القسم الثاني: الصفات السلبية

صفحة 35

القسم الثاني
الصفات السلبية

وسميت سلبية[1] لأنه ينتفي بها أمر لا يليق بالله تعالى.

وهي القِدَم والبقاء ومخالفته تعالى للحوادث وقيامه بنفسه والوَحدانية.

 

 

  1. [1] السلبية تسمى مهمات الأمهات، لأنه يلزم من نفي ضدها تنزيهه تعالى عن جميع النقائص.(ص)
صفحة 35

أولا: القِدَمُ

[1]

وحقيقة القِدَم[2] عبارة عن انتفاء العدم السابق للوجود، بمعنى أن وجود الله تعالى لم يسبقه العدم.

صفحة 36
والقدم مطلقا ثلاثة أقسام؛ قدم ذات وقدم زمان وقدم إضافي. فالقدم الذاتي قدم الله تعالى أي قدم ذاته وصفاته، والزماني كقدم أمس على اليوم، والإضافي كقدم الأبوة على البنوة. فالزماني والإضافي مستحيلان على الله تعالى. فلو قلت إن الله قديم بالزمان، للزمك طروء الحوادث عليه، وقدم الزمان قطعا، وجواز التسلسل في القدم، وكل هذا باطل.

والدليل على أن الله تعالى متصف بالقدم من الكتاب قوله تعالى(هو الأول)الحديد:3، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:”اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء”[3]. وقد أجمعت الأمة على أن الله تعالى متصف بالقِدَم[4]  فلم يسبق ذاته ولا صفاته عدم. وأما برهان العقل فسيأتي.

  1. [1] الصحيح أنه يجوز إطلاق القديم عليه تعالى لثبوت ذلك بالإجماع ووروده في بعض الروايات بدل الأول.(ج) قلت :الصحيح أنه يجوز ذلك مطلقا أما الإجماع فهو من أهل السنة وسائر الفرق المعتبرة خلافا لمن منع ذلك من المجسمة من أتباع ابن تيمية وابن قيم الجوزية، وأن معناه نفس معنى “الأول”، كما وضحناه أعلاه، وقد ورد في بعض الأخبار الحسنة أو الصحيحة قوله صلى الله عليه وسلم:”أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم…” فوصف السلطان بأنه قديم. فيجوز نسبته إليه تعالى، وهذا الحديث حسن أو صحيح كما مر رواه أبو داود عن عبدالله عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث الذي أشار إليه العلامة البيجوري رواه ابن ماجه عن أبي هريرة وهو ضعيف، وما ذكرناه أقوى في الدلالة على الجواز، والمسألة أي إطلاق اسمٍ عليه تعالى ظنية تكفي فيها الأدلة الظنية لأنها من باب العمليات لا الاعتقادات، بخلاف الكلام في معنى القديم كما هو بين للفطن.(س)
  2. [2] قال السعد: الأزلي أعم من القديم إذ القديم ما قام بنفسه ولا أول لوجوده، والأزلي ما لا أول له عدميا كان أو وجوديا قائما بنفسه أو بالذات العلية، فصفات الله يقال لها أزلية ولا يقال لها قديمة، وأما ذات الله فهي أزلية قديمة.(ص) وقال شارح الإحياء: وقال عبدالله بن سعيد وأبو العباس القلانسي وهما من قدماء الأشاعرة أن القديم بمعنى يقوم به فهم يقولون أن الإله سبحانه قديم لمعنى قديم قائم به، ويقولون أن صفاته قائمة به موجودة أزلية ولا يقال إنها قديمة ولا محدثة، وزعمت المعتزلة أن الله تعالى لا يوصف بأنه قديم ولا بأنه كان عالما في الأزل بنفسه،وسيأتي البحث في ذلك والرد عليهم إن شاء الله.(زبيدي)
  3. [3] روى هذا الحديث البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا أوى إلى فراشه اللهم رب السماوات والأرض ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والقرآن أعوذ بك من كل ذي شر أنت آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني عن الفقر. ورواه البخاري أيضا في التاريخ الكبير. -ورواه الترمذي في الجامع الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول اللهم رب السماوات ورب الأرضين وربنا ورب كل شيء وفالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والقرآن أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء والظاهر فليس فوقك شيء والباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني من الفقر قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح. ورواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى عن أبي هريرة، وعن عائشة رضي الله عنهما.وللحديث بهذا اللفظ روايات أخرى.(س)
  4. [4] وهذا الإجماع مستند على روايات وردت في وصف الله تعالى بلفظ القديم، منها ما أشرنا إليه سابقا ما رواه أبو داود، قال حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن المبارك عن حيوة بن شريح قال لقيت عقبة بن مسلم فقلت له بلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم قال أقط قلت نعم قال فإذا قال ذلك قال الشيطان حفظ مني سائر اليوم. وهذا قوي السند، لا ينزل عن رتبة الحسن بوجه، ويصلح للاعتماد عليه. وفيه تصريح بوصف الله تعالى وسلطانه بلفظ “القديم”. إذا عرفت ذلك فلا تغتر بما تراه في تعليقات ابن باز على قول الإمام الطحاوي معترضا عليه:”هذا اللفظ لم يرد في أسماء الله الحسنى كما نبه عليه الشارح رحمه الله وغيره، وإنما ذكره كثير من علماء الكلام ليثبتوا به وجوده قبل كل شيء، وأسماء الله توقيفية لا يجوز إثبات شيء منها إلا بالنص من الكتاب العزيز أو السنة الصحيحة”اهـ. يستنكر في كلامه هذا على الإمام الطحاوي، وكلامه باطل، يقصد بالشارح ابن أبي العز الحنفي الذي خالف اعتقاد الأحناف، والتابع الوفي لابن تيمية، وشَرْحُه هذا يمثل في كثير من المواضع مذهب المجسمة! وقد تبين لك أن هذا اللفظ ورد في السنة الصحيحة، وقد قام إجماع الأمة على جواز استعماله في وصف الله تعالى، كما نقل هذا الإجماع الزبيدي في شرح الإحياء، علما بأنه قد ورد أيضا نسبة هذا اللفظ في أحاديث أخر منها ما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، في عدة الأسماء وفيه اسم القديم. ورواه الحاكم أيضا في مستدركه عنه أيضا وفيه اسم القديم. وقد بينا ذلك تفصيلا في حاشيتنا على متن الإمام الطحاوي، ونقَدْنا فيه جميع ما ادعاه ابن باز وبينا بطلانه واختلال أركانه، فانظره. علما أنه يجوز على التحقيق إطلاق وصف على الله تعالى وإن لم يرِد، فلم لم يعتبر ابن باز كلمة القديم من الأوصاف لا من الأسماء؟ فلا يلزمه الاعتراض على العلماء. ولكن هذا شأنهم دائما يتعنتون في إلصاق التهم بغيرهم.(س)
صفحة 37

