القسم الرابع: الصفات المعنوية

صفحة 58

القسم الرابع
الصفات المعنوية

وسميت معنوية لأنها منسوبة للمعاني بمعنى أنها ملازمة لها[1].

واعلم أن الملازمة من الطرفين[2]. والصفات المعنوية هي:

كونه قادرا: والكون هو الثبوت وحقيقة القادر هو المتمكن من الفعل والترك.

 كونه مريدا: وهي حال واجبة للذات لما قامت الإرادة بذات الله تعالى وجب وصفه بكونه مريدا. وحقيقة المريد هو الذي يرجح أحد طرفي الممكن على الطرف الآخر.

كونه عالما: هي حال واجب للذات، لما قام العلم بذات الله تعالى وجب وصفه بكونه عالما. وحقيقة العالم هو الذي انكشف لعلمه الواجب والمستحيل والجائز.

كونه حيا: هي حال واجبة للذات. لما قامت الحياة بذات الله وجب وصفه بكونه حيا. وحقيقة الحي هو الذي صح وصفه بصفات الإدراك.

كونه سميعا: هي حال واجبة للذات، لما قام السمع بذات الله وجب وصفه بكونه سميعا. وحقيقة السميع هو الذي انكشف لسمعه كل موجود.

كونه بصيرا: هي حال واجبة للذات، لما قام البصر بذات الله وجب وصفه بكونه بصيرا، وحقيقة البصر هو الذي انكشف لسمعه كل موجود.

كونه متكلما: هي حال واجبة للذات، لما قام الكلام بذات الله وجب وصفه بكونه متكلما، وحقيقة المتكلم الذي دل كلامه على الواجب والمستحيل والجائز.

صفحة 59

 

والفرق بين المعاني والمعنوية أن المعاني وجودية تعقل ذهنا وخارجا، والمعنوية ثبوتية تعقل ذهنا لا خارجا[3].

ملاحظة: الصفات المعنوية قال بها من أثبت الحال وهو القاضي الباقلاني ومن وافقه، وقال الإمام الأشعري والجمهور بنفي الحال، والمعنوية عندهم راجعة للمعاني، وهي عبارة عن قيام المعاني بالذات[4].

ملاحظة: إذا قلنا كونه مريدا، كونه قادرا، الخ، فهي صفات معنوية، وأما بدون كلمة كونه فتصبح أسماء للذات مثل مريد، قادر، الخ.

ملاحظة: إن من أثبت الحال عنده أربعة معقولات: الذات والمعاني والأحوال المعنوية الملازمة لها والأسماء. ومن نفى الحال عنده ثلاثة معقولات: الذات والمعاني

صفحة 60
والأسماء. وأما المعنوية عنده فراجعة للمعاني لأنها اعتبارية. ولذلك عدَّ بعض العلماء الصفات اثني عشر فالوجود عندهم هو عين الذات، وليس حالا واجبة للذات والمعنوية عبارة عن المعاني والصفات الباقية هي السلبية الخمسة[5]

  1. [1] كونه تعالى قادرا لازم للقدرة، وكونه مريدا لازم للإرادة القائمة بذاته تعالى، وهكذا الخمسة الباقية، ووجه لزوم هذه الأكوان السبعة للمعاني أن كلا من المعاني صفة وجودية وكل صفة وجودية إذا قامت بموصوف قديم أو حادث لزم أن يكتسب منها حالا لا تثبت له عند عدم تلك الصفة منه، فمن قامت به القدرة لزم أن يكتسب حالا وهي أن يكون قادرا على ما تعلقت به تلك القدرة، ويعبر عن هذه الحال بكونه قادرا وبالقادِرِيَّة. ومن قام به العلم لزم أن يكتسب منه حالا وهي أن سكون عالما بما تعلق به هذا العلم ومطلعا عليه، ويعبر عن هذه الحال بكونه عالما وبالعالمية وقس الباقي.(غ)
  2. [2] هذا –أي كون التلازم من الطرفين- نبه إليه البيجوري في حاشيته على أم البراهين.(س)
  3. [3] الحال المذكورة صفة ثابتة في الخارج عن الذهن تقوم بموجود وليست موجودة بالاستقلال ولا معدومة عدما صرفا بل هي واسطة بين الموجود والمعدوم، أي إنها لم تبلغ درجة الموجود ولم تنحط إلى درجة المعدوم، ولعدم بلوغها درجة المعدوم لا تمكن رؤيتها.(غ)
  4. [4] لم يتفق المتكلمون على ثبوت الحال المذكورة، بل اختلفوا فذهب جماعة منهم إلى ثبوتها وقالوا إن مدلول الأكوان السبعة أي معناها من باب الحال فمدلول كونه قادرا عندهم حال قائمة بالذات العلية زائدة على قيام القدرة بذاته تعالى وهي مدلول القادرية عندهم أيضا، ومدلول كونه تعالى مريدا حال قائمة بذاته تعالى زائدة على قيام الإرادة بها، وهكذا باقي الأكوان. وذهب الإمام الأشعري والمحققون إلى نفي الحال، وقالوا إن ثبوتها من المحال، وإن مدلول الأكوان السبعة هو قيام صفات المعاني بالذات العلية لا صفات زائدة عليه، فمدلول كونه قادرا عندهم هو نفس قيام القدرة بالذات وهو مدلول القادرية عندهم أيضا، وهكذا باقي الأكوان.

    وعلى المذهب الأول تعد الأكوان السبعة من الصفات لأن مدلولاتها عليه أحوال والأحوال صفات قائمة بالذات زائدة على قيام صفات المعاني بها.(غ)

    وقد مشينا نحن على هذا المذهب الأخير في هذا التهذيب تبعا للإمام السنوسي في أصل الكتاب وشرحه للأنصاري، ولذا عددنا فيها تلك الأكوان من الصفات، وأما على المذهب الثاني فلا تعد الأكوان السبعة لأن مدلولها الذي هو قيام صفات المعاني بالذات ليس في الحقيقة من الصفات بل هو أمر اعتباري أي أمر ثابت في ذهن المعتبر لا في الخارج عنه، وقد مشى الإمام السنوسي في عقيدته صغرى الصغرى على هذا المذهب وهو الأصح(س)استفدناه من شرح المارغني.

  5. [5] علم مما قررناه قبل أن الخلاف بين المتكلمين إنما هو في مدلول الأكوان السبعة هل هو من الأحوال أو من الأمور الاعتبارية، وأما وجوب تلك الأكوان لله تبارك وتعالى فقد أجمعوا عليه كلهم وإنكاره كفر كما صرحوا به فتدبر ولا تغتر وبالله تعالى التوفيق.(غ) أي إن من أنكر كون الله عالما وكونه قادرا إلخ، فإنه يكفر، أما لو قال إن كونه تعالى عالما ليس إلا نفس اتصافه تعالى بصفة العلم، فهذا الخلاف لا يترتب عليه شيء. فالإجماع واقع على كفر من نفى المعنوية،أما المعاني فلا.(س)
صفحة 60

بعض ما يستحيل على الله جل وعز

وقلنا بعض ما يستحيل لأن المستحيلات على الله لا نهاية لها تفصيلا، فنفي كل كمال له تعالى نقص، يجب تنزيه الله عنه، وكل ما قدره العقل من نقص يستحيل على الله تعالى، فيجب علينا نفيه على العموم، وإنما يجب علينا معرفة عشرين مستحيلا هي أضداد[1] العشرين الواجبة، ويجب أيضا أن نعرف العشرين الواجبة فكل ما ينافيها فهو مستحيل على الله تعالى.

العدم: وهو ضد الوجود وهو عبارة عن لا شيء فالوجود لله والعدم مستحيل عليه تعالى.

الحدوث: وهو ضد القدم فالقدم واجب لله والمستحيل عليه تعالى والمراد بالحدوث هو التجدد بعد العدم فكل من لم يكن ثم كان فهو الحادث[2].

صفحة 61

طُرُوُّ العدم: وهو ضد البقاء فالبقاء واجب لله وطرو العدم مستحيل على الله تعالى، والمراد بطرو العدم الانقضاء بعد الوجود.

المماثلة للحوادث[3]: هي ضد المخالفة الواجبة لله تعالى، والمماثلة مستحيلة على الله. والمماثلة عبارة عن المشابهة للحوادث في الذات والصفات والأفعال[4].

فيستحيل على الله تعالى أن تأخذ ذاته قدرا من الفراغ، فيستحيل عليه تعالى أن يكون جرما، أو يكون عرضا يقوم بالجرم. ويستحيل على الله تعالى أن يكون في جهة للجرم بأن يكون فوق العرش مثلا أو تحته أو يمينه أو شماله أو أمامه أو خلفه، لأن الله تعالى لو كان في جهة للجرم لكان جرما ولو كان جرما لانتفت المخالفة ونفي المخالفة

صفحة 62

عن الله محال، وهذا من أوجه المماثلة المستحيلة باعتبار الذات وهو ما ينتجها بواسطة الجرمية[5].

ويستحيل على الله تعالى أن تكون له جهة في نفسه بأن يكون له يمين أو شمال أو فوق أو تحت أو قدام أو خلف، لأنه لو كان كذلك لكان جرما وهذا من أوجه الماثلة المستحيلة باعتبار الذات وهو مما ينتجها بواسطة الجرمية[6].

ملاحظة: اعلم أن الجرم أخص من الذات والذات أعم، فكل جرم ذات وليس كل ذات جرما، فبعض الذات جرم كذوات الحوادث وبعض الذات ليس بجرم كذات الله تعالى، والجرم يشمل الجسم المركب والجوهر الفرد.

