الشروع في البراهين على العقائد

صفحة 81

الشروع في البراهين على العقائد

واعلم أن ما مرَّ كان عبارة عن بيان الأقسام الثلاثة ما يجب وما يستحيل وما يجوز في حق الله تعالى، من دون ذكر للأدلة، وهذا إذا قَبِلَه الإنسان واعتقد به فإنه مؤمن ولكنه مقلد، وقد مرَّ الخلاف في حكم المقلد، وللخروج من الخلاف سنذكر هنا فيما يلي الأدلة العقلية على ما مضى.

صفحة 81

برهان وجود الله

برهان وجود الله[1] هو حدوث العالم، والمراد بالحدوث الوجود بعد العدم، والمراد بالعالم كل موجود سوى الله تعالى، أي إن خروج العالم من العدم إلى الوجود هو دليل

صفحة 82

على وجود الله تعالى،لأن العالم في هذه الحالة يكون حادثا[2]  أي صنعة والصنعة لا بد لها من صانع وهو الذي ورد عن الأنبياء أن اسمه “الله”، لأن العالم لو لم يكن له محدث بل حدث بنفسه، أي ترجح وجوده على عدمه من غير مرجح، لزم أن يكون أحد الأمرين المتساويين في العقل مساويا لصاحبه راجحا عليه بلا سبب مرجح، وهذا محال لأنه جمع بين النقيضين[3].

ملاحظة: المراد بالأمرين الوجود والعدم، والزمان المخصوص مع مقابله من الأزمنة، والجهة المخصوصة مع مقابلها من الجهات، والمقدار المخصوص مع مقابله من المقادير، والصفة المخصوصة مع مقابلها من الصفات، والمكان المخصوص مع مقابله من

صفحة 83

الأمكنة. فهذه ستة تقابلها ستة وكل واحد مع مقابله بالنسبة إلى الجرم مثلا متساويان تساويا ذاتيا، فترجيح أحدهما على مقابله بلا مرجح محال. لأنه جمع بين النقيضين فتعين أن للعالم مرجحا أي فاعلا وجودّه على عدمه، وكذلك المتقابلات كلها ترجيح الفاعل المختار، ولا فاعل إلا الله.

العالم ينقسم بالنظر والمشاهدة إلى الأجرام وهي ما يقوم بذاته كالأجسام، والأعراض وهي ما يقوم بالأجرام كالحركة والسكون والألوان والكيفيات المختلفة وغير ذلك، فطريقة البرهان على حدوث العالم أن يتم البرهان على حدوث كل من القسمين وبهذا يتم البرهان على حدوث العالم، لأنه ليس شيئا غيرهما.

فدليل حدوث الأجرام، أن كل جرم فهو ملازم للأعراض الحادثة المتجددة من حركة وسكون واجتماع وافتراق وهذه الأعراض الأربعة تسمى الأكوان الأربعة، والجرم لا يخلو من أحدها، لأنه إما أن يكون متحركا أو ساكنا[4] أو مجتمعا أو مفترقا، ومن الأعراض الطعوم والروائح والألوان وغير ذلك، والأعراض حادثة ودليل تغيرها كما يأتي، والجرم الملازم لها حادث مثلها لملازمته لها[5].

صفحة 84

ملاحظة: المراد بالحركة انتقال الجرم من حيز إلى حيز، والمراد بالسكون ثبوت الجرم في حيز واحد، المراد بالاجتماع كون الجوهرين بحيث لا يتخلل بينهما ثالث،والافتراق ضده.

والبرهان على حدوث العالم: هو أن ملازم الحادث حادث، وتفصيله أن تقول في بيان حدوث الأجرام[6]: لو كانت الأجرام قديمة، لزم ملازمتها للأعراض الحادثة، ويستحيل أن يلازم القديم الحادث، إذن الأجرام حادثة.

صفحة 85

ودليل حدوث الأعراض[7]  مشاهدة تغيرها من عدم إلى وجود ومن وجود إلى عدم. وما لم نشاهد فيه التغير فهو قابل له[8]، ويقاس على الأول لتساويهما في أصل الجرمية، فما صدق على أحدهما صدق على الآخر.

ملاحظة: هذا البرهان يتم إذا قلنا أن العرض يبقى زمانين، وأما إذا قلنا إن العرض لا يبقى زمانين فكلها متغيرة بالحصول دون القبول.

وتركيب البرهان أن تقول:

لو كانت الأعراض قديمة (هذه القضية ملزومةٌ)، لما تغيرت (وهذه لازم لها)، لاستحالة تغير القديم (وهذا بيان الملازمة)، لكن نفي تغير الأعراض محال (وهي الاستثنائية)، (بيانها)  المشاهدة.

صفحة 86

واعلم أن الأصول التي يبنى عليها برهان حدوث العالم سبعة:

الأول: إثبات زائد على الأجرام فهو العرض. الثاني: إبطال قيامه بنفسه. الثالث: إبطال انتقاله. الرابع: إبطال ظهوره وكمونه. الخامس: استحالة عدم القديم. السادس: إثبات كون الأجرام لا تنفك عن ذلك الزائد. السابع: استحالة حوادث لا أول لها[9].

ووجه الاستدلال على هذه الأصول السبعة باختصار أن تقول:

أما الأول: وهو إثبات زائد على الأجرام تتصف به كالحركة والسكون وغيرهما من الأعراض فهو ضروري لا يحتاج إلى دليل إذ ما من عاقل إلا وهو يحس أن في ذاته صفات زائدة عليها. وأما الثاني: وهو إبطال قيام العرض بنفسه. والثالث: وهو إبطال انتقاله فدليلهما أنه لو قام العرض بنفسه أو انتقل لزم قلب حقيقة العرض فإن الحركة مثلا حقيقتها انتقال جوهر من حيز إلى حيز، ولو قامت بنفسها أو انتقلت هي لزم قلب هذه الحقيقة، أي تصير الحركة جوهرا وهذا باطل. وأما الرابع: وهو إبطال الكمون والظهور فلأن القول بالكمون والظهور يؤدي إلى الجمع بين الضدين في المحل الواحد. وأما الخامس: وهو إثبات استحالة عدم القديم فوجهه أنه لو انعدم لكان وجوده جائزا والجائز لا يكون وجوده إلا محدثا، فيكون هذه القديم محدثا وهذا تناقض. وأما السادس: وهو إثبات كون الأجرام لا تنفك عن ذلك الزائد فهو ضروري لأنه لا يعقل

