الشروع في البراهين

صفحة 107

الشروع في البراهين

وبعد بيان ما يتعلق بالرسل عليهم الصلاة والسلام، نأتي إلى بيان البراهين على ما تقدم.

صفحة 107

برهان وجوب صدقهم عليهم السلام

لو انتفى عنهم الصدق وثبت لهم الكذب لزم الكذب في كلامه تعالى لهم بالمعجزة[1] المنزلة في الدلالة في صدق الرسل منزلة قوله جل وعز “صدق عبدي مدعي الرسالة في كل ما يبلغ عني”، فالمعجزة تنزل في الدلالة على صدق الرسل منزلة بالتصديق بالكلام وتساوي الكلام في المعنى. فلو لم يصدق الرسل للزم الكذب في خبره تعالى لتصديقه تعالى لهم بالمعجزة النازلة، لكن الكذب في خبره تعالى محال، لأن خبره على وفق علمه، والخبر على وفق العلم لا يكون إلا صدقا، وإذا بطل الكذب في خبره تعالى بطل الكذب في خبر الرسل، وإذا بطل الكذب في خبر الرسل وجب صدق الرسل وهو المطلوب.

والدليل على إثبات الصدق للرسل من جهة النقل الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى في حق نبينا (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)النجم:3،4، وقوله تعالى (ليسأل الصادقين عن صدقهم)الأحزاب:8،

صفحة 108

وقوله تعالى(وصدق الله ورسوله)الأحزاب:22. والسنة قوله صلى الله عليه وسلم”لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا”[2]. وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على وجوب صدق الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

ملاحظة : حقيقة المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة.

ملاحظة:الكرامة[3] هي أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا مقدمة لها. وهي للأولياء، فالمقرون بدعوى النبوة معجزة، والمقدمة لها إرهاص فإنه للأنبياء سابق على دعوى النبوة كتظليل الغمام له صلى الله عليه وسلم. وإعانة وهي ما تقع لبعض عوام المؤمنين الذين لم يصلوا لمرتبة الولاية تخليصا لهم من المحن والمهالك. واستدراج وهو ما يقع لبعض الكفرة والفسقة مطابقة لمرادهم. وإهانة وهي ما تقع للفساق والكفرة أيضا مخالفة لمرادهم كما وقع لمسيلمة الكذاب أنه بزق في بئر ليزداد حلاوة فصار ملحا أجاجا. وابتلاء وهو ما يحصل على يد من يريد إضلال الخلق كالدجال مثلا. وأما السحر والشعبذة فليسا من الخوارق لأن لهما أسبابا تتعلم. وهذه الخوارق لا تأثير للعباد فيها وإنما الفاعل هو الله وحده.

صفحة 109

برهان وجوب الأمانة للرسل عليهم السلام

لو خانوا بفعل محرم أو مكروه لانقلب المحرم أو المكروه طاعة في حقهم.

لأن الله قد أمرنا معشر العباد بالاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم[4]، قال تعالى في حق نبينا(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله

صفحة 110

غفور رحيم)آل عمران:31، وقال تعالى (واتبعوه لعلكم تهتدون)الأعراف:158، وقال صلى الله عليه وسلم”عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين”[5]. والله تعالى لا يأمر بمحرم ولا مكروه لقوله تعالى (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء)الأعراف:28، وانقلاب المحرم أو المكروه طاعة في حقهم محال لأنه جمع بين النقيضين، فإذا بطل انقلاب المحرم أو المكروه طاعة في حقهم بطل صدور الخيانة منهم، وإذا بطل صدور الخيانة منهم وجب لهم الأمانة وهو المطلوب.