صفحة 63

ملاحظة: إطلاق الذات على الله تعالى كما ورد به النقل في شعر حبيب حيث قال

ولست أبالي حين أقتل مسلما…على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ…يبارك على أوصال شـــلو ممزع

وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشعر وأقره[7]، والدليل في قوله وذلك في ذات الإله.

ملاحظة:حقيقة العرض هو الذي لا يقوم بنفسه بل بالجرم.

ويستحيل على الله تعالى أن يتقيد بمكان، وحقيقة المكان هو استقرار جرم على جرم[8] فالمستقر عليه هو المكان لأن الله لو كان له مكان لكان جرما ولو كان جرما لانتفت المخالفة

صفحة 64
ونفي المخالفة عن الله تعالى محال، ولاحظ أن نفي المكان يستلزم نفي الحدود عن ذات الله تعالى، كما نص عليه أهل السنة[9].

صفحة 65

ويستحيل على الله زمان، فيستحيل عليه أن يمر عليه زمان لأن الله لو مرَّ عليه زمان لماثل الحوادث[10] باعتبار الذات الذات، وهو مما ينتجها بواسطة الجرمية.

ويستحيل أن تتصف ذاته العلية بالصفات الحادثة مثل الحركة والسكون وغيرهما، لأن حدوث صفة يلزم منه حدوث الموصوف وهذا من أوجه المماثلة المستحيلة باعتبار الصفات وهو مما ينتجها مباشرة.

ملاحظة: الفرق بين الصفة والعرض أن العرض أخص والصفة أعم، فنقول كل عرض صفة وليس كل صفة عرضا، فبعض الصفات عرض كصفات الحوادث وبعض الصفات ليست بعرض كصفات الله.

ويستحيل أن تتصف ذاته العلية بالصغر أو الكبر فالصغر عبارة عن قلة الأجزاء والكبر عبارة عن كثرتها، لأن الصغر والكبر من خواص الأجزاء والله تعالى منزه عن هذا. وهو من أوجه المماثلة المستحيلة باعتبار الذات وهو مما ينتجها بواسطة الجرمية. وأما الكبر بمعنى عظمة الشأن فهو واجب لله قال تعالى(فالحكم لله العلي الكبير)غافر:12، فهو كبر بمعنى عظم القدرة والسلطان لا بمعنى كبر الحجم كما يقوله المجسمة.

ويستحيل على الله تعالى أن يتصف بالأغراض في الأفعال أو الأحكام والأغراض جمع غرض وهو الباعث[11] لمراعاة المصالح ودفع المفاسد لأن ذلك بالنسبة إلى ذاته محال

صفحة 66

إذ لا يحتاج إلى جلب منفعة ولا دفع مضرة لأنه هو الغني عن كل ما سواه[12]. وأما بالنسبة إلى خلقه فلا تجب عليه مصلحة لهم ولا دفع مضرة إذ لا يجب عليه الصلاح

صفحة 67

والأصلح خلافا للمعتزلة، فالغرض على كل حال محال ولا يلزم من نفي الغرض العبث والسفه، لأن السفيه هو الجاهل بعواقب الأمور، وقد نفى الله السفه بقوله تعالى (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا)المؤمنون:115، وقال تعالى(وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين)الأنبياء:16. فالغرض من أوجه المماثلة المستحيلة باعتبار الأفعال والأحكام وهو مما ينتجها مباشرة.

ملاحظة:المراد بالأفعال الإيجاد والإعدام والإعزاز والإذلال والإحياء والإماتة والإغناء والإفقار، والمراد بالأحكام أحكام الشريعة وهي الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح، فليس فعله لغرض ولا حكمه لغرض بل ذلك فضل منه أو عدل منه.

ويستحيل عليه أن لا يكون قائما بنفسه: بأن يكون صفة حادثة أو قديمة تقوم بمحل، أو تحتاج إلى مخصص فيستحيل على الله تعالى أن يحل بذات كما تحل الصفة في موصوفها كما تدعيه النصارى والباطنية المنحرفون عن الصراط، فالنصارى قالوا حلَّ الإلـه بذات عيسى، والباطنية طائفة منحرفة قالوا: الولي الكامل يحل الله فيه، وهذا كله كفر صريح، لأن الله لو حل في شيء لكان صفة له ولو كان صفة له لم يصح وصفه بصفات المعاني والمعنوية لأن المعنى لا يقوم بمعنى ومولانا جل وعز يجب اتصافه بهما، فليس بصفة بل هو ذات لا تشبه الذوات، وصفاته لا تشبه الصفات. ومثل الحلول في الاستحالة الاتحاد، وهو صيرورة الشيئين شيئا واحدا وكذلك الباطنية قالوا في الولي، قال في الإضاءة:

صفحة 68

ولا تصخ لمذهب النصـارى…أو من إلى دعوى حلول صارا

وذاك كالقول بالاتـــحاد…نحلة أهـل الزيــغ والإلحاد

وموهم المحذور من كــلام…قوم من الصوفيـة الأعـلام

جريا على عرفهم المخصوص…يرجـع بالتأويـل للنصوص

والحاصل أن القول بالحلول والاتحاد كفر، بل الجهل بأنه كُفْرٌ كُفْرٌ.

ملاحظة: صيرورة الشيئين شيئا واحدا مستحيل مطلقا في القديم والحادث. وبرهانه أن الشيئين إذا اتحدا فإن بقيا موجودين على حالهما فلا اتحاد لأنهما اثنان، وإن عُدِما معا كان الموجود غيرهما فلم يتحدا، وإن عدم أحدهما دون الآخر، امتنع الاتحاد لأن المعدوم ليس عين الموجود والقول بالاتحاد كفر بإجماع المسلمين.

ويستحيل على الله تعالى أن يفتقر إلى مُخَصِّص لأنه لو احتاج إلى مخصص[13] لكان حادثا والحدوث على الله محال.

ويستحيل أن لا يكون واحدا: فيجب أن يكون الله واحدا لا مركبا في ذاته، أو يكون له مماثل في ذاته أو في صفاته أو يكون معه في الوجود مؤثر في فعل من الأفعال[14]. فيستحيل

صفحة 69

أن يكون لأحد من المخلوقين صفات كصفات الله بأن تكون له قدرة توجِد وإرادة تخصص وهكذا إلى آخر الصفات.وهذا مستحيل لأن الله لا شريك له في صفاته وهذا هو الكم المنفصل في الصفات، وهو محال. وكذا يستحيل عليه تعالى الكم المتصل في الصفات، أي يجب أن لا تكون صفاته متعددة ومن قال بالتعدد فهو محجوج بالإجماع، وقال بعضهم الكم المتصل في الصفات لا ينافي التوحيد، لكنه خطأ وخلاف الإجماع.

ويستحيل على الله تعالى أن يكون معه شريك في الأفعال بأن يكون غيره يفعل كفعله، وهذا هو الكم المنفصل في الأفعال. وإذا عرفت هذا فلا تأثير لشيء من الكائنات في الأسباب العادية وغيرها لا بطبعها ولا بقوة جعلها الله فيها[15] وأما الكم المتصل فلا ينفى لأن الفعل كله مخلوق لله تعالى.

وكذا لا تأثير للعباد وغيرهم من الأحياء في أفعالهم وهي قسمان اضطرارية واختيارية فالأفعال الاضطرارية هي التي يخلقها الله في الحي ولا يكون له فيها اختيار ولا قدرة كحركة الارتعاش فإن صاحبها مضطر ومجبور عليها في الظاهر أي المشاهدة وفي الباطن أي الحقيقة والواقع[16]، ولا خلاف في أن الخالق للأفعال الاضطرارية هو الله تعالى وقد تفضل سبحانه بإسقاط التكليف عن المضطر.وأما الأفعال الاختيارية فهي التي

صفحة 70
يخلقها الله في الحي كالعبد ويكون له فيها اختيار ويخلق الله معها قدرة، وبيان ذلك أن الله تعالى إذا أراد خلق فعل اختياري[17] في العبد مثلا كالقيام والقعود والمشي فإنه جل وعلا يخطره ببال العبد ويجعل لخلقه سببا وهو اختياره لذلك الفعل، أي إرادته له وميله إليه، فإذا اختاره وتوجه إليه خلقه الله فيه، وخلق له معه قدرة، وهي صفة وجودية تتعلق بالفعل الاختياري أي ترتبط وتقترن به من غير أن يكون لها فيه تأثير[18]، فهي كالأسباب العادية يخلق الله الفعل عندها أي معها لا بها، ولا يلزم من تعلقها بالفعل الاختياري تأثيرها فيه، لأن الصفة قد تتعلق ولا تؤثر كالعلم فإنه من الصفات المتعلقة ولا تأثير له فيما يتعلق به[19]، وذلك التعلق أعني تعلق القدرة الحادثة بالفعل

صفحة 71

الاختياري أي ارتباطها واقترانها به هو المسمى بالكسب، ولأجله يضاف الفعل الاختياري إلى الحي وينسب إليه كما تضاف وتنسب إليه أعضاؤه كرأسه ويده رجله مع أنها مخلوقة لله وحده[20]. فالفعل الاختياري ينسب إلى الله خلقا وللحي كسبا، ويصح نسبة شيء واحد لفاعلين مختلفين بجهتين مختلفتين كالدار المستأجرة تنسب لمالكها بجهة الملك ولمستأجرها بجهة الانتفاع.

