القسم الأول: الصفات النفسية

صفحة 33

القسم الأول
الصفات النفسية

وسميت نفسية لأن الوصف بها دل على نفس الذات دون معنى زائد عليها.

وهي صفة واحدة، هي الوجود[1]، والوجود هو حال واجبة للذات ما دامت الذات غير معللة بعلة. وعلى ذلك فالوجود صفة نفسية مغايرة مفهوما للصفات المعاني والسلبية. فالمعاني صفات وجودية، والسلبية عدمية، والنفسية حال فهي صفة ثبوتية لا

صفحة 34

توصف بالوجود ولا بالعدم. ثم هي حال للذات لا للصفات، مع جواز أن تقول مثلا قدرة الله موجودة، وكذلك إرادته وعلمه إلى آخر المعاني، وصفة الوجود[2] أيضا واجبة للذات ما دامت الذات وهي –أي الصفة- غيرُ معللة بعلة، وذلك خلاف الأحوال المعنوية نحو كونه مريدا وكونه قادرا، فإن هذه معللة بالمعاني، ومعنى التعليل هنا هو التلازم في إفادة العلة معلولها الثبوت.

والدليل على وجود الله من الكتاب قوله تعالى (خالق كل شيء)الزمر:62.

ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:”إن الله صانع كل صانع وصنعته”[3]. وقد أجمعت الأمة على أن الله تعالى موجود. وأما برهان العقل فسيأتي.

  1. [1] اختلف في الوجود، هل هو عين الموجود أو غيره، والذي عليه الإمام الأشعري رضي الله عنه هو الأول، بناءا على نفي الأحوال وهو المعتمد لأنه لا واسطة بين الوجود والعدم عند الإمام الأشعري، فالوصف به أمر اعتباري يعتبره الشخص لا ثبوت له، مثال ذلك كما لو أخرجت ثوبا من صندوق مثلا فالثوب يوصف بالظهور وهو أمر اعتباري، لا ثبوت له في الخارج، بحيث يصح أن يرى في نفسه بل هو أمر يعتبره الشخص. وعلى هذا فتسمية الوجود صفة بناء على قول بعض المحققين ليس المراد بالصفة المعنى القائم بالشيء، بل ما يحكم به عليه، سواء كان عين حقيقته أو قائما بها أو خارجا عنها، فدخل في هذا التعريف الوجود والسلبية والمعاني والمعنوية، ولو على القول بنفي الأحوال. (ص).

    والقائل بأن الوجود أمر اعتباري هو الإمام الرازي وغيره، وعد الوجود صفة على قول الأشعري إنما هو على المعنى الأعم للصفة،لما أنه يقال “الله موجود”، فتنسب الوجود إلى الله تعالى فعد الوجود صفة على مذهب الأشعري مبني على المعنى الأعم للصفة وهو الشامل لمجرد اعتباره لغة، وهو المقصود هنا.

    أما الإمام الرازي فهو قائل في بعض كتبه باعتبارية الوجود بمعنى أنه اعتباري لا صفة معنى، وهذا مبني عنده على أن الوجود زائد على الماهية ذهناً، فهو عنده من الاعتبارات العارضة على الماهيات ذهناً، فالاعتبار هنا ليس بمعنى الاعتبار المنسوب إلى الإمام الأشعري، وهذا هو معنى الاشتراك اللفظي للوجود، وقد أوهم بعض الجهلة أن وصف الله تعالى بالوجود يستلزم إثبات العدم الحقيقي للمخلوقات، وذكر ذلك مغالطاً، يريد بذلك تأييد ما ادعاه من مذهب وحدة الوجودة القائم على أن المخلوقات بما فيها هذا العالم المشاهد مجرد اعتبارات قائمة بعين ذات الله تعالى، وغالط بعض الناس قائلاً إننا لو أثبتنا الوجود للمخلوقات يلزمنا تجويز مشاركة الله تعالى مع غيره في صفة، ولم يعلم هذا القائل أم الغمام الأشعري نفى هذا الاستلزام بقوله بالاشتراك اللفظي للوجود، ويلزم هذا القائل أن الله ليس في ملكه شيء له وجود وهو مخالف لكون الله خالقاً المقطوع به. (س).

