامِ

كلامُهُ المنزَلُ من صفاتِهِ … وهْوَ قديمٌ قائمٌ بذاتِهِ

وهو إذا تقرؤُهُ بالأحرُفِ … مِن بعدِ أن نكتُبَهُ في المصحفِ

تحفظُهُ الصدورُ ذِكرًا كلُّهَا … لكن على التحقيقِ لا يحُلُّها

ويُمنعُ المحدِثُ أن يَمسَّهُ … أو يُسبغَ الطُّهرَ الصَّحيحَ نفسَهُ

وإنما نفعلُهُ إجلالا … فاقنعْ بهذا وارفُضِ المُحالا

وليسَت التّلاوةُ المتَلوّا … زادَ ذَووا الحشوِ إذًا غُلُوّا

فميّزِ المقروءَ والمكتوبا … فاعتبرِ الحسابَ والمحسُوبا

صفحة 23

وقُل لمن قدْ كيَّفَ الكلامَا … بالحَرفِ والصوتِ معًا سلامَا

فإنَّهم قد كابروا العِيانا … وخالفوا الدليلَ والبُرهانا

إذ عَدَّدوا القديمَ في المصاحفِ … وجعلوا حَديثها كالسَّالفِ

وهُم إذًا مُذ شاهدوا الكتابَا … قَد حَزَّبوا مَا كتَبوا أحزَابا

واختَلفت أقلامُهُم في الخطِّ … طرائقًا على اختلافِ الضَّبطِ

وهكذا يأتي أناسٌ بعدَهُم … ما كتبوا فهْو قديمٌ عندهُم

فيا أولي التشبيهِ والتجسيمِ … الحاءُ في الرحمنِ قبلَ الميمِ

وهكذا المتلوُّ في كلامِكُم … أيُّهُما القديمُ في اعتقادِكُم

أضللتُمُ الجهَّالَ بالتمويهِ … لما سلكتُم نهَجَ التَّشبيهِ

فمَن يقُل بعضَ الذي حكَيتُه … قطعًا على الوجهِ الذي رويتُهُ

فذاكَ عَيْرٌ قالَ لفظًا عُوِّدَهْ … أدّبْهُ بالضربِ وقصِّر مِقْوَدَهْ

ويعسُرُ التأديبُ إذ قدْ ألِفَهْ … اربطهُ في الشمسِ وقلّلْ علفَهْ

أعرِضْ قِلىً عن هؤلاءِ الجهلةْ … مَن يُضلِل اللهُ فلا هاديَ لهْ

وكُفَّ ما استطعتَ عَن إفهامِهِم … قد طبعَ اللهُ على أفهامهِم

صفحة 23

القول في أفعال الله جل وعلا

وصانِعُ العالمِ جلَّتْ قُدرتُهْ … قَد نَفَذَتْ في خَلقِهِ إرادتُهْ

فكُلُّ ما يحدُثُ في الوجودِ … فهْوَ مُرادُ الواحدِ المعبودِ

صفحة 24

فالفسقُ والعصيانُ والغَوَايةْ … والرُّشدُ والطاعةُ والهدايةْ

والكفرُ والشِّقوةُ والسعادةْ … لربّنا سبحانَهُ مُرادَهْ

وكلُّها حقًّا منَ اختراعِهِ … وكلُّ ما يكونُ من إبداعِهِ

والفعلُ كسبُ العبدِ وهوَ جاري … على مُرادِ الواحدِ الجبَّارِ

إذ لو يشاءُ لهدى الناسَ على … ما قَالَ جلّ عن تعَدٍّ وعَلا

وهُوَ عَلى زَجرِ العبادِ قادرُ … سُبحانَهُ هُوَ القويُّ القاهرُ

واستيقِظن لفهمِ أصلِ المسألةْ … فهَا هُنا تورَّط المعتزلَةْ

فصل

ما أمرَ اللهُ به عبادَهْ … ففيهِ ما لم يَجرِ في إرادَة

لأنَّهُ قد أمرَ الخليلا … في الوحيِ أن يذبحَ إسماعيلا

ولم يُرِدهُ إذ أتاهُ منهُ … وَحيًا لقد صدَّقتَ أمسكْ عنهُ