ومع أن الشر مخلوق لله تعالى على فرض أنه وجودي، لكن الأدب أن لا ينسب لله تعالى إلا الحسن فينسب الخير لله والشر للنفس وإن كان منسوبا خلقا لله، وذلك لأن نسبة الشر يتبادر منها عادة اكتسابه والرضى به، ومعلوم أن الله تعالى لا يرضى بالشرِّ[21].

صفحة 72

وما قررناه في الأفعال الاختيارية هو مذهب الإمام الأشعري ووافقه عليه جمهور أهل السنة وهو الحق الذي يجب اعتقاده وترك ما خالفه من المذاهب الباطلة[22].

صفحة 73

 

العجز عن الممكنات: يستحيل على الله تعالى العجز عن ممكن ما وإيجاد شيء ما في العالم مع كراهيته لوجوده[23]؛ أي عدم إرادته له تعالى، أو مع الذهول أو الغفلة أو بالتعليل[24]أو بالطبع[25].

وحقيقة العجز تعذر إيجاد ما يمكن إيجاده وإعدام ما يمكن إعدامه، وهو ضد القدرة، والقدرة واجبة له تعالى والعجز مستحيل على الله. فيستحيل على الله العجز

صفحة 74

عنه لأنه لو اتصف تعالى بالعجز لا يخلو إما أن يكون قديما أو حادثا، فإن كان قديما لزم أن لا يعدم لاستحالة عدم القديم. فلا يوصف المولى تبارك وتعالى بالقدرة لاستحالة جمع الضدين. وإذا لم يتصف بالقدرة فينتفي العالم، وهذا محال بالمشاهدة والعيان. وإن كان حادثا فإن اتصف به مع القدرة لزم الجمع بين الضدين وإن اتصف به مع عدمها لزم حدوثها لأن كل من يطرأ عليه العدم حادث، ويلزم من حدوث الصفة حدوث الموصوف فينتفي العالم ونفي العالم محال بالمشاهدة.

وأما إيجاد شيء من العالم مع كراهته لوجوده فهو محال، لأن الكراهة ضد الإرادة والإرادة واجبة لله تعالى والكراهة مستحيلة على الله، والمراد بها هي الكراهة العقلية التي هي عدم الإرادة. وأما الكراهة الشرعية التي هي إحدى الأحكام الخمسة فلا تنافي الإيجاد وهي –أي المكروهات على هذا المعنى-واقعة بإرادة الله تعالى لأنه لو لم يردها لما وقعت، إذ لا يكون في ملكه تعالى ما لا يريد، ولم يأمر بها إذ لا ملازمة بين الأمر والإرادة عند أهل السنة، بل بينهما عموم وخصوص من وجه فيتواردان في إيمان أبي بكر مثلا فإنه مأمور به ومراد لله، وتنفرد الإرادة في كفر أبي جهل وغيره من الكفار وينفرد الأمر في الإيمان منهم، فهم مأمورون بالإيمان ولم يُرِدِ الله تعالى وقوعه منهم لعلمه بعدم إرادتهم لذلك.

ويستحيل على الله تعالى الذهول وهو غيبوبة الشيء بعد العلم به، ويستحيل على الله تعالى الغفلة حالة إيجاده،والغفلة هي عدم العلم بالشيء مطلقا، أي إنه يستحيل على الله أن يوجد شيئا من العالم مع الغفلة أو الذهول[26].

صفحة 75

ويستحيل على الله تعالى إيجاد شيء من العالم بالتعليل بأن يكون ذاته تعالى علة في إيجاد المخلوقات من غير إرادة وقدرة، فالقائلون بذلك أهل العلة من الفلاسفة. وحقيقة العلة عندهم ما يأتي منها الفعل دون الترك من غير توقف على وجود شرط ولا انتفاء مانع، قالوا مثال ذلك في الشاهد حركة الإصبع فإنها علة حركة الخاتم، ويلزم من حركة الإصبع حركة الخاتم، ومن عدمها عدم حركة الخاتم، وهذا عندهم، وأما عند أهل الحق فحركة الخاتم مع الإصبع مخلوقان لله تعالى. وهما متلازمان وجودا بإيجاد الله تعالى، وليس حركة الإصبع خالقا لحركة الخاتم، ولا العكس، بل هما متلازمان وجودا، وقد يتسامح البعض فيطلق على أحدهما اسم السبب، ويريد به السبب العادي، بمعنى الملازم لا المؤثر.

وردّ أهل السنة على أهل العلة فقالوا لهم إن قلتم الذات قديمة يلزم قدم العالم لأن المعلول لا يتأخر عن علته وإن قلتم حادث فيفتقر إلى فاعل، والفاعل لا يكون عندكم إلا علة وهكذا. فيلزم الدور أو التسلسل وهما محالان.

ويستحيل على الله أن يوجد شيئا من العالم بالطبع، وحقيقة الطبع عندهم ما يأتي منها الفعل دون الترك مع توقف على حصول شرط أو انتفاء مانع[27]، قالوا مثال ذلك في الشاهد النار مع الإحراق. فإن النار طبيعتها الإحراق ولكن تتوقف على حصول شرط وهو المماسة وانتفاء مانع وهو البلل، فإذا حصل الشرط فيما لا يزال وجد العالم من غير إرادة فلا يلزمنا قد العالم. فقال لهم أهل السنة : إن قلتم المانع قديم لزم أن لا ينعدم لاستحالة عدم القديم فلا يوجد العالم، وإن قلتم حادث فيحتاج إلى مانع قبله فيلزم التسلسل وهو محال. وأما الشرط فلا يكون إلا حادثا على قولهم، فيحتاج إلى شرط آخر وكذلك شرط يحتاج إلى شرط فيلزم التسلسل وينـتفي العالم وهو محال. فإذا بطلت العلة والطبيعة تعين أن الله تعالى فاعل بالاختيار بالقدرة والإرادة.

صفحة 76

والقول بالتعليل والطبيعة كفر بالإجماع. وقولهم إن النار طبيعتها الإحراق باطل لأنه كفر بالإجماع إذ لا فاعل إلا الله وحده وهو الفاعل المختار.

ويستحيل الجهل عليه تعالى: وهو ضد العلم والجهل قسمان، مركب وبسيط، فحقيقة المركب تصور الشيء على خلاف ما هو به، وهو أن يجهل الشيء ويجهل جهله به، فهو مركب من جهلين. والبسيط أن يجهل الشيء ويعلم أنه جاهل به وحقيقته عدم العلم بالشيء فيما شأنه أن يعلم. هذان القسمان مستحيلان على الله تعالى. ويستحيل عليه أيضا ما في معنى الجهل، كالشك والظن والوهم والذهول والغفلة والنسيان وكون علمه ضروريا أو نظريا أو بديهيا أو معرفة، لأن المعرفة ما تقدمها جهل على قول بعض العلماء، أو كونه يقينيا لأن اليقين ما ثبت بالدليل، أو كونه نظريا أو كسبيا.

ملاحظة: المعلوم يشمل الواجب والمستحيل والجائز.

ملاحظة: التقابل بين العلم والجهل المركب تقابل بين الضدين، وبين العلم والجهل البسيط من باب عدم العلم والمَلَكَة. وحيث ثبت العلم انتفت حقيقة الجهل والملكة، فالعلم وجودي.

ويستحيل عليه تعالى الموت: وهو ضد الحياة[28]، وكذلك يستحيل عليه ما في معنى الموت، مثل أن تكون حياته تعالى بروح أو نفس أو بأكل أو شرب أو نوم أو سنة أو غير ذلك من أوصاف الحوادث.

ملاحظة: هناك مذهبان في حقيقة الموت الأول يقول الموت عرض يعقب الحياة فالموت على هذا المذهب وجودي، والثاني يقول الموت هو عدم الحياة فيما شأنه الحياة، والموت على هذا المذهب عدمي.

ويستحيل عليه تعالى الصمم: ضد السمع، وحقيقة الصمم عدم السمع بالكلية بوجود آفة تمنع من ذاك[29]وكذا يستحيل عليه تعالى ما في معنى الصمم ككونه يسمع

صفحة 77

الأصوات دون الذوات وكون سمعه بآذان أو صماخ أو غير ذلك، بل سمعه تعالى متعلق بكل موجود[30].

ويستحيل عليه تعالى العمى: ضد البصر وحقيقة العمى عدم البصر بالكلية بوجود آفة تمنع من ذلك[31]، وكذا يستحيل عليه تعالى ما في معناه من المقلة والأجفان والحدقة وغير ذلك.

ويستحيل عليه تعالى البكم: وهو ضد الكلام وحقيقة البكم عدم الكلام بالكلية بوجود آفة تمنعه من ذاك[32]، وكذا يستحيل عليه تعالى ما في معناه بأن يكون كلامه بحروف وأصوات وغير ذلك من الصفات الحادثة.

وأما استحالة أضداد ومنافيات الصفات المعنوية فهي واضحة ويزداد جلاؤها ظهورا بعد العلم باستحالة أضداد المعاني كما سبق.

