القسم الثالث: صفات المعاني

صفحة 43

القسم الثالث
صفات المعاني

وحقيقة صفات المعاني[1] هي الصفات الوجودية.

فهي كل صفة موجودة في نفسها قائمة بموجود أوجبت له حكما، ولا تظن أن قولنا أن لها وجودا في نفسها يستلزم جواز قيامها بنفسها، بل هي لا تقوم إلا بالذات. والمراد بالإيجاب التلازم[2]. والمراد بالأحكام أي المعنوية فالقدرة يلازمها كونه قادرا

صفحة 44
والإرادة يلازمها كونه مريداً الخ، وصفات المعاني سبعة[3] وهي القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام[4].

  1. [1] إن صفات المعاني زائدة على الذات قائمة لازمة لها لزوما لا يقبل الانفكاك، فهي دائمة الوجود مستحيلة العدم، فهو حي بحياة عالم بعلم وهكذا . ثم اعلم أن وجوب صفات المعاني ذاتي لها مثل وجوب الذات وليست ممكنة في نفسها واجبة بوجوب الذات، خلافا للسعد تبعا للفخر وتبعه البيضاوي وجماعة، وشنع عليه التلمساني …الخ”اهـ (ص)وتبعه في التشنيع السنوسي وكثير منهم الصاوي، والحق أن المسألة لا تستحق كل هذه الشدة، لأن مراد هؤلاء ليس إمكان الصفات بمعنى حدوثها، بل إمكانها بمعنى توقفها على الذات في الوجود، وهذا المعنى صحيح لأنها لا يمكن أن توجد وحدها، لامتناع قيام الصفة بلا ذات تقوم بها.وقد أكثر المتأخرون من المتكلمين من التشنيع على الإمام الرازي ومن قال بقوله في هذه المسألة، وحملوا كلامه ما لا يحتمله. هذا مع التسليم بأن قول الرازي لا يليق مع فرض صحة معناه بهذا المقام. وليلاحظ القارئ أن جمعور المتكلمين مشوا على القول بأنل كل ممكن حادث، وخالفهم الرازي وبعض من تبعه فقالوا بإمكان قدم الممكن على ما يفهم من ظاهر كلام السعد، على أن الممكن محل كلام الرازي ليس مطلقاً بل مراد به بعض أنواع الممكنات، لا مطلقاً كما يتبادر إلى فهم كثير من المتكلمين.

    ثم اعلم أنه مع ذلك لا يلزم الإمام الرازي قيام صفات حادثة بالله تعالى لأن الصفات عنده نسب وهي عدمية.(س).

  2. [2]  أي لا يجوز أن يتوهم أن المراد بالإيجاب هنا التأثير لكي لا يلزم أن الذات أوجدت الصفات أو أن بعض الصفات أوجدت البعض الآخر، فهذا كله باطل، بل المقصود أن الصفات والذات متلازمة لا الذات مؤثرة في الصفات ولا العكس. فالتأثر دليل النقص، حتى لو كانت الذات تؤثر في نفسها فهو نقص أيضا، لأن الأثر معناه أن يوجد أمر كان معدوما أو يعدم أمر كان موجودا، والذي يطرأ إما أن يكون نقصا أو كمالا فإن كان نقصا لزم اتصاف الذات بنقص، فيلزم كونها ناقصة وهو محال، وإن كان كمالا يلزم أن الذات لم تكن كاملة فقد كانت ناقصة لأنه لا توجد رتبة بين الأمرين، وكون الذات ناقصة باطل، حتى لو فرض استكمالها بعد ذلك. واستكمال الذات بما تحدثه في نفسها هو قول المجسمة الذين أجازوا قيام الحوادث بالذات الإلهية، وهو قول باطل، وممن قال به ابن تيمية وأصحابه، وهو خلاف ما يقول به أهل السنة. بل ابن تيمية يقول لا دليل على أن استكمال الذات بهذا الوجه باطل بل هو الواجب للذات، وهذا هو شأنه في تصوير الحق باطلا وتصوير الباطل حقا، وقد بينا ذلك بتفصيل في كتاب الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية، فتنبه.(س)
  3. [3] عدُّ المعاني سبعة لا أكثر، لأن الدليل القطعي إنما دل على هذه السبعة، ولم يدل على أن ما عداها يغايرها، فمثلا لو قلنا الله تعالى مصور، فإننا لا نفهم من اسم المصور إلا أنه يخلق الصور، وكونه تعالى خالق للصور، مترتب على كونه تعالى قادرا مريدا عالما، وهكذا، فالخالق لا بد أن يكون قادرا مريدا عالما كذلك. والمنتقم كذلك، ولو تمعنت في أكثر الأسماء الحسنى الواردة في الكتاب والسنة لرأيتها ترجع إلى ما ذكرناه، فهذا هو ما نقصده عندما نقول إن الدليل لم يدل على أن الأسماء المذكورة دالة على وجود صفات غير هذه السبعة، وهذا لا يعني حصر صفات الله تعالى في نفس الأمر بهذه الصفات السبعة، ولكن غاية ما نقوله هو أنه لا دليل تفصيليا على الصفات الزائدة تفصيلا، بل الدليل دلُّ إجمالا على أن كمالات الله تعالى غير متناهية، لكن لا تتعلق قدرتنا بمعرفتها تفصيلا، ولم يرد في الكتاب والسنة ما يدل على ما عدا هذه الصفات دلالة قطعية، والأصل أن نتمسك بالدليل القطعي خصوصا فيما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته،وأما ما ورد من نسبة الوجه واليد والعين إلى الله تعالى فراجع إلى ما ذكرناه من الصفات السبعة ولا يزيد عليها.(س)
  4. [4] بيان الخلاف في صفة الإدراك: اختلفوا هل للمولى تعالى صفة زائدة على السبع المعاني تسمى الإدراك يدرك بها الملموسات والمذوقات والمشمومات لأنها كمال، وكل كمال يجب أن يثبت له، أو لا لأنه لم يرد إطلاقه على الله تعالى وصفة العلم مغنية عنه، وقيل بالتوقف وهو الأصح، لأنه وإن لم يرد إطلاقه لكنه كمال فلا نثبته ولا ننفيه. والدليل العقلي عليه ضعيف فإنه لا يلزم من كونها كمالا في حق الحادث كونها كمالا في حق القديم.(ص) بتصرف.واعلم أن السادة الماتريدية الأحناف مع قولهم أن الله يدرك المحسوسات وغيرها كما مضى إلا أنهم ينفون أن يكون إدراكه لها بمماسة كما ادعى ذلك بعض المجسمة عليهم. فالإدراك من باب صفة العلم والله تعالى لا يحتاج لكي يعلم إلى مماسة المعلوم.فتنبه.(س)
صفحة 45