الثانية: البقاء

وحقيقة البقاء عبارة عن انتفاء العدم اللاحق للذات والصفات وهو أول بلا بداية وآخر بلا نهاية[1].

والدليل على البقاء من الكتاب قوله تعالى(ويبقى وجه ربك)الرحمن:27، أي ذاته، فإن الوجه في الآية بمعنى الذات. ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:”اللهم أنت الآخر فليس

صفحة 38
بعدك شيء”[2]. وقد أجمعت الأمة على أن الله تعالى متصف بالبقاء. وأما برهان العقل فسيأتي.

  1. [1] البقاء هو عدم الآخرية للوجود، فمعنى الله باق لا آخر لوجوده، أي ليس لوجوده انقضاء وانتهاء فهو سبحانه موجود لا يلحق العدم وجوده، قال تعالى(هو الأول والآخر) أي إن الله سبحانه الأول قبل كل شيء بلا بداية والآخر بعد كل شيء بلا نهاية، فالأول في الآية يدل على القدم، والآخر يدل على البقاء وكلاهما يستلزم وجوب وجوده تعالى وما تقدم هو معنى البقاء بالنسبة إلى ذات الله وصفاته، وأما معناه بالنسبة إلى الحادث فهو استمرار الوجود مع جواز لحوق العدم.(غ) بقاء الحادث زماني، وبقاء القديم ليس زمانيا، أي بقاء الحادث إنما يكون على التَّقَضِّي والاستمرار بخلاف بقاء الله تعالى لأنه لا يطرأ عليه حال بعد حال، إذ لا يجوز عليه التغير أصلا.(س)
  2. [2] قد سبق تخريج نحو هذا اللفظ في كلامنا على اسم الأول.(س)
صفحة 38

الثالثة: مخالفته تعالى للحوادث

وحقيقة المخالفة للحوادث عبارة عن نفي المشابهة في الذات والصفات والأفعال[1]

فليست ذاته من جنس الأنوار ولا الظلمات ولا الأعراض ولا الأجرام بل “كل ما يخطر ببالك فالله بخلاف ذلك”. فليس له جهة ولا مكان ولا يمر عليه الزمان وصفاته قديمة باقية ومخالف في أفعاله لأنه هو الخالق والعباد ليس لهم تأثير في شيء من الأفعال، وإنما هي قائمة بهم باكتسابهم لها.

