تمهيد

صفحة 9

تمهيد

هذا الكتاب كتبته من مرحلتين، الأولى هي تحرير شرح العلامة الأنصاري كما أشرنا إليه في المقدمة الأولى، والثانية هي تحليته بنقول عزيزة ومفيدة من عدة شروح وحواش وُضِعَتْ على متن أم البراهين، وقد وضَعْتُ هذه النقول في حواشي الكتاب، ورتبتها بحيث يستفيد منها القارئ الكريم فوائد لم يحظ بها في الأصل، الذي هو التهذيب، وأضفت بعض ما طرأ في ذهني بحسب تيسير الله العزيز، ووضعته إما في الحاشية وإما في الأصل، بحسب ما رأيته مناسبا، وأشرت إلى صاحب هذه التعليقات بحسب الأخذ منه ووضعت لكل واحد رمزا كما يلي

أولا: حاشية البيجوري على أم البراهين، للعلامة إبراهيم البيجوري، وهو صاحب الحاشية المشهورة على جوهرة التوحيد، وقد رمزت له بالحرف (ج)، وهذه الحاشية مع أنها صغيرة الحجم نسبيا إلا إنها من أكثر الحواشي إفادة، وحاول العلامة البيجوري أن يجعلها حاوية لأكثر ما قد يحتاجه قارئ المتن. وهي تحتوي على درر عقلية مناسبة للمبتدئين، بل وللمتوسطين. ويمكن الاستغناء بها عن كثير غيرها لمن أراد الاقتصار على المطلوب الواجب في هذا الباب.

ثانيا: شرح أم البراهين، للعلامة الأستاذ سيدي المكي البطاوري وقد رمزت له بالحرف (ط). وهذا الشرح عبارة عن حل لألفاظ المتن، بأسلوب سهل مفيد جدا للصغار والمبتدئين، ولا يخلو من فائدة. جعله مؤلفه مقدمة لقارئ شرح الإمام السنوسي على أم البراهين.

ثالثا: طالع البشرى على العقيدة السنوسية الصغرى، للعلامة المحقق شيخ شيوخ عصره ومفتي المالكية بمصره، وأحد فطاحل المدرسين بالمعهد الزيتوني الشيخ إبراهيم بن أحمد المارغني.

صفحة 10
وله حاشية مفيدة على جوهرة التوحيد أشار إليها في أثناء شرحه هذا، وقد رمزت له بالحرف(غ). هذا الشرح جعله مؤلفه كتهذيب وتحرير لشرح الإمام السنوسي على هذا المتن، وذلك لما رأى فيه من أمور صعبة وبعض مباحث مطولة، ليس شرحا طويلا مملا ولا مختصرا مخلا، أودع فيه تنبيهات في غاية الإفادة، وتحريرات تنم عن ما يتمتع به من دقة نظر وفهم واسع لعقائد وأدلة أهل السنة. وهو من أحسن الشروح التي رأيتها.

رابعا: شرح جوهرة التوحيد، للعلامة الشيخ أحمد الصاوي وهو الإمام المشهور صاحب الحاشية على الشرح الصغير على مختصر خليل في مذهب السادة المالكية، والحاشية على تفسير الجلالين وغيرهما من الكتب المفيدة.رمزت له بالحرف(ص). وهو شرح مختصر مفيد، دقيق العبارة من غير صعوبة، يمكن الاقتصار عليه في بابه،والابتداء بتعليمه للطلاب. ولم أنقل منه كثيرا، لا لعدم وجود فوائد فيه ولكن خوفا من التطويل.

خامسا: شرح أم البراهين، للعلامة الشيخ أحمد بن عيسى الأنصاري، وهو الشرح الذي اعتمدته في التهذيب، وذلك لما رأيت فيه من دقة كبيرة وفوائد عظيمة، وقد أودعت غالب ما ذكره من فوائد وحاولت أن أحتفظ بنفس كلماته في أغلب الأحوال.وحذفت منه أقل القليل. وقد كان السبب في تهذيبي لهذا الشرح بعدما قرأته وعرفت ما فيه من فوائد، هو ما رأيت فيه من أخطاء طباعية عديدة قد تحول بين القارئ وبين فهم الكتاب، فحاولت تخليصه من هذه الشائبة. وقد انتفع بتوفيق الله تعالى طلبة العلم بهذا المختصر.

