باب في كيفية اندراج معاني العقائد المتقدمة في الشهادتين

صفحة 115

باب في كيفية اندراج معاني العقائد المتقدمة في الشهادتين
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله

وهذا الباب من استوعبه حصل لديه الفهم بعقائد الإيمان تفصيلا وإجمالا.

قول لا إله إلا الله محمد رسول الله يجمع معاني هذه العقائد المتقدمة كلها، فمعنى هذا القول هو الجامع لمعنى العقائد،ولا بد من فهم لا إله إلا الله محمد رسول الله، لأن من لم يفهم معناها لم ينتفع بها، والمراد بمعناها اعتقاد الوحدانية لله واعتقاد الرسالة لرسوله بأن يعتقد أن الله واحد لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله.

ويلزم من كلمة التوحيد ثبوت معنى الألوهية لله وحده ونفيه عن كل ما عداه، والمنفي كل فرد من أفراد حقيقة إله، غير مولانا جل وعز، والمثبت من تلك الحقيقة فرد واحد وهو مولانا عز وجل،فلا يمكن أن توجد تلك الحقيقة لغيره لا عقلا ولا شرعا[1] لأنه دل النقل والعقل أن الإله الحق هو الله وحده الواجب الوجود، المستحق جميع العبادة وعبادة غيره باطلة وكفر. وها نحن نذكر كيفية جمع الكلمة لجميع العقائد.

معنى الألوهية[2] استغناء الإله عن كل ما سواه وافتقار كل ما عداه إليه.وهذا معنى الألوهية استلزاما ولا شك أن الاستغناء والافتقار يستلزمان جميع العقائد كما يأتي بيانه.

صفحة 116

وأما معنى الألوهية مطابقة فهو عبارة عن وجوب الوجود واستحقاق العبادة[3].

ومعنى الإله كلي انحصر بالأدلة النقلية والعقلية في فرد واحد ولا شك أن هذا المعنى خاص بالله تعالى. فيكون لا إله إلا الله لا مستغني عن كل ما سواه ومفتقرا إليه كل ما عداه إلا الله تعالى، أو هو لا إله “واجب الوجود” ومستحق للعبادة إلا الله تعالى إذ هو الإله الواجب الوجود المستحق للعبادة.

أما العقائد التي تندرج تحت الاستغناء فهي غناه الذاتي الأبدي جل وعز عن كل ما سواه فاستغناؤه يوجب له تعالى الوجود  لأنه لو كان جائز الوجود لافتقر إلى محدث والافتقار ينافي الاستغناء. ونفي الاستغناء عن الله تعالى محال لثبوته له عقلا ونقلا قال الله تعالى (والله هو الغني الحميد)فاطر:15، وأما العقل فهو برهان القيام بالنفس.

ملاحظة: معنى جل هو تنزه عن كل نقص، ومعنى عزَّ هو انفرد بكل كمال.

واستغناؤه تعالى يوجب له القدم، أي انتفاء العدم السابق للوجود لأنه لو لم يكن قديما لكان حادثا، ولو كان حادثا لافتقر إلى محدث، وينتفي عنه الغنى، ونفي الغنى عن الله تعالى محال لثبوته له عقلا ونقلا.

صفحة 117

واستغناؤه يوجب له تعالى البقاء وهو عبارة عن انتفاء العدم اللاحق للوجود لأنه لو أمكن أن يلحقه العدم لكان جائز الوجود والجائز لا يكون وجوده إلا حادثا، فيفتقر إلى محدث وينتفي عنه الغنى، ونفي الغنى عن الله تعالى محال لثبوته له عقلا ونقلا.

واستغناؤه يوجب له تعالى المخالفة للحوادث أي عدم المماثلة للحوادث في الذات والصفات والأفعال، لأنه لو ماثل شيئا منهما لكان حادثا مثلها فيفتقر إلى محدث والافتقار ينافي الاستغناء ونفي الاستغناء عن الله تعالى محال لثبوته له عقلا ونقلا.

واستغناؤه يوجب له تعالى القيام بالنفس الذي هو الاستغناء عن المحل والمخصص لأنه لو افتقر إلى محل أو مخصص لم يكن غنيا ونفي الغنى عن الله تعالى محال لثبوته له عقلا ونقلا. لا يقال القيام بالنفس هو الاستغناء، فكيف يستدل على الشيء بنفسه؟ لأنا نقول القيام بالنفس خاص بالاستغناء عن المحل والمخصص فقط، والاستغناء عن كل ما سواه أعم، والاستدلال بالأعم على الأخص صحيح.

واستغناؤه يوجب له تعالى التنزه عن النقائص وهي الخصال الدنيئة، لأنه لو لم يكن منزها عنها،لاتصف بها، فيحتاج إلى من يدفع عنه النقائص، والاحتياج ينافي الاستغناء ونفي الاستغناء عن الله محال لثبوته له عقلا ونقلا. ويدخل في وجوب التنزه عن النقائص وجوب السمع له تعالى والبصر والكلام، ووجوب كونه سميعا وبصيرا ومتكلما لأن وجود المعاني يستلزم وجود المعنوية.

