مقدمة المؤلف

صفحة 15

بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيْمِ

قال سلطانُ العلماء، عِزُّ المِلَّةِ والدِّين، أبو محمدٍ عبدُالعزيزِ بْنُ عبدِالسلامِ قدَّسَ اللهُ تعالى روحَهُ ونَوَّرَ ضريحَه:

الحمد لله ذي الجودِ والإحسانِ، والفضلِ والامتنانِ، والعِزِّ والسُّلْطانِ، مُكَوِّنِ الأَكوانِ، ومُدَبِّرِ الأزْمانِ[1]، وعالمِ السِّرِّ والإِعْلانِ.

وأشهَدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك لهُ، المَلِكُ الدَّيَّانُ، العظيمُ الشانِ، الذيْ لا يَنَالُهُ الْوَهمُ، ولا يُدْرِكُهُ العِيانُ.

وأشهد أن نبيَّنا محمداً عبدُه ورسولُه، أرسله بالنور والبيان، والهدى والفرقان، والحجج والبرهان، ليُظهرَه على الأديان، فدعا إلى الرحمن، وكَسر الأوثانَ، وأهان الصُّلْبانَ، وأبادَ أهْلَ الكُفْرِ والطُّغيانِ، صلى الله عليه وعلى آله في كل حينٍ وأوانٍ، ووقتٍ وزمانٍ، ما ارتفع النَّسْرانِ[2]، واصْطَحَبَ الفَرْقَدانِ.

(وبعدَ) حمدِ الله على أن حَبَّبَ إلينا الإيمانَ، وكرَّهَ إلينا الكُفرَ والفُسوقَ والعِصْيانَ، فإن الله تعالى جَعَلَنا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الذي فيه بركةٌ للعالمين، وأَسْكَنَهُ الأنبياءَ والمُرْسَلِيْنَ، والأولياءَ والمُخْلَصين، والعُبَّاد الصَّالِحِيْنَ، وحفَّهُ بملائِكَتِه المقرَّبين، وجَعَلَهُ فِيْ كَفالةِ ربِّ العالَمِيْنَ، وجعلَ أهلَهُ على

صفحة 16
الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم إلى يوم الدين، وجعله معقل المؤمنين، وملجأ الهاربين، (ولا سيما دمشق المحروسة) الموصوفة في القرآن المبين، بأنها ربوة ذات قرار ومعين، كذلك روي عن سيد المرسلين، وجماعة من المفسرين، وبها ينزل عيسى بن مريم عليه السلام لإعزاز الدين، ونصرة الموحدين، وقتل الكافرين، وإبادة الملحدين، وبغوطتها عند الملاحم فسطاط المسلمين.

  1. [1] خ: ((الزَّمانِ)).
  2. [2] تَحَرَّفَتْ في: ((ط)) إلى ((النَّيِّران))، ((والنَّسْرانِ)): كَوْكَبانِ فيْ السماء مَعْرُوفانِ، على التَّشْبِيْهِ بالنسرِ الطائِرِ، يُقالُ لكُلِّ واحدٍ مِنْهُما نَسْرٌ، وَيَصِفُونَهُمَا فيقولون: النَّسْرُ الواقِعُ، والنَّسْرُ الطائِرُ، قالَه الزَّبِيْدِيُّ فِيْ ((تاجِ العَرُوْسِ)) مادَّةُ: (نسر).
صفحة 16

فممّا يدل على بركة الشام:

قوله تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [سورة الأنبياء: 21/71][1].

وقوله سبحانه وتعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [سورة الإسراء: 17/1][2].

واختلف العلماء في هذه البركة:

فقيل: هي بالرسل والأنبياء.

وقيل: بما بارك فيه من الثمار والمياه[3].

وقد وَفّر الله سبحانه وتعالى حظ دمشق بما أجرى فيها من العيون والأنهار،

صفحة 17

وسلكه من مياهها خلال المنازل والديار، وأنبته بظاهرها من الحبوب والثمار، وجعله موطناً لعباده الأخيار، وساق إليها صفوته من الأبرار[4].

ومما ذكره علماء السلف في تفسير آي من القرآن:

فمن ذلك: [ما رواه قراء القرآن عن الحسن بن أبي الحسن يسار البصري[5]، و][6]ما رواه مَعْمَر[7] عن قتادة بن دِعامة السدوسي[8] في قوله تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [سورة الأعراف: 137] قالا: مشارق الشام ومغاربه.