فكلُّ ما يبدو من التأويلِ … نُبطلُهُ في الحالِ بالدليلِ

وهكذا أخبرَ عَن أبي لهَبْ … عمّ النبيّ وابنِ عبدِ المطلبْ

بأنَّه يموتُ وهو كافرُ … ثُمّ سيصلى النَّارَ وهْوَ خاسرُ

لم يُغنِ عنهُ مالُه وما كسبْ … تبَّتْ يداهُ إذ عصى اللهَ وتَبْ

وكُلّفَ الإيمانَ بالإجماعِ … مِنْ غيرِ تأويلٍ ولا نِزاعِ

وينتهي القولُ إلى تكليفِ … مَا لا يُطاقُ فافهَمْنَ تعريفي

صفحة 25

وهكذا قد كُلّف السُّجودا … إبليسُ حتما فعصى المعبُودا

فكيفَ يأتي مارِدٌ سُلطانُ … بضدّ ما يُريدُهُ الرحمنُ

وقد ترى ذلكَ في العقولِ … مُجوَّزًا في المثَلِ المنقولِ

فنذكرُ الآنَ المثالَ لفظَا … فاسمعْهُ نَقلاً واحكمْنَهُ لفظَا

عبدٌ شكَى مولىً إلى السلطانِ … ونسبَ المولى إلى العُدوانِ

فاستُدعيَ المولَى فجاءَ ذَعِرَا … أنَّبَهُ السلطانُ لمَّا حضَرا

أرادَ أن يعرِفَ مَن قدْ أنَّبَهْ … على تعدّيهِ عليهِ سَبَبَهْ

وأنَّهُ يخالفُ الأوامِرا … يُعَانِدُ المولى عنادًا ظاهرَا

فقالَ للسلطانِ يا مولانا … مَهلاً ترى عِصيانَهُ عِيانَا

فاستحضرَ العبدَ إلى مجلسِهِ … ولمْ يُفاجئْهُ بما في نفسِهِ

وأمرَ العبدَ بما أرادا … خِلافَهُ كي يُظهرَ العِنادَا

ليعلمَ السلطانُ صدقَ عُذرِهِ … ولم يرِدْ منهُ امتثالَ أمرِهِ

فانظرْ مثالاً حسنًا عجيبَا … نهايةً رتّبتُهُ ترتيبَا

أعملتُ جَهدي غايةَ الإعمالِ … إذ هُوَ منْ شواردِ الأمثالِ

مثّلَهُ مَن أحكمَ العلوما … وعرَفَ الخصوصَ والعُمومَا

مُستشهدًا بشاهدِ العقولِ … لينظُرَ الحكمةَ في المنقولِ

فصل

صفحة 26

وصانعُ العالمِ لمَّا اخترعَهْ … بمَنّهِ وطَوْلِه وأبدعَهْ

لم يكُن الخَلقُ عليهِ واجِبَا … ولا قَضى بخلقِهِ مآرِبَا

وما لَه في خلقِه أغراضُ … ولا عليهِ لهُم اعتراضُ

إذ هُو لا يسئلُ عمَّل فعلَهْ … إلاَّ على ما قالَهُ المعتزلةْ

فصل

للهِ أن يُكلّفَ العبادا … مَا لا يُطيقونَ متى أرادا

ولو يشاءُ عندنا أهملَهُم … بأسرِهِم من غيرِ تكليفٍ لهُم

وهكذا للواحِدِ الجبارِ … إنشاؤُهم في جنَّةٍ أو نارِ

فصل

لربّنا سبحانَهُ تعالى … أن يُؤلمَ الدَّوابَ والأطفالا

بملكِهِ من غيرِ جُرمٍ سابقِ … منهُم ومنْ غيرِ ثوابٍ لاحقِ

وأنْ يُثيبَ كُلّ مَنْ عصاهُ … ويَمنعَ الثوابَ مَنْ أرضاهُ

ويستحيلُ وصفُهُ بالظلمِ … والجوْرِ إذ هُم ملكُهُ في الحُكمِ

لكنَّه منَّ على مَن عَبَدَهْ … تفضُّلاً منهُ بما قد وَعَدَهْ

ليس بحقّ واجبٍ مَحتومِ … ولا بِفرضٍ لازمٍ مَجزومِ

