ترجمة موجزة للسلطان المجاهد الناصر صلاح الدين الأيوبي

صفحة 3

ترجمة موجزة للسلطان المجاهد الناصر صلاح الدين الأيوبي

اسمه:

هو العالم الورع والفارس المجاهد السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي بن مروان، أبو المظفر الأيوبي.

مولده:

ولد عام 532 هجري الموافق 1137 رومي في قلعة “تكريت”، وهي مدينة تقع على ضفاف دجلة جنوبي بغداد في العراق.

نشأته وحياته:

كان أبوه واليًا على المدينة ثم انتقل معه إلى الموصل واستقر فيها برعاية عماد الدين زنكي، وكان رحمه الله طاهر القلب عفيف اللسان، يردُّ الحقوق إلى أهلها ويمنع الرشوة ويعاقب عليها، لا يُحابي في الحق أحدًا، وكان رحمه الله سياسيًا بارعًا وقائدًا فذًا وفارسًا مقدامًا عمَّ ذكره في الآفاق شرقًا وغربًا.

انتقل والده نجم الدين أيوب مع أهله إلى بعلبك بعد أن عيَّنه عماد الدين واليًا عليها، ولكن لم يطل مقامهم في بعلبك حيث انتقلوا للعيش في دمشق، وقد تولَّى صلاح الدين رئاسة شرطة دمشق في عهد نور الدين، وبعد وفاة الأتابك نور الدين بن عماد الدين زنكي عام 569 هجري استقلَّ صلاح الدين بحكم مصر والشام وغيرها، ثم شمَّر عن ساعده لتوحيد البلاد الإسلامية وجهز الجيوش لقتال الإفرنج وانتزاع ما بقي من أراضي الشام، كما جهز جيشًا لاسترداد اليمن وبعثه إليها وعلى رأسه أخوه توران شاه بن أيوب، وبعث حملة إلى غربي مصر بقيادة “قراقوش” فاستولى على برقة وطرابلس الغرب وتونس، وهكذا تم توحيد البلاد الإسلامية في جبهة واحدة تمتد من برقة وتونس غربًا إلى الفرات شرقًا، ومن الموصل وحلب شمالاً إلى النوبة واليمن جنوبًا، وبقي لدى صلاح الدين هَمٌّ كبير وهو تحرير الأقصى من العدو الجاثم في فلسطين.

النصر الكبير في حطين:

تقع قرية حطين غربي “طبرية”، وهي غنية بالمياه وفيرة المرعى في جزء منها، وقد دارت المعركة في المنطقة الممتدة بين “طبرية” شرقًا و”صفورية” غربًا، وهذا الجزء جاف وعرٌ قليل المياه إلا من الآبار والينابيع المحلية النادرة، ومع أن استعادة بيت المقدس وتخليص الأقصى من يد الإفرنج كان الهدف الذي يسعى إليه السلطان المجاهد بعد أن وحَّد الجبهة الإسلامية
وأمَّن الحدود، غير أنه لم يشأ أن يكون هو البادئ بالحرب لحنكةٍ هو أرادها فانتظر حتى بدأ “أرناط” صاحب الكرك المشهور بالخيانة والغدر، فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير والشرارة التي أشعلت نيران الحرب، وذلك أن “أرناط” اعتدى على قافلة كانت تمر بالكرك في طريقها من مصر إلى الشام، فنهبها وأسر وقتل من فيها، وقال للأسرى وهو يعذبهم: “فليأت محمدكم ليخلصكم”، فغضب صلاح الدين ونذر لئن مكَّنه الله منه ليقتلنه بيده، ودعا صلاح الدين إلى النفير والتعبئة الشاملة للجهاد، وبعد أن كملت الاستعدادات وجاءت الجيوش الإسلامية متطوعة من شتى الممالك الإسلامية، غادر صلاح الدين دمشق إلى بصرى وبدأ بمهاجمة “الكرك” ثم استولى على “طبرية”، وعنَّف صلاح الدين

صفحة 4

“أرناط” على فعلته الشنيعة مع قافلة المسلمين واستهزائه بمقام النبوة وعرض عليه الإسلام فأبى، فاستل صلاح الدين سيفه وقال له: “ها أنا أنتصر لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم” فضربه تنفيذًا لوعده وبرًّا بقسمه، وإثر ذلك انهارت الدولة المسماة “أورشليم”، وتمكن صلاح الدين من استرجاع جميع مدنها وقلاعها.

