تعريف الحكم وأقسامه

صفحة 26

تعريف الحكم وأقسامه
هو في اللغة المنع، ومنه سمي الحاكم حاكما لأنه يمنع الظالم من المظلوم. وفي الاصطلاح هو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. مثال الإثبات كإثبات الوجود والقِدَمِ لله تعالى، ومثال النفي كنفي الحدوث عن الله تعالى.

فالحكم من حيث هو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه.

وينقسم من حيث مصدره إلى ثلاثة أقسام :شرعي وعادي وعقلي.

فالشرعي محله كتب الفقه وأصوله، والعادي يعرف بالتجربة والتكرار كوجود الاحتراق عند النار، فالخالق للإحراق هو الله تعالى فلا تأثير للنار وكذلك جميع الأسباب العادية، وإنما أجرى الله العادة أن يخلق الفعل عندها لا بها. ويصح أن توجد النار ولا يخلق الله تعالى الإحراق وكذلك جميع الأسباب العادية لا تأثير لها[1].

صفحة 27

 

وأما الحكم العقلي فيفهم من مجرد العقل من غير تكرار ولا وضع واضع. والعقل سر روحاني تدرك به النفس العلوم الضرورية والنظرية، ومحله القلب ونوره في الدماغ، وابتداؤه من حين نفخ الروح في الجنين وأول كماله البلوغ.

وهو ينحصر في ثلاثة أقسام:

الأول الوجوب: وهو في اللغة الثبوت، وفي الاصطلاح عدم قبول الانتفاء في العقل.

الثاني الاستحالة : في اللغة الامتناع، وفي الاصطلاح انتفاء قبول الثبوت في العقل.

الثالث الجواز : في اللغة العبور، وفي الاصطلاح قبول الثبوت والانتفاء في العقل.

وعلى هذا فالواجب هو ما لا يتصور في العقل عدمه، مثل الذات الإلهية وصفات المعاني والمعنوية والنفسية والسلبية فكلها ثابتة لله تعالى لا يصح نفيها عنه. وينقسم الواجب إلى قديم وحادث، فالقديم كالواجبات لله تعالى، والحادث كالتحيز للجرم، بأن تأخذ ذاته قدرا من الفراغ أو الخلاء، وكذلك من الواجب المحدث قبول الجرم للأعراض، فإن هذا مقيد بوجود الجرم إن انعدم الجرم انعدم، وأما الواجب القديم فلا يرتبط بغيره، لذلك فهو لا يتغير.

صفحة 28

ثم إن الواجب له مرتبتان من حيث وضوحه في العقل؛ الأولى الضروري وهو الذي لا يحتاج إلى جهد وتعب لإدراكه كثبوت التحيز للجرم وكون الواحد نصف الإثنين. الثانية النظري[2] كثبوت الواجبات لله، وكالواحد أنه نصف سدس الاثني عشر.

والمستحيل ما لا يتصور في العقل وجوده، فلا يصح في العقل ثبوته.

ولذا فإن الصفات النفسية والمعنوية والسلبية كلها ثابتة لله تعالى وإن كانت في نفسها عدمية، وهي واجبة لله تعالى.

وللمستحيل مرتبتان الأولى الضروري مثل عزل الجرم عن الحركة والسكون معا، والثانية النظري كشريك الله وسائر المستحيلات على الله تعالى.

والجائز ما يصح في العقل وجوده وعدمه. مثل ذات الحوادث وصفاتها الحادثة من المعاني والمعنوية والنفسية والسلبية، فإنها كلها يصح ثبوتها ويصح نفيها، فيكون الحد شاملا لها كلها.

وله مرتبتان:

الأولى: الضروري كاتصاف الجرم بالحركة أو السكون فقط.

الثانية: النظري ومثاله تعذيب المطيع الذي لم يعص الله تعالى قط وإثابة العاصي فإنه جائز في حقه لكنه نظري، وهذا باعتبار العقل وأما الشرع فأخبر أن الطائع له الثواب والعاصي له العقاب.

  1. [1] الحكم العادي وهو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه بواسطة التكرار وينحصر في أربعة أقسام؛ الأول:ربط وجود بوجود كربط الشبع بوجود الأكل. والثاني ربط عدم بعدم كربط عدم الشبع بعدم الأكل. والثالث: ربط وجود بعدم كربط وجود البرد بعدم الستر. والرابع: ربط عدم بوجود كربط عدم الإحراق بوجود الماء. (ج)

    وقد صرّح العلماء بأن العادة تفيد القطع، وبيان ذلك بتوقف على مطلبين، الأول: ما هو مفهوم القطع هنا، والثاني: جهة الاستفادة، فالقطع العادي بسيط بمعنى أنه من جهة واحدة إما الإثبات أو النفي، ومأخذه التكرار والتجربة كما ذكر، وأما القطع العقلي فهو من جهتين لأنه يستلزم ثبوت الشيء وامتناع سواه، فلو حكمت على شيء بالوجوب العقلي فهذا يستلزم نفي ما عداه في نفس الامر بخلاف القطع العادي المستلزم ثبوت الشيء في الخارج (س).  

  2. [2] النظري هو الذي لا يدركه العقل إلا بعد التأمل والنظر، مثاله تعذيب المطيع الذي لم يعص الله تعالى في عمره أصلا، فإن تعذيبه جائز يقبل العقل وجوده بأن يدخله الله جهنم ويقبل عدمه بأن يدخله الله الجنة، ولكنه لا يقبله العقل حتى يتأمل ويعلم أن الله سبحانه وتعالى لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية وأن الظلم في حقه تعالى محال لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير بلا إذن، ومولانا سبحانه هو المالك لجميع الخلق يعذب من يشاء. فإذا تأمل العقل في ذلك علم أن تعذيب المطيع جائز يصح وجوده ويصح عدمه.(ط)
تعريف الحكم وأقسامه
 
Top