الواجب على كل مكلف شرعاً

صفحة 28

الواجب على كل مكلف شرعاً

المكلف هو البالغ[1] العاقل الذي بلغته الدعوة.

وقد طلب الشرع من كل مكلف طلبا جازما أن يعرف الله تعالى بمعرفة[2] صفاته[3]، وليس المقصود بمعرفة صفاته أن يعرف حقائقها، لأن هذا مستحيل، بل أن يعرف بعض الأحكام التي تتعلق بها كما سترى.

والشرع لغة الطريق. واصطلاحا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله من الأصول والفروع، أي العقائد والفقه.

ودليل وجوب هذا من الكتاب قوله تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله)سورة محمد:19، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله”[4].

صفحة 29

وحقيقة المعرفة هي الجزم المطابق للحق عن دليل، والشهادة تنبني على العلم، لا على الظن وغيره، فالشك والظن والوهم لا تكفي في العقائد بل هي كفر.

وهاهنا مسألة مشهورة تسمى بمسألة المقلد، ما حكمه شرعا؟! والمقلد هو من اعتقد الواجبات والجائزات ونفى المستحيلات في حق الله تعالى بلا دليل، أي إنه جزم جزما مطابقا للحق بلا دليل، وذلك كأن يتلقى العقائد الواجبة من غيره بلا دليل. فمثل هذا اختلف فيه العلماء على عدة أقوال، فقال الجمهور هو مؤمن ولكنه عاص إن كان فيه أهلية للنظر ولم ينظر، أي إن كان يستطيع معرفة أدلة العقائد ولم يفعل فهو عاص لهذا، وإيمانه صحيح. وقيل هو مؤمن وغير عاص. وقيل كافر وليس بمؤمن وهذان القولان ضعيفان[5].

صفحة 31
وأما ما يلزم المكلف معرفته[6]، فإننا نذكره هنا على وجه الإجمال ثم نشرع في تفصيله، فهو ما[7] يثبت في حق الله عز وجل، وهو قسمان عام ومفصل،فالعام: أن يعرف ويعتقد أن كل كمال فهو واجب لله تعالى. والتفصيل أن يعرف ويعتقد بالصفات العشرين الواجبة. ويلزمه أن يعرف ما يستحيل في حق الله تعالى عموما وتفصيلا، فالعموم أن يعتقد أن كل نقص فهو مستحيل في حق الله تعالى، والتفصيل الاعتقاد بأضداد الصفات العشرين الواجبة[8]. ويلزمه أن يعرف ويعتقد بما يجوز في حق الله عموما

صفحة 32

وتفصيلا، فالعموم أن يعتقد أن فعل كل ممكن أو تركه فهو جائز في حق الله، والتفصيل بأن يعتقد العقائد السمعية كأمور الآخرة فإنها جائزة عقلا وواجبة شرعا.

ويلزمه شرعا أن يعرف مثل الأقسام المتقدمة والتي هي الوجوب والاستحالة والجواز في حق الرسل ومثلهم الأنبياء، لأن كل رسول نبي، ويجب لهم الصدق والأمانة والفطانة، ويجب للرسل إثبات التبليغ، ويستحيل في حقهم الكذب والخيانة والكتمان والغفلة والبَلَه، ويجوز في حقهم الأعراض البشرية التي لا تؤدِّي إلى النقص في مراتبهم العلية.

 

  1. [1] من مات قبل البلوغ فهو ناج ولو كان من أولاد الكفار، ولا يعاقب على كفره ولا غيره.(ص) واعلم أن المكلف هو البالغ العاقل سليم الحواس ولو السمع أو البصر فقط الذي بلغته الدعوة. فخرج الصبي ولو مميزا، والمجنون وفاقد الحواس ومن لم تبلغه الدعوة فليس كل منهم مكلفا. وطلب العبادة من الصبي المميز كالصلاة والصوم ليس لتكليفه بها بل لترغيبه فيها ليعتادها فلا يتركها إن شاء الله تعالى.(ج)
  2. [2] حقيقة المعرفة هي الجزم المطابق عن دليل، فالجزم هو القطع وعدم التردد، فمن كان إيمانه على ظن أو شك أو وهم فهو باطل، والمطابق معناه الموافق فمن كان جزمه مخالفا فهو كافر، والمقصود بالدليل الدليل التفصيلي وهو للعلماء أ والإجمالي وهو لغيرهم كجزمنا بأن الله موجود، ودليل وجوده هو هذا العالم لأنه لا بد له من فاعل، وأما الجزم المطابق إذا لم يكن معه دليل لا تفصيلي ولا إجمالي كما إذا كان إنسان يجزم بأن الله تعالى موجود، وإذا سئل عن الدليل يقول لا أدري سمعت أبي يقول ذلك فقلته، فهذا ليس عنده معرفة وإنما عنده التقليد، وهو أخذ القول من غير معرفة دليله وهو لا يكفي في التوحيد.(ط)بتصرف يسير
  3. [3] الواجب على العام والخاص الدليل الجملي وهو المعجوز عن تقريره وحل شبهه معا أو أحدهما،وأما التفصيلي فهو المقدور على تقريره وحل شبهه، فصاحب الجملي هو الذي يصور العقائد في ذهنه، وإن لم يحفظ اللفظ بحيث لو سئل عن المعنى لا يشك فيه، ودليله على كل واحد وجود العالم من غير تفصيل في كيفية الاستدلال، أو مع التفصيل لكن يعجز عن رد الشبه، فإن قدر على التفصيل ورد الشبه كان من أهل التفصيلي.(ص)
  4. [4] رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه وكفر من كفر من العرب فقال عمر رضي الله تعالى عنه كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله فقال والله لأقاتلنَّ من فرّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها قال عمر رضي الله تعالى عنه فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله تعالى عنه فعرفت أنه الحق.