وإنما ذلكَ فَضلُ جُوْدِهِ … يَمنحُهُ مَن شاءَ مِن عبيدِهِ

فكُلُّ منَ أثابَهُ فإنما … يُثيبُهُ بفضلِهِ تكرُّمَا

صفحة 27

وَكُلُّ مَنْ عاقبَه من خلقِهِ … فإنما يفعلُ بعضَ حقّهِ

فصل

لصانِعِ العالمِ أن يقضيْ بما … شاءَ ولا يَلزمُهُ أن يُنعِما

ولا عليهِ أن يُراعيْ الأصلحا … لأحدٍ منَّا ولا أنْ يمْنحَا

إذ ذاكَ لا حدَّ لهُ فيُحصَرا … ولا لَهُ نهايةٌ فتذكَرَا

فكلُّ ما يُقالُ هذا الأصلحُ … ففوقَهُ مَا هوَ منهُ أرجَحُ

فنُوضحُ القولَ معَ المعتزلةْ … بجملةٍ تكشفُ سرَّ المسألةْ

فأصلحُ الأشياءِ للعبادِ … كَفُّهُمُ عن سبُلِ الفسادِ

وأنْ يكونوا حالةَ الإنشاءِ … في جنَّةٍ دائمةِ البقاءِ

وليسَ للموتِ إليهم نَهَجُ … يسلُكُهُ ولا عليهِم حَرَجُ

وأن يكونَ الخلقُ ذا استواءِ … في حالةِ الدَّوامِ والإنشاءِ

على أتمّ الصُّورِ المستحسنَةْ … فاعرفْ سبيلَ الحقّ والزمْ سُنَنهْ

واعلمْ بأن فوقَ ما أصَّلتُهُ … مَراتبًا ترجَحُ عما قلتُهُ

وما نرى الخالقَ راعى الأصلحا … للخلقِ لكن جَهلُهُم قدْ وضَحَا

فصل

إلهُنا سبحانه تعالى … قد قدَّرَ الأرزاقَ والآجالا

فكلُّ ما ينتفِعُ المخلوقُ بهْ … فرزقُهُ معَ اختلافِ سَبَبِهْ

صفحة 28

وينطوي في ذلكَ الحَرامُ … وهكذا قد قالَهُ الأعلامُ

فصل

وإنَّ مَنْ ماتَ بهدمٍ أو غَرَقْ … أو ضُرِّمَتْ عليهِ نارٌ فاحترَقْ

فقد قضى من الحياة أجلَهْ … وجاحِدُ الحقّ سيلقى عملَهْ

فصل

ومُدركُ التحسينِ والتَّقبيحِ … الشرعُ لا العقلُ على الصَّحيحِ

هذا الذي ارتضاهُ أهلُ الحقّ … قاطبةً دُونَ جَميعِ الخلقِ

من سائرِ الأصنافِ كالمعتزلةْ … وغَيرِهِمْ منَ الرَّعاعِ الجهلَةْ

فإنَّهُم قَد قسَّموا الأفعَالا … ثلاثةً أذكُرُها ارتِجالا

فواحِدٌ مُدرَكُهُ بالعقلِ … ضرورةً وواحدٌ بالنقلِ

فالكذبُ المفضي إلى إضرارِ … يُعلمُ قُبحُهُ عَن اضطرارِ

وهكذا يُعلمُ حُسنُ الصّدقِ … المقتضي للنُّصحِ فافهمْ نُطقي

وواحدٌ مُدْرَكُهُ بالنَّظَرِ … كالكذبِ المُبدي لدَفعِ الضَّررِ

والصدقِ إن أفضَى إلى فَسَادِ … وقَد أتى القولُ على السَّدَادِ

وَكُلُّ ما يلزَمُ بالتَّحَكُّمِ … وَهْوَ يُنافي العقلَ كالتيمُّمِ

والغُسلِ والصلاةِ والصيامِ … والسعي والطوافِ والإحرامِ

فإنَّه يُدْرَكُ بِالسَّمَاعِ … مِن قِبَلِ الشَّارِعِ بالإجماعِ

صفحة 29

واعلم بأنَّ كلَّ ما قالوهُ … وأطنبوا فيهِ وقسَّمُوهُ

زَخارفٌ حسَّنها التَّنميقُ … يُظْهِرُ أصلَ زيفِها التَّحقيقُ