والدليل على المخالفة من الكتاب قوله تعالى (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)الشورى:11، ومن السنة ما ورد عن أبي بن كعب “أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فأنزل الله (قل هو الله أحد الله الصمد) فالصمد الذي لم يلد ولم يولد لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت ولا شيء يموت إلا سيورث وإن الله عز وجل لا يموت ولا يورث (ولم يكن له كفوا أحد) قال لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء”[2]. وقد أجمعت الأمة على أن الله تعالى مخالف للحوادث[3]. وأما برهان العقل فسيأتي.

  1. [1] فلا مماثلة بين الله تعالى وبين الحوادث ولو في وجه من الوجوه، قال الله تعالى (ليس كمثله شيء) وقال تعالى(ولم يكن له كفوا أحد) أي ولم يكن أحد مكافئا أي مماثلا لله، فإذا وجدت في كلام الله أو كلام رسوله ما يوهم المماثلة فلا تعتقد ظاهره لإجماع العلماء على تأويله أي صرفه عن ظاهره.(غ)
  2. [2] رواه الترمذي في الجامع الصحيح عن أبي بن كعب. وروى هذا الحديث أيضا الحاكم في المستدرك عن أبي بن كعب أيضا.(س) وكذلك يجب نفي وحدة الوجود، وهو القول بأن لا وجود إلا لله، وأن كل ما نراه ونشاهده مجرد اعتبارات عدمية أو إشراقية قائمة بالله أي بعين ذاته، ولا وجود لهذه المخلوقات بل هي قائمة بوجود الله كاعتبار من الاعتبارات، أو كمظهر من المظاهر أو كصورة من الصور وبعضهم يقول هي حدّ من الحدود أو قيد من القيود، وهذا كله مخالف لمذهب أخل السنة، بل يجب إثبات وجود العالم بعد عدم وجوده، وأن وجوده غير وجود الله، وأن وام وجود العالم مشروط بدوام تأثير الله وخلقه إياه، فإذا انفطع خلق الله للعالم انعدم العالم.
  3. [3] لقد نفى ابن تيمية هذا الإجماع، وادعى أنه لم تجمع الأمة على أن الله تعالى لا يشابه المخلوقات من جميع الوجوه، بل ادعى أنه لم يرد نفي التشبيه في الشريعة، وأنه لم يذم أحد بالتشبيه، وأما ما ورد عن بعض السلف من نفي التشبيه فمرادهم فقط نفي كون الله تعالى من لحم وعظم؟! وهذا الكلام في غاية الشناعة وهو متمش مع مذهبه في التجسيم والمغالطة. وقد بينا ذلك بتفصيل في كتابنا “الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية”.(س)
صفحة 39

الرابعة: قيامه تعالى بنفسه

وحقيقة القيام بالنفس عبارة عن انتفاء الاحتياج إلى المحل والمخصص. فهو سبحانه لا يحتاج إلى ذات يحل فيها كما تحل الصفة في الموصوف كما تدعيه النصارى والباطنية. وقد أجمع على أن من يعتقد أن الله تعالى في شيء فهو كافر، وأيضا مثل الحلول والاتحاد وهو صيرورة الشيئين شيئا واحدا. والقول بالاتحاد كفر أيضا، قال صاحب إضاءة الدجنة في عقيدة أهل السنة

ولا تصخ لمذهب النصارى…أو من إلى دعوى حلول صارا

وذاك كالقول بالاتـحـاد…نحلة أهل الزيغ والإلحـــاد

وهو سبحانه لا يحتاج إلى مخصص[1] فلو احتاج كان حادثا. والدليل على أن الله تعالى غني عن المحل والمخصص من الكتاب قوله تعالى(يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد)فاطر:15، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:”اللهم أنت لا إله إلا أنت الغني”[2]. وقد أجمعت الأمة على أن الله تعالى قائم بنفسه أي غني. وأما برهان العقل فسيأتي.

صفحة 40

 

ملاحظة: اعلم أن الموجودات على أربعة أقسام، موجود غني عن المحل وهو ذات الله، وموجود غني عن المخصص قائم بالمحل وهو صفات الله، لأن المحل هو الذات، وموجود مفتقر إلى المحل والمخصص وهو العرض، لأنه مفتقر إلى القيام بالجرم، وموجود غني عن المحل مفتقر إلى المخصص وهو الجرم لأنه لا يحتاج إلى ذات يقوم بها ويحتاج إلى الفاعل، لأن الموجد له هو الله. واعلم أيضا أن صفات الله لا يقال فيها مفتقرة إلى الذات بل يقال قائمة بالذات، لأن الافتقار إنما يكون إلى الغير، ولا يقال إن الصفات غير الذات، كما لا يقال إنها عين الذات.