القدرة والإرادة

وحقيقة القدرة[1] : صفة أزلية يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه على وفق الإرادة[2]. وحقيقة الإرادة صفة أزلية يتأتى بها تخصيص[3] الممكن ببعض ما يجوز عليه على وفق العلم[4]

صفحة 46

والذي يجوز على الممكن هي المتقابلات الستة، وهي ستة تقابلها ستة: الوجود والزمان المخصوص والمكان المخصوص والمقدار المخصوص والجهة المخصوصة والصفة المخصوصة. مع مقابلها. وهاتان الصفتان تطلبان أمرا زائدا على قيامهما بمحلهما. وهذا الطلب يسمى تعلقا.

وللإرادة كما قيل تعلقان اثنان[5]صلوحي قديم  وتنجيزي قديم. والقدرة لها تعلقان اثنان فقط وهما صلوحي قديم تنجيزي حادث.

وتتعلق هاتان الصفتان بالممكنات فقط[6]، فلا يتعلقان إذن بواجب ولا مستحيل[7]، لأنهما إن تعلقتا بإيجاد الواجب لزم تحصيل الحاصل، وهذا باطل عقلا، وإن تعلقتا بإعدام

صفحة 47

الواجب لزم قلب الحقائق، فالواجب لا يمكن أن يفنى، لأنه إن فَنِيَ أصبح غير واجب. ويستحيل أن يكون الواجب غير واجب. وكذلك المستحيل إن تعلقتا بإعدامه لزم تحصيل الحاصل.

وإن تعلقتا بإيجاده لزم قلب الحقائق وكلاهما باطل. فالمستحيل لا يقبل الوجود[8].

صفحة 49

والدليل على وجوب وصف الله تعالى بالقدرة من الكتاب قوله تعالى(إن الله على كل شيء قدير)البقرة:148، لأن حقيقة القادرمن له قدرة. ومن السنة عدُّ الرسول صلى الله عليه وسلم في أسماء الله تعالى اسم القادر[9].

ودليل الإرادة من الكتاب قوله تعالى(فعال لما يريد)البروج:16، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:”ما شاء الله كان وما شاء لم يكن[10]. وأجمع أهل السنة على أن الله تعالى متصف بالقدرة والإرادة. وأما برهان العقل فسيأتي.

صفحة 50

 

ملاحظة: الممكنات على أربعة أقسام ممكن وُجِدَ وانقضى وممكن موجود الآن وممكن سيوجد في المستقبل وممكن علم الله تعالى أنه لا يوجد كإيمان أبي جهل وغيره من الكفار الذين ماتوا على الكفر.

وتتعلق القدرة والإرادة بكل من الأقسام الثلاثة الأولى قطعا، وأما القسم الرابع ففيه خلاف وضحه صاحب إضاءة الدجنة بقوله:

فإن يكن علم بنفيه جرى…ففي تعلق به خلف ســرى

مثاله الإيمان من أبي لهب…والبعض للتوفيق في ذاك ذهب

أي من يرى تعلقا به اعتبر…إمكانه الأصلي مع قطع النظر

عن غيره ومن نفاه راعى…تعلق العلم به امتنــــاعا

والصحيح أن التعلق نظرا لإمكانه الأصلي، هو تعلق صلوحي لا تنجيزي.

  1. [1] يجب أن تثبت للقدرة أنها واحدة، ودليل هذا أنه يلزم على تعددها اجتماع مؤثرين على أثر واحد. ويجب أن تثبت أنها عامة التعلق بالممكنات ودليل هذا أنه لو خرج ممكن عن تعلقها لزم منه العجز، والحاصل أن تعلق القدرة التنجيزي مرتب في التعلق والحصول على تعلق الإرادة التنجيزي، وتعلق الإرادة مرتب على تعلق العلم في التعلق أيضا لا في الوجود، لأن الواقع أنهما قديمان.وهذا معنى قولهم يجب الإيمان بالقضاء والقدر، فالقضاء هو عين تعلق الإرادة والعلم التنجيزيين، والقدر هو عين تعلق القدرة التنجيزي وتعلق الإرادة التنجيزي الحادث على القول به.(ص)

    إمكان الصلوحي متفق عليه ولم يخالف فيه إلا بعض شواذ المعتزلة والتمانع إنما يتم مع فرض التنجيزي لا الصلوحي أي يتم بفرض التعلق التنجيزي ولا يشترط تعلقه بالفعل ونجرد تحقق الصلوحي كافٍ لفرض التنجيزي(س).

    وجهة ورود العجز عند عدم التعلق التنجيزي هي أنها صالحة ولكنها لم تتعلق بالفعل، فالسبب في عدم تعلقها إمّا من الذات أو غير الذات، ومهما كان فيلزم انفعالها وتخصيصها، مع لزوم الدور أو التسلسل في الاحتمال الأول والعجز القطعي من الاحتمال الثاني.

