باب في بيان معنى الإيمان والإسلام

صفحة 132

باب في بيان معنى الإيمان والإسلام

ذهب جمهور الماتريدية وبعض المحققين من الأشاعرة إلى ترادف الإيمان والإسلام. وذهب جمهور الأشاعرة إلى أنهما متغايران لأن مفهوم الإيمان شرعا تصديق القلب[1] بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مما علم من الدين بالضرورة بمعنى إذعانه له وتسليمه إياه[2]،

صفحة 133

ومفهوم الإسلام شرعا امتثال الأوامر واجتناب النواهي لبناء العمل على ذلك بالإذعان بالقلب. وهما مختلفان مفهوما، وإن تلازما شرعا بحيث لا يوجد مسلم ليس بمؤمن ولا مؤمن ليس بمسلم.

ملاحظة: إن أريد بالإسلام الإذعان بالقلب والقبول والانقياد، فهو مرادف  للإيمان وإن أريد به عمل الجوارح مثل الصلاة والصوم والحج ولفظ الشهادتين وغير ذلك من الأعمال فهما متغايران لكنهما متلازمان شرعا[3]، وهذا التفصيل هو الحق.

وفُسِّر الإيمان بأنه حديث النفس التابع للمعرفة، والمراد بحديث النفس الإذعان والانقياد والقبول والتسليم الباطني كله معنى واحدا، فتصديق النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به من عند الله والتسليم له والإذعان والانقياد له بقلبه هو تصديق خاص لا مجرد نسبة النبي صلى الله عليه وسلم للصدق من غير انقياد وإذعان وقبول وتسليم، فعلى هذا يكون الإيمان والإسلام مترادفين.

والحاصل أن تصديق النبي صلى الله في كل ما جاء به من عند الله، فهو مع الإذعان بالقلب والانقياد هو إسلام وإيمان، وأما عمل الجوارح كالصلاة والصوم والنطق بالشهادتين وغير ذلك فهو الإسلام.

إن الإيمان لا يقبل من الكافر القادر على النطق بالشهادتين إلا بهما، أما المسلم الذي ولد في الإسلام فإيمانه صحيح وإن لم ينطق بهما إلا إنه عاص بترك النطق لأنها تجب في العمر مرة واحدة[4].

صفحة 134

ولا يشترط في حق الكافر لفظ أشهد ولا النفي ولا الإثبات بل إن قال الله واحد ومحمد رسوله كفى ذلك[5].

والراجح في مسألة الإيمان أن الإيمان هو التصديق بالقلب[6] فقط وأما النطق بالشهادتين فهو شرط إجراء أحكام المسلمين عليه[7] من الغسل والصلاة إذا مات والدفن في مقابر المسلمين وغير ذلك من الأحكام. فالكافر إذا صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه فهو مؤمن عند الله تعالى، إلا أن يكون بحيث لو طلب منه النطق يأبى فلا ينفعه تصديقه إلا أن يكون لا يقدر على النطق. والحاصل أن الآبي الممتنع من النطق كافر والعاجز معذور[8].

صفحة 135

ولذا فعلى العاقل أن يكثر من كلمة التوحيد فالإكثار مندوب، وأن يستحضر حين الذكر ما احتوت عليه من عقائد الإيمان حتى تمتزج مع معناها بلحمه ودمه فإنه يرى لها من الأسرار من محاسن الأخلاق الدينية الباطنة كالزهد والتوكل وهو ثقة القلب بالله تعالى والحياء بتعظيم الله تعالى وغير ذلك من الأمور الدينية، ومن العجائب من كرامات ظاهرة تحصل لذاكرها. وهذا كله إنما يحصل إذا ذكرها بقصد العبودية والإخلاص لله تعالى، فيجب على الذاكر أن لا يقصد بعمله التشوف للكرامات ولا غيرها وإلا كانت عبادته هباء منثورا ولا يحصل له ما قصده.