  1. [1] الضد في اللغة الأمر المنافي لغيره سواء كان وجوديا أو عدميا، وفي الاصطلاح الأمر الوجودي الذي يقابل أمرا وجوديا آخر، ولا يمكن اجتماعه معه وقد يرتفع هو مقابله وذلك كالبياض والسواد فإن كلا منهما أمر وجودي يقابل الآخر ولا يكن اجتماعهما في محل واحد، وقد يرتفعان عن المحل الواحد بأن يكون لا بياض ولا سواد بل أحمر مثلا، والمراد بالضد هنا الضد بالمعنى اللغوي.(غ) بتصرف يسير.
  2. [2] التقابل بين الحدوث والقدم من التقابل بين الشيء وبين المساوي لنقيضه لأن نقيض القدم لا قدم وهو عين الحدوث، لأنه لا واسطة بينهما هذا إن فسر الحدوث بمعناه المجازي وهو التجدد بعد عدم، وأما إن فسر بمعناه الحقيقي وهو الوجود بعد عدم فالتقابل بينهما من التقابل بين الشيء والأخص من نقيضه، لأن نقيض القدم هو “لا قدم” كما علمت وهو يشمل الحدوث بالمعنى المذكور والتجدد بعد عدم، فعلى هذا ؛الحدوث أخص من لا قدم، الذي هو نقيض القدم.(ج)
  3. [3] الحوادث جمع حادث، وهو الذي وجد بعد أن كان معدوما وهو كل ما سوى الله تعالى، لأنه كان الله ولا شيء معه، ويسمى ما سوى الله سبحانه بالعاَلم بفتح اللام، وهو قسمان أجرام وأعراض، فالجرم ما يقوم بنفسه ولا يحتاج إلى ذات أخرى يقوم بها كذوات الحيوانات والحجر والشجر فإن كلا من هذه يقوم بنفسه، ومن صفات الجرم التحيز وهو أخذه قدر ذاته من الفراغ فكل جرم يأخذ مكانا قدر ذاته من الفراغ الذي بين السماء والأرض، فالجرم الطويل يأخذ فراغا مقدار ذاته في الطول والقصير يأخذ فراغا مقدار ذاته في القصر وهكذا. والعرض ما لا يقوم بنفسه بل يحتاج إلى ذات يقوم بها كالسواد والبياض وسائر الألوان والحركة والسكون فالسواد مثلا لا يوجد بنفسه بدون ذات يقوم بها بل لا تحقق له إلا في ذات من الذوات كثوب أسود أو خشبة سوداء وهكذا. والعالم محصور في هذين القسمين، والمولى سبحانه يستحيل في حقه أن يماثل شيئا من ذلك فليس جرما ولا عرضا.(ط)
  4. [4] اعلم أن أنواع المماثلة عشرة، الأول:أن يكون جرما الثاني أن يكون عرضا يقوم بالجرم الثالث أن يكون في جهة، الرابع أن يكون له هو جهة. الخامس أن يكون في مكان. السادس أن يكون في زمان السابع أن يكون محلا للحوادث. الثامن أن يكون متصفا بالصغر. التاسع أن يكون متصفا بالكبر. العاشر أن يكون متصفا بالأغراض في الأفعال والأحكام.(ج) وهي مذكورة هنا على هذا الترتيب.(س)
  5. [5] قال البيجوري فليس الله عن يمين العرش ولا عن شماله ولا أمامه ولا خلفه ولا فوقه ولا تحته، فليحذر كل الحذر مما يعتقده العامة من أن الله تعالى فوق العالم. لكن الصحيح أن معتقد الجهة لا يكفر كما قاله ابن عبدالسلام، وقيده النووي بأن يكون من العامة.(ج)قلت:قال العز في القواعد الكبرى:”ولا سيما قول معتقد الجهة، فإن اعتقاد موجود ليس بمتحرك ولا ساكن ولا منفصل عن العالم ولا متصل به ولا داخل فيه ولا خارج عنه لا يهتدي إليه أحد بأصل الخلقة في العادة، ولا يهتدي إليه أحد إلا بعد الوقوف على أدلة صعبة المدرك عسرة الفهم، فلأجل هذه المشقة عفا الله عنها في حق العامة”أهـ كلامه، وظاهره أن التقييد في حق العامة من العز وليس من النووي، وإنما النووي تبعه.(س)
  6. [6] والمجسمة من الحنابلة ومن تبعهم من أتباع ابن تيمية يثبتون يَدَيْنِ لله تعالى، ويقولون إن معناهما في حق الله كمعناهما في حق المخلوق إلا إنهم لا يصرحون بلفظ الجارحة والجزء لأنه لم يرد، ولئلا يتوهم الواحد أنهما يجوز انفصالهما عن ذات الله تعالى عن هرائهم، وأن هاتين اليدين كل منهما في جهة من الأخرى، وما ذلك إلا لأنهما يعتقدون أن هاتين اليدين أعضاء وجوارح، في المعنى ولكنهم يمنعون من إطلاق اسم الجزء والجارحة عليهما. وهذا كله باطل عند أهل السنة لا يجوز إثباته لله تعالى. وقد ناقشت واحدا منهم قد تربع على عرش المشيخة صرح بكل وضوح أن الله تعالى له قدر وأن معنى القدر عنده هو نفس معنى الحجم والحيز، ولكنه لا يصف الله تعالى بلفظ الحجم لأن هذا اللفظ غير جميل. فالمسألة عند هؤلاء مسألة ألفاظ لا معاني.فتأمل واستغرب ما شئت. (س)
  7. [7] رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة بلفظ:

    ولست أبالي حين أقتل مسلما…على أي شق كان لله مصرعي

    وذلك في ذات الإله وإن يشأ…يبارك على أوصال شلو ممزع

    والطبراني في المعجم الكبير.وابن حبان. ولم أجده عندهم بلفظ “على أي جنب”، ولكنه بمعنى “شقّ” كما تعلم.(س)