صفحة 87
كون الجرم منفكا عن كونه متحركا أو ساكنا. وأما السابع: وهو إثبات استحالة حوادث لا أول لها، فأقرب الأدلة فيه أن يقال: إذا كان كل فرد من أفراد الحوادث حادثا في نفسه فعدم جميعها ثابت في الأزل، ثم لا يخلو إما أن يقارن ذلك العدمَ فردٌ من أفراد الحادث أو لا، فإن قارنه لزم اجتماع وجود الشيء وعدمه وذلك مستحيل بضرورة العقل، وإن لم يقارن ذلك العدمَ شيءٌ من الأفراد الحادث لزم لجميعها أول وخلو الأزل على هذا الفرض عن جميعها[10].

  1. [1] قال بعض العلماء لا يبعد أن تحدث معرفة الله تعالى في عبد من العباد بالإلهام، ولكن لا يجوز أن يقال إن معرفته تعالى تحدث في جميع الناس بالإلهام. فمعرفة الله تعالى على الأغلب نظرية، أي تحتاج إلى نظر، والنظر في سبيل الوصول إلى ذلك قد يطول وقد يقصر على حسب جلاء نفس الناظر. واعلم أن معرفة الله تعالى هي نوع من أنواع العلوم، ولا يجوز ان يقال إن معرفته تعالى تحدث في نفس الإنسان بالفطرة، أي تكون موجودة فيه منذ الولادة، وذلك لأن هذا يعني أن بعض العلوم تكون موجودة في نفسه الإنسان منذ الولادة، وهذا باطل، لأنه يناقض صريح قوله تعالى(والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) فهو نص صريح على أننا عندما نخرج من بطون أمهاتنا لا نكون عالمين بشيء مطلقا، ومنها العلم بأن الله تعالى موجود، ولكن إذا قصد أن الإيمان بوجود الله تعالى يوافق الفطرة أي الخلقة وما يناسبها من الوصول إلى الكمال،فإنه يكون صحيحا، فالإنسان عند ولادته يكون مستعدا لتلقي العلوم، ولا يكون علم واحد حاصل في نفسه، وتلقي العلوم إنما يكون بالوسائل التي ذكرها الله تعالى في نفس الآية، وهي السمع والأبصار والأفئدة.وفي هذا الموضوع تفصيل لا يليق ذكره هنا. ولذلك قال جمهور علماء السنة إن معرفة الله تعالى على الأغلب نظرية، أي يحتاج الإنسان إلى نظر لاكتسابها. ولا يبعد حصولها للبعض بالبداهة، كما ذكرناه. ولكن قد قال الحشوية إن معرفة الله تعالى لا تكون إلا بالفطرة، وليس قصدهم من هذا وصف الواقع وبيان حقيقة الإنسان، ولكن قصدهم هو مخالفة أهل الحق في طرق الاستدلال على وجود الله تعالى، لأن بها ينهدم كل قول لهم بالتجسيم. وهؤلاء هم الذين يبالغون في تنفير الناس من العقل والتفكير العقلي كأن الناس إذا استعملوا العقل الذي خلقه الله فيهم يتوصلون به إلى الكفر! وهو جل وعز قد أخبرنا في كتابه العزيز أن العقل به يهتدي الناس إلى الحق والهدى. فهؤلاء قد خالفوا نصوص القرآن نصرة لمذهبهم، وهكذا هو شأن أهل البدعة. وما التوفيق إلا من عند الله.(س)
  2. [2] اعلم أن الدليل بالترتيب المنطقي هو كما يلي،العالم حادث، وكل حادث لا بد له من محدث، فالعالم له محدث وهو الله الواجب الوجود، لأن المحدث للعالم يجب أن يكون غير العالم، والعالم ممكن، فالله يجب أن يكون واجب الوجود، لأنه لو كان ممكنا لاحتاج إلى من يحدثه. واعلم أن المقدمة الأولى وهي قولنا العالم حادث، نظرية ليست بديهية، أي تحتاج إلى إقامة البرهان عليها. والمقدمة الثانية وهي ضرورة وجود محدث للحادث، تقترب من البداهة ويمكن الادعاء بأنها بديهية، والاستدلال عليها يسير. فيبقى محل النظر هو المقدمة الأولى، وبها انشغل العلماء. وقد أقام عليها أهل السنة والمتكلمون أدلة قوية مذكورة في المطولات.(س)
  3. [3] المراد هنا أن القول بأن الحادث قد وجد بذاته بلا حاجة إلى محدِث، هذا القول يؤدي إلى اجتماع الضدين أو النقيضين حسبما قدرته، فيؤدي إلى اجتماع التساوي واللاتساوي، أو التساوي والرجحان، وذلك لأن العالم بالنظر إلى كونه حادثا، أي بعد إثبات أنه حادث، فهو ممكن، والممكن يتساوى فيه الطرفان وهما الوجود والعدم لذاته. فلو قيل إن هذا العالم الممكن قد وجد بذاته والوجود يلزمه الرجحان أي رجحان طرف الوجود على العدم، فيلزم أنه لذاته اجتمع فيه مساواة الوجود والعدم، ورجحان الوجود على العدم. ومعلوم أن هذا باطل.(س)

    واعلم أن الإمكان ثابت للعالم قبل وجوده، فلا يجوز أن يكون مطلق دليلاً على وجود الله تعالى، بل وجود الممكن هو الدليل للاصطرار إلى المرَجِّح ، ويصبح الاستدلال بوجود الممكن أقوى إذا أثبتنا لزوم حدوثه وامتناع قدمه، فيلزم حينذاك ضرورة الاحتياج إلى واجب للوجود، ومن خصائص واجب الوجود القدم، فالإمكان وحده دليل الاحتياج الثابت للممكن، ووجود الممكن دليل وجود الله تعالى عند نظر الإنسان فيه (س).