إذ جعلوا فيهِ ضرورياً وَمَنْ … حقّ الضَّروريّ الوِفاقُ فاستَبِنْ

كما يُحيلُ العقلاءُ جهلَهُ … أن يخلُقَ الرَّبُّ إلهًا مثلَهُ

ويعلمونَ أنَّ كُلَّ أحدِ … أقلُّ مما فوقَهُ منْ عَددِ

فإذ رأى الخِلافَ أهلُ الحقِّ … وهُم على التَّحقيقِ جُلُّ الخَلْقِ

أُبْطِلَ قطعًا ما ادّعوا معرفتَهْ … ضَرورةً بالعقلِ فاحفظْ صيغتَهْ

وكلُّ ما تدخلُهُ الدَّلالةْ … فنَظَريُّ النوعِ لا محَالةْ

وها هُنا يَمتنِعُ المناظِرُ … أَنْ يَذْكُرَ الدليلَ وهو ظِاهرُ

والحسنُ المقولُ فيهِ افعَلْ كما … قَد حدَّهُ مَن قدرُهُ قَد عَظُما

فنُوضِحُ الحقَّ بفرضِ مسألَةْ … مَتينَةِ الإلزامِ جِدًّا مُشْكِلَةْ

وهي على التَّحقيقِ أقوى الأسئِلَةْ … ألا اسمعوا مَعاشِرَ المعتزلَةْ

أليسَ أن الحقَّ حَقًّا حَكَمَا … بِأَنَّ مَنْ لَهُ عبيدٌ وَإِمَا

سلَّطهُم على الفسادِ فَطَغَوْا … وانهمكوا فيهِ وضلُّوا ولغَوا

وأهلَكَوا الأولادَ والأموالا … وقتلوا النّساءَ والرّجالا

وهوَ على رَدعهمُ قديرُ … لو شاءَ لا يَلحقُهُ تقصيرُ

عُدَّ سفيهًا حَمِقًا مُهَوَّرَا … إذ لو يشاءُ لأزالَ المنكرَا

صفحة 30

أليسَ هذا حُكمَهُم في الشَّاهِدِ … فيما يرَوْنَ في الإلهِ الواحِدِ

وإن يقولوا إنَّه قَد عَجَزَا … تلفَّظوا بالكُفر لفظًا مُوجزَا

وإن يقولوا إنَّه جبَّارُ … ذُوْ قُوَّةٍ مَتينةٍ قَهَّارُ

التزموا القَولَ بأنَّ الحُكمَا … بالشَّرْعِ لا غيرَ مَنوطٌ حَتما

وهذهِ قاعدةٌ مشهورةْ … تأتيكَ في أسئلةٍ كثيرةْ

كقولِ من قالَ لنا وصرَّحَا … إنَّ عليهِ أن يُراعيْ الأصلحا

وهكذا الكلامُ في الأفعالِ … وخلقِهَا والرزقِ والآجالِ

فصل

وجُملةُ الإيمانِ قولٌ وعمَلْ … ونيَّةٌ فاعملْ وكُنْ عَلى وَجَلْ

فإنَّه ينقُصُ بالعِصيانِ … فاخضَعْ إذًا في السرّ والإعلانِ

وَوَاظِبِ الطَّاعَةَ والعِبَادَةْ … تزِدْ بها فاغتنِم الزيادةْ

هذا مَقَامُ المتقدّمينا … ذَوي التُّقى الجَمّ المحدّثينا

وهذهِ اللفظةُ في التَّحقيقِ … مَوضوعةٌ في الأصلِ للتصديقِ

وذاكَ فِعلُ القلبِ كالإرادةْ … لا يَقبلُ النُّقصانَ والزّيادةْ

هذا الذي مالَ إليهِ الأشعري … وَهوَ عن التشبيهِ والإفكِ عَري

صفحة 30

القول في النبوات

وليسَ يستحيلُ بَعثُ الرُّسُلِ … في عقلِ كُلّ فَطنٍ مُحصِّلِ

صفحة 31

فذا مَقالُ المتشَرّعينَا … منْ سائرِ العَالَمِ أجمَعينا

وَهُمْ إِذًا ذوُو العقول السالِمَةْ … وقدْ أحالَ ذلكَ البراهِمَةْ

وجعلوا العُمدةَ في التَّصحيحِ … مسألةَ التَّحسينِ والتَّقبيحِ