حبه للعلم الديني وتقواه:

يقول السبكي في (طبقات الشافعية) عن السلطان صلاح الدين: “إنه سمع الحديث من الحافظ أبي طاهر السلفي وأبي طاهر بن عوف والشيخ قطب الدين النيسابوري وعبد الله برّي النحوي وجماعة غيرهم”.

وقد سلك صلاح الدين مسلك السلف الصالح في المحافظة على الدين والتمسك بالعقيدة الصافية النقية عقيدة أهل الحق، فقد أمر رضي الله عنه بتدريس العقيدة الإسلامية والتي فيها تنزيه الله عن المكان والحيز واللون وسواها من صفات المخلوقين في الكتاتيب والمدارس، وقد ألّف العلامة محمد بن هبة الله المكي رسالة في العقيدة سماها “حدائق الفصول وجواهر الأصول” في علم الكلام على أصول أبي الحسن الأشعري رحمه الله، أهداها إلى السلطان صلاح الدين الذي أمر بتعليمها في المدارس للصبية الصغار فعُرفت بالعقيدة الصلاحية ومما يقوله فيها:

وصاِنعُ العاَلمِ لا يَحويِه … قُطْرٌ تعالى اللهُ عن تَشبيهِ

قَد كانَ مَوجودًا ولا مكانا … وَحُكْمُهُ الآنَ على مَا كَانَا

سُبحانَهُ جَلَّ عَنِ المكانِ … وَعَزَّ عَنْ تغيُّرِ الزَّمانِ

فَقَدْ غلا وَزَادَ في الغُلُوِّ … مَنْ خَصَّهُ بجهةِ العُلُوِّ

ويقول عنه معاصروه: “كان خاشع القلب غزير الدمعة، إذا سمع القرآن خشع قلبه ودمعت عيناه، وكان كثير التعظيم لشعائر الإسلام”.

مآثره:

من مآثره الحميدة رحمه الله أنه أبطل المكس (الضريبة) المأخوذ من الحجاج في البحر على طريق عِيْذاب في أيام مُكثّر بن عيسى وهو آخر أمراء مكة المعروفين بالهواشم، وكان سبب إبطاله أن الشيخ علوان الأسدي الحلبي حَجَّ فلما وصل إلى جدة طولب بالمكس فأبى أن يسلم لهم شيئًا وأراد الرجوع، فلاطفه الجند وبعثوا إلى صاحب مكة الشريف مُكثّر بن عيسى، فأمر بإطلاقه ومسامحته، فلما طلع إلى مكة اجتمع به واعتذر إليه بأن مدخول مكة لا يفي بمصالحها، وأن هذا هو الحامل لنا على جمع المكس، فكتب الشيخ علوان إلى صلاح الدين وذكر له حاجة أمير مكة، وعرَّفه أن البلد ضعيفة وأن ما تُدخله من أموال لا يكفيها، وأن ذلك هو الذي حمل أميرها على هذه البدعة الشنيعة، فأنعم عليه صلاح الدين بثمانية آلاف إردب قمح وقيل بألفي دينار وألفي إردب قمح وأمره بترك هذه المظلمة.

صفحة 5

ذكر طرف من مناقبه وشجاعته:

كان صلاح الدين رضي الله عنه دَيِّنًا ورعًا زاهدًا كثير العبادة يحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها جماعة في المسجد، حتى في أيام مرضه كان يتجلد ويحضرها كما ذكره ابن شداد، وكان مع ذلك مواظبًا على السنن والرواتب وقيام الليل، وكان إذا أدركته الصلاة وهو سائر نزل وصلى، وهو مع ذلك رحمه كان ينتقي إمامه ويتخيره عالمًا بالقرآن متقنًا ضابطًا لحفظه، وكان رحمه الله خاشع القلب غزير الدمعة رفيقًا حليمًا شفوقًا ناصحًا محبًا للعلم وطلبه، شديد الرغبة في سماع الحديث، فكان إذا سمع بشيخ محدِّثٍ ذي رواية عالية وكان ممن يحضر مجالس السلاطين استدعاه وأخذ عنه فسمع وأسمع أولاده ومماليكه، وإن كان هذا الشيخ ممن لا يقصدون أبواب السلاطين سار إليه بنفسه فسمع منه وقرأ وأخذ عنه، وكان رضي الله عنه عادلاً رؤوفًا رحيمًا ناصرًا للضعيف المظلوم، وقد حدث ابن شداد مرة فقال: “لقد رأيته وقد استغاث به إنسان من أهل دمشق يقال له ابن زهير على تقي الدين ابن أخيه فأنفذ إليه ليحضر مجلس الحكم وكان تقي الدين هذا مقربًا إليه محبوبًا لديه عظيمًا في عينه ولكنه لم يحابه في مثل هذا الأمر بل استدعاه حرصًا على إقامة العدل”.