  4. [4] يخص العلماء الحركة والسكون بالكلام عليهما في أثناء بيان حدوث العالم، لأن التحقيق أن أغلب الأعراض ترجع إليهما.(س).

    وقال البيجوري وإنما خص الحركة والسكون بالتصريح بهما لأن ملازمة الأجرام لهما ضرورية لكل عاقل، لكن في جعلهما من الأعراض نظر،لأن الأعراض جمع عرض وهو خاص بالأمر الوجودي كالسواد والبياض، ولا كذلك هما، لأن الحركة هي انتقال الجرم من حيز إلى حيز آخر، والسكون ضده. وقيل الحركة هو الحصول الأول في غير الحيز الأول والسكون ما عدا ذلك، وكل من الانتقال وضده أو الحصول الأول في غير الحيز الأول وماعداه أمر اعتباري.(ج)

  5. [5] ما لازم الحادث لا بد أن يكون حادثا، وهذه المقدمة قوية جدا، فإنه قد ثبت أن الجرم لا ينفك عن الأعراض بالمشاهدة والدليل العقلي، وثبت أن الأعراض كلها حادثة، أي لجميع الأعراض أول وبداية لم تكن موجودة قبلها، وبما أن الجرم يستحيل وجوده بدون الأعراض، فصار كأن وجوده مشروط بوجود الأعراض، ولما كانت الأعراض حادثة، صار وجود الجرم مشروطا بحادث، وما كان مشروطا وجوده بحادث فلا بد أن يكون حادثا. بهذا يثبت حدوث الأجرام. واعلم أن ابن تيمية قد حاول التشكيك في هذه المقدمة أي في قولنا أن كل ما لازم الحوادث فيجب أن يكون حادثا، وادعى أنها ليست مبرهنة، وليست مقدمة قوية، وهي في الحقيقة كما ترى قوية ومبرهن عليها، ولكن ابن تيمية لما شكك فيها لم يكن تشكيكه نابعا من نظر محض، أي لم يكن ناظرا إلى نفس القضية، بل كان ناظرا إلى ما يلزم عنها، من نفي قيام الحوادث بالله تعالى، وهي العقيدة التي يقول بها السادة الأشاعرة بل كل الفرق الإسلامية عدا المجسمة ومنهم ابن تيمية، فإنه لما لاحظ ذلك حاول جهده أن ينقض هذه المقدمة، ولكن كان كل ما أتى به ضعيفا، وهو في الواقع لم يأت بشيء إلا ادعاءه أن هذه المقدمة لم يأت بها الكتاب والسنة، ولم يستطع أن يدلل على أنها تناقض العقول مطلقا، وقد رد عليه أهل السنة ودللوا على أن الكتاب والسنة فيهما أدلة على هذه المقدمة، وعلى تنزيه الله تعالى عن قيام الحوادث به. وهو-أي ابن تيمية- من القائلين بأن الحوادث تقوم بذات الله تعالى، فتقوم فيه الحركة فإنه عنده ينتقل من محل إلى آخر، وتقوم به إرادة حادثة، وذلك عندما يريد أن يخلق أي مخلوق جديد، وتقوم به الأصوات والحروف التي يدعي أنها كلامه تعالى وصفته القائمان بذاته، ويقوم به الغضب الحادث عند ملاحظة الله تعالى للكافرين وأعمالهم، ويقوم به الانتقام الحادث كذلك، ويقوم به الرضا الحادث، وغير ذلك من الحوادث التي تقوم بالله تعالى عند ابن تيمية، وهذا كله مخالف لما نص عليه علماء أهل السنة، ومخالف لعقائد الإسلام. ولم يقم عليه دليل عقلي ولا نقلي واحد.والقول بقيام الحوادث من الأمور التي بدع علماء الإسلام بها ابن تيمية.فاحذر أيها المسلم من هذه الأقوال الفاسدة.(س)
  6. [6] اعلم أن دليل حدوث الأجرام يتوقف على إثبات زائد عليها وهو الأعراض وعلى إثبات الملازمة بينهما،وعلى إبطال حوادث لا أول لها، وذلك لأن الخصم ربما يقول:لا نسلم أن هناك زائدا على الأجرام، فنبطله نحن بالمشاهدة، إذ ما من عاقل إلا ويحس أن لذاته شيئا زائدا عليها. فيقول: سلمنا ذلك لكن لا نسلم الملازمة بينه وبين الأجرام، فنبطله بمشاهدة عدم الانفكاك. فيقول: سلمنا ذلك، لكن لا نسلم دلالته على حدوث الأجرام، لاحتمال أن تكون قديمة وذلك الزائد حوادث لا أول لها، إذ ما من حركة إلا وقبلها حركة وهكذا، فتكون حادثة بالشخص قديمة بالنوع، بمعنى أن نوع الحركة قديم وشخصها حادث. فنبطله بأمور عديدة ؛منها أنه لا وجود للنوع إلا في ضمن شخصه، فإذا كان الشخص حادثا لزم أن يكون النوع كذلك فبطل حوادث لا أول لها.(ج)
  7. [7] دليل حدوث الأعراض يتوقف على إبطال قيام العرض بنفسه، وإبطال انتقاله لغيره، وإبطال كمونه وإبطال أن القديم ينعدم، وذلك لأن الخصم ربما يمنع أنها تتغير من عدم إلى وجود وعكسه فالحركة بعد السكون مثلا لم تكن معدومة ثم وجدت بل كانت موجودة قبل ذلك، فنقول له: هل كانت قائمة حينئذ بنفسها أو انتقلت من محلها لمحل آخر أو كمنت في محلها، فإن كان الأول لزم قيام العرض بنفسه وهو باطل، وإن كان الثاني فكذلك، لأنه يلزم قيام العرض بنفسه في لحظة الانتقال، وإن كان الثالث لزم اجتماع الضدين وهو باطل. فيقول سلمنا ذلك لكن لا نسلم أنه يدل على حدوثها لاحتمال أن تكون قديمة وتتغير من عدم إلى وجود وعكسه، فنبطله بأن القديم لا ينعدم.(ج)