  2. [2] أي إن إيجاد الله للممكن وإعدامه له على وفق تعلق إرادته به لأنه تعالى لا يوجد أو يعدم بقدرته إلا ما أراد وجوده أو عدمه من الممكنات، وبهذا تعلم أن تعلق القدرة فرع عن تعلق الإرادة أي تابع له ومتأخر عنه في التعقل.(غ) فالتابعية هذه ليست زمانية كما قد يتوهم البعض، بل هي فقط في التعقل، بمعنى أن العقل لا يدرك قادرا إلا مريدا، فالتصديق بالإرادة شرط عقلي للتصديق بالقدرة.(س)
  3. [3] وإسناد التخصيص إليها مجاز عقلي من باب الإسناد إلى السبب، وإلا فالمخصص حقيقة هو الذات الأقدس، وكذلك إسناد التأثير إلى القدرة في قول بعضهم هي صفة تؤثر في الممكن الوجود أو العدم، فهو مجاز عقلي من باب الإسناد إلى السبب وإلا فالمؤثر حقيقة هو الذات الأقدس، إذ لا فعل إلا له كما نص عليه غير واحد من المحققين.(ج)
  4. [4] أي إن تخصيص الله تعالى للممكن على وفق تعلق علمه تعالى به لأنه جل وعز لا يخصص بإرادته إلا ما علم من الممكنات خيرا كان أو شرا، فكل ممكن علم الله تعالى أنه يكون أو لا يكون فذلك مراده، وبذلك تعلم أن تعلق الإرادة فرع عن تعلق العلم أي تابع له ومتأخر عنه في التعقل.(غ) ويقال هنا ما قلنا سابقا في ترتب القدرة على الإرادة، ومعنى كون الإرادة متأخرة في التعقل عن العلم، أي أن العقل لا يمكن أن يتعقل مريدا إلا بشرط كونه عالما، وليس هو ترتبا زمانيا كما قد يتوهم البعض. ولهذا الترتب المذكور هنا يقول العلماء أن هذه الصفات الثلاثة صفات مترتبات، واعلم أن هذه المسألة أي ترتب هذه الصفات الثلاثة كما هو مشروح هنا، لها تعلقا كبيرا في فهم معنى القضاء والقدر، وبناءا عليها يحل الإشكال الذي قد يوجهه البعض ممن لم يتمعن في معاني العقائد بأن كون الله تعالى خالق لأفعال العباد يلزمه أن العباد مجبورون على أفعالهم، وهذا الإيراد ساذج أي غير مبني على علم ولا على تحقيق، ورده مبني على المسألة السابقة كما ذكرنا.(س)
  5. [5] قال البيجوري:فتلخص أن للإرادة ثلاث تعلقات بناء على القول بأن لها تعلقا تنجيزيا حادثا، والتحقيق أن ذلك ليس تعلقا مستقلا بل إظهارٌ للتعلق التنجيزي القديم، وعلى هذا فيكون لها تعلقان فقط، أحدهما صلوحي قديم والآخر تنجيزي قديم.(ج) قال ابن كيران في شرحه على ابن عاشر: ومنهم من زاد للإرادة تعلقاً تنجيزياً حادثاً حاصلاً عند بروز المقدورات لأوقاتها، والحق أنه يكفي في ذلك التنجيزي القديم. اهـ وقد يقول قائل بالتنجيزي الحادث والصلوحي القديم فقط، فليتأمل.(س)
  6. [6] لا يقال: يلزم من عدم تعلقهما بالواجبات والمستحيلات نسبة العجز إلى الله تعالى لقصور قدرته وإرادته عن التعلق بهما، لأنا نقول: لا عجزَ ولا قصورَ، وإن توهمهما بعض الأغبياء من المبتدعة، وذلك لأن العجز والقصور إنما يلزمان فيما يمكن أن تتعلق به القدرة والإرادة ولم تتعلقا به، أما ما لا يمكن أن تتعلقا به فلا يلزم فيه ذلك أصلا، ولا شك أن المستحيلات والواجبات لا يمكن تعليق القدرة والإرادة بهما لما علمت(غ) أي من لزوم انقلاب كل من المستحيل والواجب ممكنا، أو قلب الحقائق.(س)
  7. [7] فعدم تعلق القدرة بالواجب والمستحيل ليس بعجز، بخلاف عدم تعلقهما بالممكن.

    وأما قول الإمام الغزالي “ليس بالإمكان أبدع مما كان” فقد استشكلوه قديما لإيهامه العجز وهو عليه محال، وأجيب عنه بأجوبة منها؛ أن المراد بالإمكان إمكان الخلائق فالمعنى ليس في إمكان الخلائق تغيير ما أراده الله وأبدعه. ومنها أن المراد إمكان الله تعالى باعتبار تعلق علمه أزلا، وتعلق القدرة التنجيزي لا يكون إلا على طبق ما سبق به العلم، وإلا لانقلب العلم جهلا. ومنها أن المراد ليس في الإمكان جعل الحادث قديما.(ص)

    اعترض البقاعي على الغزالي في قوله :ليس في الإمكان أبدع مما كان بأن فيه نسبة العجز إليه تعالى. لكن أُجيب بأن المراد أنه لا يمكن أن يوجد أبدع من هذا العالم لعدم تعلق قدرة الله وإرادته بإيجاده. ولو شاء الله تعالى لأوجد أبدع منه، فليس في كلامه ما يقتضي نسبة العجز إليه تعالى كما توهمه البقاعي فاعترض عليه.(ج)