لاحظ أن ما يندرج من الصفات الواجبة تحت الاستغناء إحدى عشرة صفة، واحدة نفسية وهي الوجود، وأربعة سلبية وهي القدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس، وثلاثة معاني وهي السمع والبصر والكلام، وثلاثة معنوية وهي كونه سميعا وبصيرا ومتكلما، وإذا ثبتت هذه الصفات انتفت أضدادها وهي إحدى عشرة أيضا، إذ لو لم تجب له هذه الصفات الإحدى عشرة وانتفت أضدادها لكان محتاجا إلى المحدث وهذا استدلال على وجوب الوجود والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث وأحد

صفحة 118

جزأي معنى القيام بالنفس الذي هو الاستغناء عن المخصص يعني لو انتفت هذه الصفات لكان محتاجا إلى المحدث، واحتياجه تعالى محال لثبوت الغنى له تعالى عقلا ونقلا. أو لكان محتاجا إلى المحل وهذا استدلال على وجوب الجزء الثاني من معنى القيام بالنفس وهو الاستغناء عن المحل، فلو لم يكن مستغنيا عن المحل لكان محتاجا له والاحتياج ينافي الاستغناء، ونفي الاستغناء عنه تعالى محال، لوجوبه عقلا ونقلا. أو لكان محتاجا إلى من يدفع عنه النقائص، وهذا استدلال على وجوب التنزه عن النقائص ومن جملة النقائص أضداد السمع والبصر والكلام، لأنه لو لم يكن منزها عن النقائص لكان محتاجا إلى من يدفع عنه النقائص والاحتياج ينافي الاستغناء ونفي الاستغناء عن الله تعالى محال لثبوته له عقلا ونقلا.

ويؤخذ من وجوب استغنائه جل وعز عن كل ما سواه تنزهه تعالى عن الأغراض في أفعاله وأحكامه والأغراض جمع غرض وهي البواعث لمراعاة المصالح ودفع المفاسد[4] وأفعال الله نحو الإيجاد والإعدام والإعزاز والإفقار والإحياء والإماتة، وأحكامه هي الأحكام الشرعية الخمسة، وإن جاز عدم تنزهه عن الأغراض في أفعاله وأحكامه لزم افتقاره إلى ما يحصل غرضه، لأننا نشاهد أن كل من له غرض في شيء يحتاج إلى ما يحصل به غرضه لكن افتقاره تعالى إلى ذلك ينافي الاستغناء، والاستغناء ثبت له تعالى عقلا ونقلا، كيف يتصور افتقاره وهو جل وعز الغني عن كل ما سواه.

ويؤخذ من استغنائه تعالى أنه لا يجب عليه تعالى فعل شيء من الممكنات إيجادا وإعداما[5] ولا تركه أي عدم فعله. إذ لو وجب عليه تعالى فعل شيء منها كالثواب

صفحة 119

والصلاح والأصلح وبعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام لكان جل وعز مفتقرا إلى ذلك الشيء ليكتمل به، إذ لا يجب في حقه تعالى إلا ما هو كمال له لكن احتياجه محال، كيف وهو الغني عن كل ما سواه، وإذا بطل وجوب شيء عليه وجب أن فعل الممكنات أو تركها وجائز في حقه تعالى وهو المطلوب.

وما مر كان عبارة عن بيان ما يندرج من العقائد تحت الاستغناء، وأما افتقار كل ما سواه إليه فهو يوجب له تعالى عقلا الحياة أي كونه حيا، إذ لو لم يتصف بالحياة لما افتقر إليه شيء لأن الميت لا يوجد شيئا ولا يفتقر إليه شيء، ونفي الافتقار إليه تعالى محال لثبوته له عقلا ونقلا، أما النقل فقوله تعالى(يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله)فاطر:15، وأما العقل فبرهان الوحدانية لأنه دل على أنه لا إله غيره.

وافتقار كل ما سواه إليه يوجب له تعالى عموم تعلق القدرة وعموم تعلقها بجميع الممكنات فلو لم تكن له قدرة عامة التعلق لاتصف بالعجز ولو كان عاجزا لما افتقر إليه كل ما سواه.

وافتقار كل ما سواه إليه يوجب له الإرادة وعموم تعلقها بجميع الممكنات إذ لو لم تكن له إرادة عامة التعلق لاتصف بالكراهة ولو كان كارها لما افتقر إليه شيء ونفي الافتقار إليه تعالى لثبوته عقلا ونقلا.

وافتقار كل ما سواه إليه يوجب له تعالى العلم وعموم تعلقه بجميع المعلومات،لأنه لو اتصف بالجهل لما افتقر إليه شيء ونفي الافتقار إليه تعالى محال لثبوته له عقلا ونقلا. وثبوت هذه الصفات يستلزم المعنوية وهي كونه قادرا وكونه مريدا وكونه عالما.

صفحة 120

ولو انتفى شيء من هذه الصفات أو مطلب من مطالبها وأحرى لو انتفى جميعها لما أمكن أن يوجد شيء من الحوادث، والعلة في ذلك استحالة وجود المتوقِّف بدون المتوقَّف عليه، فلا يفتقر إليه شيء، لأن علة الافتقار الإمكان والحدوث فلو انتفى شيء منها لما افتقر إليه شيء، كيف يتصور نفي الافتقار إليه تعالى وهو عز وجل يفتقر إليه كل ما سواه ابتداء بالإيجاد ودواما بالإمداد.

وافتقار كل ما سواه إليه جل وعلا يوجب له تعالى الوحدانية في الألوهية إذ لو كان معه ثان في الألوهية لما افتقر إليه شيء للزوم عجزهما حينئذ أي حين فرض وجودهما معا ويثبت العجز لهما سواء اتفقا أو اختلفا أو اقتسما، لكن كونه لا يفتقر إليه شيء باطل لما سبق من وجوب افتقار كل ما سواه إليه، كيف وهو جل وعلا الذي يفتقر إليه كل ما سواه ابتداء ودواما.