  8. [8] يمكن أن يقال: إن الأعراض التي شاهدناها في العالم منها ما شاهدنا حدوثه، كتحرك الأشجار وغيرها، ومنها ما شاهدنا أنه دائما متحرك ولم نره ساكنا، مثل القمر والكواكب، ومنها ما شاهدنا أنه دائما ساكن ولم نر انه يتحرك مثل الجبال. فالقسم الأول حادث بالمشاهدة، والقسمان الآخران كل منهما حادث بالقياس على الأول، لأن الجامع بينهما هو الجسمية، أي إن كل ذلك أجسام وأجرام، والأجرام لها نفس الأحكام، فما جاز على بعضها يجب جوازه على الآخر، فلما جازت الحركة والسكون على بعضها علمنا بالقياس القطعي أنها جائزة على ما لم نشاهد تغيره من القسمين الآخرين، وإذا ثبت جوازها على القسم الغائب عن حواسنا، فيلزمه الحدوث.فافهم.(س)
  9. [9] وهو الأمر المسمى بتسلسل الحوادث في القدم، وحقيقته تتابع الأشياء واحدا بعد واحد إلى ما لا نهاية له في الزمان الماضي، كما لو فرض أن زيدا أحدثه عمرو وأن عمرا أحدثه خالد، وأن خالدا أحدثه بكر وهكذا إلى ما لانهاية له، فقد تتابعت المحدثون واحدا بعد واحد إلى ما لا نهاية له في الماضي، وإنما كان التسلسل باطلا، لأنه يلزم عليه وجود حوادث لا أول لها، وهو باطل، لأن كل حادث لوجوده أول، كما دلت على ذلك البراهين.(غ) بتصرف يسير.
  10. [10] أي مهما طرأ على ذهنك من حادث، فإنك تجزم أن له أولا، ومهما طرأ على ذهنك من حوادث سواء كان لعددها نهاية أو لم يكن لها نهاية، فالحكم العقلي القطعي ينص على أن كل واحد منها له أول، وبالتالي فيجب أن يكون لجميعها أول.واعلم أنه قد يتوهم إنسان أن هذا الكلام الذي ذكرناه هنا مبني على المصادرة على المطلوب، وهو في هذا واهم، لأننا لم نفعل شيئا أكثر من تحليل قول من قال إن الحوادث لا أول لها، فقلنا له لننظر في قولك هذا، فإن استقام، فهو جائز عقلا وإلا فغير جائز، فلنفرض أننا قلنا كل حادث فله أول، فإن الجميع يقطع أن هذا القول صحيح عقلا، وأيضا لو قلنا لو أن سلسلة متألفة من عدد محدود من الحوادث، موجودة لقطعنا أن لها أولا، فهذا القول أيضا صحيح، اتفاقا ولو قلنا إن عددا لا نهاية له من الحوادث تألف في سلسلة فإننا لأول وهلة لا نستطيع أن نقول إنه يجب أن يكون لهذه السلسلة أول، لأننا فرضناها لا متناهية، فامتناع أن يكون لها أول إنما جاء إذن من تنبهنا إلى ادعاء كونها لا نهاية لها، وما هذا إلا فرض ليس لهم عليه دليل، فهو ليس إلا ادعاءا. أما قولنا إن جميع هذه الحوادث سواء كان لها أول أولم يكن لها أول فيجب أن يكون لكل واحد منها بداية، فهذا القول، قاطع ومعقول. فإن كل حادث فيجب أن يكون له أول، وما يتألف من حوادث فعدم جميعها ثابت في الأزل، أي عدم كل واحد منها يجب أن يكون ثابتا في الأزل. وهذا القول ليس مجرد فرض بل هو مسلمة من الطرفين، وما دام عدم كل واحد منها يجب أن يكون ثابتا في الأزل، فلو فرضنا أن الأزل لم يخل من واحد منها، أي لو فرضنا أن واحدا وجد في الأزل، للزم أن يكون هذا الواحد مساوقا لعدمه ومجتمعا معه في الأزل، وهو تناقض، لأنه اجتماع وجود الشيء وعدمه. وقد يقال هنا إن الأزل ليس شيئا محددا لكي يفرض فيه حادث، بل الأزل عبارة عن عدم الابتداء،قلنا:عدم الابتداء عبارة عن وصف لشيء وليس أمرا قائما بنفسه، وأيضا فالحادث لا يمكن أن يقال فيه إنه وجد في أمر هو عدم الابتداء، للتناقض الحاصل بين عدم الابتداء وكون الحادث له بداية. أي إن الأزل ليس زمانا معينا وليس كذلك زمانا غير معين حتى يقال إن الحوادث أو الحادث وجد فيه، بل هو عبارة عن تعبير نعبر به عن كون الشيء ليس له بداية، ومجرد هذا التعبير يناقض مفهوم الحادث،لأنه ما له بداية.فافهم. وإذا عرفت أن الأزل ليس أمرا معينا ولا هو أمر غير معين، بل هو عبارة عن مفهوم نعبر به عن عدم البداية للشيء،فإنك سوف تدرك أن الأزل يناقض كلا من وجود سلسلة من الحوادث ممتدة إلى الأزل، ويناقض وجود حادث معين في الأزل.(س)
صفحة 88