  8. [8] ولا يلزم من عدم تعلق القدرة بهما عجز لأنهما ليسا من وظيفتها، ولأنها لو تعلقت بهما لزم الفساد إذ يلزم عليه تعلقهما بإعدام الذات العلية، وبسلب الألوهية عنها ونحو ذلك، وبهذا يعلم سقوط قول بعض المبتدعة إن الله قادر أن يتخذ ولدا،إذ لو لم يقدر عليه لكان عاجزا.(ج) وهذا الذي أشار إليه البيجوري هو ابن حزم الظاهري الذي قال في كتابه الفصل في الملل والنحل: “وكذلك من سأل هل الله تعالى قادر على أن يتخذ ولدا فالجواب إنه تعالى قادر على ذلك”أهـ كلامه، وظاهرٌ أن كلامه هذا باطل واحتجاجه بالآية (لو أراد الله أن يتخذ ولد لاصطفى مما يخلق ما يشاء) استدلال تافه، لأن الاتخاذ هنا فسر في الآية نفسها بمعنى الاصطفاء وتخصيص جواب لو بالاصطفاء دليل على امتناع الاتخاذ على غير هذه الصورة، ومعنى الاصطفاء هو الرعاية، أما اتخاذ الولد بالمعنى العام كما يكون للواحد من الناس ولد،وكما هو ظاهر ما جوزه ابن حزم في كلامه، لا ظاهر الآية، فهو باطل عقلا ونقلا كما مر. وكلام ابن حزم متخابط كما لا يخفى. وقد رد عليه الإمام ابن العربي في كتابه العواصم من القواصم فقال: “فانظروا إلى هذه الداهية العظمى كيف جهل الجائز من المستحيل في العقل والمعقول المفهوم من الكلام دون ما لا يعقل، فإن هذا الكلام ليس له معنى مفهوم إذ قوله: هل يقدر الله أن يتخذ ولدا، ليس يفهم، لأن الله هو الذي لا يتصور أن يكون له ولد، ولا يمكن، فإذن، معنى قول القائل هل يقدر الله الذي لا يصح أن يوجد منه ولد على أن يكون له ولد، فنقض آخر الكلام أوله، فلم يكن له معنى معقول فيستحق به جوابا.”أهـ، قلت: وقد رد على ابن حزم غير واحد من أهل السنة. وقد انخدع بعض الناس في هذا الزمان بقوله فقالوا به بل قالوا بأشنع مما قال هو به، وقد سمعت واحدا منهم يقول إن الله لو شاء أن يعدم نفسه لفعل. وهذا كفر بالله العظيم، وقال لو شاء الله أن يلد لولد، فهذه العبارة أشنع من قول ابن حزم لو شاء أن يتخذ ولدا لفعل، لاحتمال عبارة ابن حزم معنى ممكنا كما قربناه لك وإن كان بعيدا غير سائغ، بخلاف تلك العبارة الشنيعة.(س) ونقل البيجوري عن بعضهم انه سئل عمن قال:لا يقدر الله أن يخرجني من مملكته هل يكفر أو لا؟فأجاب بأنه لا يكفر لأن خروجه من مملكته تعالى مستحيل، لعدم إمكان وجود مملكة لغيره فلا يخرجه إليها، والقدرة لا تتعلق بالمستحيل فلا ضير في ذلك كما لا ضير في أن يقال لا يقدر الله أن يتخذ ولدا أو زوجة أو نحو ذلك.أهـ كلامه، أقول: وهذا الجواب ضعيف لأن قولك الله لا يقدر، يوهم النقص لأنه يلزم منه أن القدرة أصلا تتعلق ولكنه لا يقدر، والأصل في الجواب أن يقال أصل القدرة لا تتعلق بالمستحيل، لأن المستحيل لا يقبل الوجود أصلا.وفرق بين أن يقال لا يقدر وبين أن يقال القدرة لا تتعلق بذلك وبيانه كما يلي: إذا قلنا إن الإنسان لا يقدر على أن يخلق جناح بعوضة  فهناك احتمالان لمعنة هذه العبارة:

    الأول: أن الإنسان يصلح لأن يخلق، ولكن هناك مانع منعه من خلق المذكور بعينه.

    الثاني: أن الإنسان لا يصلح لأن يخلق شيئاً أصلاً ولذلك فلا يستطيع خلق جناح بعوضة.

    وظاهر أن المعنى الأول يلزم منه نقص قدرته وعجزه قطعاً، بخلاف الثاني لاحتماله عدم وجود قدرته على الخلق أصلاً وفرق كبير بين المعنيين، وكذلك قول القائل الله لا يقدر على المستحيل، يحتمل هذين المعنيين، ولكن قولنا قدرة الله لا تتعلق أصلاً بالمستحيل، فهذا المعنى يستلزم فقط عدم صلوحية المستحيل للانفعال بالقدرة، لأن فاعلية القدرة واحدة، فالنقص جاء من جهة المستحيل لا من جهة القدرة، وهذا المعنى لا يستلزم أي وجه من وجوه النقص، ولعدم تنبّه البعض لهذا الفرق ظن منعنا من القول الأول مبنياً على وجوب الأدب في حق الله فقط، مع أنه ليس كذلك.

    مع ملاحظة أن الإفتاء يتألف في هذه الحالة من قسمين؛ الأول: الحكم بأن القائل عل يكفر أو لا، والثاني علة هذا الحكم. وانتقادي إنما توجه على التعليل لا على الحكم، بل أقول إن القائل بعدم قدرة الله على ذلك إذا ظن أنه مما يصح تعلق القدرة به فقط يكفر، وإلا فتعبيره غلط لإجماله كما قلنا، ومعنى الإجمال هنا هو عدم تمامية الجواب كما ينبغي لمقام الافتاء فكان اللازم التنبيه لاحتمال العبارة محل السؤال معنىً باطلاً، وبناءً على ذلك يضبط الجواب، والله أعلم. فتأمل. ويشهد لما حررته ما قاله الإمام الشهرستاني في نهاية الإقدام ص47: “وأما ما يستحيل وجوده فلا يقال: الباري تعالى ليس قادراً عليه، بل يقال: المستحيل في ذاته غير مقدور، فلا يتصور وجوده”. اهـ

    ثم وجدت نصاً آخر لأحد علماء المقرب وهو الشيخ أحمد بن محمد التفجروتي من علماء القن العاشر الهجري، قال في كتابه تنبيه الغافل عمّا يظنه عالم وهو به جاهل: “فإن قيل أيضاً هل يجوز أن يقال: الله لا يقدر على المحال، والله غير قادر به؟ قلنا: لا يجوز لما في اللفظ من إيهام التعجيز، ولا يجوز إطلاق الألفاظ الموهمة في حق الله تعالى إلا بتوقيف والصواب أن يقال: المحال لا تتعلق به القدرة، أو المحال غير مقدور، وشبه ذلك مما لا يتوهم نقصاً في حقه سبحانه وتعالى. هذا ما ذكره أئمتنا -رضي الله عنهم- وهو بيّن”. اهـ فظهر بهذا صواب ما قرّرنا سابقاً، والحمدلله.(س).