ويؤخذ من افتقار كل ما سواه إليه حدوث العالم بأسره، إذ لو كان شيء منه قديما لكان ذلك الشيء واجب الوجود ويكون مستغنيا عنه تعالى لوجوده وحصوله وتحصيل الحاصل محال، إذ كونه تعالى لا يقبل العدم سابقا ولا لاحقا دليل على عدم افتقاره إلى مخصص، فيكون غنيا عنه تعالى، وهذا محال،لأنه لو استغنى البعض لاستغنى الكل للتماثل وغنى كل الممكنات عنه تعالى محال، لوجوب افتقار كل ما سواه إليه، كيف يتصور عقلا غنى شيء عنه تعالى وهو جل وعلا الذي يجب عقلا أن يحتاج إليه كل ما سواه بدليل العقل والنقل.

ملاحظة: اعلم أن من قال بقدم شيء من العالم أو ببقائه -أي بالذات- أو شك في ذلك كان كافرا بالإجماع.

ويؤخذ من افتقار كل ما سواه إليه جل وعلا أنه لا تأثير لإيجاد ولا إعدام لشيء من الكائنات في أثر ما ولو قلَّ[6]،  فلا تأثير للنار في الإحراق ولا للطعام في الشبع ولا

صفحة 121
للماء في الري ولا لغيره في سبب من الأسباب العادية وغيرها. فلو كان لشيء من الأسباب العادية وغيرها تأثير ما لزم أن يستغني ذلك الأثر عن مولانا جل وعز، ويفتقر لمن أثر فيه وذلك محال لأنه لو استغنى البعض لاستغنى الكل عن مولانا جل وعز، وذلك ينافي الافتقار إليه تعالى، ونفي الافتقار إليه تعالى محال لثبوته له عقلا ونقلا. كيف يتصور الاستغناء وهو جل وعلا يفتقر إليه كل ما سواه عموما في جميع الذوات وعلى كل حال[7] في جميع الصفات سواء كانت أجراما أو أعراضا أم غيرهما إن قدر

صفحة 122

أن في العالم ما ليس بجرم ولا عرض كما يزعمه الفلاسفة، وعلى كل حال ابتداء ودواما.

ملاحظة:إن قدرتَ أن شيئا من الكائنات يؤثر بطبعه أي يحققه بذاته فإن بطلان هذا إنما يؤخذ من الافتقار. وأما إن قدرته مؤثرا بقوة جعلها الله تعالى فيه فإنما يؤخذ بطلان هذا من الاستغناء. وقد تبع كثير من جملة المؤمنين الفلاسفةَ في هذا الاعتقاد.

ملاحظة: إن من اعتقد أن تلك الأسباب تؤثر في ما قارنها بطبع أو علة فلا خلاف في كفره، ومن اعتقد أنها تؤثر بقوة جعلها الله فيها فهو فاسق مبتدع وفي كفره قولان والراجح أنه فاسق ومبتدع، وأما من اعتقد أنها لا تؤثر بطبعها ولا بقوة أودعها الله فيها وزعم أن التلازم بينها وبين ما قارنها أمر عقلي ولا يصح فيه التخلف، فهو جاهل بحقيقة الحكم العادي وربما جره جهله إلى الكفر، وذلك إذا أنكر نحو معجزات الأنبياء والبعث لأنها كلها على خلاف العادة، وأما من اعتقد أنها لا تؤثر بطبعها ولا بقوة جعلها الله فيها، وزعم أن التلازم بينها وبين مسبباتها  أمر عادي يصح فيه التخلف، فهذا هو المؤمن المحقق الإيمان، الذي ينجو بفضل الله تعالى من مهالك الدنيا والآخرة.

ملاحظة: تأثير شيء من الكائنات بقوة جعلها الله تعالى فيه ممتنع عقلا، لأنه يصير حينئذ مولانا محتاجا في إيجاد بعض الأفعال إلى واسطة تلك القوة، وهذا باطل لما عرف

صفحة 123

من وجوب استغنائه جل وعز عن كل ما سواه. ويلزم عليه أن إرادته وقدرته قد طرأ عليهما التخصيص لخروج شيء من تعلقاتهما، وهو يستلزم النقص، وهو محال.

وبهذا يكون قد بان لك تضمن كلمة “لا إله إلا الله” للأقسام الثلاثة التي يجب على المكلف معرفتها باعتقادها بالدليل وربط القلب بها، وهي الأقسام التي في حق مولانا عز وجل ما يجب وما يستحيل وما يجوز.

وأما كلمة “محمد رسول الله” فقد حان بيان ما تتضمنه من عقائد.

فقولنا “محمد رسول الله” يدخل فيه التصديق بجميع الأنبياء، أي التصديق بوجودهم وأنهم من عباد الله أكرمهم الله تعالى بهذه الرتبة التي لا يصل إليه أحد غيرهم، وأنهم معصومون من الصغائر والكبائر كما تقدم، أولهم السيد آدم وآخرهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبه ختم الله النبوة كما قال تعالى (وخاتم النبيين)الأحزاب:40، عليهم الصلاة والسلام[8]، ويجب تعظيمهم وتوقيرهم وأن من استخف بأحد منهم قتل كفرا إن لم يتب إجماعا، وحدَّا إن تاب عند المالكية.