    قال العلامة البيجوري:واعلم أنه كما قال بعضهم لا يجب على المكلف اعتقاد شيء من ذلك بل يكفي أن يعتقد أن الله موجود وإن لم يعتقد أن الوجود عين الموجود أو غير الموجود، لأن هذا مما اختلف فيه المتكلمون اختلافا طويلا. فاحفظه.(ج)

  2. [2] وجود الله ليس كوجود الحوادث، لأن وجود الله ذاتي له أي ليس بتأثير مؤثر وفعل فاعل، ووجود الحوادث بتأثير الله وفعله لأنه تعالى كان وحده ولا شيء غيره كما ورد في الحديث الشريف كما رواه البخاري ومسلم وغيرهما، ثم أوجد جل جلاله الحوادث، فوجودها غير ذاتي لها بل هو طارئ عليها وعارض لها، ولكون وجوده تعالى ذاتيا لم يقبل سبحانه العدم في الأزل، ولا يقبله في الأبد، والأزل هو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي، ويقابله الأبد وهو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب المستقبل، ويعبر عنه بما لا يزال.(غ) بتصرف يسير، وأما غير الله تعالى فهي موجودات لها وجود غير وجود الله تعالى، ولكنها ثابتة ومتحققة لتعلق فعل الله بها، وفعله هو تعلق قدرته، ولهذا قد يسمي البعض المخلوقات بأنها فعل الله، ولا يريد أنها مجرد تعلق قدرة الله تعالى (أي فعله) بها انعدمت المخلوقات فبقاءها مشروط بدوام تعلق قدرة الله تعالى بها، وليس فعل الله حالا بذاته والإلزام قيام الحوادث بذاته وغير ذلك من المفاسد، ولذلك قال العلامة الأمير في حاشيته على شرح عبد السلام على الجوهرة: “وأما غيره -أي غير الله- فهو فعله. وذهب بعض المتصوفة والفلاسفة إلى أنها تعالى الوجود المطلق، وأم غيره لا يتصف بالوجود أصلاً حتى إذا قالوا: إن الإنسان موجود، فمعناه أن له تعلقاً بالوجود وهو الله تعالى، وهو كفرٌ، ولا حلول ولا اتّحاد. اهـ وهذه كلمة شريفة منه يبين فيها فساد مذهب وحدة الوجود وأنه مخالف لعقيدة أهل السنة، ويزي فيقول إن القائل بهذا المذهب لا يلزمه القول بالحلول والاتحاد ولذلك ترى بعض من يقول بوحدة الوجود ينفي الحلول والاتحاد مخادعاً للناس لأن كثيراً منهم يظن أن مذهب وحدة الوجود يلزمه القول بالحلول والاتحاد فهو يكتفي بنفي الحلول والاتحاد لوهمهم أنه لا يخالف مذهب أهل السنة، ومن ينخدع به لا يعرف ما ذكرنها، بل مذهب وحدة الوجود مبني على نفي تكثر الوجود وأما القول بالحلول والاتحاد فهما مبنيّان على القول بتكثر الوجود، وإلا فلا حلول ولا اتحاد فتأمل فيما ذكرناه هنا فهو مفيد جداً.(س).
  3. [3] هذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه بعدة أسانيد عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله خالق كل صانع وصنعته.

    وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

    -ورواه البخاري في خلق أفعال العباد عن حذيفة أيضا رضي الله تعالى عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يصنع كل صانع وصنعته وتلا بعضهم عند ذلك (والله خلقكم وما تعملون) فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة.

    -ورواه في خلق أفعال العباد عن حذيفة رضي الله تعالى عنه بلفظ إن الله خلق كل صانع وصنعته إن الله خلق صانع الخزم وصنعته.

    -ورواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم في الدعاء فإن الله صانع ما شاء لا مكره له.

    فهذه الأحاديث كلها تدل على أن الله تعالى يقال له صانع، ويطلق هذا الاسم عليه جل شأنه. وفي هذه الأحاديث لمن تأملها فوائد أخرى عديدة.(س)

القسم الأول: الصفات النفسية
 
Top