  1. [1] المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بدعوى النبوة أو الرسالة، مأخوذة من الإعجاز لإعجازها للغير عن معارضتها أي الإتيان بمثلها وتكون قولا كالقرآن وفعلا كنبع الماء من بين أصابع نبينا صلى الله عليه وسلم، وانشقاق القمر له، وغير قول ولا فعل كعدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم عليه السلام، وكيفما كانت المعجزة فهي دالة على تصديق الله تعالى لمن ظهرت على يده،لأنها نازلة منزلة خبر صادر من الله وهو قوله “صدق عبدي في كل ما يبلغ عني، فلو لم يكن الرسل صادقين للزم الكذب في خبره تعالى الذي نزلت المعجزة منزلته، والكذب في خبره تعالى محال.(غ)بتصرف
  2. [2] رواه البخاري قال: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني عمر بن محمد بن جبير بن مطعم أن محمد بن جبير قال أخبرني جبير بن مطعم أنه بينما يسير هو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الناس مقفلة من حنين فعلقه الناس يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فوقف النبي صلى الله عليه وسلم فقال أعطوني ردائي لو كان لي عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا. ورواه الطبراني في المعجم الأوسط عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفيه: “لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا”.وفي الكبير عن محمد بن جبير بن مطعم بلفظ:” لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا”.وكذا رواه ابن حبان عنه. ورواه الإمام مالك في الموطأ عن عمرو بن شعيب أيضا.وغيرهم.(س)
  3. [3] نفى أبو عبدالله الحليمي من أهل السنة، والمعتزلة وقوع الكرامات، قالوا لو وجدت الكرامات لالتبست بمعجزات الأنبياء فيلتبس النبي بغيره،ولو وجدت واستمرت لكثرت وخرجت عن كونها خارقة للعادة.(ص) والجمهور من أهل السنة على جواز الكرامة ووقوعها في حياة الولي وبعد موته، ومن قال بنفيها لا يلتفت إليه.(غ)
  4. [4] وتقريراتهم وسكوتهم على الفعل إذ لا يقرون على خطأ،ويستثنى من ذلك ما ثبتت خصوصيته بهم كنكاح ما زاد على الأربع. ويعلم من ذلك أنه ليس للمكلف منا أن يتوقف في فعل شيء مما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، لاحتمال الخصوصية، بل يتبعه في جميع أقواله وأفعاله إلا ما ثبت أنه من خصوصياته لإطلاق قوله تعالى(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) وقد أجمعت الصحابة على اتباعه عليه الصلاة والسلام في أقواله وأفعاله من غير توقف، لكن هذا بالنظر للغالب وإلا فقد وقع منهم التوقف في غزوة الفتح حيث أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالفطر في رمضان فاستمروا على الامتناع، فتناول القدح وشرب فشربوا، وفي غزوة الحديبية حيث أمرهم صلى الله عليه وسلم بالنحر والحلق فلم يفعلوا لاستغراقهم في التفكر فيما وقع من المشقة، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قدم هو وأصحابه معتمرين، ونزرول بأقصى الحديبية فمنعهم المشركون من دخول مكة فأرسل صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان بكتاب لأشراف مكة يعلمهم بأنه إنما قدم معتمرا لا مقاتلا، فصمموا على أن لا يدخل مكة هذا العام ثم رمى رجل من أحد الفريقين على الفريق الآخر فكانت بينهم معركة بالنبل والحجارة، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم وأمسكوا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأشاع إبليس أنهم قتلوه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، لا نبرح حتى نناجزهم الحرب، ودعا الناس عند الشجرة للبيعة على الموت أو على أن لا يفروا فبايعوه على ذلك، فلما سمع الكفار بالمبايعة نزل بهم الخوف وأرسلوا رجلا منهم يعتذر بأن القتال لم يقع إلا من سفهائهم، وطلب أن يرسل من أسر منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم:إني غير مرسل حتى ترسلوا أصحابي، فقال ذلك الرجل:أنصفتنا. فبعث إليهم فأرسلوا عثمان وجماعة من المسلمين، ووقع الصلح بينه صلى الله عليه وسلم وبين ذلك الرجل على شرط أن يوضع الحرب بينهم عشر سنين، وأن يؤمن بعضهم بعضا، وأن يرجع عنهم عامهم ويأتي معتمرا في العام القابل،وأن يرد إليهم من جاء منهم مسلما، وأن لا يردوا إليه من جاء إليهم ممن تبعهم، وكتب لهم علي بن أبي طالب بذلك كتابا، فكره المسلمون هذه الشروط،وقالوا:يا رسول الله إنا نرد ولا يردون، قال:نعم أما من ذهب منا إليهم فأبعده الله تعالى، ومن جاء منهم إلينا فسيجعل الله له فرجا ومخرجا، ثم قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا واحلقوا، قال الراوي فوالله ما قام منهم أحد حتى قال ذلك ثلاثا. فلما لم يفعلوا دخل على أم سلمة وقال: هلك المسلمون أمرتهم أن يحلقوا وأن ينحروا فلم يفعلوا، فقالت : يا رسول الله لا تلمهم فإنه شق عليهم هذا الصلح، اخرج ولا تكلم أحدا حتى تفعل ذلك، فخرج فنحر بيده ودعا حالقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا كما في البخاري.(ج)
  5. [5] رواه الترمذي في الجامع الصحيح عن العرباض بن سارية قال وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله قال أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ.

    قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وقد روى ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا حدثنا بذلك الحسن بن علي الخلال وغير واحد قالوا حدثنا أبو عاصم عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه والعرباض بن سارية يكنى أبا نجيح وقد روي هذا الحديث عن حجر بن حجر عن عرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.