ويجب الإيمان تفصيلا بمن اشتهر منهم اسمه بالكتاب والسنة[9] كمحمد وإبراهيم وموسى وعيسى وأيوب ويعقوب ويوسف وغيرهم، وإجمالا لمن لم يشتهر بأن تعتقد أن كل ما في علم الله من نبي فهو حق، واختلف هل يُعْلَمُ عدد الأنبياء والرسل أم لا، فقيل لا يعلم عددهم لقوله تعالى(منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك)غافر:78، وقيل يعلم عدد الأنبياء والرسل لما في بعض الروايات من حديث أبي ذر قال قلت يا رسول الله كم عدد الأنبياء والرسل،قال:”مائة ألف نبي وأربعة عشر ألفا” قلت: يا

صفحة 124

رسول الله كم الرسل منهم قال ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير[10]، وأولو العزم[11] منهم خمسة على ما ذكره ابن عطية[12] وهم محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلاة الله عليهم وسلامه عليهم أجمعين، وزاد الكشاف خمسة وهم يعقوب وإسحاق ويوسف وداود وأيوب[13].

ملاحظة: الصحيح أن الذبيح هو إسماعيل وهذا هو ما عليه الشافعي وكثير من العلماء، وقد قال بعض العلماء نظما

إن الذبيح هُدِيتَ إسماعيل…نطق الكتاب بذاك والتنزيل

شرف به خَص الإله نبيَّنا…وآبانه التفســير والتأويل[14]

صفحة 125

ويدخل في قولنا محمد رسول الله، الإيمان بسائر الملائكة ومعنى الإيمان بهم التصديق بوجودهم وأنهم مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون[15] وأنهم سفراء بين الله وبين خلقه متصرفون فيهم كما أذن لهم، صادقون فيما أخبروا به، وأنهم بالغون من الكثرة ما لا يعلمه إلا الله، قال تعالى(وما يعلم جنود ربك إلا هو)المدثر:31، وقال صلى الله عليه وسلم:”أطَّت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله”[16]

صفحة 126

ملاحظة: قوله أطّت بفتح الهمزة أي صوتت وحنت من ثقل ما عليها من ازدحام الملائكة، وقال بعضهم هذا ضرب مثل وإعلام بكثرة الملائكة وإن لم يكن ثَمَّ أطيط حقيقة. قال بعض المحققين والأول أولى لأنه جائز أن يخلق الله إدراكا وصوتا فيها.

ويجب الإيمان بهم تفصيلا في من اشتهر وعلم من الكتاب والسنة كجبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت[17] ومالك ورضوان ومنكر ونكير ورقيب وعتيد. جبريل صاحب الوحي للأنبياء وإسرافيل موكل بالروح والنفخ في الصور وميكائيل موكل بالأرزاق والأمطار والبحار وملك الموت موكل بقبض الأرواح، ورقيب كاتب الحسنات وعتيد كاتب السيئات ورضوان خازن الجنان ومالك خازن النيران ومنكر ونكير موكلان بسؤال الأموات وما عدا هؤلاء يجب الإيمان بهم إجمالا، بأن يعتقد المكلف أن كل ما في علم الله من ملك فهو حق.

وسابُّ الملائكة كسابِّ الأنبياء، يقتل سابُّهم.

ويدخل في قولنا محمد رسول الله، الإيمان بالكتب السماوية ومعنى الإيمان بها التصديق بها، ونعتقد أنها كلام الله، أي دالة على كلامه القديم القائم بذاته، وأن ما فيها فهو حق وصدق أنزلها على بعض رسله.ويجب تفصيلا معرفة أربعة وهي: القرآن

صفحة 127

أنزل على نبينا محمد، والتوراة على النبي موسى، والإنجيل على النبي عيسى، والزبور على النبي داود، وما عدا هؤلاء الأربعة يعتقدها على الجملة، ولا يعلم عددها إلا الله تعالى.

ملاحظة: قال بعض العلماء جملتها مائة كتاب، خمسون على شيث، وثلاثون على إدريس وعشرة على إبراهيم وعشرة على موسى قبل التوراة. والتحقيق الإمساك عن حصرها في عددٍ للاختلاف فيه، فالواجب على المكلف الاعتقاد أن الله أنزل كتبا من السماء على الإجمال إلا الكتب الأربعة فالواجب عليه معرفتها والإيمان بها تفصيلا.

ملاحظة:سميت بالكتب السماوية لأن جبريل أتى بها من جهة السماء والله سبحانه يستحيل عليه الجهات.

ويدخل في قولنا محمد رسول الله الإيمان باليوم الآخر أي التصديق به وبما اشتمل عليه من البعث لعين هذه الأجساد لا لمثلها قال تعالى (كما بدأنا أول الخلق نعيده وعدا علينا)الأنبياء:104، ومن جملة ما اشتمل عليه الحشر وهو سوق الناس إلى المحشر وهو موضع الوقوف كل واحد يساق على حسب عمله في الدنيا، والشفاعة يتنصل منها كل أحد إلا سيد البشر عليه الصلاة والسلام ويقول أنا لها أنا لها أمتي أمتي[18]  ويشفع في فصل القضاء وهي الشفاعة العظمى. والميزان والجمهور على أن

صفحة 128
الموزون هو صحائف الأعمال وأن الميزان واحد. وإعطاء كتب الحسنات والسيئات والحوض. والصراط فيمرون عليه[19].

صفحة 129

وغير ذلك مما هو مفصل في الكتاب والسنة وتآليف العلماء[20].

وكل ما مضى يدخل تحت قولنا محمد رسول الله لأنه عليه الصلاة والسلام جاء مرسلا من الله بتصديق معاني ذلك كله، فهو إذن حق، وجاء أيضا بتكليفنا بتصديق كل هذا، فمن لم يصدق بواحد مما ذكر لم يكن مؤمنا لأن الإيمان ستة الإيمان بالله والإيمان بالأنبياء والإيمان بالملائكة والإيمان بالكتب السماوية والإيمان باليوم الآخر

صفحة 130

والإيمان بالقدر[21] بأن يعتقد أن كل ما وقع من خير أو شر إنما هو بإرادة الله وقدرته كما تعلق به علمه قبل وجوده.