وهذا موافق لقوله تعالى: {بَارَكْنَا حَوْلَهُ}[9].

ومنه ما رواه مَعْمَر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} [سورة يونس: 93]. قال: بوّأهم الله تعالى الشام وبيت المقدس[10]،

صفحة 18

مبوّأ صدق، فالصدق يعبَّر به عن الحُسن استعارةً، وتجوُّزاً، كقوله تعالى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ} [القمر: 54/55] أي: في مقعد حسن.

وقد يكون المبوَّأ حسناً لما فيه من البركات الدينية، وذلك موجودٌ وافرٌ بالشام وبيت المقدس.

أو يكون حُسنه لبركاته العاجلة بسعة الرزق والثمار والأشجار.

ومن ذلك ما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فمنه:

ما رواه أبو إدريس (عائذ) الله بن عبد الله الخولاني[11]، عن عبد الله بن حوالة الأزدي[12] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سَتُجَنَّدون أجناداً: جُنداً في الشام، وجُنداً في العراق، وجُنداً باليمن)، قال: قلت يا رسول الله خِر لي، قال: (عليك بالشام، فمن

أبى فليلحق بيَمَنِهِ، وَلْيَسْقِ مِن غُدرِه[13]، فإن الله قد تكفّل لي بالشام وأهله)[14].

صفحة 19

قال سعيد بن عبد العزيز[15] أحد رواة هذا الحديث، وكان ابن حوالة رجلاً من الأزد، وكان مسكنه الأردن، وكان[16] إذا حدّث بهذا الحديث قال: ومن تكفّل الله تعالى به فلا ضيعة عليه.

فأخبر صلى الله عليه وسلّم أن الشام في كفالة الله، وأن ساكنيه في كفالته، وكفالته: حفظه وحياطته، ومن حاطه الله وحفظه فلا ضيعة عليه كما قال ابن حوالة.

ومنه ما رواه عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يخرج من حضرموت _أو: بحر حضرموت_ نار تسوق الناس)، قلنا: يا رسول الله، ما تأمرنا؟ قال: (عليكم بالشام)[17].

أشار صلى الله عليه وسلّم بالشام عند خروج النار لعلمه بأنها خير للمؤمنين (حينئذٍ) من غيرها، والمستشار مؤتمن[18].

  1. [1] قال السُّدّي في قوله تعالى:{إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا}: “هي الشام”. أخرجه ابن أبي حاتم كما في: “مفحمات الأقران في مبهمات القرآن” للسيوطي (ص146) بتحقيقنا.

    وروى الحافظ ضياء الدين المقدسي في فضائل بيت المقدس برقم (28) عن أبي العالية في قوله: {إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} قال: “من بركتها أن كل ماء عذب يخرج من أصل صخرة بيت المقدس”.