وبالله التوفيق[9] لا رب غيره ولا معبود سواه نسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وأحبتنا عند الموت ناطقين بكلمتي الشهادة عالمين بها، وصلى الله على سيدنا محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين وعن التابعين وتابع التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلام على جميع الأنبياء والمرسلين والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ومن اتبعه إلى يوم الدين

انتهى بحمد الله تعالى وتوفيقه

يوم الجمعة 26-محرم-1411هـ الموافق 17-8-1990

وما توفيقنا إلا بالله

وليس لنا إلى غير الله حاجة ولا مذهب

سعيد عبداللطيف فودة

  1. [1] هذا التصديق يستلزم أمرين، الأول هو نسبة الصدق إلى النبي عليه الصلاة والسلام، والثاني: الإذعان النفسي لما أخبر به النبي عليه السلام. وهو ما يطلق عليه بعض العلماء اسم حديث النفس التابع للمعرفة. فليس التصديق هو مجرد القول بأن النبي عليه السلام صادق، خلافا لما يصوره بعض جهلة الحشوية عن مذهب أهل السنة. (س)
  2. [2] قال الإمام السعد التفتازاني في شرح العقائد النسفية: ذهب جمهور المحققين إلى أنه –أي الإيمان- التصديق بالقلب، وإنما الإقرار شرط لإجراء الأحكام في الدنيا، لما أن التصديق بالقلب أمر باطن لا بد له من علامة، فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه فهو مؤمن عند الله تعالى وإن لم يكن مؤمنا في أحكام الدنيا، ومن أقر بلسانه ولم يصدق بقلبه كالمنافق فبالعكس، وهذا هو اختيار الشيخ أبي منصور رحمه الله، والنصوص معاضدة لذلك، قال الله تعالى(أولئك كتب في قلوبهم الإيمان) وقال الله تعالى(وقلبه مطمئن بالإيمان)، وقال تعالى(ولما يدخل الإيمان في قلوبكم)، وقال النبي عليه السلام:”اللهم ثبت قلبي على دينك “، وقال عليه السلام لأسامة حين قتل من قال لا إله إلا الله:”هلا شققت عن قلبه؟”انتهى كلام السعد.

    واعلم أن الخلاف بين أهل السنة في هذه المسألة قريب. وأما من خالفهم من الفرق الأخرى مثل من قال إن الأعمال تدخل في أصل الإيمان، فقد حقق الإمام الحليمي في كتابه المنهاج هذه المسألة وحاصل ما قاله هناك، أن الذي اعتمد عليه هؤلاء إنما هو إطلاقات وردت من الشارع ذكر فيه العمل من الإيمان،كالصلاة والزكاة وغيرهما، والتحقيق أن هذا راجع إلى الاستعمال اللغوي، فكلمة آمن بالباء، نحو قوله تعالى(الذين يؤمنون بالغيب) وقوله تعالى(والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك)، وتتعدى باللام مثلما ورد في قوله تعالى(قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون). فهي على الاستعمال الأول بمعنى التصديق بالقلب، وهو المراد بأنه معنى الإيمان، وعلى المعنى الثاني أي أنتبعك، فهي بمعنى الاتباع والتسليم والانقياد.وبناء على هذا فإذا قيل في الشريعة أن الصلاة مثلا هي إيمان، فإنما المراد من ذلك أنها إيمان لله بمعنى انقياد له تعالى. فحينئذ ينقسم الإيمان في استعمال الشارع إلى قسمين الأول إيمان بالله والثاني إيمان لله. فما دام يوجد قسمان، فلا يجوز إذن أن يندرج هذان القسمان تحت تعريف واحد، بل لا بد أن يكون لكل واحد منها تعريف. فالإيمان بالله هو التصديق به تعالى، وهو المراد حيثما أطلق. والإيمان لله هو الانقياد له تعالى بشرط الإيمان به وهو بمعنى الإسلام. فالذي أدرج الأعمال مع التصديق تحت نفس الاسم لم يلاحظ هذه التفرقة. مع ما يلزمه من لوازم فاسدة عديدة تم التنبيه إليها في الكتب المطولة.(س)

  3. [3] معنى أنهما متلازمان شرعا أي إن أحدهما لا يغني عن الآخر، فمن صدق بقلبه وانقاد انقيادا نفسانيا، فإن الشرع لم يعفه من الواجبات الشرعية الأخرى نحو الصلاة والزكاة والحج وغيرها، وكذلك فمن صلى وقام بالأعمال المأمور هو بها ولم يحقق أصل التصديق في نفسه فعمله باطل،لكفره. وأما الأول أي من صدق ولم يعمل فليس بكافر، ولكنه عاص، وحسابه على الله. أما عندنا فإن لم نره يعمل أي عمل من أفعال الإسلام، ولا حتى سمعناه يتشهد بالشهادتين، فإننا نحكم عليه بالكفر ظاهرا، أي فيما يظهر لنا، ونوكل باطنه إلى الله تعالى. وكذلك فإنه في الواقع لا يجوز أن نقول عن إنسان معين أنه مؤمن غير مسلم ولا أن نقول إنه مسلم غير مؤمن، فهذا هو معنى التلازم.(س)
  4. [4] الحكم بالكفر هنا من حيث الظاهر.