    وهذا الحديث عن العرباض الذي أشار إليه الترمذي رواه الحاكم في المستدرك، والطبراني في المعجم الكبير، وابن ماجه في سننه، والبيهقي في سننه الكبرى، والدارمي في سننه.(س)

صفحة 110

برهان وجوب كونهم قد بلغوا ما أمروا بتبليغه

وهو يجري على نفس طريق البرهان السابق، وبيانه: لو كتموا لانقلب الكتمان الذي هو محرم طاعة في حقهم لأن الله قد أمرنا بالاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم ولا

صفحة 111
يأمر الله بمحرم ولا مكروه، وإذا بطل انقلاب كتمان طاعة في حقهم بطل كتمان الرسل وإذا بطل كتمان الرسول وجب التبليغ، وهو المطلوب. والدليل على وجوب التبليغ من النقل الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقد قال الله تعالى(اليوم أكملت لكم دينكم)المائدة:3، وقال تعالى(قد تبين الرشد من الغي)البقرة:256، وقال تعالى(فتول عنهم فما أنت بملوم)الذاريات:54، والسنة قوله صلى الله عليه وسلم “ألا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع”[1].  وقد أجمع السلف على أن الأنبياء لم يكتموا شيئا مما أمروا بتبليغه للخلق لا عمدا ولا نسيانا.

  1. [1] رواه البخاري في صحيحه عن محمد بن سيرين قال أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبي بكرة ورجل أفضل في نفسي من عبد الرحمن حميد بن عبد الرحمن عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه قال خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر قال أتدرون أي يوم هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليس يوم النحر قلنا بلى قال أي شهر هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال أليس ذو الحجة قلنا بلى قال أي بلد هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليست بالبلدة الحرام قلنا بلى قال فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم ألا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض.

    ورواه أيضا عن ابن عمر، والنسائي في الكبرى عنه،والحاكم في المستدرك عن ابن عمر، والطبراني في الكبير، وهذه العبارة مشهورة في كتب السنن.(س)

صفحة 111

برهان وجوب الفطانة والذكاء لهم عليهم السلام

الفطانة هي حدة العقل، ولا يجوز أن يكون الرسول مغفلا أو بليدا أو أبلها، لأنهم قد أرسلوا لإقامة الحجة وإبطال شبه المجادلين ولا يكون ذلك من مغفل ولا أبله ولا بليد. ولأننا مأمورون بالاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم والمقتدى به لا يكون بليدا. ولأن البلادة صفة نقص تخل بمنصبهم الشريف.

صفحة 112

برهان جواز الأعراض البشرية على الرسل عليهم السلام

والأعراض الجائزة هي التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية. ودليل جوازها هو وقوعها بهم. فمن كان في عصرهم رآها، ومن لم يكن في عصرهم فقد ورده الخبر المتواتر بهذا الأمر. والحاصل أن الأعراض البشرية شوهد وقوعها بهم تارة وعدم وقوعها بهم تارة أخرى وما كان بهذا السبيل فهو الجائز. فإذا بطل نفي وقوع الأعراض البشرية بهم بطل عدم جوازها وإذا بطل عدم جوازها وجب أن تكون الأعراض جائزة  في حقهم وهو المطلوب.

وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على ذلك، قال تعالى (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق)الفرقان:7، وقال تعالى(وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق)الفرقان:20. وأما السنة فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم أكل وشرب ونام وتزوج وطلق وباع واشترى، وكذا غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقال صلى الله عليه وسلم” أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني”[1] وقد أجمعت الأمة على ذلك.

صفحة 113

فوائد وقوع الأعراض بهم عليهم السلام

تعظيم الأجور: أي تكثير الثواب باعتبار ما يطرأ على ظواهرهم من الآفات والتغيرات والآلام وتجرع كأس الحمام.فقد مرض صلى الله عليه وسلك واشتكى وأصابه الحر والبرد والجوع والعطش وأصاب غيره من الأنبياء ما هو أعظم من ذلك. فكل هذه الأعراض تقع ويصبرون عليها، فهم أشد الناس بلاء. قال صلى الله عليه وسلم:”إنا كذلك معشر الأنبياء يضاعف علينا الوجع ليضاعف لنا الأجر[2]. وهذه الأعراض حظها منهم الظاهر وأما بواطنهم فمنزهة عن ذلك. وقد حفظت من النوم الذي هو أدنى فما بالك بغيره.

التشريع: أي التعليم للغير كما عرفنا أحكام الصلاة من السهو الواقع له عليه الصلاة والسلام، وعرفنا كيف تؤدى الصلاة في المرض من فعله عليه الصلاة والسلام.