وقدْ مضَى كلامُها مُستوعبَا … جَزْلاً قَويًّا بَيّنًا مُهذّبَا

فليتَ شعري ما الذي أحَالهْ … أم أينَ وَجهُ هذهِ الدّلالةْ

صفحة 31

فصل

في حقيقة المعجزة

وكُلُّ فِعلٍ خَرَقَ العاداتِ … وبانَ عَن وَهْنِ المعارَضاتِ

جَاءَ بهِ مَنْ يدَّعي النُّبوةْ … مَعَ تحدّيهِ بِهِ في القُوَّةْ

فذلكَ الفعلُ الذي قَدْ أظهرَهْ … مُعجزةً تُثبتُ مَا قدْ ذكرَهْ

وسُمّيتْ مُعجزةً لكونِها … تُعجزُ كُلّ أحَدٍ عَن فنّهَا

والمعجِزُ اللهُ وليُّ الحِفظِ … وإنَّما تَجوَّزوا في اللفظِ

وهْي إذًا تَنزلُ في المثالِ … منزلةَ التصديقِ في المقالِ

هذا هو المختارُ في الإرشادِ … فاسمَعْ مثالَ ذاكَ مِن إيرادي

إذا تصدَّى مَلِكٌ كبيرُ … ذُو سَطوةٍ ومَجْدُهُ مشهورُ

للخلْقِ في مَجلسِهِ فاحتشَدُوا … واجتمعوا عليهِ حتَّى قعدُوا

وجاءَ مِنْ أقصى البلادِ الناسُ … وازدحَمَ القُيَّامُ والجُلاَّسُ

صفحة 32

فقَامَ مِنْ أصحابِهِ إنسانُ … مُنتصبًا شاهدَهُ السُّلطانُ

صَاحَ بأعلى صوتِهِ في النادي … ألا اسمَعُوا مَعاشرَ الأشهادِ

قد جاءَكُم أمرٌ عظيمُ الشَّانِ … فاستمِعوا من قَبلهِ بُرهاني

أنا رسولُ الملكِ الجليلِ … إليكُمُ وفِعلُهُ دَليلي

يا أيُّها السلطانُ فانقض عادتَكْ … وقُمْ إذًا واقعُدْ وخالِف سُنَّتَكْ

ليعلموا حَقيقةَ الرسالةْ … بمَا يرونَهُ منَ الدّلالةْ

وأنَّ حقًّا كلُّ ما أحكيهِ … عنكَ ومهمَا قُلتَ ترتضيهِ

فامتثَلَ السلطانُ ما قدْ سألَهْ … صاحبُهُ فصحَّ ما قدْ نقلَهْ

وصارَ عندَ الحاضرينَ بتَّا … كأنَّهُ قالَ لهُ صدقتَا

فانظُرْ إلى عجائبِ الأمثالِ … أَتَتْ بها خواطِرُ الرّجالِ

صفحة 32

فصل

في نبوّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

وقَدْ أتى نبيُّنا المُؤَيَّدُ … الهاشميّ المصطفى محمَّدُ

بمُعجزاتٍ في الأنامِ اشتهَرَتْ … ثُمَّ إلى جَميعهِ تواترتْ

أوَّلُهَا القرآنُ ذُو الإعجازِ … بالنَّظمِ والأخبارِ والإيجازِ

وكانَ أميًّا كمَا تواترَا … فَقَصَّ أخبارَ الألى كمَا تَرى

أنبأ عمَّا قد جرى في القِدَمِ … للأنبياءِ وجَميعِ الأممِ

صفحة 33

باينَ نظمَ الشّعرِ والرَّسائلِ … وسائرَ الأسجاعِ بالفواصلِ

فَالعَرَبُ اللذُو ذُوو الإعجابِ … والتّيهِ بالأشعارِ والخطابِ

حينَ أصاخُوا سمِعوا كَلامَا … لا يعرفونَ مثلَه نِظامَا

فاجتهدوا في أنْ يُعارِضُوهُ … فذكروا لفظًا ولم يَرضَوهُ

ولوْ سمعتَ ما الذي قالوهُ … واحتفلوا لكي يُماثِلُوهُ

لقُلتَ ما كانوا ذَوي ألبابِ … ولا لهُم فصاحَةُ الأعرابِ