ويؤخذ من قولنا محمد رسول الله، وجوب صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام، أي مطابقة خبرهم للواقع وإضافة الرسول إلى الله تقتضي وجوب صدقه، ويؤخذ أيضا استحالة الكذب عليهم. وذلك لأن الإيمان بالرسالة الواجبة بشهادة ما لا يحصى من المعجزات توجب شرعا الإيمان برسالتهم لأنه جاء بتصديقهم، وإن لم يصدقوا، لم يكونوا رسلا أمناء لمولانا العالم بالخفيات[22].

ويؤخذ من قولنا محمد رسول الله استحالة فعل المنهيات كلها سواء نهي تحريم أو كراهة، وذلك محال على الأنبياء كلهم. لأنهم أرسلوا ليعلموا الخلق المبعوثين إليهم بأقوالهم وأفعالهم وسكوتهم فإن فعل أحد من الناس فعلا وعلم به الرسول أو بلغه وسكت عنه وأقره عليه ولم ينكر على الفاعل فنستدل على جوازه بسكوته، فنفعله وإن كان من جنس العبادات فمطلوب إما وجوبا أو ندبا، وإن كان من جنس العادات فمباح، لأنهم عليهم الصلاة والسلام لم يقروا أحدا على باطل. فيلزم أن لا يكون في

صفحة 131

جميعها مخالفة لأمر مولانا جل وعز الذي اختارهم على جميع خلقه، واختياره لهم يستلزم وصفهم بالصدق والأمانة وهو تعالى أمَّنهم على خبر وحيه.

ملاحظة:يؤخذ مما ذكرنا من اختيار الله للأنبياء على جميع الخلق تفضيلهم على الملائكة وهو قول الجمهور، وذهب المعتزلة وبعض أهل السنة إلى تفضيل الملائكة على الأنبياء، وهذا الخلاف واقع في غير محمد، وأما هو صلى الله عليه وسلم، فلا خلاف  في أنه أفضل من جميع الخلق على الإطلاق، ونقل الأئمة عليه الإجماع.

ملاحظة:ذهب الزمخشري إلى تفضيل جبريل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولذا قال بعض المغاربة:جهل الزمخشري مذهبه، لأن المعتزلة يقولون أنه صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء ومن جميع الملائكة.

ويؤخذ من قولنا محمد رسول الله جواز الأعراض البشرية عليهم صلاة الله وسلامه عليهم، لأننا أضفنا لنبينا محمد الرسالة وليس الألوهية حتى يلزم استحالة الأعراض البشرية في حقه، والعرض البشري لا ينقص في رسالتهم ونبوتهم وعلو منزلتهم عند الله تعالى بل ذاك مما يزيد فيها بصبرهم عليها.

وبهذا يكون قد بان لك تضمن كلمتي الشهادة مع قلة حروفها لجميع ما يجب على المكلف معرفته من عقائد الإيمان في حقه تعالى وفي حق رسله عليهم الصلاة والسلام ولعلها لاختصارها مع اشتمالها على ما ذكرناه جعلها الشرع ترجمة على ما في القلب من الإيمان.

  1. [1] يجب على المكلف أن يلاحظ عدم إمكان ثبوت معنى الألوهية لغير الله تعالى، لا مجرد ثبوته له تعالى.(س)
  2. [2] لما كان الإمام السنوسي قد اختار المعنى المذكور أعلاه للألوهية، اعترض عليه البعض بأن معنى الألوهية المشهور هو كون الإله معبودا بحق، ويلزم من ذلك استغناؤه عن كل ما سواه، وإذا كان معنى الإله ما ذكر كان معنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله، ويلزم من ذلك أنه لا مستغني عن كل ما سواه إلا الله، فالمصنف اختار التفسير باللازم لأن اندراج معاني العقائد المذكورة فيها أظهر منه في المعنى المطابقي، وبذلك يندفع ما ادعاه بعض الفرق الضالة من أن المصنف لم يعرف معنى الكلمة وإلا لما فسرها بما ذكر.(س) عن البيجوري بتصرف.

    واعلم أن معنى الألوهية مطابقة ليس هو كما ذكره البيجوري فيما نقلناه عنه آنفا، بل كما ذكرناه في التهذيب أعلاه، من أن معناها مطابقة هو وجوب الوجود، لأن الله تعالى إله حتى قبل أن يعبده أحد من خلقه، فكونه معبودا بحق أو غير ذلك، هذا المعنى لازم لكونه واجبا للوجود وما يلزم عن هذا المعنى من احتياج كل أحد إليه تعالى، ولما يلزم منه أن كل ما سواه فهو ممكن الوجود. وعلى هذا المعنى يكون تفسير كلمة التوحيد “لا واجب للوجود إلا اللــه تعالى”، وهذا المعنى يلزم عنه جميع العقائد لزوما بينا.(س)

  3. [3] لا حظ أن استحقاق العبادة إنما يكون لازما عن كونه تعالى واجب الوجود، فكونه واجب الوجود هو الأصل، وكونه مستحقا للعبادة هو الفرع.(س)
  4. [4] سواء فرضت المصلحة لله تعالى وتنزه، أو فرضت للمخلوقات، فوجود الباعث على ذلك مستحيل في حق الله. وإنما مصلحة العباد تنشأ عن أمره تعالى ونهيه.(س)
  5. [5] شأن الواجب أن يحصل الكمال بفعله، كالصلوات الخمس فإنها واجبة على الإنسان فإذا فعلها صار متكملا بها فهو مفتقر إليها.(ط) ومن هذا تعلم لماذا نفى أهل السنة أن يكون ثم واجب على الله تعالى.(س)
  6. [6] الناس في هذه المسألة وهي مسألة التأثير أربعة فرق:

    الأولى:تعتقد أن النار أو السكين مثلا تؤثر بطبعها وذاتها وهذه الفرقة لا نزاع في كفرها.