سادسا: الراجي من ربه التوفيق والسداد راقم هذه السطور، ورمزت لنفسي بالحرف(س). وقد قمت بإدراج بعض التعليقات التي رأيت أنها تفيد في توضيح المعنى وإغناء القارئ بالمعلومات. ولم أكثر من التعليقات التي وضعتها لاستغنائي عن ذلك بكلام السادة العلماء. ولما أن هذا ليس محلا للتفصيل، ولما رأيت من أن التعليقات التي انتخبتها من الشروح المذكورة تكفي المبتدئ. وأيضا فقد استفدت من كثير من الكتب التي ألفها علماء الإسلام الأفاضل في العقائد الإسلامية على طريقة أهل السنة. وقد

صفحة 11

أشرت إلى بعض ذلك في الحواشي. ولم ننقل من شرح العلامة السنوسي على أم البراهين مع أنه أقوى وأفيد الشروح على الإطلاق لأننا شارعون في كتابة شرح مطول على هذا المتن الجليل، وسوف نودع فيه غالب ما في شرح السنوسي مع نهاية التحرير والتحقيق والزيادات التي يقتضيها المقام. ندعو الله تعالى أن نتمه.

وأوصي القارئ من هذا الكتاب أن يقتصر على المتن، وأن لا يلجأ إلى ما في الحواشي إلا عند الحاجة، لا سيما عند قراءة الكتاب لأول مرة، فإنه بهذا يحافظ على ذهنه من الشرود والتقطع بين المتن والحاشية. ثم لا مانع أن ينظر في الحاشية عند استشكال أمر أو مسألة، أو بعد إكمال الكتاب وفهم ما فيه. واعلم أن القراءة الثانية والثالثة للكتاب في غاية الإفادة كما نبه عليه سادتنا العلماء، فقد كانوا يقرؤون الكتاب مرات عديدة قبل أن ينتقل إلى غيره من الكتب، وقد ذكر عن السيد الشريف الجرجاني أنه قرأ شرح المطالع في علم المنطق أكثر من أربعة عشر مرة قبل أن يذهب إلى مصنفه وهو العلامة القطب الرازي لقراءته عليه، وأخبار الفقهاء وأحوالهم في قراءة الكتب أشهر من أن نذكرها، فبعضهم كان يسمى بالمنهاجي لملازمته قراءة المنهاج للإمام النووي في الفقه، ومنهم من قرأ كتاب الرسالة للإمام الشافعي أكثر من ثلاثين مرة، وفي كل مرة يدرك منه ما لم يدركه سابقا.

وهكذا فتكرار القراءة هي أهم خطوة يفتقر إليها أفراد هذا الجيل. فمن وفقه الله تعالى  فتوجه لطلب العلوم، فإنه غالبا لا يعرف طريقة الطلب، فتراه يشرع في قراءة كتاب ثم وقبل أن يحقق مطالبه ويفهم مسائله ينتقل إلى كتاب آخر، وهكذا، وتكون النتيجة هي عدم إحاطة وتمكن هذا القارئ بشيء من الكتب، عدا عن ما يتسبب فيه هذا الأسلوب من إضاعة الوقت والجهد، وتشتيت التركيز.

ولهذا كان السادة العلماء ينصحون بالتزام كتاب واحد في بداية الطلب، ثم بعد تحقيق مسائله فلهم أن ينتقلوا إلى كتاب آخر، بل هذا الانتقال، أي قراءة أكثر من

صفحة 12

كتاب في نفس العلم، يكون من ألزم الواجبات في حق من يريد التحقيق في العلوم، والوصول إلى الغاية فيها. وما التوفيق إلا من عند الله تعالى.