  9. [9] منها ما رواه الترمذي في الجامع الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم..القادر المقتدر المقدم المؤخر..الخ. وكذلك هو عند الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة.

    وقال الإمام الطحاوي في شرح معاني الآثار: حدثنا علي بن معبد قال ثنا علي بن الجعد قال ثنا الربيع بن صبيح عن حيان الصائغ قال كان نقش خاتم أبي بكر الصديق نعم القادر الله.

    وأخرج الإمام النسائي في السنن الكبرى عن جابر بن عبد الله قال لما نزلت هذه الآية (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) قال النبي صلى الله عليه وسلم أعوذ بوجهك قال أو من تحت أرجلكم قال النبي صلى الله عليه وسلم أعوذ بوجهك أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أهون أو هذا أيسر.(س)

  10. [10] رواه الإمام النسائي في السنن الكبرى قال: أخبرنا أحمد بن عمرو قال حدثنا بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث أن سالما الفراء حدثه أن عبد الحميد مولى بنى هاشم حدثه إن أمه حدثته وكانت تخدم بعض بنات النبي إن بنت النبي صلى الله عليه وسلم حدثتها إن النبي صلى الله عليه وسلم قال قولي حين تصبحين سبحان الله وبحمده ولا قوة إلا بالله ما شاء الله كان وما شاء لم يكن اعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بك شيء علما فإنه من قالهنّ حين يصبح وذكر كلمة معناها حفظ حتى يمسي ومن قالهن حين يمسي حفظ حتى يصبح.

    ورواه الطبراني في المعجم الكبير عن زيد بن حارثة قال كنت غلاما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم انطلقوا بنا إلى إنسان قد رأينا شأنه قال فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وأصحابه معه حتى دخلوا بين حائطين في زقاق طويل..حتى قال فيه.. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اخسأ ما شاء الله كان ثم انصرف.

    ورواه أبو داود في السنن عن عبد الحميد مولى بني هاشم حدثه أن أمه حدثته وكانت تخدم بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم أن ابنة النبي صلى الله عليه وسلم حدثتها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمها فيقول قولي حين تصبحين سبحان الله وبحمده لا قوة إلا بالله ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن أعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما فإنه من قالهن حين يصبح حفظ حتى يمسي ومن قالهن حين يمسي حفظ حتى يصبح.(س)

صفحة 50

العلم

وحقيقة العلم : صفة أزلية ينكشف بها لله كل معلوم على ما هو انكشافا لا يحتمل النقيض بوجه من الوجوه. وقال بعضهم حقيقة العلم صفة أزلية لها تعلق بالمعلوم على وجه الإحاطة والشمول دون سبق خفاء[1]

والعلم يتعلق تعلقا تنجيزيا قديما بجميع الواجبات والمستحيلات والجائزات، مثال الواجبات ذاته وصفاته وأسماؤه فيعلمها على الحقيقة، مثال المستحيلات الزوجة والولد والشريك وسائر النقائص فيعلمها مستحيلة منفية عنه. ومثال الجائزات أنه يعلم سبحانه وتعالى جميع الجائزات ذاتَ الممكنات وصفاتها وأسماءها. ودليل العلم من الكتاب قوله تعالى(والله بكل شيء عليم)النساء:176، ومن السنة أنه صلى الله عليه وسلم عدَّ في الأسماء الحسنى العليم[2]. وقد أجمع أهل السنة على أن الله تعالى عالم بعلم. وأما برهان العقل فسيأتي.

صفحة 51
ملاحظة: تعلق العلم كله تنجيزي قديم وليس له تعلق صلوحي لأن من صلح لأن يعلم فليس بعالم في الحال.

  1. [1] العلم هي صفة وجودية قائمة بذاته تعالى تتعلق بالشيء على وجه الإحاطة على ما هو به دون سبق خفاء، كذا قال الكمال وهو أحسن مما قاله غيره.(ج) يقصد بالكمال الكمال ابن الهمام العلامة المعروف صاحب كتاب المسامرة بشرح المسايرة في العقائد.(س)
  2. [2] مرت الإشارة أكثر من مرة إلى الأحاديث التي فيها عدُّ أسماء الله الحسنى.(س)
صفحة 51

الحياة

وحقيقة الحياة صفة أزلية تصحح لمن قامت به أن يتصف بصفات الإدراك. والمراد بصفات الإدراك السمع والبصر والعلم ولا مفهوم للإدراك[1]. فالحياة شرط عقلي في جميع صفات المعاني يلزم من عدمها عدم الإدراك ولا يلزم من وجودها وجود الإدراك ولا عدمه. فالإدراك واجب لله لقيام الأدلة على ذلك.

والحياة لا تتعلق بشيء[2]، وإنما هي شرط في جميع صفات المعاني ومن صفة نفسها أنها لا تتعلق بشيء، أي لا تطلب أمرا زائدا على قيامها بمحلها فليست من صفات التأثير كالقدرة والإرادة ولا من صفات الانكشاف كالسمع والبصر والعلم، ولا من صفات الدلالة كالكلام.

والدليل على وجوب الحياة من الكتاب قوله تعالى (وتوكل على الحي الذي لا يموت)الفرقان:58، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:”اللهم يا حي يا قيوم”[3]. وقد أجمعت الأمة على أن الله تعالى حي بحياة. وبرهان العقل فسيأتي.