  8. [8] هذا المعنى للمكان إنما هو بأحد الإطلاقات اللغوية، ويطلق المكان على الحيز الذي فيه الجسم والمحدود بأطراف الجسم، وهذا المعنى قريب جدا إلى المعنى الاصطلاحي، وأما في الاصطلاح فهو كما قاله البيجوري:”والمكان عند أهل السنة هو الفراغ الموهوم”أهـ قلت أي الفراغ الموهوم الذي يشغله الجرم وتنفذ فيه أبعاده، وسماه موهوما لأنه لا يوجد وحده إلا في الوهم بعد أن يجرده وتنزعه العقل الإنساني عن الجسم. وأما عند جمهور الفلاسفة فهو “السطح الباطن من الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي كباطن الكوز المماس لظاهر الماء”أهـ ، ومعنى المكان الذي نفيناه عن الله تعالى في المتن هو بمعنى الاستقرار على الشيء، فالله تعالى لا يجوز أن يقال إنه مستقر على العرش، ولا على غيره استقرار مماسة وجلوس، وهذا هو الذي يسميه المجسمة والذين ينتسبون إلى السلف بالاستواء، فهم يقولون إن الله تعالى مستو على العرش بمعنى مستقر عليه بمماسة، وهو نفس معنى الجلوس! وهذا المعنى باطل لا يقول به إلا المجسمة، والذين أحيوا مذهبهم في هذا الزمان، ونشروه بين العامة والخاصة باسم مذهب السلف! وانطلى هذا المكر على كثير من الفضلاء! ولعلك تستغرب جدا عندما تعلم أن ابن تيمية يثبت لله الأمرين، أعني أنه يثبت لربه أنه جالس مستو على العرش ومستقر عليه، بمماسة، فيقول بناء على ذلك إنه على مكان، وهذا هو الذي نفيناه أعلاه، ويثبه لله تعالى أنه له مكان وهو المعنى الثاني للمكان بمعنى الفراغ الموهوم، وهو عين معنى الحيز، فيقول ابن تيمية إن لله تعالى حيزا لذاته، وحجما معينا، ويسمي الحجم بالقدر، فيقول إن لله تعالى قدرا معينا. ويقول بأن الله تعالى محيط بالمخلوقات إحاطة ذاتية مكانية وزمانية، بمعنى أنه بذاته لا بقدرته وعلمه فقط، محيط إحاطة تامة بالمخلوقات، فلو هبط الواحد إلى قعر العالم وخرج من الناحية الأخرى منه من أي جهة من الجهات لهبط على الله! كذا يقول، ولو توجهت إلى الله من أي جهة من جهات العالم أو جهاتك أنت للاقيت ذات الله بالامتداد المفروض من جهتك إلى طرف العالم، وعلى هذا المعنى الذي يقر به ابن تيمية، يكون الله تعالى هو مكان العالم بناء على معنى المكان الذي يقول به الفلاسفة، وهو السطح الباطن من الحاوي، المماس للسطح الظاهر من المحوي. وقد ذكر ابن تيمية هذه الأمور في عدة أكثر من كتاب له كالرد على أساس التقديس، وكمجموعة الرسائل والمسائل، ودرء التعارض، وغيرها. وصرح بذلك بعض أتباعه أيضا، كشراح عقيدته الواسطية. فافهم ذلك وتعجب ما شئت. وإذا أردت أن تعرف كيفية قوله بذلك، فارجع إلى كتابنا “الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية” الذي كشفنا فيه بنصوص طويلة وتحليل كاف، بعض الفضائح التي يقولون بها.(س)
  9. [9] الحدُّ معناه هو طرف الذات ونهايتها من جهة من الجهات، الذي عنده تبدأ ذات أخرى مفروضة أو موهومة، وهذا المعنى منفي عن الله تعالى مطلقا، فالله تعالى ليس لذاته حدود، ونهايات، لأن هذا يستلزم كون الذات جسما، وقد صرح أهل السنة بنفي هذا المعنى عنه تعالى كما قال الإمام الطحاوي :”وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات”اهـ.وعلى ذلك إجماع أهل السنة، لم يخالف في ذلك أحد منهم. وأما المبتدعة من المجسمة فقد نسبوا لله تعالى الحدود، فبعضهم كالقاضي أبي يعلى قال إن الله تعالى محدود من جهة العرش فقط، وأما من سائر الجهات فهو غير محدود! ولم يرتض ابن تيمية هذا القول وقال:إن الله تعالى محدود من سائر الجهات، أي من جميع جهاته الست، اليمين واليسار..الخ، وبنى ذلك على أصله الذي يقول به وهو أن كل جسم فلا يمكن أن توجد له أبعاد لا نهاية لها.ذكر ذلك في الرد على أساس التقديس! وقد يتوهم بعض الجهلة أنا إذا قلنا إن ذات الله ليس لها حد، فإنه يلزمنا الحلول والاتحاد أو وحدة الوجود، وهذا دليل على جهلهم، فإننا نقول أيضا بنفي الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، ومع ذلك نقول إن الله تعالى موجود وجودا يليق بذاته، ولا يليق بذاته أن تكون محدودة، فهو نفي للحد لا إثبات للاتحاد وغيره.(س)
  10. [10] أي يستحيل أن تدور عليه الأفلاك أو يكر عليه الجديدان الليل والنهار، والمشهور أن الزمان هو حركة الفلك، وقيل هو مقارنة متجدد موهوم لمتجدد معلوم إزالة للإبهام كما في قولك آتيك طلوعَ الشمس، وقيل غير ذلك. واختار بعض المحققين أنه من مواقف العقول وهو الحق. (ج) وقوله إنه الحق قد لا يسلمه له البعض. فتأمل (س) وإنما استحال عليه تعالى التقيد بالزمان والمكان لأنهما حادثان، فلا يتقيد بهما إلا الحادث مثلهما، والله سبحانه قديم فوجوده قبل الزمان والمكان،فلا يتقيد بواحد منهما،ولهذا لا يقال الله في مكان أو زمان لئلا يوهم تقيده بهما. نعم يجوز أن يقال الله موجود قبل المكان والزمان ومعهما وبعدهما.(غ)
  11. [11] الغرض هو الأمر الباعث أي الحامل على فعل أو حكم، ويسمى سببا باعثا وعلة باعثة، مثلا إذا قصدت إخراج الماء من الأرض فحفرتها حتى خرج الماء فالحفر فعل وخروج الماء غرض أي أمر باعث لك على الحفر، والله تعالى يستحيل عليه أن يتصف بغرض يبعثه على فعل من أفعاله كإيجاده لزيد أو على حكم من أحكامه كإيجابه للصلاة وتحريمه للزنى.(غ)
  12. [12] واعلم أن أفعاله تعالى وأحكامه وإن كانت منزهة عن الغرض لكن لا تخلو عن حكمة وإن لم تصل إليها عقولنا، لأنها لو لم تكن لحكمة لكانت عبثا وهو محال عليه تعالى. والفرق بين الغرض والحكمة أن الغرض يكون مقصودا من الفعل أو الحكم بحيث يكون باعثا وحاملا عليه والحكمة لا تكون كذلك.(ج) الحكمة ما يترتب على الفعل أو الحكم ولا يكون باعثا عليه كالركوب والزينة فإنهما الحكمة في خلق الله للخيل والبغال والحمير كما ذكره عز وجل في قوله تعالى (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة) وإنما لم تكن الحكمة باعثا لأن صاحبها يعلم قبل أن يصدر منه الفعل والحكم أنها تترتب قطعا على فعله وحكمه بخلاف صاحب الغرض فإنه يريد ويقصد من فعله وحكمه حصول غرضه ولا يعلم هل يترتب غرضه عليهما أو لا يترتب، ألا ترى إلى حافر الأرض ليخرج الماء فإنه يريد ويقصد من حفره خروج الماء ولا يعلم هل يخرج الماء أو لا يخرج،والله تعالى قد سبق علمه في الأزل بأفعاله وأحكامه وبما يترتب عليهما فلا تكون الأمور المترتبة على أفعاله وأحكامه حاملة له عليهما وإلا لكانت أغراضا له وهو جل وعز منزه عنها لما سيأتي.(غ) واعلم أن اللام المذكورة في القرآن في مواضع كثيرة ومنها قوله تعالى(وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون) تسمى لام العاقبة ولا تسمى لام التعليل،فليست عبادة الإنس والجن هي التي دفعت الله تعالى إلى خلقهم، لأن هذا يلزم منه أن الله تعالى محتاج إليهم لكي يعبدوه، وهذا باطل بالعقل والنقل،أما العقل فلأن المحتاج إلى غيره لكي يكمله ليس بكامل في نفسه، وما كان كذلك فلا يستحق أن يكون إلها. وأما النقل فأحاديث كثيرة منها ما ذكره الرسول من أن الإنس والجن لو كانوا جميعهم على قلب أتقى رجل منهم لما زاد ذلك في الله شيئا، وأيضا لو كانوا على قلب أكفر رجل منهم ما نقص ذلك من الله شيئا. ويصير معنى الآية أي وما خلقت الإنس والجن إلا ليعقب ذلك العبادة، أو إلا لآمرهم بالعبادة، والعبادة تكمل الإنس ولا تكمل الله خالق الإنس والجن.(س)

    قال القونوي في حاشيته على تفسير البيضاوي (230/18): “فاللام مستعار لترتب العبادة على خلقهم لكونه مشابهاً لترتب الغاية المطلوبة على الفعل في مطلق الترتيب” اهـ. قال: “والحاصل تمكنهم من العبادة مع كونها مطلوبة منهم نزل منزلة ترتب الغاية على الفعل فجعل العبادة غاية للخلق بهذا التأويل مبالغة في ذلك أي مبالغة في سببية كون خلقه على صورة مذكورة للعبادة فلا تكون العبادة غاية مطلوبة للخلق حقيقة بل تنزيلا، فههنا جعل العبادة غاية للخلق تنزيلا فاستعير له اللام، وفي قوله تعالى {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} جعل ترتب العداوة والحزن بالفعل على الالتقاط مع عدم كونه مطلوباً منه، منزلة الغاية المطلوبة فأدخل اللام عليه استعارة، فظهر الفرق بينهما، فإن ما نحن فيه العبادة مطلوبة ادعاءً وتنزيلاً سواءً ترتب على الخلق أو لا، وفي الآية المذكورة ترتب العداوة على الالتقاط بالفعل مع عدم كونه مطلوباً، فاللام فيهما استعارة وإن تغاير جهة الاستعارة فيهما، وقس على ذلك ما عداهما.