    فتكون نهاية مرحلة الكفر هي ما قبل الشهادتين وما بعدها يكون بداية مرحلة الإيمان.

    ورواه الترمذي والنسائي في السنن الكبرى عن أبي هريرة. وفي السنن الكبرى للنسائي رواه عن الزهري عن أنس بن مالك قال: “لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب فقال عمر: يا أبا بكر كيف تقاتل العرب، فقال أبوبكر: إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمر أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. والله لو منهوني عناقاً مما كانوا يعطون رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه. قال عمر: فلما رأيت رأي أبي بكر قد شرح علمت أنه الحق.

    ورواه الطبراني في المعجم الكبير عن معاذ بن جبل بلفظ حتى يشهدوا، وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى، وعن أبي هريرة بلفظ يقولوا.

    وهذا الحديث محفوظ في كتب السنن.(س)

  5. [5] الإنسان إن قلد في العقائد الصحيحة، فقد اختلف العلماء في إيمانه والمعتمد أنه إن كانت له القدرة على النظر الموصل إلى المعرفة كان مؤمنا عاصيا فقط، والعصيان من جهة أنه لم يعرف الدليل، وإيمانه منج له من الخلود من النار، وإن لم يكن له القدرة على النظر كان مؤمنا غير عاص. وقيل إن المقلد غير عاص مطلقا، وقيل إنه كافر. واعلم أن النظر الذي يخرج به المكلف عن التقليد إلى المعرفة هو النظر على طريق العامة وهو النظر الإجمالي كما أجاب به الأعرابي الذي سأله الأصمعي بقوله بم عرفت ربك فقال البعرة تدل على البعير وآثار الأقدام تدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحور ذات أمواج ألا تدل على اللطيف الخبير. ولا يشترط النظر على طريق المتكلمين وهو النظر التفصيلي بتحرير الأدلة وترتيبها ودفع الشبه الواردة عليها. واعلم أن النظر وسيلة إلى معرفة الله ورسله بالصفات، والمعرفة وسيلة إلى الإيمان الشرعي وهو التصديق بجميع ما جاء به نبينا محمد عليه الصلاة والسلام مما علم من الدين بالضرورة، والمراد بالتصديق بذلك الامتثال الباطني وهو إذعان النفس وقبولها وقولها آمنت بذلك ورضيته المعبر عنه بحديث النفس، والله تبارك وتعالى الموفق لا رب غيره.(غ) بتصرف يسير.
  6. [6] اختلف في المعرفة فقيل هي الجزم المطابق للحق عن دليل، وقيل ولو بلا دليل.(ص)
  7. [7] كلمة ما هنا تفيد العموم كما هو معلوم، لأنها بمعنى الذي،فيجب على المكلف أن يعرف جميع الواجبات والمستحيلات والجائزات، لكن جهة المعرفة تكون تفصيلية فيما علم تفصيلا وإجمالية فيما لم يعلم تفصيلا.(س)
  8. [8] ما هو مذكور هنا من أن الواجب التفصيلي عشرون صفة والمستحيل التفصيلي كذلك مبني على القول بثبوت الأحوال المبني على الطريقة القائلة بأن الأمور أربعة أقسام: موجودات وهي ما تصح رؤيته، ومعدومات وهي ما لا ثبوت له، وأحوال وهي الواسطة بين الموجودات والمعدومات، وأمور اعتبارية وهي ما له ثبوت لكن لم يرتق إلى درجة الأحوال. وهذه القسمة مبنية على القول بثبوت الأحوال كقسم مستقل وهي ما مشى عليه الإمام السنوسي وغيره،بل قال بعض المحققين :الحق أن لا حال وأن الحال محال. لكن قال الإمام السنوسي في بعض كتبه وبالجملة فالمسألة مشهورة الخلاف ولكل من القولين أدلة تعلم من محلها فتدبر. وأما على القول بنفيه وهو المذهب الراجح عند جمهور العلماء فالأمور ثلاثة فقط: الموجود والمعدوم والأمور الاعتبارية. فالشيء إما أن يكون موجودا أو معدوما ولا حال للذات بين الوجود والعدم. وكذلك لا حال للصفة الوجودية. أهـ من(ج)بتصرف وزيادة (س)
الواجب على كل مكلف شرعاً
 
Top