    وأما أولاد المؤمنين فليس النطق فيهم شرطا، ولا شطرا اتفاقا، كالذي له عذر في عدم النطق بها فيحكم عليهم بالإيمان وإن لم بنطقوا بها أصلا، نعم يجب عليهم النطق بها في الصلاة دون غيرها خلافا لما قاله الإمام مالك رضي الله تعالى عنه من أنه يجب عليهم مرة واحدة كالحمد والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم.(ج)بتصرف. ومنه يعلم أن ما ذكرناه أعلاه إنما هو جار على مذهب الإمام مالك دون إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنهما.(س)

  5. [5] هذا الإيجاب إنما هو جار على مذهب الإمام مالك، وأما الإمام الشافعي وأكثر الفقهاء والشافعية أنه لا يكفي الله واحد ومحمد رسول مثلا، بل يشترط النفي والإثبات، وهو المعتمد عند الشافعية. وأما عند المالكية فما ذكرناه أعلاه هو المعتمد.(ج) بتصرف يسير.
  6. [6] واعلم أن المراد بالتصديق، ليس نسبة الصدق إلى النبي عليه السلام، بل الإذعان بذلك أيضا، والكافي في ذلك الإذعان النفسي، ولا يلزم من ذلك أن ما سوى ذلك من الأعمال غير واجبة كما يتوهم بعض الحمقى من الحشوية المجسمة، بل هي واجبة ولكن ليست شرطا لصحة الإيمان.(س)
  7. [7] القول بأن التلفظ بالشهادتين شرط صحة قول ضعيف، والقول بأنها شطر منه أقوى مما قبله ولكن فيه ضعف، والراجح أنها شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط، فهي شرط كمال في الإيمان على التحقيق، وعلى هذا فمن أذعن بقلبه ولم ينطق بلسانه لكن لا لعناد بل اتفق له ذلك فهو مؤمن ناج، لكن لا تجري عليه الأحكام الدنيوية كدفنه في مقابر المسلمين والصلاة عليه.ومحل الخلاف المذكور في الكافر الأصلي.(ج) بتصرف يسير، أي إنه يعتبر مسلما باطنا كافرا ظاهرا. والمقصود بالظاهر أي فيما نراه منه حسب الأحكام الشرعية التي كلفنا الله تعالى بها، والمقصود بالباطن أي إن الله تعالى يعلم أنه في نفسه مؤمن فهو يعلم الباطن وأخفى، ولكن نحن مكلفون بالعمل بالظاهر.(س)
  8. [8] يشترط في الإيمان الإتيان بلفظ أشهد وبالنفي والإثبات عند الشافعية، وأن يعرف المعنى ولو إجمالا، وأن يرتب فلو عكس لم يحكم بإسلامه على المعتمد، وأن يوالي بينهما، وأن يكون عاقلا بالغا فلا يصح إسلام الصبي ولا المجنون إلا تبعا. وأن لا يظهر منه ما ينافي الانقياد، فلا يصح إسلام الساجد لصنم في حال سجوده. وان يكون مختارا فلا يصح إسلام مكره إلا إذا كان حربيا أو مرتدا، لأن إكراهه حينئذ بحق. وأن يقر بما أنكره أو يرجع عما استباحه إن كان كفره بجحد مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة أو استباحة محرم إلى غير ذلك.(ج) بتصرف يسير.
  9. [9] قال العلامة الهدهدي في شرح أم البراهين: والتوفيق خلق الطاعة، وقيل خلق قدرة الطاعة في العبد.أهـ وعلق العلامة المحقق الشرقاوي على كلامه هذا فقال:وقوله خلق الطاعة،هذا تعريف إمام الحرمين، وهو أولى مما بعده المنسوب إلى للأشعري، لأنه مأخوذ من الوفاق، فيكون خلق ما يكون به العبد موافقا لما طلبه منه الشرع،والموافقة مباشرة إنما تكون بنفس الطاعة لا بالقدرة عليها، ولأن خلق القدرة على الطاعة موجود في الكافر، مع أنه غير موفق. وأجيب عن هذا بأن القدرة هي العرض المقارن للطاعة، وذلك غير موجود في الكافر لعدم وجود الطاعة منه، وليس المراد بها سلامة الأسباب كما فهم المعترض.أهـ كلامه.والله تعالى بمنه وكرمه يوفقنا ويوفق جميع المسلمين بفضله لمقتضى أمره ونهيه بجاه أكرم رسله وأشرف خلقه سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.(س)
باب في بيان معنى الإيمان والإسلام
 
Top