برهان وجوب القِدَم

وبرهان وجوب القدم لله أنه لو لم يكن قديما لصار حادثا جائز الوجود، لأن الموجودات تنحصر في القديم والحادث فلا واسطة بينهما، وإذا كان حادثا فلا بد له من محدث أيضا لأنه لو فرض أنه مثله ثم كذلك، لزم الدور أو التسلسل، وهما محالان باطلان لأنه يلزم في الدور التقديم والتأخير في وقت واحد لكل منهما فإن كلا منهما فاعل للآخر ومفعول له، وكونه فاعلا يلزم أن يكون متقدما على مفعوله، وكونه مفعولا له يلزم أن يكون متأخرا عنه، وكون الشيء الواحد متقدما متأخرا في وقت واحد جمع بين النقيضين. ويلزم في التسلسل الفراغ وعدم النهاية لأن فرض التسلسل ترتيب أمور غير متناهية ودخولها في الوجود يقتضي أنها متناهية، لأن كل ما دخل في الوجود فهو متناه، فيلزم على القول بالتسلسل جمع بين النقيضين، والجمع بين النقيضين محال. فإذا بطل الدور والتسلسل بطل حدوث الإله، وإذا بطل الحدوث وجب القدم وهو المطلوب.

ملاحظة: الفرق بين الوجود الجائز والوجود الواجب، أن الوجود الجائز هو الذي سبقه العدم ويمكن لحوق العدم له، وأما الوجود الواجب فهو الذي لا يسبقه العدم ولا يمكن لحوق العدم له.

صفحة 88

برهان وجوب البقاء

والبقاء عبارة عن نفي العدم اللاحق للوجود، فلو أمكن أن يطرأ عليه العدم لانتفى عنه القدم، والقدم قد وجب له بالبرهان القاطع، لأن وجوده حينذاك يصبح

صفحة 89

جائزا والجائز لا يكون وجوده إلا حادثا مسبوقا بالعدم، فإذا بطل نفي القدم بطل إمكان لحوق العدم وإذا بطل إمكان لحوق العدم وجب أن الإله باق وهو المطلوب.

ملاحظة: وهي عبارة عن قاعدة جليلة وهي”كل ما ثبت قدمه استحال عدمه”[1] ولا قديم إلا الله تعالى.

  1. [1] اتفقت العقلاء على هذه القاعدة الكلية. وأُورِدَ عليها عدمنا الأزلي فإنه وجب قدمه ولم يستحل عدمه، وبعضهم منع الإيراد من أصله بأن عدمنا الأزلي يستحيل عدمه، لأنه لو عدم لوجدنا في الأزل، ووجودنا في الأزل محال لأنه لا يوجد فيه إلا الله وصفاته، وفيه أنه إنما يستحيل عدمه في الأزل لما ذكر وهذا لا ينافي أنه ينعدم بتناهي الأزل، فيصدق عليه أنه وجب قدمه ولم يستحل عدمه. فتأمل.(ج)بتصرف يسير، وقوله لا يوجد في الأزل إلا الله وصفاته، لو قال إلا الله تعالى لكان أحسن، لأن الصفات ليست غير الله تعالى.فقولك إلا الله شامل للذات والصفات. فتنبه.(س)
صفحة 89

برهان وجوب مخالفته تعالى للحوادث

والحوادث هي الموجودة بعد العدم أجراما كانت أو أعراضا أو غيرهما إن قدر أن في العالم ما ليس بجرم ولا عرض كالمجردات، والله مخالف لكل ذلك فكل ما سواه حادث كما في الحديث “كان الله ولا شيء معه”[1] فالله لو شابه بعضا من الحوادث لكان

صفحة 90

حادثا أي موجودا بعد العدم، لوجوب استواء المثلين في كل ما يجب وما يستحيل وما يجوز، لأن الحوادث وجب لها الحدوث واستحال عليها القدم وجاز لها الوجود والعدم، فلو ماثل الحوادث لوجب عليه الحدوث كما يجب لها[2]. وحدوث الله محال عقلا لما تقدم من بيان وجوب قدمه تعالى وبقائه في برهان القدم والبقاء.

ودليل آخر أن نقول: لو ماثل الله شيئا من الحوادث لزم حدوثه لأجل مماثلته ولزم قدمه لأجل ألوهيته، وكون الشيء الواحد قديما حادثا محال للجمع بين النقيضين.

  1. [1] رواه البخاري عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا قد بشرتنا فأعطنا مرتين ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا قد قبلنا يا رسول الله قالوا جئناك نسألك عن هذا الأمر قال كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض فنادى مناد ذهبت ناقتك يا بن الحصين فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب فوالله لوددت أني كنت تركتها.

    ورواه في موضع آخر عن عمران بلفظ: قال كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض. ورواه الطبراني في معجمه الكبير عنه أيضا بلفظ: كان الله ولم يكن غيره وكان عرشه على الماء. ورواه البيهقي بلفظ: كان الله ولم يكن شيء غيره وعرشه على الماء. ثم قال: والمراد به والله أعلم ثم خلق الماء وخلق العرش على الماء وخلق القلم وأمره فكتب في الذكر كل شيء. ورواه ابن حبان أيضا عنه بلفظ: قال كان الله وليس شيء غيره وكان عرشه على الماء. وفي رواية أخرى عنه بلفظ: كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض. وهذا الحديث خالف ابن تيمية رواياته العديدة الدالة على إثبات أن الله تعالى كان ولم يكن شيء غيره، وادعى أنه لا توجد دلالة على ذلك من الحديث، ورد جميع الألفاظ الواردة إلا “كان الله ولم يكن شيء قبله”، بحجج واهية، وذلك تحريفا منه للحديث ليمكنه القول بالقدم النوعي للعالم، وبناء مذهبه في التجسيم. وقد بينا تفصيل ذلك في تعليقنا على رد الإخميمي عليه وفي كتابنا “الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية”.

    وروى الإمام أحمد في مسنده عن المحرر بن أبي هريرة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال الناس يسألون حتى يقولوا كان الله قبل كل شيء فما كان قبله.

    والمراد من ذلك أن السؤال عن بداية كل مخلوق سؤال صحيح، وله جواب لأنه يوجد لكل المخلوقات بداية، وأما السؤال عن بداية لوجود الله تعالى فهو سؤال باطل لأنه لا توجد له جل شأنه بداية. بل هو ثابت قبل كل شيء، وتأمل في هذه الرواية التي تنص على إبطال التسلسل في القدم وتدل عليه دلالة أكيدة، وقد قال ابن تيمية كما ذكرنا بعدم انقطاع سلسلة الحوادث في القِدَمِ، مخالفا في قوله ذلك جميع هذه الروايات والآيات الكثيرة التي تدل على أن الله تعالى أوجد الخلق كلهم وجعل لهم بداية، وعليه فيستحيل أن توجد سلسلة من المخلوقات لا بداية لها. وقد بنى ابن تيمية أغلب مذهبه على هذه القاعدة الباطلة.(س)

  2. [2] الحكم بوجوب الحدوث عند المماثلة تابع للقاعدة العقلية المسلمة من جميع العقلاء التي تنص على أن الأمثال لها نفس الأحكام. وهذه القاعدة أساس لكثير من العلوم والمعارف التي يعرفها البشر. فلا يجوز لأحد أن يناقضها، لكونها بديهية عند العقل.(س)
صفحة 90