  2. [2] سمي الأقصى؛ لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام، وكان أبعد مسجد عن أهل مكة في الأرض يعظَّم بالزيارة “الجامع لأحكام القرآن للقرطبي” (10/212).
  3. [3] وقيل: بمن دفن حوله من الأنبياء والصالحين؛ ذكره القرطبي في “الجامع لأحكام القرآن” (10/212)
  4. [4] انظر: “حدائق الإنعام في فضائل الشام” لعبدالرحمن بن إبراهيم بن عبدالرزاق الدمشقي ص126، في ذكر من مات في دمشق من الأنبياء والصحابة، و”الصحابة الأعلام ممن دفن منهم بالشام” لمحمد رياض خورشيد.
  5. [5] الحسن البصري الأنصاري مولاهم، ثقة فقيه فاضل مشهور، مات سنة عشر ومائة وقد قارب التسعين. “تقريب التهذيب 1/165”.
  6. [6] زيادة من “ط”.
  7. [7] هو معمر بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت، مات سنة أربع وخمسين ومائة وهو ابن ثمان وخمسين سنة. “تقريب التهذيب” 2/266.
  8. [8] قتادة بن دعامة السَّدُوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، مات سنة بضع عشرة ومائة. “تقريب التهذيب” 2/123.
  9. [9] قال الحافظ أبو القاسم السهيلي في كتابه “التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام” ص96: “{الَّذِيْ بَارَكْنَا حَوْلَهُ}: يعني الشام، والشام بالسريانية: الطيب، فسميت بذلك؛ لطيبها وخِصبها”.
  10. [10] أخرجه الطبري في “تفسيره” 11/114. وروى الطبري عن الضحاك أنه: مصر والشام. وروى أيضاً عن ابن زيد أنه: الشام. وكذا أخرجه ابن المنذر عن قتادة كما في “مفحمات الأقران في مبهمات القرآن” للسيوطي ص115.
  11. [11] هو عائذ بن عبدالله الخولاني ولد في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنينن، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة ثمانين، قال سعيد بن عبدالعزيز: كان عالم الشام بعد أبي الدرداء. “تقريب التهذيب” 1/390.
  12. [12] عبدالله بن حوالة الأزدي، أبو حوالة، صحابي نزل الشام، ومات بها سنة ثمان وخمسين وله اثنتان وسبعون سنة، ويقال: مات سنة ثمانين. “تقريب التهذيب” 1/411. وتصحف اسمه في الأصل إلى: “خوالة” بالمعجمة.
  13. [13] “غُدُرٌ” بضم الغين والدال: جمع غدير؛ وهي القطعة من الماء يغادرها السيل، أي: يتركها، وهو فَعِيْلٌ بمعنى مفعول، وقد قيل: إنه من الغَدْرِ؛ لأنه يخون وُرَّادَه فينضُبُ عنهم، ويغدر بأهله فينقطع عند شدة الحاجة إليه. “لسان العرب”: (غدر)
  14. [14] أخرجه أحمد في “المسند” 5/33، وأبو داود (2483) في الجهاد: بابٌ في سكنى الشام، والطبراني من طريقين كما في “مجمع الزوائد” 10/59، قال الهيثمي ورجال أحدهما رجال الصحيح، والحاكم في “المستدرك” 4/510، وصححه وأقره الذهبي.

    ورواية أبي داود المذكورةُ عن أبي قُتَيْلَةَ عن ابن حوالة، وانظر طرقه في “تحفة الأشراف” (5248)، و”تخريج أحديث فضائل الشام ودمشق” ص13.

  15. [15] سعيد بن عبدالعزيز التنوخي الدمشقي، ثقة إمام، سوّاه أحمد بالأوزاعي، وقدمه أبو مُسْهِر، ولكنه اختلط في آخر عمره، مات سنة سبع وتسعين ومائة، وقيل: بعدها، وله بضع وسبعون. “تقريب التهذيب “1/301
  16. [16] سقط من: “ط” قوله: “ابن حوالة رجلاً…” إلخ.
  17. [17] أخرجه أحمد في “المسند” 2/8، 53، 69، 99، 119، والترمذي (2218)، في الفتن: باب ما جاء لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من قبل الحجاز، وقال: “حسن غريب صحيح”، وابن حبان (2312)، وأبو يعلى في “مسنده” (5551)، وابن طَهْمان في “مشيخته” برقم (201) وإسناده صحيح.
  18. [18] قوله: “المستشار مؤتمن”: حديث مرفوع صحيح، أخرجه أبو داود (5128)، والترمذي (2833) وقال: “حسن”، وابن ماجه (3745)، والنسائي في “سننه الكبرى”، والبخاري في “الأدب المفرد” (256) وأبو الشيخ في “الأمثال” (25 و26 و27)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
صفحة 19
وقد درج العلماء على الإشارة بسكناه اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلّم، إذ قال عطاء الخراساني: لما هممت بالنقلة، شاورتُ من بمكة والمدينة والكوفة والبصرة

 

صفحة 20

وخراسان من أهل العلم، فقلت: أين ترون لي أنزلُ بعيالي؟ فكلهم يقولون: عليك بالشام[1].

ومنه ما رواه عبد الله بن حوالة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (رأيت ليلة أسرِيَ بي عموداً أبيض كأنه لؤلؤة، تحمله الملائكة، فقلت: ما تحملون؟ فقالوا: عمود الإسلام أُمِرنا أن نضعه بالشام. وبينا أنا نائم رأيتُ عمود الكتاب اختُلِس من تحت رأسي فظننتُ أن الله تعالى قد تخلّى[2] من أهل الأرض فأتبعته بصري فإذا[3] هو نور ساطع بين يديَّ حتى وُضِعَ بالشام. فقال ابن حوالة: يا رسول الله خِرْ لي، قال: (عليك بالشام)[4].