فالعقلاءُ آثَروا الإيمانَا … حينَ رأوْا ما سمِعوا عِيانَا

فصل

وأخبرَ الناسَ عن الغيبِ بمَا … يكونُ من بَعدُ على مَا أُلهِمَا

فكانَ ما أخبرَ عنهُ حَقَّا … ووجدوا ذلكَ منهُ صِدقَا

حنَّ إليهِ الجِذعُ وانشقَّ القمَرْ … وجاءَ سَحًّا عندما استسقى المَطَرْ

ونبعَ الماءُ على التَّتَابُعِ … في كَفِّهِ مِنْ خَلَلِ الأصابِعِ

وهكذا خاطبَهُ الذّراعُ … لفظًا وعتْ مضمونَهُ الأسماعُ

فقالَ ذَرني إنَّني مَسموعُ … وَهْوَ كلامٌ مُعربٌ مَفهومُ

ونطَقَ الوَحشُ لهُ وصرَّحَا … ثُمَّ الحَصى في كفّه قَدْ سَبَّحَا

وأشبَعَ الخلقَ الكثير مَرَّةْ … منَ اليسيرِ ورواهُ جَهرةْ

أُسريَ بِهْ في ليلةٍ فعادَا … فعرَفَ الأعلامَ والبِلادَا

صفحة 34

ما بينَ أرضِ المسجدِ الحرامِ … والمسجدِ الأقصى بأرضِ الشامِ

ولم يَكُنْ أضغاثَ أحلامٍ ولا … يقولُهُ منْ نفسِهِ تقوُّلا

فكيفَ قيلَ إنَّهُ افتراهُ … وقدْ حكَى للناسِ ما رَآهُ

فعلِموا صِحَّتَهُ إيقانَا … وَقَدْ رَأَوْا ما قالهُ عِيانَا

وللنبيّ معجزاتٌ جَمَّةْ … مشهورةُ الوجودِ عندَ الأمَّةْ

الناسُ في ذلكَ قد توسَّعُوا … فاقنعْ وفيما قَد حكيتُ مقنَعُ

فصل

وبعدَ أن قد ثبتَتْ دَلالَتُهْ … صحَّتْ بما جاءَ بهِ رسالتُهْ

ونسخَتْ شرعَ الألى شريعتُهْ … ووَجَبَتْ على الأنامِ طاعتُهْ

وختمَ اللهُ بهِ الرسالةْ … حقّا وقد شرَّفَهُ وآلَهْ

فصل

وكلُّ ما جاءَ عن الرسولِ … نقلاً تلقَّيناهُ بالقَبولِ

كالخبَرِ الواردِ في الأهوالِ … القبرِ والعذابِ والسؤالِ

فيَسألُ المَيِّتَ حَقًّا مُنكَرُ … وعندَهُ نكيرُ فيما يُذْكَرُ

عَنْ ربّهِ جَلَّ وعَن شريعتِهْ … مِنْ بَعدِ عَوْدِ رُوحِهِ في جُثَّتِهْ

وهكذا جاءَ عَن الرسولِ … وَكُلُّهُ يَجوزُ في العقولِ

لأنَّ من أنشأ أصلَ العَالَمِ … يُعيدُ رُوحًا عندَ كُلِّ عَالِمِ

صفحة 35

فقُل إذًا كقولِ كُلِّ حَبْرِ … ربّ أعِذني من عذابِ القبرِ

إذْ هُو حقٌّ يَجِبُ الإيمانُ … بهِ كما قدْ قالَه الأعيانُ

وجاءَنا في الخبرِ المرويّ … الثابتِ النَّقلِ عن النبيّ

القبرُ روضةٌ من الجنانِ … أو حُفرةٌ من حُفَرِ النيرانِ

فصل

ويجبُ الإيمانُ بالميزانِ … لأنَّه قد جاءَ في القرآنِ

في كفَّتَيْهِ تُوزنُ الأعمالُ … فتظهرُ الأقوالُ والأفعالُ

فيندَمُ العاصي على ما أجرَما … ويفرَحُ المحسنُ ممَّا قدَّمَا

فصل

وهكذا الصراطُ في القرآنِ … مُكَرَّرُ اللفظِ مَعَ البيانِ

يُمَدُّ فيما جاءَ في الأخبارِ … مُصَحَّحًا على شفيرِ النارِ

