القسم الثالث: صفات المعاني

صفحة 43

القسم الثالث
صفات المعاني

وحقيقة صفات المعاني[1] هي الصفات الوجودية.

فهي كل صفة موجودة في نفسها قائمة بموجود أوجبت له حكما، ولا تظن أن قولنا أن لها وجودا في نفسها يستلزم جواز قيامها بنفسها، بل هي لا تقوم إلا بالذات. والمراد بالإيجاب التلازم[2]. والمراد بالأحكام أي المعنوية فالقدرة يلازمها كونه قادرا

صفحة 44
والإرادة يلازمها كونه مريداً الخ، وصفات المعاني سبعة[3] وهي القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام[4].
  1. [1] إن صفات المعاني زائدة على الذات قائمة لازمة لها لزوما لا يقبل الانفكاك، فهي دائمة الوجود مستحيلة العدم، فهو حي بحياة عالم بعلم وهكذا . ثم اعلم أن وجوب صفات المعاني ذاتي لها مثل وجوب الذات وليست ممكنة في نفسها واجبة بوجوب الذات، خلافا للسعد تبعا للفخر وتبعه البيضاوي وجماعة، وشنع عليه التلمساني …الخ”اهـ (ص)وتبعه في التشنيع السنوسي وكثير منهم الصاوي، والحق أن المسألة لا تستحق كل هذه الشدة، لأن مراد هؤلاء ليس إمكان الصفات بمعنى حدوثها، بل إمكانها بمعنى توقفها على الذات في الوجود، وهذا المعنى صحيح لأنها لا يمكن أن توجد وحدها، لامتناع قيام الصفة بلا ذات تقوم بها.وقد أكثر المتأخرون من المتكلمين من التشنيع على الإمام الرازي ومن قال بقوله في هذه المسألة، وحملوا كلامه ما لا يحتمله. هذا مع التسليم بأن قول الرازي لا يليق مع فرض صحة معناه بهذا المقام. وليلاحظ القارئ أن جمعور المتكلمين مشوا على القول بأنل كل ممكن حادث، وخالفهم الرازي وبعض من تبعه فقالوا بإمكان قدم الممكن على ما يفهم من ظاهر كلام السعد، على أن الممكن محل كلام الرازي ليس مطلقاً بل مراد به بعض أنواع الممكنات، لا مطلقاً كما يتبادر إلى فهم كثير من المتكلمين.

    ثم اعلم أنه مع ذلك لا يلزم الإمام الرازي قيام صفات حادثة بالله تعالى لأن الصفات عنده نسب وهي عدمية.(س).

  2. [2]  أي لا يجوز أن يتوهم أن المراد بالإيجاب هنا التأثير لكي لا يلزم أن الذات أوجدت الصفات أو أن بعض الصفات أوجدت البعض الآخر، فهذا كله باطل، بل المقصود أن الصفات والذات متلازمة لا الذات مؤثرة في الصفات ولا العكس. فالتأثر دليل النقص، حتى لو كانت الذات تؤثر في نفسها فهو نقص أيضا، لأن الأثر معناه أن يوجد أمر كان معدوما أو يعدم أمر كان موجودا، والذي يطرأ إما أن يكون نقصا أو كمالا فإن كان نقصا لزم اتصاف الذات بنقص، فيلزم كونها ناقصة وهو محال، وإن كان كمالا يلزم أن الذات لم تكن كاملة فقد كانت ناقصة لأنه لا توجد رتبة بين الأمرين، وكون الذات ناقصة باطل، حتى لو فرض استكمالها بعد ذلك. واستكمال الذات بما تحدثه في نفسها هو قول المجسمة الذين أجازوا قيام الحوادث بالذات الإلهية، وهو قول باطل، وممن قال به ابن تيمية وأصحابه، وهو خلاف ما يقول به أهل السنة. بل ابن تيمية يقول لا دليل على أن استكمال الذات بهذا الوجه باطل بل هو الواجب للذات، وهذا هو شأنه في تصوير الحق باطلا وتصوير الباطل حقا، وقد بينا ذلك بتفصيل في كتاب الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية، فتنبه.(س)
  3. [3] عدُّ المعاني سبعة لا أكثر، لأن الدليل القطعي إنما دل على هذه السبعة، ولم يدل على أن ما عداها يغايرها، فمثلا لو قلنا الله تعالى مصور، فإننا لا نفهم من اسم المصور إلا أنه يخلق الصور، وكونه تعالى خالق للصور، مترتب على كونه تعالى قادرا مريدا عالما، وهكذا، فالخالق لا بد أن يكون قادرا مريدا عالما كذلك. والمنتقم كذلك، ولو تمعنت في أكثر الأسماء الحسنى الواردة في الكتاب والسنة لرأيتها ترجع إلى ما ذكرناه، فهذا هو ما نقصده عندما نقول إن الدليل لم يدل على أن الأسماء المذكورة دالة على وجود صفات غير هذه السبعة، وهذا لا يعني حصر صفات الله تعالى في نفس الأمر بهذه الصفات السبعة، ولكن غاية ما نقوله هو أنه لا دليل تفصيليا على الصفات الزائدة تفصيلا، بل الدليل دلُّ إجمالا على أن كمالات الله تعالى غير متناهية، لكن لا تتعلق قدرتنا بمعرفتها تفصيلا، ولم يرد في الكتاب والسنة ما يدل على ما عدا هذه الصفات دلالة قطعية، والأصل أن نتمسك بالدليل القطعي خصوصا فيما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته،وأما ما ورد من نسبة الوجه واليد والعين إلى الله تعالى فراجع إلى ما ذكرناه من الصفات السبعة ولا يزيد عليها.(س)
  4. [4] بيان الخلاف في صفة الإدراك: اختلفوا هل للمولى تعالى صفة زائدة على السبع المعاني تسمى الإدراك يدرك بها الملموسات والمذوقات والمشمومات لأنها كمال، وكل كمال يجب أن يثبت له، أو لا لأنه لم يرد إطلاقه على الله تعالى وصفة العلم مغنية عنه، وقيل بالتوقف وهو الأصح، لأنه وإن لم يرد إطلاقه لكنه كمال فلا نثبته ولا ننفيه. والدليل العقلي عليه ضعيف فإنه لا يلزم من كونها كمالا في حق الحادث كونها كمالا في حق القديم.(ص) بتصرف.واعلم أن السادة الماتريدية الأحناف مع قولهم أن الله يدرك المحسوسات وغيرها كما مضى إلا أنهم ينفون أن يكون إدراكه لها بمماسة كما ادعى ذلك بعض المجسمة عليهم. فالإدراك من باب صفة العلم والله تعالى لا يحتاج لكي يعلم إلى مماسة المعلوم.فتنبه.(س)