ثم اعلم إننا قد نبهنا إلى ما وقع فيه بعض علماء أهل السنة من مخالفات للجمهور في بعض المسائل المشهورة عنهم، وإن كانت هذه المسائل من المسائل الدقيقة التي لا يترتب على الخلاف فيها كبير ضرر، ونبهنا إلى من ردَّ عليهم ونبَّه إلى غلطهم فيها. ولم يكن مرادنا من ذلك إلا لفت نظر القارئ إلى هذا ولكي لا ينخدع بأهل البدعة خصوصا من المجسمة الذين انتسبوا إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء، والذين صاروا يبالغون في الرد على السادة الأشاعرة والماتريدية أهل السنة، والتشنيع عليهم، وهم يتبعون في هذا أسلوبا مستصغرا، فيدعون أحيانا أن هؤلاء العلماء قد رجعوا عن المذهب الأشعري، ويوهمون الناس السذج أن هؤلاء العلماء رجعوا إلى ما يقولون هم به من تجسيم، وحاشا هؤلاء العلماء الأفاضل الذين حفظ الله بهم الدين أن ينزلوا إلى هذه المهاوي. ويدَّعون أحيانا أخرى أنهم متناقضون، ولا يوجد تناقض، ولكنه حبُّ التشكيك الذي وقعت فيه هذه طائفة المجسمة من دون أساس يعتمد عليه، وضعفُ عقولهم أدت بهم إلى ذلك الادعاء. ولو أنصفوا لعلموا أن التنبيه إلى الأغلاط التي يقع فيها العلماء، ميزة لأهل السنة الأشاعرة، لم يشاركهم فيه فرقة، فهم النُّـقَّـاد والكاشفون عن مغالطات الناس، وأنه إن لم يتم التنبيه إلى ذلك ربما ينخدع المبتدئ بها، لشهرة القائل بها، وسبحان الله الذي أبى أن تتم العصمة إلا لكتابه ولأنبيائه. ونحن مع تنبيهنا إلى أغلاطهم هذه فإننا نرفع من منزلتهم المحفوظة دائما التي لا يخفضها أن يغلطوا في مسألة أو مسألتين، لأننا نستحضر دائما مبلغ الجهد العظيم والكبير الذي قاموا به في سبيل الدفاع عن عقائد الإسلام أمام المبتدعة  كالحشوية المجسمة ومن تبعهم من الحنابلة[1]، ومن نسب نفسه إلى السلف الصالح وهم منه براء.

صفحة 13
واعلم أن هذا الأمر، أي التنبيه إلى أغلاط العلماء على قِلَّتِها بين أهل السنة هو ميزة لأهل الحق، فإنك لا تجد من بين المجسمة خاصة مَنْ ينصف نفسه وغيره ويعترف ولو ببعض الشنائع التي وقع فيها زعماؤهم، بل يحاولون دائما إنكار نسبة ذلك عنهم حتى ولو كانت ثابتة، أو تفسيرها بمعنى لا يريده قائلها نفسه، أو غير ذلك من الأساليب، بل يسارعون باتهام غيرهم بأنه لا يحترم علماء الأمة، والحال أننا لا ننتقد إلا آراء قسم قليل جدا من المنتمين إلى الأمة. والمسألة في الحقيقة ليست مسألة احترام أو لا، بل هي مسألة حق أو باطل، خطأ أو صواب، يفعلون ذلك لأنهم إنما يتبعون الرجال، ولسان حالهم القول بعصمتهم، وتنزيههم عن ما لم ينزهوا عنه الأنبياء، وأما نحن فإنما نتبع الحق الذي يدلنا عليه العلماء، لا نقدس أحدا من علمائنا الكبار، ولا نقول إن الخطأ عليه محال، ولا نقول فيه إنه معصوم كما يقول هؤلاء ولو بلسان الحال.

واعلم أن السرَّ في عدم تصريحهم بأغلاط فضلائهم وسادتهم هو أن جميع علمائهم قد وقعوا في شنائع فظيعة، فإن هم حكموا على واحد منهم، فإنهم في الحقيقة إنما يحكمون على جميعهم، وهذا حكم على مذهبهم كاملا بالفساد والزوال والتهافت. بخلاف أهل السنة الأشاعرة، فإن من أخطأ من علمائهم قليل العدد جدا، وأيضا فإن باقي العلماء من أهل المذهب لم يتركوه وشأنه بل نبهوا إلى ما وقع فيه، مع توقيرهم له، واعترافهم بفضله، فلم تمنعهم فضيلته المُسَلَّمَةُ من الحكم بغلطه في ذلك الموْرِد. فهذا هو سبب عدم التصريح بالتصحيح لمن أخطأ من المجسمة، وأما عند أهل السنة، فلا يوجد هذا المانع مطلقا، لأنهم يعلمون أنهم إنما أمروا بالدفاع عن عقيدة الإسلام لا

صفحة 14

عقيدة فلان أو فلان ممن حتى يُسَمّون بمشايخ الإسلام! ويعلمون أنما مردُّهم إلى الله لا إلى أحد من السلاطين ولا إلى أحد من الملوك. فصار حال هؤلاء المجسمة هو الخوف من التصريح بالحق حفاظا على مذهب مشايخهم، ومكانتهم الدنيوية. وما هذا بغريب عليهم.