ورواه عبد الله بن عمرو بن العاص دون قول ابن حوالة، ودون قوله: “رأيتُ ليلة أُسْرِيَ بي”، وزاد فيه بعد قوله “حتى وُضِعَ بالشام”: “ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام”[5].

أخبر صلى الله عليه وسلم أن عمود الإسلام الذي هو الإيمان يكون عند وقوع الفتن بالشام، بمعنى: أن الفِتَنَ إذا وقعت في الدين كان أهل الشام براءً من ذلك ثابتين على الإيمان، وإن وقعت في غير الدِّين كان أهل الشام عاملين

صفحة 21

بموجب الإيمان، وأي مدحٍ أتمُّ من ذلك؟!

والمَعْنِيُّ بعمود الإسلام: ما تعتمد أهل الإسلام عليه، ويلتجئون إليه، والعِيانُ شاهدٌ لذلك، فإنّا رأينا أهل الشام على الاستقامة التامّة، والتمسك بالكتاب والسُّنّة عند ظهور الأهواء، واختلاف الآراء.

وقد قال عبد الله بن شَوذَب[6]: تذاكرنا بالشام، فقلتُ لأبي سهل[7]: أما بَلَغَكَ أنه يكون بها كذا؟ قال: بلى، ولكن ما كان بها فهو أيسرُ مما يكون بغيرها.

والذي ذكره معلومٌ بالتجربة، معروفٌ بالمشاهدة، أن الفتن من القَحْطِ والغلاء، وغير ذلك من أنواع البلاء، إذا نزلت بأرضٍ كانت بالشام أخفَّ منها في غيرها.

ومنه ما رواه سَلَمَة بن نفيل الحضرمي[8]، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنّي سَمَّنْتُ[9] الخيل، وألقيت السلاح، وَوَضَعَتِ الحربُ أوزارها، قلت: لا قتال. فقال له النبي صلى الله عليه وسلّم: “الآن جاء القتال، لا تزال طائفةٌ من أمّتي

صفحة 22

ظاهرين على الناس، يزيغ الله قلوب أقوامٍ فيُقاتلونهم، ويرزقهم الله تعالى منهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، ألا إن عُقْرَ دار المؤمنين الشام، والخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة”[10].

أخبر صلى الله عليه وسلّم في هذا الحديث بالرّدّة التي تقع ممن أراد الله تعالى أن يزيغ قلبه عن الإسلام، فأشار عليه بقتل المرتدين ثمّ بسُكنى الشام إشارة منه إلى أن المقامَ بها رِباطٌ في سبيل الله، وإخباراً بأنها ثَغْرٌ إلى يوم القيامة، وقد شاهدنا ذلك، فإن أطراف الشام ثغورٌ على الدوام.

ومنه ما رواه عبد الله بن حوالة أنه قال: (يا رسول الله خِر لي بلداً أكون فيه، فلو أعلم أنك تبقى لم أختر على قربك شيئاً). قال: “عليك بالشام”، فلمّا رأى كراهيتي للشام قال: “أتدري ما يقول الله تعالى في الشام؟ إن الله تعالى يقول: يا شام، أنتِ صفوتي من بلادي، أُدْخِلُ فيكِ خِيرتي من عبادي، إن الله تكفّل لي بالشام وأهله”[11].

وهذه شهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلّم باختيار الشام وتفضيلها، وباصطفائه ساكنيها، واختياره لقاطنيها، وقد رأينا ذلك بالمشاهدة، فإن من رأى صالحي أهل الشام ونسبَهم إلى غيرهم، رأى بينهم من التفاوت ما يدلُّ على اصطفائهم واجتبائهم.

ومنه ما رواه زيد بن ثابت رضي الله تعالى قال: كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

صفحة 23

نؤلِّف القرآن في الرِّقاع[12]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: “طوبى لأهل الشام”[13]، فقلت: وبمَ ذلك؟ فقال: “إن ملائكة الرحمة _وفي رواية: ملائكة الرحمن_ باسطةٌ أجنحتها عليها”[14].

أشار صلى الله عليه وسلّم إلى أن الله سبحانه وتعالى وكَّل بها الملائكة يحرُسونها ويحفظونها، وهذا موافق لحديث عبد الله بن حوالة في أنهم في كفالة الله تعالى ورعايته.