ملاحظة: يجوز وصف الله تعالى بالنفس، أي إطلاق هذا اللفظ عليه تعالى، قال الله تعالى حاكيا عن نبيه عيسى عليه السلام(تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك)المائدة:116. وقال تعالى(ويحذركم الله نفسه)آل عمران:28.

  1. [1] المراد بالمخصص أي فاعل وموجد يخصصه بالوجود بدلا عن العدم، فهذا مستحيل في حق الإله، لأن الذي يحتاج إلى المخصص من يقبل العدم، والله تعالى لا يقبله لا في ذاته ولا في صفة من صفاته.(غ)بتصرف يسير.
  2. [2] ورد بهذا اللفظ في الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوما يخرجون فيه قالت عائشة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن أوان زمانه وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم ثم قال الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد اللهم أنت لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ثم حول الى الناس ظهره وقلب أو حول رداءه وهو رافع يديه ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين فأنشأ الله سحابا فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله فلم يأت مسجده حتى سألت السيول فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه فقال أشهد أن الله على كل شيء قدير وأني عبد الله ورسوله هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ورواه أبو داود في سننه عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وفيه اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء..الخ”. وبهذا اللفظ أيضا رواه البيهقي في الكبرى عن عائشة أيضا، وابن حبان في صحيحه. وأما اسم الغني لله تعالى فهو وارد في القرآن وفي السنة كثيرا في الأحاديث التي فيها عدُّ الأسماء الحسنى.(س)
صفحة 41

الخامسة: الوحدانية

[1]

وحقيقة الوحدانية عبارة عن نفي التعدد في الذات والصفات والأفعال. فهو سبحانه لا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. فوحدانية الذات تنفي الكم المتصل والمنفصل؛ فالمتصل أن تكون ذاته مركبة[2] من جواهر وأعراض أو أن تكون مركبة مطلقا ولو من غير الجوهر والعرض كالهيولى والصورة أو أي أمر آخر مفترض، والتركُّب على الله تعالى محال، لأنه لو كان مركبا لكان حادثا للزوم احتياج كل مركب؛ والمنفصل أن تكون ذات أخرى يجب لها من الكمال ما يجب لله ويستحيل عليها من النقص ما يستحيل عليه، وهذا محال لأن الله لا شريك له ولا نظير.

ووحدانية الصفات تنفي الكم المتصل والمنفصل فالمتصل أن يكون له قدرتان وإرادتان وهكذا إلى آخر الصفات، بل قدرته واحدة وإرادته واحدة وعلمه

صفحة 42

واحد[3]،

ولكن قدرته مع ذلك متعلقة بجميع الممكنات، وعلمه كاشف عن جميع المعلومات، وإرادته مخصصة لجميع الممكنات، وكذا يقال في جميع صفاته، فالتعدد في الصفات محال.

وتنفي المنفصل بأن لا يكون لأحد من المخلوقين صفات كصفات الله تعالى، بأن تكون له قدرة توجِد وإرادة تخصص وعلم محيط، وغير ذلك، وهذا محال لأن الله لا شبيه له.

ووحدانية الأفعال تنفي الكم المنفصل فقط، بأن يكون غيره يفعل كفعله وهذا محال، لأن الله لا شريك له في أفعاله بل هو المنفرد بالإيجاد والإعدام[4]، والمخلوقات ليس لها تأثير إلا قيام الفعل بها نتيجة لاكتسابها له، ويجب أن نعتقد أن الأفعال كلها لله تعالى[5].

دل على وجوب الوحدانية له تعالى الكتاب والسنة والإجماع والعقل، أما الكتاب فقوله تعالى (وإلهكم إله واحد)البقرة:163، والسنة قوله صلى الله عليه وسلم:”إن الله وتر يحب الوتر”[6]، والوتر معنا الواحد الفرد. وأما الإجماع فقد أجمعت الأمة على أن الله واحد. وبرهان العقل يأتي.