ولكن العجب الكبير إنما هو من العلماء المنتمين إلى مذهب أهل السنة والجماعة الذين أصبحوا خائفين وجلين من الدفاع عن عقائد هذا الدين أمام هذه الهجمة ذات الفكر التجسيمي المادي، الذي أصبح يسيطر الآن على فكر كثير من العامة والخاصة. فهؤلاء العلماء يرون هذا التغلغل الخطير لهذا الفكر المريض والمخالف لعقائد الإسلام، وتراهم لا يحركون ساكنا، بل لا يتجرأ الواحد منهم –إلا من رحم الله- على القول بأن هذا الفكر مخالف لعقيدة أهل الحق وعقائد الإسلام. مجرد هذا المستوى من النقد أصبح هؤلاء يخافون منه، بينما نرى أن علماء أهل السنة كانوا في الماضي سادة النقد والرد على المخالفين وأهل البدع.

هكذا كان حال أهل السنة في الماضي، وأما الآن فإننا نراهم من أكثر الناس خوفا من انتقاد الآخرين، وخوفهم هذا راجع في أكثر الأحوال إلى جهلهم الحقيقي بمذهبهم وأصوله، فأكثر مشايخهم الآن يكتفون بمعرفة العقائد على سبيل الإجمال، ولا يتوسعون في هذا العلم الجليل، الذي نص عليه محققو علماء أهل السنة على أنه الأصل الذي ترجع إليه سائر العلوم. ونحن نعلم أن طريق الإجمال إنما هو طريق العامة في الخروج مما يجب عليهم في هذا العلم، فَلَكَ أن تتعجب بعد ذلك ممن جعل ديدنه الاقتصار على ما وضع أصلا للعامة، وترَكَ ما يرفعه إلى مقام المحققين في أهم العلوم الإسلامية على الإطلاق. ومن كان هذا حاله فإن من الطبيعي جدا عنده أن لا يلجأ إلى الخوض في الكشف عن مفاسد الآخرين لأنه في الحقيقة لا يعلم أن ما وقع فيه الآخرون مفاسد على التحقيق، وكيف يعارضهم وهو لا يعلم علم اليقين أن ما يقول به هو الحق! بل غالبهم يظن ذلك ظنا !

صفحة 15

ولهذا الحال لجأ كثير من المنتسبين إلى أهل السنة إلى طريقة عجيبة وهي التسليم لكل واحد بما ذهب إليه، وهذا لعمري مفاسده أكثر وأوضح من أن تذكر.

وفي الجانب المقابل فإننا نرى مذهبا كان من أضعف المذاهب الإسلامية على الإطلاق، وهو مذهب التجسيم، ومذهب الحشوية والتشبيه، فهذا المذهب كان المنتمون إليه في القرون السابقة، يخجلون من التصريح به، بل يلجئون غالبا إلى الكناية والتمسك بأقوال مجملة، تحتمل قولهم وقول غيرهم، حتى إذا سئلوا استطاعوا تخليص أنفسهم. فهؤلاء كانوا يثبتون الجهة لله تعالى ويسمونها العلو، فيقولون الله في العلو، والحال أن مطلق العلو لا يخالف في إثباته أحد من الناس، ولكن هؤلاء يطلقون العلو ويريدون الجهة. وكانوا ينسبون التجسيم إليه تعالى ويسمونه بعِظَمِ القَدْرِ، علما بأن كون الله تعالى عظيم القدر محل إجماع بين الناس، ولكن هؤلاء المجسمة يطلقون اسم القدر ويريدون الحجم والحيز والمكان، والمنزهون لله تعالى من المسلمين يطلقون القدر ويريدون جلالة وإحاطة الصفات نحو القدرة والعلم وعدم خروج شيء من تدبير الله تعالى، ومخالفة الله تعالى لنا في أصل الوجود وحقيقته. وهؤلاء الحشوية كانوا يخافون في السابق من التصريح بإثبات الأعضاء والأدوات والأركان لله تعالى، وأما في هذا الزمان فإنهم يصرحون بذلك ولا يلوحون، بل ويردون على من خالفهم من أهل الحق، ويسمونهم باسم الجهمية والمعطلة والنفاة. بل لقد صرح أحد كبرائهم ومن يلقبونه بشيخ الإسلام بأن الشريعة لم تذم التشبيه والمشبهة! والأمثلة على انقلاب الموازين في هذا العصر كثيرة لا يتسع المجال لذكرها. وما كان ذلك ليحصل وتتثبت أركانه، إلا لضعف المنتمين إلى أهل السنة وعدم تمكنهم من عقائدهم التي هي عقائد الدين، وارتباط كثير منهم بموازين الحياة الدنيا، فلذلك صاروا يحسبون أكبر الحساب لغضب فلان ورضى فلان، ولا يلتفتون أصالة إلى رضى الله تعالى ولا إلى غضبه. وقد برع هؤلاء جدا في

صفحة 16

التبرير، أي في تبرير مواقفهم هذه خاصة من سكوتهم وعدم ردهم على مذهب المجسمة، ونخص بالذكر مذهب المجسمة لأنهم هم الغالبون في هذا العصر في كثير من البلاد الإسلامية.