    والثانية: تعتقد أن النار أو السكين مثلا تؤثر بقوة جعلها الله فيها، وهذه الفرقة اختلف في كفرها والأصح عدم الكفر كما قيل في المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية بقدرة أودعها الله فيه.

    الثالثة: تعتقد أن التأثير ليس إلا لله تعالى لكن تعتقد التلازم بين النار أو السكين مثلا وبين آثارها عقليا، وهذه الفرقة ليست كافرة لكن ربما جرها ذلك الاعتقاد إلى الكفر، لأنه قد يؤديها إلى إنكار الأمور الخارقة للعادة كمعجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكبعث الأجساد.

    والرابعة: تعتقد أن التأثير ليس إلا لله تعالى، وتعتقد إمكان التخلف بين النار أو السكين مثلا وبين آثارها، وهذه الفرقة هي الناجية إن شاء الله تعالى.

    فالاعتقاد الصحيح أن لا تأثير لشيء من هذه الأمور مع إمكان التخلف، فقد توجد النار ولا يوجد الإحراق كما وقع لسيدنا إبراهيم حين رمي بالمنجنيق وحفظه الله تعالى منها، وفد نزل له جبريل في تلك الحالة، وقال: ألك حاجة قال أما لك فلا، فأمره بالدعاء لله تعالى، فقال : علمه بحالي يغني عن سؤالي، وهذا إنما كان عند غلبة الحقيقة عليه، فلا ينافي مشروعية الدعاء كما في مواضع كثيرة من الكتاب أو السنة، وتوضيح ذلك أن من اصطفاه الله تعالى قد تغلب عليه الحقيقة فيكتفي بعلمه تعالى عن الدعاء وغيره، وقد تغلب عليه الشريعة فيدعوه تعالى، وقد توجد السكين ولا يوجد القطع كما في قصة إسماعيل بناء على أن أباه أمرَّ بالسكين على مذبحه، والصحيح أنه لم يقع منه إلا الهم على ذلك. (ج) بتصرف يسير.

  7. [7] وعلى كل حال أي في حالتي الوجود والعدم، فالممكن يفتقر إليه تعالى في الحالتين، أما في حالة العدم فلأنه يحتاج إليه تعالى في إيجاده، وأما في حالة الوجود فلأنا إن قلنا إن العرض لا يبقى زمانين افتقر الممكن إليه تعالى في إمداد ذاته بالأعراض التي لولا تعاقبها عليها لانعدمت، وإن قلنا بأن العرض يبقى زمانين فأكثر وهو الراجح، افتقر الممكن إليه تعالى أيضا في دوام وجوده بناء على المختار من أن منشأ افتقار الممكن الإمكان، أي استواء نسبتي الوجود والعدم إليه بالنظر لذاته، لأن هذا الوصف لا يفارقه فيكون مفتقرا إليه تعالى في كل لحظة في ترجيح وجوده على عدمه، وأما على مقابله من أن منشأ افتقاره الحدوث أي الوجود بعد العدم فلا يفتقر إليه تعالى من دوام وجوده ضرورة أن هذا الوصف أعني الوجود بعد عدم قد حصل، فلو احتاج إليه بعد حصوله لزم تحصيل الحاصل”.(ج) واعلم أن القول بأن علة الافتقار هي الحدوث ضعيف جدا، إذا قصد منه أن علة افتقار الشيء في ذاته هي حدوثه، لأن الحدوث زائد عن الشيء في ذاته، ويمتنع أن يكون هذا علة لافتقار الشيء في ذاته، وإنما الصحيح هنا أن يقال إن علة افتقار الشيء في ذاته هي إمكانه الذاتي. وقد خطر لي تخريج لقول من قال إن علة الافتقار هي الحدوث، أي بمعنى أن علة معرفتنا أن الشيء مفتقرا هي معرفتنا بأنه حادث. وبهذا التخريج يكون قولهم قويا جدا، ولا يتعارض مع من قال إن علة افتقار الشيء في ذاته هو الإمكان،كما ترى.فتأمل(س)
  8. [8] إن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم نسخت كل الشرائع التي قبلها وذلك بصريح الآية “ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين” وهذه الآية لا تقبل التأويل. فيجب اعتقاد ذلك إذن. فائدة جليلة: خير القرون قرن الصحابة وهو مائة وعشرون سنة مبدؤها البعثة، ثم التابعين، وقرن التابعين سبعون سنة الذي انفرد فيه عن الصحابة، وتابعي التابعين وقرنهم ثلاثون سنة.(ص)
  9. [9] ذكر في القرآن أسماء خمسة وعشرين نبيا، فمن أنكر واحدا منهم بعد معرفته كفر.(ص)
  10. [10] رواه البيهقي في سننه الكبرى عن أبي ذر قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فذكر الحديث إلى أن قال فقلت يا رسول الله كم النبيون قال مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي قلت كم المرسلون منهم قال ثلاثمائة وثلاثة عشر تفرد به يحيى بن سعيد السعيدي.