  1. [1] التوحيد الشرعي هو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتا وصفاتٍ وأفعالا. (ص) والوحدانية غير التوحيد فالتوحيد هو اعتقاد الوحدانية،بل التلبس به اعتقادا وفعلا، فهو فعل للعبد يتعلق به التكليف، وليس التوحيد صفة لله تعالى، وقال العلامة الشريف الجرجاني في تعريفاته:التوحيد في اللغة الحكم بأن الشيء واحد والعلم بأنه واحد، وفي اصطلاح أهل الحقيقة:تجريد الذات الإلهية عن كل ما يتصور في الأفهام ويتخيل في الأوهام والأذهان. والتوحيد ثلاثة أشياء معرفة الله تعالى بالربوبية، والإقرار بالوحدانية ونفي الأنداد عنه جملة.(س)
  2. [2] مطلق التركيب معناه، جواز انقسام الذات ولو ذهنا، أي حتى وإن لم تنقسم بالفعل، فإن مجرد إمكان ذلك في الذهن يستلزم التركيب. وهذا المعنى لازم لزوما بينا للمجسمة، ولا يمكنهم أن يدعوا أنه تعالى لا يجوز انقسامه ذهنا بناءا على مذهبهم من كونه في محل وعلى مكان وهو العرش، وله حيز، فإن هذه هي الشروط الأساسية الكافية لإمكان الانقسام ذهنا.فتأمل هذا فإنه مفيد. هناك أمران؛ الأول: تغتير جزأين ولو مفهومين ذهناً بمعنى أن الذهن يميز بينهما فيقول هذا المفهوم غير هذا المفهوم، الثاني: تغتير جزأين ولو ذهناً. فالأول لا يقال عليه مفهوم الانقسام المقصود هنا، لأن المقام مبني على فرض أن الذات لها كمّ كما يقول المجسمة، فلا ينبغي أن يورد هنا التغيار بين مفهوم الذات والصفات فيقال هذا انقسام يلزم الأشاعرة، لأن ما بين الذات والصفات ليس علاقة الكم بل ولا جهة، فلا يلزم التركيب اللازم للمجسمة، ولذلك يقول الأشاعرة عن الصفات لا عين الذات ولا غيرها.

    واعلم أنه ليس كل تغاير في المفهوم يستلزم التركيب الخارجي، فمفهوم الإنسان مركب عقلاً من مفهومين؛ الأول حيوان والثاني ناطق، ومع ذلك فلا يقال إن الإنسان مركب خارجا.

    أما الثاني فهو الذي يلزم عنه التركيب المستلزم للاحتياج خارجاً.(س).

  3. [3] علم الله تعالى واحد ومتعلق بجميع المعلومات، وإرادته واحدة في ذاتها ومتعلقة بجميع الممكنات، وقدرته الواحدة في ذاتها كذلك ومتعلقة بجميع الممكنات كذلك.(س)
  4. [4] تعدد أفعاله ثابت لا يصح نفيه عنه لأن أفعاله تعالى كثيرة من خلق ورزق وإغناء وإفقار وإعزاز وإذلال وغير ذلك.(غ) وكل هذه الأفعال صادرة عنه تعالى لأنه قدير مريد عالم مع كون علمه وقدرته وإرادته وذاته واحدة، فصدور الكثرة عن الواحد ليس مستحيلا كما ادعاه بعض الفلاسفة.(س)
  5. [5] ليس في الوجود فعل لغيره عز وجل، بل هو تعالى الفاعل لجميع الأفعال،وما يظهر من الأفعال على يد الخلق إنما لهم فيها الكسب وهو مقارنة القدرة الحادثة للفعل عند وجوده، فإذا أراد الإنسان فعلا كالقيام مثلا فالله تعالى هو الذي يخلق ذلك القيام ويخلق لذلك العبد قدرة تصاحبه عند وجوده، وتلك القدرة لا تأثير لها في القيام وإنما هي مصاحبة له، وهكذا جميع الأفعال(والله خلقكم وما تعملون).(ط)
  6. [6] رواه الإمام الترمذي في الجامع الصحيح عن علي قال الوتر ليس بحتم كصلاتكم المكتوبة ولكن سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن قال وفي الباب عن بن عمر وابن مسعود وابن عباس قال أبو عيسى حديث علي حديث حسن. ورواه الإمام النسائي في سننه الكبرى عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن. ورواه في المجتبى أيضا عن علي رضي الله تعالى عنه قال أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال يا أهل القرآن أوتروا فإن الله عز وجل وتر يحب الوتر.ورواه الحاكم في المستدرك في حديث عدِّ الأسماء الحسنى عن أبي هريرة بلفظ إنه وتريحب الوتر.وروى الحاكم أيضا في المستدرك عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال إذا استجمر أحدكم فليوتر فإن الله وتر يحب الوتر. وقال هذا حديث صحيح على شرط الصحيحين.

    وهو في سنن أبي داود والبيهقي وابن ماجه عن علي رضي الله عنه، وللأخير أيضا عن عبد الله بن مسعود وأبي هريرة. والروايات في ذلك أكثر من أن تحصى هنا.(س)

 
Top