  13. [13] المراد من المخصص الموجد.(ج) والفاعل والمؤثر، أي إن الله تعالى لا يفتقر لا في ذاته ولا في صفاته إلى مخصص يخصصها على ما هي عليه، لأن ذلك يستلزم كون صفاته ممكنة الوجود وحادثة. ولا يقال أيضا إن الله تعالى يخصص ذاته بالوضع المعين أو بالصفات المعينة للزوم نفس المحذور أيضا. واعلم أن ابن تيمية أثبت ذلك المعنى في حق الله تعالى، فادعى مما ادعاه أن الله تعالى يتصرف في نفسه، بمعنى يغير أوضاع نفسه كما شاء، بالحركة والنزول والصعود والجلوس على العرش وإيجاد الصفات الحادثة في ذاته مثل الغضب والرضى والحروف والأصوات وغير ذلك. وهذا غلوٌّ من ابن تيمية في التجسيم.(س)
  14. [14] فيه رد على المعتزلة في قولهم بأن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية بقدرة خلقها الله فيه، والصحيح عدم كفرهم بذلك لأنهم لم يجعلوا خالقية العبد كخالقية الله تعالى،وذهب علماء ما وراء النهر إلى تكفيرهم، بل جعلوا المجوس أسعد حالا منهم، لأنهم لم يثبتوا لله تعالى إلا شريكا واحدا وهؤلاء أثبتوا لله شركاء كثيرة. (ج)
  15. [15] فلا تأثير للأسباب العادية في مسبباتها فلا تأثير للنار في الحرق ولا للطعام في الشبع ولا للسكين في القطع وهكذا فمن اعتقد أن شيئا منها يؤثر بنفسه فلا نزاع في كفره، ومن اعتقد أن شيئا منها يؤثر بقوة أودعها الله فيه فهو فاسق مبتدع، وفي كفره قولان والراجح عدم كفره، كمن اعتقد أن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية بقدرة أودعها الله فيه، ومن اعتقد أنه لا تأثير لشيء منها وإنما المؤثر هو الله تعالى لكن بينها وبين مسبباتها تلازم عقلي فمتى وجدت النار مثلا وجد الحرق، فهو جاهل بحقيقة الحكم وربما جره ذلك إلى الكفر، لأنه يؤديه إلى إنكار الأمور الخارقة للعادة كمعجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكبعث الأجسام، فلا ينجو إلا من اعتقد أنه لا تأثير لشيء منها وأنه لا تلازم بينها وبين مسبباتها بأن اعتقد صحة التخلف فيمكن أن يوجد السبب ولا يوجد المسبب، والله هو الموفق.(ج)
  16. [16] معنى كونه مجبورا هنا في الأفعال الاضطرارية كالارتعاش، أنه حتى لو أراد عدم الارتعاش فإنه يرتعش فالرعشة تحدث على خلاف إرادته. فلا تأثير لإرادته كفي عدم الارتعاش.(س)
  17. [17] لاحظ هنا أن إرادة الله تعالى تابعة لعلمه تعالى بأن هذا العبد يريد هذا الفعل الإرادي، فإنه بعلمه الأزلي يعلم إرادة العبد لهذا الفعل، فيخلقه له بأن يخلق إرادة للعبد وقدرة ملازمة لهذه الإرادة.(س)
  18. [18] بل الاقتران بين القدرة الحادثة والإرادة الحادثة وبين الفعل الحادث القائم بالعبد إنما يسمى كسبا أو فعلا أي لا على سبيل الخلق، لأن الخلق هو الإيجاد من العدم، والإيجاد من العدم لا يجوز إلا لله تعالى.(س)
  19. [19] معنى ذلك أنه إذا قلنا بأن قدرة العبد لها تعلق بالفعل الاختياري، فلا يلزم من ذلك أن هذه القدرة هي التي أوجدت الفعل، لأن هذا الأمر إنما يكون قياسا على قدرة الله تعالى، ومعلوم أن هذا لا يجوز، أي التمثيل بين الله تعالى وبين العباد في شيء من الأمور. إذن ما دام نسبة الخلق والتأثير لقدرة العباد تستلزم التشبيه، ونحن جزمنا أنها متعلقة بالفعل فلا بد إذن أن يكون تعلقها على وجه غير الخلق والتأثير، وهذا الوجه هو الذي سماه أهل السنة بالكسب. ولا يجوز أن يقال إن قولنا بتغاير حقيقة تعلق قدرة العبد وتعلق قدرة الله تعالى، هو أمر مخالف للعقول، بحجة أن تعلق القدرة لا بد أن يكون على سبيل التأثير. لأننا نقول: إن زعمكم أن تعلق القدرة مطلقا يجب أن يكون على سبيل التأثير إنما جاء من قياسكم قدرة العبد على قدرة الله، وهذا باطل، فالأصل عدم القياس وعدم وجود أي وجه مشترك بين القدرتين وبالتالي بين تعلقي القدرتين. وذلك كما نقول في العلم الذي يتصف به الله تعالى فإنه يتعلق بالمعلومات تعلقا يغاير تعلق العلم الحادث بالمعلومات. فتعلق العلم الحادث قد يكون تأثرا أو كيفية، وقد يكون انطباع صورة في النفس، وغير ذلك،وقد يكون على سبيل الضرورة وقد يكون بعد نظر إلى آخر وجوه الافتراق بين العلمين،ومعلوم أن علم الله تعالى لا يجوز نسبة أي مفهوم من هذه المفاهيم إليه.ومع هذا فإننا نطلق على الحاصل فينا أنه علم، ونطلق على الصفة القائمة بالله تعالى أنها علم. فمع قولنا بالتغاير بين الحقيقتين إلا أننا أجزنا إطلاق نفس الاسم عليهما، وهذا ليس مستبعدا لغة، فوجود الله تعالى لا يساويه وجود آخر، ومع ذلك فإنك ترى أننا نطلق على أنفسنا الوجود ونطلق على الله تعالى الوجود.وهكذا البقاء، ونحن نقطع أن جميع هذه الصفات في الله مخالفة لما هي عليه فينا.فتعلم من هذا أن ما ادعيناه في القدرة الحادثة أمر غير مستغرب، وهو جار على نسق واحد مع باقي الصفات، كما ترى. والمخالف يلزمه التشبيه بلا ريب. فمن ذلك تعلم أن مخالفة كثير من الفرق للسادة الأشاعرة والماتريدية في كون القدرة الحادثة إنما هي على سبيل الكسب، مخالفة باطلة، وادعاؤهم أن هذا أمر غير مفهوم كلام متناقض مع ما يقررونه هم-أي سائر الفرق المخالفة- في سائر الصفات، من مخالفة الله تعالى لسائر الحوادث. ويشذ عن هذا القول المجسمة من الحنابلة والمنتسبين إلى السلف الصالح وهم منهم براء، لأنهم يماثلون في الحقيقة بين الخالق والمخلوق في حقائق سائر الأمور، ويميزون بينهما في الشكل والكيفية فقط. فهؤلاء ربما لا ينفون أن تكون قدرة العبد خالقة، وربما ينسبون ذلك كعادتهم إلى الفطرة والبداهة، وهم في ذلك مخالفون لسائر الفرق والعقلاء. فتأمل في هذا فإنه يحل إشكالات عديدة،ويوضح قول أهل السنة.(س)
  20. [20] معلوم أن هذا التشبيه بين إضافة الرأس للعبد وبين إضافة الفعل الاختياري له، إنما هو من حيث مطلق الإضافة فقط، لأننا نعلم أن الرأس لا يقال فيه إن قدرة العبد متعلقة به على سبيل الكسب،ولكن أريد هنا أنه كما لا يبعد أن يضاف إلى العبد أمر اتفق على أنه غير مخلوق له كالرأس، فكذلك لا يبعد أن يضاف إليه فعله الاختياري على سبيل الكسب لا الخلق، ويضاف إلى الله تعالى على سبيل الخلق لا الكسب.فتأمل.(س)
  21. [21] المنع من نسبة الشر إلى الله تعالى إنما هو بسبب أن البعض قد يتوهم أن نسبة الشر إليه تعالى تقتضي أن يكون شريرا، ومع أن هذا باطل، لأن الشرير هو من اكتسب الشر لا من خلقه، والكسب فيه جهة اتصاف،والخلق مجرد فعل في الحقيقة لا صفة كما بينا قبل ذلك في صفات الأفعال، وقلنا إن قولنا “صفات الأفعال” إنما هو على سبيل التجاوز لأن الفعل في الحقيقية ليس صفة، فالصفة تقتضي أن تكون قائمة بالموصوف، والفعل لا يقوم بالله، لحدوثه. فلذلك فإننا نقول بمنع نسبة الشر إلى الله تعالى دفعا لما يتوهمه الناس من اقتضاء ذلك كونه تعالى شريرا، ومع بطلان هذا إلا أن الاحتياط في مثل ذلك ألزم، والمنع على سبيل الأدب، فيصرح في مقام التعليم أن الله خالق الشر والخير، ويبين عدم اقتضاء ذلك لكونه تعالى شريرا. واعلم أن بعض العلماء حقق أن الشر أمر لا وجود له، لأنه يرجع في الحاصل إلى عدم أمر ما. وبالتالي فليس مخلوقا أصلا، لأن المخلوق لا يكون عدميا. وبالتالي يتم الخروج مطلقا من الإشكال المشهور وهو أن الله إذا كان خالقا للشر فهو شرير. هذا مع أننا بينا أعلاه أن خالق الشر لا يقال عنه شرير بل مكتسب الشر هو الشرير. وفي مسألة الشر كلام دقيق مبين في المطولات.(س)
  22. [22] هذا الكلام المتعلق بالكسب أعلاه استفدناه من العلامة المارغني، ثم قال بعد ذلك:” وعليه فليس للحي كالعبد في الأفعال الاختيارية إلا الاختيار في الظاهر والكسب، وإنما قلنا في الظاهر لأنه في الباطن مجبور لأن الله تعالى هو الذي خلق فيه الاختيار كما خلق الفعل والقدرة المقارنة له فهو مجبور في صورة مختار كالقلم في يد الكاتب، وقد رتب الله تعالى على الاختيار في الظاهر وعلى الكسب التكليف والثواب والعقاب ولله التصرف في خلقه كيف شاء لا رادَّ لحكمه ولا معقب لقضائه ولا يسأل عما يفعل فلله الحجة البالغة” أهـ. ولنا على هذه الفقرة تعليق ولذلك لم نثبته في الأصل. فقوله إن العبد مجبور في الباطن غير مسلم، لأن الجبر معناه صدور الفعل على خلاف الإرادة، فإذا كنا نقول أصلا بأن الفعل الاختياري لا يخلقه الله تعالى في العبد إلا موافقا لإرادة العبد المخلوقة فيه نتيجة لعلم الله تعالى، كما وضحناه في تعليقاتنا أعلاه، فكيف يقال إن العبد مجبور باطنا، مختار ظاهرا؟! بل هذا الكلام غير مستقيم، فكون الله تعالى خالقا في العبد إرادته وفعله وقدرته لا يستلزم مطلقا أن يكون العبد مجبورا، بل هذا هو الاختيار، لأنه تابع لإرادة العبد التي علمها الله تعالى منذ الأزل، وقد نبه إلى هذا العلامة المحقق الإمام السعد التفتازاني في شرح العقائد النسفية فقال:”فإن قيل:بعد تعميم علم الله تعالى وإرادته،الجبرُ لازم قطعا لأنهما إما أن يتعلقا بوجود الفعل فيجب أو بعدمه فيمتنع، ولا اختيار مع الوجوب والامتناع. قلنا:يعلم ويريد أن العبد يفعله أو يتركه باختياره، فلا إشكال. فإن قيل :فيكون فعله الاختياري واجبا أو ممتنعا وهذا ينافي الاختيار. قلنا:ممنوعٌ، فإن الوجوب بالاختيار محقِّقٌ للاختيار لا مناف، وأيضا منقوض بأفعال الباري جل ذكره لأن علمه وإرادته متعلقان بأفعاله فيلزم أن يكون فعله واجبا عليه.”أهـ كلامه وهو في غاية الإفادة. ومعنى عبارته الأخيرة :” أي ومعلوم أن فعله غير واجب عليه، فيبطل كلامكم”.