  1. [1] أي لا مفهوم له كصفة خاصة بل من حيث إنه يصدق على ما ذكر.(س)
  2. [2] أي لا تقتضي أمرا زائدا على القيام بمحلها بخلاف غيرها من صفات المعاني فإنه يقتضي أمرا زائدا على القيام بمحله، فالقدرة تقتضي مقدورا يتأتى بها إيجاده وإعدامه، والإرادة تقتضي مرادا يتأتى بها تخصيصه والعلم يقتضي معلوما يتضح به، والسمع يقتضي مسموعا يسمع به والبصر يقتضي مبصرا يبصر به والكلام يقتضي معنى يدل عليه.(غ)
  3. [3] رواه الحاكم في المستدرك عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حلقة ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد تشهد ودعا فقال في دعائه اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد دعا باسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وقد روي من وجه آخر عن أنس بن مالك. ورواه النسائي في المجتبى عن أنس أيضا. وهذا الدعاء “يا حي يا قيوم” كان الرسول عليه السلام يكثر من استعماله، كما رواه أصحاب السنن، فقد روى الحاكم والنسائي في السنن الكبرى عن علي رضي الله عنه، أن الرسول عليه السلام دعا به في غزوة بدر. وهذا اللفظ مشهور في الأحاديث.(س)
صفحة 52

السمع والبصر

وحقيقة كل من السمع والبصر صفة أزلية ينكشف بها لله كل موجود. وانكشاف السمع يباين انكشاف البصر.

وهما صفتان كما ورد النقل بهما ووجب الإيمان بهما ولا يزيدان على علمه في الانكشاف بل في حقيقتهما وتعلقهما الخاص بهما وهو تعلقهما بالموجودات سواء كانت الموجودات قديمة كذاته العلية وجميع صفاته الموجودة، أو حادثة كذوات الكائنات وجميع صفاتها الوجودية[1].  وتعلقهما بذاته وصفاته الوجودية تنجيزي قديم، وبذوات الكائنات وصفاتها الوجودية تنجيزي حادث وصلوحي قديم.

والدليل على وجوب السمع والبصر من الكتاب قوله تعالى (وهو السميع البصير) الشورى:11.

صفحة 53

 

ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم لما مرَّ بأناس يستسقون ويدعون الله جهرا فقال:”يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم -أي أمهلوا عليها-فإنكم لم تدعوا أصمَّ ولا أعمى وإنما تدعون سميعا بصيرا”[2]. وأجمعت الأمة على أن الله تعالى سميع بصير. ودليل العقل يأتي.

ملاحظة: اعلم أنه تعالى يسمع سمعه بسمعه ويبصر بصره ببصره كما أنه يعلم علمه بعلمه، لأن صفات الانكشاف تتعلق بأنفسها بخلاف صفات التأثير فإنها تتعلق بالممكنات فقط.

  1. [1] فيسمع سبحانه ويرى في الأزل ذاته العلية وجميع صفاته الوجودية التي منها سمعه وبصره ويسمع ويرى مع ذلك فيما لا يزال ذوات الكائنات كلها وجميع صفاتها الوجودية كيف ما كان كل منهما، فسمعه تعالى وبصره ليس بشرط عدم البعد جدا وعدم السر جدا وبصرنا إنما يتعلق عادة ببعض الموجودات وهو الأجسام وألوانها وحركتها وسكونها بشرط أن يكون المرئي في جهة الأمام وأن لا يكون بعيدا جدا ولا قريبا جدا.(غ) وهذا لأن سمعه تعالى صفة من صفاته، وليس عضوا منه كما يتوهم المجسمة، فيقولون إن لله عينين وإن كل عين منهما يشار إليها إشارة غير ما يشار إلى الأخرى، وأن إحداهما على يمين الأخرى، فهذا تجسيم محض، تعالى الله عنه، وهو من افتراءات المجسمة. وأما نحن فنقول كما أن لله صفة هي العلم فله أيضا صفة هي السمع وسمعه بلا عضو ولا جارحة، كما هو في المخلوق، وكذا يقال في بصره.(س)
  2. [2] رواه البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنه معكم إنه سميع قريب تبارك اسمه وتعالى جده.

    ورواه أيضا عن أبي موسى الأشعري وفيه:” إنكم تدعون سميعا قريبا”. وفي رواية عنه:”ولكن تدعون سميعا بصيرا”.

    ورواه مسلم في صحيحه والنسائي في الكبرى وأبو داود عنه أيضا والبيهقي عنه وعن جابر بن عبد الله. ورواه عبد بن حميد في المنتخب عن عبد الله بن قيس.وغيرهم.(س)

صفحة 53

الكلام

وحقيقة الكلام هو المعنى القائم بالذات المعبر عنه بالعبارات المختلفات المباين لجنس الحروف والأصوات المنزه عن التقديم والتأخير والكل والبعض واللحن والإعراب وسائر أنواع التغيرات المتعلق بما يتعلق به العلم من المتعلقات.

وكلام الله تعالى ليس بحروف لأن الحروف حادثة.

وكلام الله ليس بصوت لأن الأصوات حادثة، والحروف والأصوات فيهما

صفحة 54

 

تقديم وتأخير وكلام الله تعالى منزه عن ذلك[1]، وليس بسرٍّ أيضا ولا جهر لأنهما من كلام الحوادث.