صفحة 114

التسلي: أي التصبر ووجود الراحة واللذة عن الدنيا عند فقدها لأجل كونهم أكرم الخلق على الله أصابتهم الشدائد وكان من دونهم من باقي البشر أحرى. فإذا أصابت باقي البشر تسلى هؤلاء بالرسل عن الدنيا.

التنبيه لخِسَّة قدر الدنيا عند الله، فإن العاقل إذا نظر في ما واجهه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في هذه الدنيا تبين لهم قطعا أن الدنيا خسيسة القدر عند الله إذ لو كان لها بال لأعطاها السادة الكرام ومنعها الفجار اللئام[3] وإن الله لم يرض الدنيا دار جزاء لأوليائه بسبب اعتبار أحوال الرسل من الضيق والشدائد.

ملاحظة:اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الدنيا[4] زاهدا فيها وكذلك الأنبياء، وقد راودته الجبال أن تكون ذهبا فأبى. فلا يقال إنه صلى الله عليه وسلم فقير ولا مسكين ومن قال ذلك يقتل. وكذلك الأنبياء كلهم عليهم الصلاة والسلام.

ملاحظة: حقيقة التواتر خبر جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة ولا يكون خبر التواتر إلا عن محسوس لا عن معقول.

  1. [1] رواه الإمام البخاري في صحيحه عن حميد بن أبي حميد الطويل أنه سمع أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يقول جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني.

    ورواه النسائي في الكبرى وفي المجتبى عنه كذلك، وعبد بن حميد في المنتخب،والبيهقي في الكبرى،وابن حبان،وأحمد في المسند.(س)

  2. [2] رواه ابن أبي الدنيا في كتاب المرض والكفارات عن أبي سعيد الخدري قال دخلت على النبي صلىالله عليه وسلم وهو محموم فوضعت يدي فوق القطيفة فوجدت حرارة الحمى فقلت ما أشد حماك يا رسول الله قال إنا كذلك معشر الأنبياء يضاعف علينا الوجع ليضاعف لنا الأجر قلت يا رسول الله فأي الناس أشد بلاء قال الأنبياء قلت ثم من قال ثم الصالحون إن كان ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة فيجوبها ويلبسها وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب إليهم من العطاء.

    ورواه الحاكم في المستدرك عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو محموم فوضعت يدي من فوق القطيفة فوجدت حرارة الحمى فقلت ما أشد حماك يا رسول الله قال إنا كذلك معشر الأنبياء يضاعف علينا الوجع ليضاعف لنا الأجر قال فقلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء قال الأنبياء قلت ثم من قال ثم الصالحون إن كان الرجل ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباء فيحويها ويلبسها وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.(س)

    قال الإمام القشيري: ليس كل أحد أهلا للبلاء إذ البلاء للأولياء، وأما الأجانب فيتجاوز عنهم ويخلي سبيلهم، وروي أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يتزوج بامرأة فقيل له:إنها لم تمرض فأعرض عنها، وحكي أن عمار بن ياسر تزوج امرأة لم تمرض فطلقها.(ج) واعلم أن عروض هذه المشاق للأنبياء والأولياء يناسب وظيفتهم التي كلفهم الله تعالى بها، وقاموا هم بحقها، فإن هذه الأمور لا بد أن تلاقي المناكدة من عامة الناس.مما يترتب على الصبر على ذلك عظيم الثواب وهكذا شأن كل من تصدى للقيام بهذه الوظيفة، فإنها عظيمة الخطر بالغة التأثير وما كان هذا شأنه فلا بد أن يوجد من يعارضه يقاوم الداعي إليه، فتنبه.(س)

  3. [3] قال النبي صلى الله عليه وسلم:”لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء”. وقال صلى الله عليه وسلم خطابا لابن عمر والمراد ما يعمه وغيره:”كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل”. زاد الترمذي وعد نفسك من أهل القبور”.(ج) والحديث الأول أخرجه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح. والثاني أخرجه البخاري وزاد أحمد وابن ماجه والترمذي “وعد نفسك من أهل القبور”.(س)
  4. [4] اعلم أن الذم الوارد في الدنيا إنما هو في الدنيا الشاغلة عن الله تعالى وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم:”الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه” أي من التسبيح والتحميد والتهليل، أما الدنيا التي لم تشغل المؤمن فلا ذم فيها بل هي محمودة يحمل عليها قوله صلى الله عليه وسلم:نعم الدنيا مطية المؤمن بها يصل إلى الخير وبها ينجو من الشرور. وبذلك يعلم أنها ليست محمودة لذاتها ولا مذمومو لذاته.(ج) وحديث الدنيا ملعونة..الخ أخرجه ابن ماجه والبيهقي والترمذي وقال حديث حسن وتمامه “وعالم ومتعلم”.(س)
 
Top