    ورواه الحاكم في المستدرك.(س)

  11. [11] روى البيهقي في سننه عن أبي العالية فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل نوح وهود وإبراهيم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصبر كما صبر هؤلاء فكانوا ثلاثة ورسول الله صلى الله عليه وسلم رابعهم قال نوح إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات بيات الله إلى آخرها فأظهر لهم المفارقة وقال هود حين قالوا إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء الآية فأظهر لهم المفارقة وقال إبراهيم قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم إلى آخر الآية فأظهر لهم المفارقة وقال محمد إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الكعبة يقرؤها على المشركين فأظهر لهم المفارقة.(س)
  12. [12] الذي قاله ابن عطية في تفسيره لسورة الأحقاف، عند قوله تعالى(فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل):”والمراد من حفظت له مع قومه شدة ومجاهدة كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم، هذا قول عطاء الخراساني وغيره. ثم حكى عن أبي القاسم الحكيم أنه قال:الرسل كلهم أولو عزم إلا يونس عليه السلام.اهـ، ولا شك أن التعيين ليس عليه دليل قطعي، ولكن التحقيق كما قاله ابن عطية في تفسيره أيضا(5/107):”ولا محالة أن لكل نبي ورسول عزما وصبرا”.اهـ وهذا هو ما يجب الركون إليه.(س)
  13. [13] اختلف العلماء في ثلاثة منهم أنهم من الأنبياء أو لا، وهم لقمان والعزيز وذو القرنين.(ص)
  14. [14] كان الشطر الثاني من البيت الثاني مطبوعاً هكذا “وآياته…” فنبهني على تصحيحها كما تراه شيخنا الفاضل أحمد الجمّال عندما أهديته نسخة عندما أهديته نسخة، فجزاه الله تعالى خيرا.(س).
  15. [15] لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولا ينافي ذلك ما ينقل عن هاروت وماروت لأنه إنما ينقله المؤرخون عن الإسرائيليات أي كتب اليهود والنصارى، ولم يصح فيه خبر كما قاله المفسرون، وما يذكره كذبة المؤرخين من أنهم عوقبا ومسخا كذب وزور لا يجوز اعتقاده، بل الذي يجب اعتقاده أن تعليمهما السحر لم يكن لأجل العمل به بل للتحذير منه، وليظهر الفرق بينه وبين المعجزة، فإنه قد وقع أن السحرة كثروا بسبب استراق السمع وتعليمهم إياهم، فظن الجهلة أن معجزات الأنبياء سحر، فأنزلهما الله تعالى ليعلما الناس كيفية السحر، ليظهر الفرق بينه وبينها، هذا كله بناء على أنهما كانا ملكين، وقيل إنهما كانا رجلين صالحين وسميا ملكين لصلاحهما.(ج) واعلم أن البعض قال إن الملائكة يجوز عليهم العصيان لله تعالى، واستندوا في قولهم هذا إلى أن إبليس من الملائكة، وهو قول ضعيف جدا بل باطل، لأنه يخالف نص الآية الكريمة(إلا إبليس كان من الجن ففسق) فهذا نص في أن إبليس لم يكن من الملائكة، بل كان من الجن، ونحن نعلم أن الجن هم جنس غير الملائكة ولا يندرجون تحتهم، ولا وجه لمن قال إن بعض الملائكة يقال له جنٌّ، لأن هذا لا دليل عليه، وهو خلاف الظاهر.فتنبه.(س)
  16. [16] روى الترمذي في الجامع الصحيح عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطَّتِ السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتكم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله لوددت أني كنت شجرة تعضد قال أبو عيسى وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس وأنس قال هذا حديث حسن غريب ويروى من غير هذا الوجه أن أبا ذر قال لوددت أني كنت شجرة تعضد.

    وروى الحاكم في المستدرك عن أبي ذر قال رضي الله تعالى عنه قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا حتى ختمها ثم قال إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدر أربع أصابع إلا ملك واضع جبهته ساجدا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى والله لوددت أني شجرة تعضد هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

    ورواه البيهقي في السنن الكبرى عن أبي ذر أيضا وفيه ما فيها قدر موضع أصبع إلا ملك، ورواه الإمام أحمد في المسند.(س)

  17. [17] يقال أن اسمه عزرائيل، وبعض الناس يقول لم يرد هذا الاسم، ولذا لا يجوز تسميته به، وبعضهم يقول بل ورد في بعض الأحاديث وهي وإن كانت ضعيفة إلا أن هذا الأمر يكفي فيه مثل هذا، ولا يترتب عليه ضرر.(س)
  18. [18] روى هذا الحديث كثير من حفاظ الأمة، منهم الإمام البخاري في صحيحه، قال: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد حدثنا معبد بن هلال العنزي قال اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك وذهبنا معنا بثابت البناني إليه يسأله لنا عن حديث الشفاعة فإذا هو في قصره فوافقناه يصلي الضحى فاستأذنا فأذن لنا وهو قاعد على فراشه فقلنا لثابت لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة فقال يا أبا حمزة هؤلاء إخوانك من أهل البصرة جاؤوك يسألونك عن حديث الشفاعة فقال حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم فيقولون اشفع لنا إلى ربك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيأتون موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته فيأتون عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيأتونني فأقول أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقول انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل فلما خرجنا من عند أنس قلت لبعض أصحابنا لو مررنا بالحسن وهو متوار في منزل أبي خليفة فحدثناه بما حدثنا أنس بن مالك فأتيناه فسلمنا عليه فأذن لنا فقلنا له يا أبا سعيد جئناك من عند أخيك أنس بن مالك فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة فقال هيه فحدثناه بالحديث فانتهى إلى هذا الموضع فقال هيه فقلنا لم يزد لنا على هذا فقال لقد حدثني وهو جميع منذ عشرين سنة فلا أدري أنسي أم كره أن تتكلوا قلنا يا أبا سعيد فحدثنا فضحك وقال خلق الإنسان عجولا ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم حدثني كما حدثكم به وقال ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخِرُّ له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله.