    وهذه العبارة أعني “العبد مجبور في قالب مختار” قد فسرها الشيخ عليش في شرحه على السنوسية الكبرى فقال ما حاصله: العبد مجبور في الباطن ونفس الأمر على فعله الاختياري فإنه لا يمكنه تركه بعد خلق الشهوة والميل والإرادة والعزم عليه والقدرة عليه، وأما كونه مختارا للفعل والترك في الظاهر فلأنه بحسب الظاهر يفعل إن شاء ويترك إن شاء، وفي نفس الأمر والحقيقة لا فعل له، وإنما الفعل لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. هكذا فسر الشيخ عليش هذه العبارة هو معنى حسن ولطيف. أي إننا يمكن أن نتصور أن يريد العبد بعد أن يترك فعله وذلك بعد العزم عليه وخلق الشهوة والميل الخ، ولكننا ندرك أن فعله في هذه الحالة واجب، لأن الفعل عند القدرة والداعية والإرادة واجب، وهذا يكون مخالفا لإرادته التي تصورنا وقوعها منه بعد ذلك. فافهم.(س)

  23. [23] الكراهة هنا هي مقابل الإرادة كما ذكرناه، وليست مقابل المحبة كما هو بين. أي فاللازم أنه لا يوجد شيئا إلا بإرادته، ولا يقال إنه تعالى لا يوجد شيئا إلا بمحبته.فتأمل.فقد فسرها بعض المجسمة بغير هذا، ونسبوا إلى الأشاعرة أنهم يقولون أن الله تعالى بما أنه أوجد الكفر، ولا يوجد شيئا مع كراهيته لوجوده،إذن فقد أوجده مع محبته، فقالوا إن الأشاعرة يقولون إن الله يحب الكفر مطلقا.وهو قول باطل كما ترى. لأن الكراهة هنا مقابل الإرادة لا مقابل المحبة.فتنبه.(س)
  24. [24] وقع في كلام أهل السنة التعبير بالتعليل لكن ليس مرادهم به التعليل الذي قالت به الفلاسفة، وإنما مرادهم به التلازم بين أمرين عقلا أو شرعا أو عادة، فلا تغتر بظواهر العبارات.(غ) وقد استغل ابن تيمية وقوع لفظ التعليل في كلام بعض أهل السنة في كلامهم في الفقه نحو أن يقولوا إن علة تحريم الخمر هي الإسكار، وغير ذلك، فادعى أنهم يتناقضون ويبطلون أصولهم التي يبنونها. وكلامه هذا باطل لأنهم أي أهل السنة قد نبهوا على أن العلة إذا أطلقوها في الفقه وأصول الفقه فإنهم يريدون بها المعرِّف كما هو معلوم في أصول الفقه، بخلاف العلة في كلام المعتزلة فإنهم يريدون بها المؤثر. وابن تيمية عادة ما يلجأ إلى مثل هذا الأسلوب في مناقشته للسادة الأشاعرة فإنه يفسر كلامهم تفسيرا باطلا ثم يبني رده على تفسيره لكلامهم، وينسب إليهم ما لم يقولوه.فتأمل ولا تغتر. ومثله في ذلك كل الذين اغتروا بكلامه ومنهم المعلمي والمقبلي والشوكاني وغيرهم كما هو معروف لدى المطلع، فإن هؤلاء ساروا خلف ابن تيمية يكررون ما قاله بلا تحقيق منهم، وحالهم أنهم يظهرون الاجتهاد وأين هم منه؟!(س)
  25. [25] الفرق بين التعليل والطبع عند القائلين بهما وإن كانا مشتركين في عدم الاختيار أن الإيجاد بطريق التعليل لا يتوقف على وجود شرط ولا انتفاء مانع إذ لا يتصور أن تتحرك اليد ويمنع مانع من تحرك الخاتم الذي فيها، بخلاف الإيجاد بطريق الطبع كإحراق النار فإنه يتوقف على شرط وهو المس وانتفاء مانع وهو البلل. والفاعل بالتعليل والفاعل بالطبع عند القائلين بهما إنما يأتي منهما الفعل دون الترك، والفاعل بالاختيار هو الذي يتأتى منه الفعل والترك وهو مولانا سبحانه وتعالى لا غيره.(ط)
  26. [26] وقيل الذهول أعم من الغفلة لأن الغفلة زوال الشيء من المدركة مع بقائه في الحافظة، والذهول زواله من لمدركة مطلقا، وعلى هذا فالسهو مرادف للغفلة، كما يؤخذ من القاموس حيث قال غفل عنه تركه وسها عنه.أهـ وأما النسيان فهو أخص من الذهول لأنه زوال الشيء من الحافظة والمدركة معا.ووجه منافاة كل من الذهول والغفلة للإرادة أنهما منافيان للعلم، وكل ما كان منافيا للعلم كان منافيا للإرادة، فهما منافيان للإرادة بواسطة منافاتهما للعلم.(ج)
  27. [27] فالفرق بين التعليل والطبع أن الأول لا يتوقف على وجود شرط وانتفاء مانع بخلاف الثاني.(ج)
  28. [28] الموت هو أمر وجودي عند أهل السنة، وأما عند المعتزلة فهو عدم الحياة عما من شأنه أن يكون حيا، والتقابل بينه وبين الحياة من تقابل الضدين على الأول، ومن تقابل العدم والملكة على الثاني. (ج)
  29. [29] هو أمر وجودي يضاد السمع عند أهل السنة، وأما عند المعتزلة فهو عدم السمع عما من شأنه أن يكون سميعا.(ج)
  30. [30] قال الإمام السنوسي في شرح صغرى الصغرى:وقولنا في السمع والبصر المتعلقان بجميع الموجودات، أي ينكشف لسمعه تعالى وبصره جميع الموجودات قديمة كانت أو حادثة، وليس كسمع المخلوق الذي يختص عادة تعلقه بالأصوات ولا كبصر المخلوق الذي إنما يتعلق عادة بالأجسام والألوان والأكوان، وبرهان عموم التعلق لسمعه تعالى أن مصحح تعلقهما إنما هو الوجود، فلو تعلقا ببعض الموجودات دون بعض لافتقرا إلى مخصص، فيكونان حادثين، وقيام الحوادث بذاته تعالى مستحيل، والحاصل أن ثبوت هاتين الصفتين أخذ من الشرع وتعلقهما بجميع الموجودات أخذ من الدليل العقلي.اهـ، يقصد الإمام السنوسي بالدليل العقلي أن هذه المسألة تحتاج إلى مزيد نظر وبسط، ولا يكفي فيها الاعتماد على ما يبدو لأول النظر سواء في العقليات أو النقليات، وخالفه بعض العلماء في كون هاتين الصفتين تتعلقان بالموجودات، وقال بل تتعلقان بالمسموعات والمبصرات، ورد عليه السنوسي ردا مطولا، وبينهما مراسلات معروفة، وهي مسألة دقيقة. وعلى كل حال فلا يجوز التوهم بأن المقصود بالمسموعات مجرد الأصوات، لأن المعتمد عند أكثر من أهل السنة سماع كلام الله النفسي، وأن الله تعالى يسمع كلامه النفسي، وهو ليس بصوت ولا بحرف، وكذلك لا يقال بأن المبصرات هي الألوان فقط لأن الله تعالى يرى نفسه وهو تعالى ليس بلون ولا له لون. فعلى العاقل أن يستحضر هذه اللمعات فإنها تقرب كلام الإمام السنوسي إلى عقله ولا يبادر بالمخالفة، قبل الفهم. والمسألة من دقيق الكلام، ولنا فيها تحقيق لا يتسع هذا المختصر لإثباته.فتأمل.(س)
  31. [31] هو أمر وجودي يضاد البصر عند أهل السنة وأما عند المعتزلة فهو عدم البصر عما من شأنه أن يكون بصيرا.(ج)
  32. [32] هو أمر وجودي يضاد الكلام عند أهل السنة، وأما عند المعتزلة فهو عدم الكلام عما من شأنه أن يكون متكلما.(ج)
صفحة 78

الجائز في حق الله تعالى

يجوز في حق الله تعالى إيجاد كل ممكن أو تركه[1]، ففعل كل فرد من أفراد الممكن وتركه جائز، ولا يجوز فعل الممكنات جميعا دفعة واحدة، لأن الممكنات لا نهاية لها فكل ما قدر العقل جوازه فهو ممكن وفعله دفعة واحدة يؤدي إلى فراغ ما لا نهاية له وهذا محال[2].

ملاحظة: دخل في الجائز بعثة الرسل فليست بواجبة كما قالت المعتزلة ولا مستحيلة كما قالت البراهمة والسُّمَنِيَّة، ولا مكتسبة كما قالت الفلاسفة ولا ذاتية كما قالت الكرَّامية، فالبراهمة والفلاسفة ضلُّوا والمعتزلة والكرامية مبتدعة. ومذهب أهل السنة أن النبوة والرسالة فضلٌ من الله تعالى.

ودخل في الجائز ثواب المطيع وعقاب العاصي[3]، ورؤية الله تعالى فيراه المؤمنون منزها عن الجهة والمقابلة والمكان وغير ذلك من الأمور العادية، فكما علموه منزها يرونه كذلك، فرؤيته تعالى جائزة وواقعة في الآخرة للمؤمنين وأما في الدنيا فجائزة عقلا ممنوعة شرعا لحديث”لن تروا ربكم حتى تموتوا”[4]، وأما

صفحة 79

في الدنيا فلم تقع لأحد كما هو المعتمد عند المحققين[5]. فكل هذا جائز في العقل لكن الشرع أخبر بوقوعها فيجب الإيمان به.