يَمُرُّ كُلُّ مؤمنٍ بسُرعةْ … عليهِ والويلُ لأهلِ البدعةْ

فصل

ويجبُ الإيمانُ بالحسابِ … والبعثِ والوقوفِ والعقابِ

وَكُلِّ ما جاءَ من الوعيدِ … والوعدِ في القرآنِ والتهديدِ

فصل

والنارُ وَالجَنَّةُ قد أُنشئَتا … إذ أَذِنَ اللهُ وقد أُعِدَّتَا

وأنكرتْ جماعةُ المعتزلةْ … خلْقَهُما فَضَلَّ مَنْ قَدْ جَهِلَهْ

صفحة 36

إذ جَاءَ في آيِ القرآنِ … خلقُهُما فصارَ كالعِيانِ

فصل

والحوضُ والمقامُ والشفاعةْ … لسيّدِ السُّنّةِ والجماعةْ

محمَّدٍ ذي الشرفِ العظيمِ … في الحشرِ والميزةِ والتقديمِ

فليسَ يبقى في الجحيمِ أحدُ … شفيعُهُ نبيُّنَا محمَّدُ

ومَن أتى كبيرةً من أُمَّتِهْ … فإنَّهُ يدخُلُ في شفاعتِهْ

صفحة 36

فصل

في رؤية الخالق جل وعلا

وقد أتى في الخبَر المنقولِ … الثابتِ النقلِ عن الرسولِ

رؤيةُ ربّ الخلْقِ في القيامةْ … كالقمرِ النائي عن الغَمامةْ

ولم يُرِدْ بضربِهِ المثالا … إلا انتفاءَ الشكّ والإجلالا

إذ رؤيةُ الخالقِ لا تُكيّفُ … هذا الذي كان عليهِ السلفُ

فمُنكروها خالفُوا الرسولا … وعاندوا النقولَ والمعقولا

ولا يَرى الخالقَ إلا مسلمُ … منزِّهٌ لذاتِهِ مُعظّمُ

خالٍ عن البدعةِ والضَّلالةْ … لا كالذي ظنَّ أولُو الجهالةْ

فصل

وكلُّ مَن ماتَ على عِصيانِ … يَجوزُ أن يُعَمَّ بالغُفرانِ

عَقلاً وفي الحُكمِ سيصلى النارَا … ورافِضَ الإسلامِ والكفَّارَا

صفحة 37

فصل

ومَن أتى كبيرةً لا يَخْرُجُ … عَنْ دينِه قد ضلَّتِ الخوارجُ

ممَّا سِوى الكفرِ كذا قدْ قيَّدوا … وأحسنُوا إذ بيَّنوا ما أورَدُوا

صفحة 37

فصل

في الإمام الحقّ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم

ثُمَّ الإمامُ الحَقُّ مَنْ قَدْ بايعَهْ … صَحْبُ النبيّ وكذا مَنْ تابعَهْ

وقد دَعَوْهُ كلُّهُم مِرَارَا … خَليفةَ الرسولِ واستطارَا

ولم يَكُنْ قال النبيُّ أصلا … فُلانٌ الخَالِفُ بَعدي فَصلا

لكنَّهُ كانَ إذا ما جُهِدَا … استخلَفَ الصديقَ مِصباحَ الهُدى

فصل

واشتهَرَتْ توليةُ الصّديقِ … لِعُمَرَ المخصوصِ بالتَّحقيقِ

ففتحَ الأمصارَ في خلافتِهْ … وأنشأَ الديوانَ في وِلايتِهْ

وخصَّهَا لستّةٍ من بعدِهِ … لفضلِهِم وحزمِهِ وزُهدِهِ

فصل

فبايعَ الخمسةُ عُثمانَ ولمْ … يَحْكِ أمينٌ أنَّ عُثمانَ ظَلَمْ

ولم يَكُنْ ذاكَ الكتابُ أملَلَهْ … فقاتَلَ اللهُ لعينًا قتلَهْ

وَهَبْكَ أنَّه كما تُقُوِّلَا … هل يجبُ القَتلُ على مَنْ أمْللا