صفحة 55
واعلم أنه يطلق على الكتب المنزلة على الرسل أنها كلام الله تعالى، لأنها ظهرت منه تعالى إحداثا وتركيبا، ولم يحدثها غيره، ولا يجوز أن يقال إن جبريل عليه السلام هو الذي ركب هذه الحروف في نفسه ثم أنزلها على سيدنا محمد عليه السلام، بل الله تعالى علم جبريلَ هذه الألفاظ وأمره بإنزالها على سيدنا محمد عليه السلام، وهذه الألفاظ ليست هي نفس الصفة النفسية كما يتوهم البعض، بل هي دالة عليها دلالة عقلية أو عرفية، لأن الألفاظ مركبة وحادثة[2]،  والصفة النفسية التي هي الكلام لا يجوز أن تكون كذلك، لأن الحوادث لا تقوم بالخالق عز وجل. ومن هذا الباب يطلق على هذه الكلمات المنزلة على الرسل أنه كلام الله تعالى[3]، أي لأنها دالة على بعض مدلولات الكلام النفسي الأزلي. فالكلام النفسي لله تعالى دال على جميع الواجبات والجائزات والمستحيلات، وأما الكلام المنزل على الرسل صلوات الله تعالى عليهم، فيدل على بعض مدلولات كلام الله تعالى النفسي، أي إن الكتب السماوية لا تدل على جميع معلومات الله عز وجل، ولا على جميع مدلولات كلامه النفسي[4].

صفحة 56

ويتعلق الكلام بالواجبات والمستحيلات والجائزات تعلُّقَ دلالة وإخبار[5]، مثال دلالة الكلام على الواجب قوله تعالى(قل هو الله أحد)الإخلاص:1،إلى آخر السورة، ومثال دلالته على الجائز قوله تعالى(وربك يخلق ما يشاء ويخـتار)القصص:68، ومثال دلالته على المستحيل قوله تعالى(لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)الأنبياء:22. وتعلقه بالنسبة للواجب والمستحيل تنجيزي قديم وبالنسبة لأفعال المكلفين صلوحي قديم وتنجيزي حادث.

ودليل وجوب الكلام من الكتاب قوله تعالى (وكلم الله موسى تكليما)النساء:164، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:”ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان”[6].

صفحة 57

وأجمعت أهل السنة على أن الله تعالى متكلم بكلام قديم أزلي. وبرهان العقل فسيأتي[7].

ملاحظة: اعلم أن كلام الله تعالى للنبي موسى عليه السلام أنه أزال منه المانع حتى سمع كلامه القديم الذي ليس بحرف ولا صوت على مذهب الإمام الأشعري وأكثر أهل السنة، ثم رد عليه المانع فلم يسمع وليس أن الله تعالى ابتدأ كلامه لموسى ولا انعدام كلامه بعد رد المانع عليه لأن كلامه تعالى قديم والقديم لا يتغير ولا يتبدل.

ملاحظة: صفات المعاني لها مطالب سبعة، وجودها وقدمها وبقاؤها ومخالفتها وغناؤها عن المخصص ووحدتها وعموم تعلقها بما تتعلق به إلا الحياة فمطالبها ستة.

ملاحظة: اعلم أن صفات المعاني لا يقال فيها عين الذات ولا غير الذات. فهي كالواحد مع العشرة لا عين العشرة ولا غيرها. فالعينية ممنوعة لفظا واعتقادا لأن الاتحاد محال. والغيرية بمعنى الانفصال عن الذات فلا تجوز لفظا ولا اعتقادا لأنه يلزم عليها الحدوث.