ودخل في الجائز مراعاة الصلاح والأصلح[6] خلافا للمعتزلة في قولهم بوجوب الصلاح والأصلح، والمراد بالصلاح ما ضده فساد والأصلح ما ضده صلاح.

صفحة 80

واعلم أن الإيجاد والإعدام وغيرهما مما يجوز في حقه تعالى تسمى بصفات الأفعال[7]، وهي عبارة عن التعلقات التنجيزية أي التعلقات بالفعل للقدرة كإيجاد زيد بالفعل وإعدام عمرو بالفعل، وكلها حادثة لأنها جائزة، وكل جائز حادث.

فصفات الأفعال حادثة وليست من الصفات القائمة بذاته تعالى حتى يلزم قيام الحوادث بذاته، وهو محال، وإنما عدوها من صفاته تعالى لأنها صادرة عن قدرته فهي أثر لها لا أنها قائمة بذاته تعالى لأنها جائزة كما علمت، فالجائز لا يقوم بذاته تعالى؛ ولأن الذي يقوم بذاته من الصفات ما كان له تحقق في الخارج عن الذهن، وصفات الأفعال ليست كذلك لأنها إضافات أي تعلقات بين القدرة ومقدورها، والإضافات أمور اعتبارية لا ثبوت لها في الخارج.

ولهذا لا يطلق على صفات الأفعال الحدوث بمعنى الوجود بعد العدم، وإنما يطلق عليها الحدوث بمعنى التجدد، ولا شك أنها متجددة فيما لا يزال[8].

  1. [1] ما يجوز في حقه تعالى منحصر فيما ذكر.(ج) والممكن عند علماء هذا الفن كل ما حكم العقل باستواء وجوده وعدمه ويسمى جائزا ومعنى فعل الممكن إيجاد الله له ومعنى تركه إبقاؤه في العدم، وكل ممكن يجوز عقلا في حق الله تعالى فعله أو تركه، ولا يجب عليه عقلا فعل شيء منه، ولا يستحيل عليه عقلا ترك شيء منه بل يفعل منه ما شاء ويترك ما شاء فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن،ويسمى كل فعل من أفعاله تعالى شأنا له قال تعالى (كل يوم هو في شأن) أي كل وقت هو أي الرب تعالى في شأن أي أمر يظهره على وفق ما قدره وأراده في الأزل من إيجاد وإعدام وإعزاز وإذلال وإغناء وإفقار وإعطاء سائل وإجابة داع وغير ذلك من شئونه جل وعز.(غ)
  2. [2] وأيضا إيجاد الممكنات دفعة واحدة يؤدي إلى فراغ قدرة الله تعالى، أي عدم قدرته على إيجاد ممكن آخر، لأنه قد أوجده.فتأمل.(س)
  3. [3] قد يعرض لبعض الممكنات الوجوب لإخبار الشرع بوقوعه ويسمى واجبا عرضيا وواجبا لغيره وقد يعرض لبعضها الاستحالة لإخبار الشرع بعدم وقوعه ويسمى مستحيلا عرضيا ومستحيلا لغيره، فالأول كدخول الطائع الجنة، والثاني كدخول الكافر الجنة،فإن كلا منهما من الممكن عقلا بالنظر لذاته، لكن صار الأول واجبا شرعا والثاني مستحيلا شرعا لما ذكرنا.(غ)
  4. [4] رواه النسائي في سننه الكبرى عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني حدثتكم عن المسيح الدجال حتى خفت أن لا تعقلوه هو قصير فجج جعد أعور مطموس عين اليسرى ليس بناتئة ولا حجراء فإن التبس عليكم فاعلموا أن ربكم تبارك وتعالى ليس بأعور وإنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا.

    ورواه الطبراني في مسند الشاميين عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني حدثتكم عن الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا وإنه أعور العين ليست بناتئة ولا حجراء واعلموا أن الله عز وجل ليس بأعور وأنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا.

    وقد استدل بعض الحمقى بهذا الحديث على أن الله تعالى له عينان اثنتان، وأن معنى ذلك هو نفس ما يفهم إذا قيل إن للإنسان عينان اثنتان، ولكنه منع فقط إطلاق اسم الجارحة والعضو والجزء عليهما، وأما معناه فأثبته، ونسب ذلك للسلف ولأهل السنة كذبا عليهم. وهذا تجسيم محض، وعدم التصريح بلفظ الجزء والبعض منه لا يعفيه من كونه مجسما فإن حكمنا عليه بالتجسيم مبني على المعنى الذي يثبته في حق الله تعالى لا على اللفظ. ولاحظ أنه لا يوجد تصريح مطلقا في الحديث بأيٍّ من ذلك، ولكنه فهمه بمفهوم المخالفة، ومفهوم المخالفة ضعيف وفي قبوله في الفقهيات خلاف فكيف يعتمد أصلا في العقائد! هذا فضلا عن أن مفهوم المخالفة يستلزم التشبيه بين الخلافين. وهذا يستلزم هنا تشبيه الله تعالى بخلقه، وهو باطل عندنا. ولكن هذا القائل توهم أنه إذا نفي عنه تعالى كونه أعورا فيلزم من ذلك كونه له عينان، وهذا فهم باطل، فالمقصود من الحديث هو مجرد نفي النقص عنه تعالى، ولفت النظر إلى أن العوَرَ نقص لا يليق به جل شأنه. ولا يلزم من ذلك إثبات عينين جارحتين، لأن نفي العور أعم من أن يكون له عينان أو اكثر أو أقل أو أن لا يكون له عينان أصلا. ولعل هذا الحديث فيه إشارة إلى أن أكثر أتباع الدجال في آخر الزمان هم المجسمة الذين يعتقدون أن الله تعالى على صورة الإنسان، فهؤلاء هم فقط من يمكن أن يضلوا فيعتقدوا أن الدجال هو إلههم الذي يعبدونه، خاصة حين صدور بعض الخوارق على يديه بإذن الله تعالى، فنبههم الرسول عليه السلام كما يناسب عقولهم إلى أن الدجال أعور، وأن الله لا يليق به أن يكون أعور حتى لو كان على صورة الإنسان في زعمكم. فيكون الحديث إلزاما لهم على سبيل التنزل. وإذا فهم هذا من الحديث أن لله تعالى عينين اثنتين، فليفهم منه أيضا أن الله تعالى لا يفترق في الشكل عن الدجال إلا بأن الدجال أعور العين، فإذا منع ذلك، فيجب عليه الاعتراف بأن الحديث إنما أريد به نفي النقص عن الله تعالى، لا إثبات عينين. وهذا الحديث فيه تحذير كبير من التشبيه والتجسيم كما لا يخفى. وفيه فوائد أخرى، لا مجال لذكرها هنا.(س)

  5. [5] ونازع البعض فادعى وقوعها للنبي عليه السلام، وهو مرجوح، والخلاف فيها يسير(س)
  6. [6] المقصود بالصلاح والأصلح عند المعتزلة أي بالنسبة إلى الفرد لا المجموع.(س)
  7. [7] يطلق السادة الماتريدية على هذا المعنى صفة التكوين. وتحديدا فإن صفة التكوين عندهم هي ما تصدر عنه هذه الأفعال وليست هي نفس هذه الأفعال، وعندهم أن القدرة متعلقة بصحة وجود المقدور، والتكوين متعلق بوجود المقدور ومؤثر فيه، كما نص عليه أبو عذبة في الروضة البهية، وقال السعد في شرح العقائد: والتكوين صفة حقيقية هي مبدأ الإضافة التي هي إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود لا عينها.اهـ ومنه يفهم أن الفعل عندهم ليس قديما بل الصفة التي يقع بها الفعل هي القديمة. فصفات الأفعال عندهم هي صفات قديمة تصدر عنها أفعال حادثة. والمعتمد عندهم إثبات صفة التكوين وهي صفة الفعل، بالمعنى المتقدم. وأما الأشاعرة فالتحقيق عندهم كما بيناه في الأصل من أن الأفعال هي تعلقات لصفة القدرة، ولكونها ناشئة عن صفة يسمونها بصفات الأفعال. وهو الذي عليه المحققون(س)
  8. [8] هذه الفقرة استفدناها من شرح المارغني، واعلم أن ابن تيمية قد أوهم في بعض كلامه أن السادة الماتريدية يقولون بقيام الصفات الحادثة بالله تعالى وكون الأفعال قديمة، في حين إنهم يقولون إن الصفة التي بها الفعل قديمة وليس الأفعال، مفسرا قولهم بصفة التكوين وهي المقصودة بصفة الأفعال كما وضحناه أعلاه، وادعى أنهم يقولون أن إثبات هذه الصفة يلزم عنه قيام الحادث بالله تعالى، ولا يريد ابن تيمية من ذلك إلا نصرة مذهبه الذي ينص على أن الحوادث تقوم بذات الله تعالى، وهو أيضا يقول إن أفعال الله تعالى قائمة بذاته، وليس كذلك مذهب الماتريدية. وهذا هو شأن ابن تيمية في تفسير مذاهب خصومه كما يريد هو لا كما يريدون هم، ثم يستغلها بعد ذلك في تثبيت مذهبه في التجسيم.والجاهل بأقوال القوم هو الذي يغتر بأقواله ومزاعمه.(س)
 
Top