ومنه ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: “اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا” مرّتين، فقال رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله[15]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: “من هناك يطلُعُ قرن الشيطان، وبها تسعةُ أعشار الشر”[16].

صفحة 24

لما بدأ بالدعاء للشام بالبركة وثنّى باليمن، دلّ على تفضيل الشام على اليمن مع ما أثنى به على أهل اليمن في غير هذا الحديث، فإن البداية إنما تقع بالأهمِّ فالأهمّ.

ومنه ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “الخير عشرة أعشار، تسعة في الشام، وواحد في سائر البلدان، والشرُّ عشرة أعشار، واحد بالشام، وتسعة في سائر البلدان[17]، وإذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم”[18].

وهذا مما يحث على سُكنى الشام، ويدل على الثناء على أهله لاتّصافهم بتسعة أعشار الخير، واتصاف سائر الأقاليم بالمِعْشار.

ومنه ما رواه عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تخرب الأرض قبل الشام بأربعين سنة[19].

صفحة 25

ومنه ما رواه عمير بن هانئ[20] قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما على هذا المنبر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تزال طائفةٌ من أمّتِي قائمةٌ بأمر الله، لا يضرّهم مَن خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس”، فقام مالك بن يَخَامِر السكسكي[21] فقال: يا أمير المؤمنين، سمعت معاذ بن جبل يقول: “وهم أهل الشام”، فقال معاوية ورفع صوته: هذا مالك، يزعم أنه سمع معاذاً: “وهم أهل الشام”[22].

ومنه ما رواه معاوية بن قرّة[23] عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: “إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، ولن تزال طائفةٌ من أمتِي منصورين[24] لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة”[25].

صفحة 26

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: “ليأتينَّ على النّاس زمانٌ لا يبقى على الأرض مؤمنٌ إلا لحق بالشام”[26] ومثل هذا لا يقوله إلا توقيفاً.

ولما علم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين تفضيل الشام على غيره، دخلَ إليه منهم عشرة آلاف عَيْنٍ رأت النبي صلى الله عليه وسلّم على ما ذكره الوليد بن مسلم[27].

ومما ذكره كعب الأحبار[28] عن التوراة قال:

في السطر الأول: محمد بن عبدالله (عبدي) المختار، لا فظٌّ ولا غليظ، ولا صخّابٌ في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة[29]، وملكُه بالشام.

وفي السطر الثاني: محمد رسول الله، أمّته الحمّادون، يحمدون الله تعالى في السّراء والضراء، ويحمدون الله تعالى في كل منزلة، ويكبّرونه على

صفحة 27

كل شرف، رعاة الشمس، يصلّون [الصلاة][30] إذا جاء وقتها ولو كانوا على رأس كُنَاسة[31]، ويأتزرون على أوساطهم، ويوضِّئون أطرافهم، وأصواتهم بالليل في جو السماء كأصوات النّحل[32].

والذي ذكره كعبٌ موافق للمشاهدة والعِيان[33]، فإن قوة مُلْكِ الإسلام ومعظم أجناده من أهل البسالة والشجاعة بالشام.

وقال كعب الأحبار: إن الله تعالى بارك في الشام من الفرات إلى العريش[34].

وقد أشار كعبٌ إلى أن البركة بالشام، وأن قوله: {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} لا يختص بمكانٍ منه دون مكان، وإنما هو عامٌّ مستوعب بحدود الشام.