وَمَنْ يَقُلْ إنَّ عليًّا مُتّهَمْ … في قَتلهِ ضلَّ وأخطا واجترَمْ

صفحة 38

لأنَّهُ قَدْ قَامَ في نُصْرَتِهِ … وأنفَذَ الحسينَ في نَجدتِهِ

فصل

ثُمَّ عليٌّ بعدَهُ الإمامُ … زَوجُ البتُولِ الفارسُ الهُمامُ

بَحرُ الحِجى وكاسِرُ الأصنامِ … صِنْوُ الرسولِ بطَلُ الإسلامِ

وَلِيْ فكانَ عقدُهُ مُسْتَدَّا … لَمَّا غَدَا بالفضلِ مستبِدَّا

وإنَّما نازعَهُ مُعاويةْ … بِشُبَهٍ عن الصوابِ نائيةْ

تَأَوُّلاً بقاتلي عُثمانَا … أخطأ فيهِ وادَّعى عُدوانَا

صفحة 38

فصل

في تقديم الصحابة بعضهم على بعض رضي الله عنهم

وأفضلُ الصحابةِ الصديقُ … ثُمَّ يليهِ عُمرُ الفاروقُ

ثُمَّتَ عثمانُ شهيدُ الدَّارِ … ثُمَّ عليٌّ قاتلُ الكفارِ

وطلحةٌ ثم الزبيرُ بعدَهْ … وعاشرُ الصَّحبِ أبو عبيدةْ

ثُمَّتْ مِنْ بعدِ الزُّبيرِ سعدُ … ثمَّ سعيدٌ وابنُ عوفٍ بعدُ

وليسَ ذا التفضيلُ عَنْ يَقينِ … قُلناهُ بَل بالظنّ والتَّخمينِ

واعلمْ بأنَّ هؤلاءِ العشرةْ … مُبايعو النبيّ تحتَ الشَّجرةْ

وسائرُ الصحابةِ الأبرارِ … أولي النُّهى والعلمِ والوقارِ

نُقِرُّ بالفضلِ لهُم ونشهَدُ … إذ قَالَ ذا نبيُّنا محمَّدُ

صفحة 39

وهكذا نثني على نسائِهِ … إِذْ سَبُّهُمْ يُخْرِجُ عن وَلَائِهِ

وقد أتى في سُورةِ الأحزابِ … فَضْلُهُمُ في أبينِ الخِطابِ

فصل

ونذكُرُ الآنَ منَ الإمامَةْ … فصْلاً ونُنهيها على استقامةْ

جَريًا على عادةِ مَن تقدَّمَا … إن وَفَّقَ اللهُ لَهُ وأنعَمَا

فصل

العادِلُ السَّويُّ في الصفاتِ … السَّالِمُ الذَّاتِ مِنَ الآفاتِ

القُرَشيُّ المسلمُ الأريبُ … البالغُ المجتهدُ اللبيبُ

هُوَ الإمامُ الواجبُ المُبايعَةْ … وَالحَقُّ في التقليدِ مَعْ مَنْ بايعَهْ

فهذِهِ شرائطُ الإمامةْ … سبعٌ تدبَّرْها تكُنْ علاَّمَةْ

وعندَ بعضِ مَن إليهِ الأمرُ … يكفي كذا نَصَّ عليهِ الحَبْرُ

أبو المعالي بطلُ التَّحقيقِ … مُستشهدًا ببَيْعَةِ الصّديقِ

هذا إذا استقلَّ في زمانهِ … وامتازَ بالشروطِ عن أقرانِهِ

أمَّا إذا لم يستقلَّ وحدَهُ … فهْيَ لمنْ يَحُلُّ منهُم عقدهُ

فَإِنْ وَلِيْ وَجَارَ في رَعِيّتِهْ … وخيفَ بعدَ عَزلِهِ مِنْ فتنتِهْ

امتنعَ العزلُ لخوفِ الضَّرَرِ … إذ عزلُهُ يُوقعُهُم في غَرَرِ

ثمَّ اللبيبُ لا يهُدُّ مصرَا … مُستوطِنًا فيهِ ليَبني قَصرَا

صفحة 40

وليسألِ الناسُ الإلهَ سِرَّا … إصلاحَهُ أو أن يُزَالَ قَهْرَا

وَحُكْمُ مَنْ قد عُقِدَتْ بيعتُهُ … وليسَ أهلا كَالذي قدَّمتُهُ

 
Top