    ورواه النسائي في الكبرى عنه وعن ابن عباس وعن عبدالله بن عمرو وعن أبي هريرة، والحاكم عن ابن عباس،وكذا الطبراني في المعجم الكبير،والدارمي في سننه عن أنس بن مالك وكذا ابن حبان عنه،ومسلم عنه وعن أبي هريرة وعن عبدالله بن عمرو، ورواه كثير غيرهم.(س)

  19. [19] حتى الكفار على الأصح.(ج) وكل يمر عليه بحسب عمله في الدنيا لا حسب مهارته في المشي على الأمور الضيقة كما يتوهمه بعض الجهلة.(س) وصحح القرافي تبعا للعز أنه عريض وفيه طريقان يمنى ويسرى فأهل السعادة يسلك بهم ذات اليمين وأهل الشقاوة يسلك بهم ذات الشمال. قال بعضهم الأظهر أنه مختلف في الضيق والسعة باختلاف أحوال الناس كما أن المرور كذلك، والراجح أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف، وقدرة الله صالحة لمرورهم عليه مع كونه كذلك والله أعلم(ج).
  20. [20] أصول السمعيات أربعة الإيمان بسائر الرسل والملائكة والكتب السماوية واليوم الآخر، ومن السمعيات الواجب اعتقادها شرعا الإيمان بالقضاء والقدر وبسؤال القبر ونعيمه وعذابه وبالنشر والبعث والحشر والحساب وأخذ الصحف أي الكتب وبالميزان والصراط وحوض خير الرسل صلى الله عليه وسلم، وشفاعة نبينا المختار وغيره من مرتضى الأخيار، والجنة والنار ووجودهما وأنهما دار خلود للسعيد والشقي وأن من نعيم الجنان الحور العين والولدان وأن أعظم نعيمها وأجله رؤية الباري جل وعلا ومنها وجوب الإيمان بالحفظة والكتبة الكرام من الملائكة عليهم السلام وبملك الموت سيدنا عزرائيل عليه السلام وأنه الذي يقبض الأرواح قاطبة وبعموم الموت أي فناء كل العالم إلا ما ورد استثناؤه كالعرش والكرسي والقلم والجنة والنار وعجب الذنب وأجساد الأنبياء والشهداء عليهم الصلاة والسلام وبوجود إبليس اللعين عليه وعلى كل أتباعه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأنه أول من عصر وكفر، وحسد وكذب وتكبر، وبوجود الجن وهم نسل إبليس ومنهم الشياطين وفيهم المؤمن والكافر. ومما يجب الإيمان به أفضلية نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق وإسراؤه ومعراجه بجسده يقظة وأفضلية صحبه رضوان الله على سائر الأمة وبراءة زوجه عائشة رضي الله عنها مما رميت به من الإفك، ونزول سيدنا عيسى عليه السلام قرب الساعة وقتله الدجال ورفع القرآن وبقاء الأرواح وأن الموت بالأجل وأن الفسق لا يزيل الإيمان، ومما يجب الإيمان به أيضا حياة الأنبياء والشهداء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم عند ربهم يرزقون، وثبوت المعجزة والعصمة للأنبياء والرسل، والكرامة للأولياء رضي الله عنهم، ونفع الدعاء. فهذه عدة من السمعيات وهي أهمها وآكدها يجب على المكلف معرفتها والإيمان بها تفصيلا أو إجمالا كما مضى تفصيله في بيان معرفة الله عز وجل ومعرفة رسله عليهم السلام.(غ) بتصرف يسير.واعلم أن بعض ما ذكره المارغني هنا فيه خلاف يعلم من المطولات، والأمر فيه يسير خلافا لما يصوره بعض الجهلة.(س)
  21. [21] واختلفوا في تعريف القدر فقالت الأشاعرة: هو إيجاد الله للأشياء على طبق ما سبق به علمه وإرادته، فهو صفة فعل وهي حادثة. وقالت الماتريدية هو تحديده تعالى أزلا كل مخلوق بحده الذي يوجد به من حسن وقبح وغير ذلك. فهو تعلق العلم والإرادة، وعليه فهو قديم. وقد يقال الخلاف لفظي فمن نظر لمظهر الإيجاد قال:هو حادث، ومن نظر لمتعلق العلم والإرادة التنجيزي الأزلي قال هو قديم. فنقول في تعريفه الجامع لهما هو إيجاد الله للأشياء على طبق العلم والإرادة.

    والقضاء اصطلاحا :عرفه الماتريدية بأنه الفعل مع زيادة إحكام. فعليه هو حادث. وعرفه الأشاعرة بأنه إرادة الله المتعلقة بالأشياء أزلا. وعليه فهو قديم، وقال بعضهم القضاء والقدر شيء واحد وهو إيجاد الله الأشياءَ على طبق تعلق العلم والقدرة، وفي الحقيقة الأشاعرة والماتريدية تعاكسا فما قالت الأشاعرة أنه قضاء قالت الماتريدية إنه قدر، وبالعكس.(ص)

  22. [22] الخفيات: هي مشكلات الأمور وغوامضها بالنسبة للمخلوقين وأما بالنسبة إلى الله تعالى فهو عالم بجميع المعلومات تفصيلا.(س)
باب في كيفية اندراج معاني العقائد المتقدمة في الشهادتين
 
Top