برهان وجوب قيام الله بنفسه

والقيام بالنفس معناه الغنى عن المحل والمخصص بالذات، فالقيام بالنفس هو الاستغناء بالذات عن المحل والمخصص، فالقيام بالنفس إذن مركب من جزأين:

صفحة 91

الاستغناء عن المحل والاستغناء عن المخصص. فأما برهان الجزء الأول فلأنه تعالى لو احتاج إلى محل أي ذات يحل فيها كما تحل الصفة في الموصوف، لكان صفة، والصفة معنى من المعاني، فلا يحتاج إلى محل إلا الصفات، والذات لا تحتاج إلى ذات تقوم بها لأن الذات لو قبلت أن تقوم بذات أخرى لزم أن الذات الأخرى تقوم بذات فيلزم التسلسل، لأن القبول وصف نفسي لكل ذات. والصفة لا تتصف بصفات المعاني ولا المعنوية لأن الصفة لو قبلت أن تقوم بها صفة لكانت صفتها كذلك، فيلزم التسلسل ودخول ما لا نهاية له في الوجود.

ملاحظة: مفهوم المعاني والمعنوية أن الصفات تتصف بالصفات النفسية والسلبية بأن يقال علم الله موجود مثلا فهذه صفة نفسية وكذا غير العلم من صفات المعاني فوجود كل صفة منها نفسي لها ويقال في وصف الصفات السلبية قدرة الله قديمة وباقية الخ، وكذا يقال في علم الله وغيره من المعاني إلى آخره. وإنما وصفت الصفات بالنفسية لأنها عدمية لا وجود لها في الخارج وأما المعاني فإنها وجودية، والمعنوية ملازمة لها، فيلزم بها التسلسل ولذا فإن الصفة لا تتصف بصفات المعاني ولا المعنوية. والله جل وعز يجب عقلا ونقلا اتصافه بصفات المعاني والمعنوية فليس هو إذن صفة. بل هو ذات لا تشبه الصفات. إذن هو سبحانه لا يحتاج إلى المحل وهو المطلوب.

وبرهان الجزء الثاني وهو استغناؤه عن المخصص أنه لو احتاج إلى مخصص فاعل لكان حادثا، لأنه لا يحتاج إلى المخصص إلا الحادثُ، وأن يكون حادثا باطل، لما تقدم من قيام الدليل القاطع على وجوب قدمه تعالى وبقائه.

صفحة 91

برهان وجوب الوحدانية لله

التوحيد على أقسام منها: توحيد الألوهية وتوحيد الأفعال وتوحيد الصفات وتوحيد الذات. وتوحيد الألوهية مرجعه إلى أن الله هو الإله وحده، أي هو المتفرد بوصف الألوهية الذي يرجع كل ممكن لاحتياجه إليه، وتوحيد الأفعال مرجعه إلى أن

صفحة 92

الله هو الفاعل وحده، أي أن الله هو الخالق وحده، وتوحيد الصفات مرجعه إلى أن الله هو الحي وحده، وتوحيد الذات مرجعه إلى أن الله هو الموجود على الحقية[1].

والدليل على الوحدانية أن نقول: لو لم يكن واحدا في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله لزم أن لا يوجد شيء من العالم أجراما كانت أو أعراضا للزوم عجزه حينئذ.

وبيان الدليل كما يلي:

لو كان معه مماثل في الألوهية للزم عجزهما سواء اتفقا أو اختلفا أو اقتسما، فكل من هذه الأقسام، إما أن يكون اضطراريا أو اختياريا، فإن كان اضطراريا لزم قهرهما وعجزهما فينتفي العالم، ونفي العالم محال. وإن اتفقا اختيارا فيتعرض لهما جوهر فرد فإن أوجداه معا لزم انقسام ما لا ينقسم[2] وهو محال، لأن الجوهر الفرد لا يقبل الانقسام، وإن أوجد أحدهما عين ما أوجده الآخر لزم تحصيل الحاصل وهو محال، وإن أوجده أحدهما وعجز الآخر، فالآخر ليس بإله لأنه عجز والإله ليس بعاجز، والذي قدر على فعله أيضا ليس بإله لأن الفرض أنه مثل للآخر، ومثل العاجز عاجز. وإن عجز الاثنان فهما ليسا بإلهين، وإذا لزم عجزهما عن إيجاد هذا الجوهر لزم عجزهما عن سائر الممكنات لأنه لا فرق بين ممكن وممكن. وإن اختلفا بأن يريد أحدهما حركة جسم في زمان واحد ويريد الآخر سكونه في ذلك الزمان بعينه، فلا يصح أن يحصل مرادهما لما فيه من الجمع بين الضدين ولا يصح عدم مرادهما لما فيه من ارتفاع الضدين مع قبول الجسم لهما، ولا يصح أن يحصل مراد أحدهما دون الآخر لأن عجز أحدهما دليل على عجز الآخر لأنه مثله، وإن اقتسما اختيارا لزم عجز كل واحد منهما

صفحة 93

مما عند صاحبه لأن شرط الإله يجب أن تكون قدرته عامة التعلق بجميع الممكنات. ومن هذا البرهان تعلم أن الإله واحد. وهو برهان قاطع في ذلك.

ملاحظة: من برهان الوحدانية يلزم أنه لا تأثير للعباد بقدرتهم الحادثة لا مباشرة ولا تولدا، بل لهم كسب فقط فهو مقارنة القدرة الحادثة للمقدور من غير تأثير[3].

ملاحظة: المذاهب في ثبوت القدرة الحادثة ثلاثة أقسام مذهب أهل السنة: وجودها مقارنة للفعل بلا تأثير. والثاني مذهب المعتزلة: وجودها وإنها مؤثرة في الأفعال الاختيارية. والثالث: مذهب الجبرية عدم وجودها أصلا. والصحيح مذهب أهل السنة والمذهبان الأخيران باطلان ومذهب المعتزلة مخالف لدليل العقل والنقل، لأن دليل العقل دل على أنه لا خالق إلا الله تعالى، كما في برهان الوحدانية. وأما النقل فقد قال

صفحة 94

الله تعالى(الله خالق كل شيء)الزمر:62. ومذهب الجبرية باطل بالضرورة للفرق الواضح بين حركتي المرتعش والمختار. والحاصل أن قدرة العبد وفعله مخلوقان لله فمن خلق له قدرة حادثة واختيارا كلفه؛ حتى وإن كان لا تأثير له فلا يسأل عما يفعل.

