القسم الرابع: الصفات المعنوية

صفحة 58

القسم الرابع
الصفات المعنوية

وسميت معنوية لأنها منسوبة للمعاني بمعنى أنها ملازمة لها[1].

واعلم أن الملازمة من الطرفين[2]. والصفات المعنوية هي:

كونه قادرا: والكون هو الثبوت وحقيقة القادر هو المتمكن من الفعل والترك.

 كونه مريدا: وهي حال واجبة للذات لما قامت الإرادة بذات الله تعالى وجب وصفه بكونه مريدا. وحقيقة المريد هو الذي يرجح أحد طرفي الممكن على الطرف الآخر.

كونه عالما: هي حال واجب للذات، لما قام العلم بذات الله تعالى وجب وصفه بكونه عالما. وحقيقة العالم هو الذي انكشف لعلمه الواجب والمستحيل والجائز.

كونه حيا: هي حال واجبة للذات. لما قامت الحياة بذات الله وجب وصفه بكونه حيا. وحقيقة الحي هو الذي صح وصفه بصفات الإدراك.

كونه سميعا: هي حال واجبة للذات، لما قام السمع بذات الله وجب وصفه بكونه سميعا. وحقيقة السميع هو الذي انكشف لسمعه كل موجود.

كونه بصيرا: هي حال واجبة للذات، لما قام البصر بذات الله وجب وصفه بكونه بصيرا، وحقيقة البصر هو الذي انكشف لسمعه كل موجود.

كونه متكلما: هي حال واجبة للذات، لما قام الكلام بذات الله وجب وصفه بكونه متكلما، وحقيقة المتكلم الذي دل كلامه على الواجب والمستحيل والجائز.

صفحة 59

 

والفرق بين المعاني والمعنوية أن المعاني وجودية تعقل ذهنا وخارجا، والمعنوية ثبوتية تعقل ذهنا لا خارجا[3].

ملاحظة: الصفات المعنوية قال بها من أثبت الحال وهو القاضي الباقلاني ومن وافقه، وقال الإمام الأشعري والجمهور بنفي الحال، والمعنوية عندهم راجعة للمعاني، وهي عبارة عن قيام المعاني بالذات[4].

ملاحظة: إذا قلنا كونه مريدا، كونه قادرا، الخ، فهي صفات معنوية، وأما بدون كلمة كونه فتصبح أسماء للذات مثل مريد، قادر، الخ.

ملاحظة: إن من أثبت الحال عنده أربعة معقولات: الذات والمعاني والأحوال المعنوية الملازمة لها والأسماء. ومن نفى الحال عنده ثلاثة معقولات: الذات والمعاني

صفحة 60
والأسماء. وأما المعنوية عنده فراجعة للمعاني لأنها اعتبارية. ولذلك عدَّ بعض العلماء الصفات اثني عشر فالوجود عندهم هو عين الذات، وليس حالا واجبة للذات والمعنوية عبارة عن المعاني والصفات الباقية هي السلبية الخمسة[5]

  1. [1] كونه تعالى قادرا لازم للقدرة، وكونه مريدا لازم للإرادة القائمة بذاته تعالى، وهكذا الخمسة الباقية، ووجه لزوم هذه الأكوان السبعة للمعاني أن كلا من المعاني صفة وجودية وكل صفة وجودية إذا قامت بموصوف قديم أو حادث لزم أن يكتسب منها حالا لا تثبت له عند عدم تلك الصفة منه، فمن قامت به القدرة لزم أن يكتسب حالا وهي أن يكون قادرا على ما تعلقت به تلك القدرة، ويعبر عن هذه الحال بكونه قادرا وبالقادِرِيَّة. ومن قام به العلم لزم أن يكتسب منه حالا وهي أن سكون عالما بما تعلق به هذا العلم ومطلعا عليه، ويعبر عن هذه الحال بكونه عالما وبالعالمية وقس الباقي.(غ)
  2. [2] هذا –أي كون التلازم من الطرفين- نبه إليه البيجوري في حاشيته على أم البراهين.(س)
  3. [3] الحال المذكورة صفة ثابتة في الخارج عن الذهن تقوم بموجود وليست موجودة بالاستقلال ولا معدومة عدما صرفا بل هي واسطة بين الموجود والمعدوم، أي إنها لم تبلغ درجة الموجود ولم تنحط إلى درجة المعدوم، ولعدم بلوغها درجة المعدوم لا تمكن رؤيتها.(غ)
  4. [4] لم يتفق المتكلمون على ثبوت الحال المذكورة، بل اختلفوا فذهب جماعة منهم إلى ثبوتها وقالوا إن مدلول الأكوان السبعة أي معناها من باب الحال فمدلول كونه قادرا عندهم حال قائمة بالذات العلية زائدة على قيام القدرة بذاته تعالى وهي مدلول القادرية عندهم أيضا، ومدلول كونه تعالى مريدا حال قائمة بذاته تعالى زائدة على قيام الإرادة بها، وهكذا باقي الأكوان. وذهب الإمام الأشعري والمحققون إلى نفي الحال، وقالوا إن ثبوتها من المحال، وإن مدلول الأكوان السبعة هو قيام صفات المعاني بالذات العلية لا صفات زائدة عليه، فمدلول كونه قادرا عندهم هو نفس قيام القدرة بالذات وهو مدلول القادرية عندهم أيضا، وهكذا باقي الأكوان.

    وعلى المذهب الأول تعد الأكوان السبعة من الصفات لأن مدلولاتها عليه أحوال والأحوال صفات قائمة بالذات زائدة على قيام صفات المعاني بها.(غ)

    وقد مشينا نحن على هذا المذهب الأخير في هذا التهذيب تبعا للإمام السنوسي في أصل الكتاب وشرحه للأنصاري، ولذا عددنا فيها تلك الأكوان من الصفات، وأما على المذهب الثاني فلا تعد الأكوان السبعة لأن مدلولها الذي هو قيام صفات المعاني بالذات ليس في الحقيقة من الصفات بل هو أمر اعتباري أي أمر ثابت في ذهن المعتبر لا في الخارج عنه، وقد مشى الإمام السنوسي في عقيدته صغرى الصغرى على هذا المذهب وهو الأصح(س)استفدناه من شرح المارغني.

  5. [5] علم مما قررناه قبل أن الخلاف بين المتكلمين إنما هو في مدلول الأكوان السبعة هل هو من الأحوال أو من الأمور الاعتبارية، وأما وجوب تلك الأكوان لله تبارك وتعالى فقد أجمعوا عليه كلهم وإنكاره كفر كما صرحوا به فتدبر ولا تغتر وبالله تعالى التوفيق.(غ) أي إن من أنكر كون الله عالما وكونه قادرا إلخ، فإنه يكفر، أما لو قال إن كونه تعالى عالما ليس إلا نفس اتصافه تعالى بصفة العلم، فهذا الخلاف لا يترتب عليه شيء. فالإجماع واقع على كفر من نفى المعنوية،أما المعاني فلا.(س)