  1. [1] كون كلام الله تعالى ليس بحرف ولا بصوت هو المعتمد عند أهل السنة بل هو الحق الذي لا ريب فيه، وقال العضد إنه بحروف وأصوات قديمة ويلزم عليه كما قال المتأخرون أن كلامه تعالى فيه التقديم والتأخر، لكن أجيب عن ذلك:بأن حروفنا إنما جاءها التقدم والتأخر من اختلاف المخارج، ومن تنزه عن ذلك تنزه كلامه عن ذلك، وهذا الكلام إنما سرى للعضد من الحشوية فلا يعول عليه. وقال جماعة نسبوا أنفسهم إلى الحنابلة إنه بحروف وأصوات لكن إن نسبت إليه تعالى كانت قديمة، وإن نسبت إلى الحوادث كانت حادثة، ولا يخفى بطلان هذا الكلام(ج) ولا يخفى أن كلام العضد ضعيف وقد نبه على ذلك الإمام السعد في شرح العقائد النسفية، ووضح الشريف الجرجاني حاصل رأي العضد هذا في شرح المواقف، وقد ذكر هناك أن العضد ذكر رأيه هذا في مقالة خاصة في الكلام، فتأمل. ولكن إذا كان العضد يقصد بذلك ما وقع في علم الله تعالى فله وجه، مع أنه غير محل الخلاف. واعلم أن بعض الحشوية الذين انتسبوا إلى السلف الصالح وهم منهم براء، ادعوا أن كلام الله تعالى عبارة عن حوادث هي حروف وأصوات تقوم هذه الحروف والأصوات بذاته الشريفة، وتكون تابعة لإرادته وقدرته أي إن الله تعالى يوجدها في ذاته بعد أن لم تكن موجودة، وهي حادثة الشخص قديمة النوع، أي إن كل كلمة منها حادثة، وأما جنس الكلام فهو قديم، لأن الله يتكلم إذا شاء، ومشيئته تعالى قديمة، فيلزم عليه أن يكون كلامه قديما بالنوع حادثا بالأفراد. وهذا هو حقيقة قول ابن تيمية ومن تبعه، وقد صرح به في أكثر من موضع. واعلم أن هذا المذهب باطل، ولا دليل عليه من الكتاب والسنة، ولكنهم جروا في ذلك على قياس كلام الخالق على كلام المخلوق، فقالوا إن كل كلام نراه في الشاهد فهو بحرف وصوت، فبما أنه قد ثبت أن الله متكلم فيجب إذن أن يكون كلامه بحرف وصوت. وظاهر أن هذا قياس للخالق على المخلوق، وهو من أبطل الباطل. فلا يلزم إذا كان كلام المخلوق حرفا وصوتا أن يكون كلام الله تعالى كذلك. ثم إننا نعلم أن الكلام في اللغة قد يطلق على الإشارات والعقد بالأصابع وعلى الكلام النفسي الذي يشعر به كل إنسان في نفسه. فالطفل الصغير قبل أن يتحدث بحرف وصوت فإنه يكون قبل ذلك يحدث نفسه بالكلام النفسي، فالكلام النفسي سابق في الوجود على الكلام بالحرف والصوت، بل هو شرط وجود الكلام الذي بالحرف والصوت، يعلم ذلك من لاحظ الطفل وهو يتعلم الكلام، والتفصيل في الاستدلال على الكلام النفسي ليس هذا محله، فقياسهم إذن معتمد على مقدمة باطلة، مع أن الكلام اللفظي يلزم عليه النقص للذات واستكمال الذات لكمالاتها على التدريج، وهو باطل بلا توقف.(س)
  2. [2] لا يجوز أن يقال كلام الله مخلوق أو حادث، ويقصد بكلام الله ألفاظ الكتب السماوية لئلا يتوهم من ذلك حدوث الكلام القديم، وكذا لا يجوز أن يقال القرآن مخلوق أو حادث لأن القرآن يطلق على اللفظ المنزل على نبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز، وعلى صفة الكلام القائمة بذات الله تعالى، فربما يتوهم من إطلاق أن القرآن مخلوق أو حادث حدوث الصفة القائمة بذاته تعالى، نعم يجوز أن يقال ذلك في مقام التعليم.(غ) أي يجوز ذلك لئلا يسبق إلى الوهم أن هذه الحروف المركبة المنزلة على الرسل قديمة لا بداية لها.(س)
  3. [3] كما يسمى الكلام القديم بكلام الله، تسمى الكتب السماوية بكلام الله،إما لأنها دالة على بعض مدلوله المترجم بها عنه فقيل لها كلام الله كما يقال للكلام المترجم كلام السلطان مثلا هذا كلام السلطان، وكما يقال للكلام المحكي في القرآن عن الأنبياء وأممهم الأعجميين هذا كلامهم مع أنه ليس عين كلامهم بل هو ترجمة عنه. وإما لأن الله تعالى خلق تلك الألفاظ وأنزلها على رسله بواسطة جبريل، فهي كلام الله بمعنى أنها مخلوقة لله وليست من تأليف الخلق.(غ)
  4. [4] فألفاظ الكتب السماوية دالة على ما يدل عليه الكلام القديم،أي مشاركة له في مدلوله، لكن لا في كله بل في بعضه، لأن الكلام القديم دال على ما لا يتناهى من الواجبات والجائزات والمستحيلات، وتلك الألفاظ ترجمة عن بعض مدلوله ولذا اختلف باختلاف الألسنة واللغات، فالألفاظ المنزلة بالعربية قرآن وبالعبرانية توراة وبالسريانية إنجيل وزبور.(غ)
  5. [5] الكتب السماوية دالة على بعض مدلولات الكلام النفسي، ولا يحيط بكل مدلوله إلا هو، وكذلك الكتب السماوية.وتكليم الله تعالى لسيدنا موسى عليه السلام كان بالكلام النفسي على التحقيق عند الأشاعرة وبعض الماتريدية خلافا للمعتزلة والبعض الآخر من الماتريدية، فتقسيم الكلام النفسي إلى أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد، إنما هو لتلك المدلولات التي يدل عليها الكلام الحسي وأما الصفة القديمة فيستحيل انقسامها.

    واعلم أن كلام الله يطلق بالاشتراك على الحسي والنفسي الذي هو الصفة القديمة فهو حقيقة عرفية في كل، فالحسي ما كان بحرف وصوت مدلوله بعض مدلول الكلام النفسي القائم بذاته تعالى. والنفسي ما ليس بحرف ولا صوت ولا يوصف بتقديم ولا تأخير ولا تقسيم ولا بداية ولا نهاية، يتعلق بما يتعلق به العلم من المتعلقات وهو قديم ليس بمخلوق.(ص) بتصرف.

  6. [6] رواه البخاري في صحيحه عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه.

    ورواه عن عدي أيضا الترمذي في جامعه الصحيح، والطبراني في المعجم الكبير، والبخاري في خلق أفعال العباد،وابن ماجه في سننه، والبيهقي في الكبرى، والإمام أحمد في مسنده عنه أيضا.(س)

  7. [7] قال الصاوي إن دليل الكلام نقلي وكذلك السمع والبصر، لأن صنع العالم لا يتوقف على الاتصاف بها، يقصد من هذا أننا لا نعرف بالعقل من صفات الله إلا ما كان مدلولا من النظر في العالم. ثم قال: إن قلت إنه يمكن أن يكون دليلها عقليا وتقريره أن تقول لو لم يتصف بها لاتصف بضدها وهو نقص. والنقص عليه محال. أجيب بأن النقص مشاهد في الحوادث ولا يقاس القديم على الحادث، لأن كل كمال في حق الحادث لا يلزم أن يكون كمالا في حق الله، ألا ترى أن الزوجة والولد فإنهما كمال في حق الحادث لا القديم. فضَعُفَ الدليل العقلي.(ص)

    ويقصد من هذا أن العقل لا يستطيع أن يتوصل إلى الاستدلال على السمع والبصر والكلام من مجرد ما يملكه من معلومات عن العالم من حيث حدوثه. وأن الاستدلال على وجوب الاتصاف بها بالقول بأن الله إن لم يتصف بها لزم الاتصاف بأضدادها، وأضدادها نقص وهي العمى والصمم والخرس، فيلزم وجوب اتصافه تعالى بها. فإن هذا الاستدلال ليس قويا، لأنه ليس كل ما كان كمالا في حق الحادث يلزم أن يكون كمالا في حق القديم.وكذلك فإذا كان عدم اتصاف الحادث بالبصر يلزم منه اتصافه بالعمى، فلا يدل هذا على أن الله إذا لم يكن موصوفا بالبصر فإنه موصوف بالعمى! لإمكان أن يكون البصر أصلا ليس كمالا محضا وبالتالي فلا يجب اتصاف الله تعالى به.فتأمل.(س)

 
Top