أما الشجاعة والصبر فقد بلغ السلطان في ذلك شأوًا كبيرًا، فكان رحمه الله من عظماء الشجعان، قوي النفس شديد البأس عظيم الثبات، لا يهوله أمر العدو، ومن أشهر أعماله الحربية وأعظمها تحرير بيت المقدس وفتح القدس، حيث نزل عليها في 15 رجب 583 هجري، وتسلمها يوم الجمعة 27 رجب لمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج وأقيمت الجمعة، فعلت الأصوات بالتكبير والتهليل، وكان فتحًا وتحريرًا عظيمًا مهيبًا.

من وصاياه:

وقد ورد أنه أوصى أحد أولاده قائلاً: “أوصيك بتقوى الله، فهي رأس كل خير، وآمرك بما أمر الله به، فإنه سبب نجاتك، واحذر من الدماء والدخول فيها والتقلد بها، فإن الدم لا ينام، وأوصيك بحفظ قلوب الرعية والنظر في أحوالها، ولا تحقد على أحد فإن الموت لا يُبقي على أحد”.

وكان رحمه الله إذا سمع أن العدو دهم بلاد المسلمين خَرَّ إلى الأرض ساجدًا داعيًا إلى الله بهذا الدعاء: “إلهي قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك ولم يبق إلا الإخلاد إليك والاعتصام بحبلك والاعتماد على فضلك أنت حسبي ونعم الوكيل”.

قال القاضي ابن شداد: “رأيته ساجدًا والدموع تتقاطر على لحيته ثم على سجادته ولا أسمع ما يقول، ولم ينقضِ ذلك اليوم إلا وتأتيه أخبار الانتصار على الأعداء”.

وكان يتخير وقت صلاة الجمعة للهجوم على أعدائه تبركًا بدعاء الخطباء له بالنصر على المنابر.

آثاره:

بنى رحمه الله المساجد والمدارس وعمَّر قلعة الجبل في القاهرة وسوَّرها، وبنى قبة الإمام الشافعي، وكان رحمه الله شافعيَّ المذهب، أشعريَّ الاعتقاد.

صفحة 6

وفاته:

لحقه رحمه الله ليلة السبت 16 صفر 589 هجرية تعبٌ عظيم وغشيته نصف الليل حُمى شديدة وأخذ المرض في التزايد فقصده الأطباء واجتمعوا لديه ينظرون أمره والحمى تثقل عليه حتى أخذته رعشة وأغمي عليه واشتد الخطب في البلد فعمَّ الحزن وكثر البكاء ولحقه في اليوم العاشر من مرضه عرق شديد حتى نفذ من الفراش، واشتد مرضه ليلة الثاني عشر من مرضه فحضر عنده الشيخ أبو جعفر إمام الكلاسة ليبيت عنده في القلعة يذكره الشهادتين عند الاحتضار، فكان أن توفي السلطان من تلك الليلة في السابع والعشرين من صفر وأخرج بعد صلاة الظهر من يوم الأربعاء في تابوت مسجى وصلى عليه الناس ثم دفن في قلعة دمشق في الدار التي كان يقيم بها وأنزل إلى لحده وقت العصر بعد الصلاة من اليوم المذكور، وخلَّف رحمه الله سبعة عشر ذكرًا وبنتًا واحدة، ولم يوجد في خزانته الخاصة سوى دينار وأربعين درهمًا، وقد أقام رحمه
الله في السلطنة أربعًا وعشرين عامًا توفي بعدها وعمره سبعٌ وخمسون سنة، وله مقام ظاهر يزوره المسلمون تبركًا بسيرته العطرة ونهجه السوي، رحمه الله رحمة واسعة وجزاه بأحسن ما يجازي به أوليائه الصالحين.

إعداد:

واحة آل البيت لإحياء التراث والعلوم – فلسطين

21 رجب 1428 هجري الموافق 4 أغسطس 2007 رومي

ترجمة موجزة للسلطان المجاهد الناصر صلاح الدين الأيوبي
 
Top