وقد امتنع كثير من العلماء في هذا العصر من الرد على فتنة المجسمة هذه، وتعللوا بكثير من العلل، فقالوا مثلا إن هذا العصر هو عصرهم، أي عصر المجسمة، فلهم فيه القوة المادية، وهي أكبر أسس انتشار مذهبهم، وقالوا: إن الرد على المجسمة في هذا العصر مع انتشاره بين الخاصة والعامة قد يتسبب عنه فتنة! كذا يقولون، فهم ابتعادا عن الفتنة التي يظنون لا يتعرضون لهم. وقالوا: إن أتباع هؤلاء المجسمة لا يعلمون أن مشايخهم الذين يقتدون بهم هم مجسمة، فلا ينبغي الرد عليهم! بل يعلمون ويعاملون معاملة حسنة بالإرشاد بالتدريج، وقد غفل من قال ذلك عن أن هؤلاء وإن كانوا لا يعترفون بأنهم مجسمة، إلا أن عقائدهم هي بالفعل عقائد المجسمة، وسواءا كانوا يعرفون ذلك أو يجهلونه، فلا بد من بيان الحق من الباطل، لهم ولغيرهم، وهذا يستدعي الرد على رؤوسهم وزعمائهم. بل إن بعض المشايخ من الذين ينتسبون إلى أهل السنة، صاروا يحاولون إيجاد بعض الأعذار لهؤلاء المجسمة، وتبرير وقوعهم في التجسيم، وقد نسي هؤلاء أنا حتى وإن سلمنا بوجود الأعذار لهم فإن ذلك لا يعفينا من بيان أنهم مبطلون، ولا يعفينا من الرد عليهم، ولا يعفيهم أيضا من محاولة معرفة العقائد الصحيحة.وقالوا غير ذلك.

وقد نسي هؤلاء القائلون أن علم التوحيد يجب فيه النظر في الدليل ولا يعفي أحدا أن يقول إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتفون. بل من اعتقد الباطل وإن كان قد أخذه من أبيه وأمه، فإن هذا لا يقلب الحق باطلا ولا الباطل حقا.

صفحة 17

والتحقيق عندي أن مواقف هؤلاء جميعا من فتنة التجسيم المنتشرة في هذا الزمان، لا يعدو أن يكون انعكاسا عن خوفهم من الرد عليهم، وجهلهم بعقائد أهل السنة على التحقيق، فإنهم لو عرفوا لما تقاعسوا عن نشرها ولم يتخاذلوا عن الرد على الخصوم.

وعلى ذلك درج أهل السنة، أعني على التحذير من الأخطاء التي يقع فيها الناس، مهما كانت منزلتهم، فلا معصوم إلا الرسول عليه الصلاة والسلام، والانتقاد هو الأصل في علم التوحيد، لأنه لا تقليد فيه مع القدرة على التحقيق. وأهل السنة يعلمون أنهم بهذا الفعل يزيدون من قوتهم وبقائهم على الحق، لأنهم يعلمون أن مآلهم إلى الله لا إلى أحد من الخلق.

وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب…

سعيد فودة

  1. [1] لا تظنَّ أيها القارئ أن الحنابلة كلهم مجسمون، بل فيهم مجسمة كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني وابن قدامة، وهؤلاء تجسيمهم أقل من ابن تيمية وابن القيم وغيرهم، وفي الحنابلة منزهون لله تعالى عن مشابهة الأجسام والمخلوقات، مثل الإمام الحافظ أحمد بن حنبل كما نص عليه علماء أهل السنة والإمام ابن عقيل والإمام المحقق ابن الجوزي وكثير غيرهم. ومع أنه يوجد من سائر المذاهب الأخرى بعض المجسمة، إلا أن نسبتهم في الحنابلة أعظم وأكبر، فلذا نبهنا إليهم في كلامنا ولم نذكر غيرهم. لأنه قد يغتر بكثرتهم في الحنابلة بعض الغافلين فيظن أن سائر الحنابلة مثلهم، وهو في ظنه هذا غالط. واعلم أن درجات التجسيم تتفاوت من واحد لآخر، فمن هؤلاء من يصرح بنفي المماسة مع إثبات الجهة والحد من جهة واحدة كالقاضي أبي يعلى، ومنهم من يثبت الجهة والمماسة ويثبت الحد من سائر الجهات الستة كابن تيمية.(س)
تمهيد
 
Top