قال صاحب إضاءة الدجنة

وقدرة للعبد وغير ذلك…فالكل خلق للقدير المالك

نعم له كسب به يكلف…شرعا ولا تأثير منه يعرف

والكسب مقارنة القدرة الحادثة للفعل بلا تأثير، وكذلك لا تأثير للأسباب العادية فلا أثر للنار في الإحراق ولا للماء في الري ولا للجدار في ظل ولا للثوب في الستر ولا للسكين في القطع ولا لغير ذلك من الأسباب والحوادث إذ لا فاعل إلا الله وحده.

  1. [1] المقصود من الوجود على الحقية هنا أي أن الله تعالى هو الموجود الذي لا يستمد وجوده من غيره، وأما كل ما سواه فإنهم يستمدون وجودهم من إيجاده تعالى لهم. فصار كأن وجودهم غير حقيقي لأنه ليس بالذات بل بالغير، ووجود الله تعالى هو الحقيقي لأنه بالذات. وهكذا معنى أنه الحي وحده، فافهم ولا تتوهم منه وحدة الوجود.(س)
  2. [2] لزوم انقسام ما لا ينقسم هنا مرجعه إلى أنه قد فرض فاعلان كل منهما متفرد بإنتاج الأثر، فلو فرض أنهما أوجدا الجوهر الفرد معا، فإن هذا لا يتصور مع استحضار عدم انقسام الجوهر الفرد إلا بإيجاد الموجود أي تحصيل الحاصل وهو محال، وأما من غير انتباه إلى ذلك، فإن الذهن يفرض مباشرة أن كل واحد منهما أوجد قسما من الجوهر الفرد، الذي فرضناه أولا لا ينقسم، فيلزم انقسام ما لا ينقسم.(س)
  3. [3] دليل التمانع يستفاد منه عموم تعلق القدرة الإلهية بالممكنات كما سبق، وامتناع وجود خالق غير الله تعالى، سواء كان إلهاً آخر أم غير إله، والخلق هو الإبراز من العدم لا تفاوت فيه حتى يقال إن الخالق الأول أقوى من الثاني، بل إذا جوّزنا الخلق على الثاني فنجوّزه بنفس المستوى الجائز في حق الأول، ولذلك فلا تفاوت في تعلق قدرة الخلق بالمخلوق سواء كان القادر إلهاً أو فرضناه مخلوقاً، فإذا دلّنا دليل التمانع على نفس إله آخر فلأنّا فرضناه قادراً على الخلق، وهذا يوجب إمكان التمانع المستلزم للمحال، وهو يوجب نفس خالق ثانٍ من غير تقييده بكونه إلهاً أو إنساناً.

    وقد أورد بعضهم على برهان الوحدانية بأن فيه أنه يجوز اجتماع نحو رجلين على رفع حجر، ولكن هذا لا يرد مطلقاً لأن الطاقة الصادرة من كل واحد منهما متعلقة بما لا يتعلق به الآخر، والتأثير المتعارض منهم يُلغى بالآخر فهذه الصورة ليست واردة على برهان التوحيد.

    وأيضا فهذا التمثيل يقوم على فهمٍ مغلوط للخلق، فالمثال أساسه أن الإنسان عندما يحمل حجراً فإن ما يفعله هو إكساب الحجر بعضا من طاقته، فهو نقل للطاقة من محل إلى محل، وأما الخلق فليس الأمر في كذلك، فلا نقل فيها من محل إلى آخر، بل هو إبداع من عدم.

    أما الجواب على الإيراد بأن هذا ناتج عن عدم التفريق بين القدرة الكاملة والقدرة الحادثة القابلة للزيادة والنقصان، فهو جواب باطل، لأن الوصف بالكمال والاستقلال معناه تمام التأثير وكفايته وأما اللاتناهي فهو عموم التعلق ولا دخل له هنا، والمعتبر في هذا المثال إنما هو الوصف الأول ولا مدخلية للثاني، ولا فرق بين قدرة الله تعالى وقدرة غيره في التأثير إذا فرضت خالقه، وهو الفرض محل الكلام، فكلاهما قدرة مستقلة في خلق وإحداث الأثر المطلوب، كما هو مدّعي الخصم فيمكن حصول التعارض بينهما إذا سلم هذا القدر، وعليه فيجري برهان التمانع، فيكفي فرض تمام التأثير في القدرة واشتراك المحل المتأثر لجواز فرض حصول التمانع والتعارض لإقامة برهان التمانع (س).

صفحة 94

برهان وجوب اتصافه تعالى
بالقدرة والإرادة والعلم والحياة

لو انتفى شيء من صفات المعاني الأربعة والمعنوية الأربعة وكذلك لو انتفى مطلب من مطالبها لما وجد شيء من الحوادث لاستحالة وجود المتوقِّف بدون المتوقَّف عليه، إذ وجود العالم متوقف على اتصاف الفاعل بهذه الصفات فلو انتفت القدرة لزم العجز، والعاجز لا يوجد شيئا من الحوادث ولو انتفت الإرادة لانتفى التخصص فلا يوجد شيء من الحوادث ولو انتفى العلم لانتفت الحوادث لاستحالة القصد للشيء المجهول ولو انتفت الحياة لانتفت هذه الصفات فلا يوجد شيء من الحوادث. ونفي الحوادث محال ودليل هذا المشاهدة، فإذا بطل نفي الحوادث بطل انتفاء شيء من هذه الصفات ووجب أن الإله متصف بهذه الصفات وهو المطلوب.

صفحة 95

برهان وجوب
السمع والبصر والكلام

والدليل على ثبوت هذه الصفات، الكتاب والسنة والعقل، فأما الكتاب والسنة[1] فقد مر ذكر دليل عليها منهما، وأما العقل فلأنه تعالى لو لم يتصف بهذه الصفات لزم أن يتصف بأضدادها التي هي الصمم والعمى والبكم، وهذه الأضداد هي نقائص لا تجوز نسبتها إلى المولى العظيم فالنقص عليه محال، بمعنى أنه ممتنع عقلا ونقلا، فلو لم يتصف بها لزم أن يتصف بأضدادها لأن المحل القابل للوصف لا يخلو عن الاتصاف به أو بمثله أو بضده، لكن اتصافه بأضدادها محال لأنها نقائص[2] والنقص عليه تعالى محال لأنه يلزم عليه احتياجه إلى من يدفع عنه النقص، والاحتياج ينافي الاستغناء، ونفي الاستغناء عنه تعالى محال.

صفحة 96
ملاحظة: اعلم أن الدليل النقلي في السمع والبصر والكلام أقوى من العقلي [3].

  1. [1] إن قلت إن الكتاب والسنة والإجماع إنما دلت على أنه تعالى سميع بصير متكلم، لا على أنه متصف بصفات هي السمع والبصر والكلام كما هو قول أهل السنة. فالجواب: إن أهل اللغة لا يفهمون من سميع وبصير ومتكلم إلا ذاتا متصفة بالسمع والبصر والكلام، لأن من لم يقم به وصف لا يشتق له منه اسم، فلا يقال قائم إلا لمن اتصف بالقيام ولا قاعد إلا لمن اتصف بالقعود، وهكذا، فاستدلال أهل السنة بالكتاب والسنة والإجماع إنما يعنون به الاستدلال بها مع اعتبار ما فهمه أهل اللغة لا الاستدلال بها وحدها.(غ) بتصرف يسير.
  2. [2] حاصل هذا الدليل كما يلي: هذه الأضداد نقائص، والنقص عليه تعالى محال عقلا ونقلا كما مر،ينتج أن هذه الأضداد مستحيلة عليه تعالى.إذن ما دام الاتصاف بأضداد هذه الصفات مستحيلا، يلزم وجوب اتصافه تعالى بها، أي بالسمع والبصر والكلام.قال البيجوري:وقد تقدم ضعف ذلك بأنه لا يلزم من كونها نقائص في الشاهد أن تكون نقائص في الغائب.أهـ، أي إننا مع تسليمنا بأن النقص مستحيل على الله تعالى عقلا ونقلا، إلا أننا لا نسلم أن عدم اتصافه تعالى بالسمع والبصر والكلام يلزم منه النقص عقلا، لأن العقل يستعيض عن السمع والبصر بالعلم، وعن الكلام بالقدرة والإرادة. ولقائل أن يقول سلمنا أن العقل يمكنه الاستغناء عن السمع والبصر بالعلم، لكن لا نسلم الاستغناء عن الكلام مطلقا بالقدرة والإرادة، لأن الذي يلزم الاستغناء عنه بذلك إنما هو الكلام الذي بحرف وصوت، أما الكلام النفسي فكيف يتم بيان الاستغناء عنه؟! وهو قوي والله أعلم.(س)
  3. [3] راجع ما ذكرناه سابقا بخصوص الدليل العقلي على هذه الصفات الثلاثة وبيان جهة ضعفه.(س) وحاصله أن كون أضداد تلك الصفات نقائص إنما هو بالنسبة إلى المخلوق، ولا يلزم من كون الشيء نقصا في حق المخلوق كونه كذلك بالنسبة للخالق جل وعلا، فإن عدم الولد مثلا نقص في حق المخلوق دون الخالق سبحانه ولأجل مثل هذا الاعتراض لم يكتف في هذه الصفات بالدليل العقلي وإنما يذكر تبعا للنقلي.(ط)
صفحة 96

برهان القسم الثاني
وهو المستحيلات في حق الله

إن براهين الواجبات هي نفسها تستلزم البرهان على المستحيلات في حق الله تعالى، لأنه لا يثبت الواجب إلا بنفي المستحيل، فإنه يستحيل مثلا أن يكون الله عالما وغير عالم، لأنه لو جاز لجاز اجتماع النقيضين وهذا باطل. إذن إما أن يكون عالما أو جاهلا، ولا قسم آخر، فلما أثبتنا كونه عالما بطل أن يكون جاهلا. وهكذا القول في باقي الصفات.

صفحة 96

برهان جواز فعل الممكنات وتركها

لو وجب عليه تعالى فعل شيء من الممكنات عقلا أو استحال عقلا لانقلب الممكن الذي صح في العقل وجوده وعدمه واجبا لا يتصور في العقل عدمه، فلو وجب عليه بعض الممكنات عقلا لزم أن تنقلب كلها واجبة أو استحال بعضها عقلا لزم أن تنقلب كلها مستحيلة وذلك باطل لا يتصور في العقل وجوده لأنه يؤدي إلى الجمع بين النقيضين لأنه بالنظر لكونه ممكنا يقبل الوجود والعدم وبالنظر لكونه واجبا لا يقبل إلا الوجود فقط، وبالنظر لكونه مستحيلا لا يقبل إلا العدم فقط، وكون الشيء الواحد يقبل الأمرين ولا يقبل إلا واحدا تناقض وهو باطل.

ملاحظة: إذا وجب عليه البعض وجب الكل، وإذا استحال البعض استحال الكل لأنه لا فرق بين ممكن وممكن. لأنه ما ثبت للأمر ثبت لمثيله.

صفحة 97

وحاصل الدليل أنه إذا بطل انقلاب الممكن واجبا أو مستحيلا بطل وجوب البعض أو استحالته وإذا بطل وجوب البعض أو استحالته وجب أن الممكنات جائزة وهو المطلوب.

إذن فجميع الممكنات لا يجب منها على الله فعل شيء ولا تركه لا شرعا ولا عقلا.ودليل النقل على جواز فعل الممكنات أو تركها من الكتاب قوله تعالى (وربك يخلق ما يشاء ويختار)القصص:68، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم “ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن”[1].

وبهذا نكون قد انتهينا من بيان ما يجب على المسلم معرفته مما يتعلق بالذات الإلهية، ونشرع بعون الله فيما يلي في بيان ما يتعلق بالرسل من أحكام.

  1. [1] مرَّ تخريجه، انظر ص(50).
تهذيب شرح السنوسية
 
Top