  1. [1] أخرجه ابن عساكر في: “تاريخ دمشق” 1/ 89.
  2. [2] ب: “تجلى”.
  3. [3] في الأصول: “وإذا”، والمثبَتُ موافقٌ لابن عساكر والهيثمي.
  4. [4] أخرجه الطبراني كما في “مجمع الزوائد” للهيثمي 10/ 58، وابن عساكر في “تاريخه”: 1/ 62، قال الهيثمي: “رجاله رجال الصحيح غير صالح بن رستم وهو ثقة”، وسقط من : “ط” قوله: “فقال ابن حوالة…” إلخ.
  5. [5] أخرجه الطبراني في “المعجم الكبير” و”الأوسط” بأسانيد، قال الهيثمي في “مجمع الزوائد” 10/ 58: “في أحدها ابن لهيعة وهو حسن الحديث، وقد توبع على هذا، وبقية رجاله رجال الصحيح”، وأخرجه الحاكم في “المستدرك” 4/509، وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي وأبو نعيم في “حلية الأولياء”: 5/252، وابن عساكر في “تاريخ دمشق”: 1/ 91-95 وحسَّنَه، والحديث صحيح: انظر “تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق للربعي” ص14-15.
  6. [6] عبدالله بن شَوْذَب الخراساني، أبو عبدالرحمن، سكن البصرة ثم الشام، صدوق عابد، مات سنة ست أو سبع وخمسين ومائة،. “تقريب التهذيب” 1/423.
  7. [7] أبو سهل: هو كثير بن زياد البُرْساني، بصري، نزل بلخ، ثقة، و”برسان” قبيلة من الأزد. “تقريب التهذيب” 2/131.
  8. [8] سَلَمة بن نُفَيل السَّكُوني، له صحبة، سكن حمص. “تقريب التهذيب” 1/319. وتحرَّفَتْ “نفيل” في الأصل إلى (بغل).
  9. [9] كذا في الخَطِّيَّتَيْنِ، وفي “مسند أحمد” “سئمت” وفي “المعجم الكبير” للطبراني “تُرِكَت الخيلُ وأُلقيَ السلاحُ”، وفي “سنن النسائي”: “أذالَ الناسُ الخيلَ” أي: أهانوها واستخفوا بها، وقيل: أراد أنّهم وضعوا أداة الحرب وأرسلوها، كما في “شرح النسائي” 6/214. وفي “السنن الكبرى” للنسائي”: “إن الخيل قد أُذِيلَتْ” كما في “تحفة الأشراف” (4562)، وفي “تاريخ دمشق” لابن عساكر 1/105: “إني سَيَّبْتُ الخيل”. وقوله: “سَمَّنْتُ” من “السِّمَنِ”: نقيض الهزال، أو من “التسمين”: وهو التبريد كما في “لسان العرب”: (سمن).
  10. [10] أخرجه أحمد في “المسند” 4/104″، والنسائي 6/215،216 في أول كتاب الخيل، والطبراني في “المعجم الكبير” (6358)، قال الهيثمي في “مجمع الزوائد” 10/60: “رجاله ثقات”، وابن عساكر في تاريخ دمشق 1/105،106.
  11. [11] أخرجه الطبراني كما في “مجمع الزوائد” 10/59، من طريق العرباض بن سارية، قال الهيثمي: “رجاله ثقات”، وأخرجه بنحوه أبو داود، (2483) في الجهاد: باب في سكنى الشام، والرَّبعي في “فضائل الشام ودمشق” الحديث (9) وهو صحيح.
  12. [12] أي: نجمعه في الرقاع، و”الرقاع”: جمع رقعة، وهي ما يكتب فيه، قال الحاكم في “المستدرك” 2/29: “فيه البيان الواضح أن جمع القرآن لم يكن مرة واحدة؛ فقد جُمع بعضُه بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم جمع بعضه بحضرة أبي بكر الصديق، والجمع الثالث هو في ترتيب السورة كان في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين.
  13. [13] في كتب الحديث التي اطلعتُ عليها: “طوبى للشام”.
  14. [14] أخرجه أحمد في “المسند” 5/184، والترمذي (3949) في المناقب، باب في فضل الشام واليمن، وقال: “حسن غريب”، والحاكم في “المستدرك” وصححه، وأقره الذهبي، وابن حبان (2311موارد) والطبراني في “المعجم الكبير” (4933،4935) قال الهيثمي في “مجمع الزوائد” 10/60: “رجاله رجال الصحيح”.
  15. [15] قال ابن تيمية في “مناقب الشام وأهله” ص80 بعد ذكره حديث مسلم مرفوعاً: “لا يزال أهل الغرب ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم إلى قيام الساعة”:  “لغة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل مدينته في (أهل المغرب): هم أهل الشام ومن يغرب عنهم، كما أن لغتهم في (أهل المشرق): هم أهل نجد والعراق؛ فإن المغرب والمشرق من الأمور النسبية، فكل بلد له غربٌ قد يكون شرقاً لغيره، وله شرقٌ قد يكون غرباً لغيره، فالاعتبار في كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لِما كان غرباً وشرقاً له حيث تكلم بهذا الحديث؛ وهي المدينة” ثم ذكر ابن تيمية من علم حساب الأرض تعليلاً لذلك، فراجعه إن شئت.
  16. [16] أخرجه أحمد في “المسند” 2/90= (5642)، واللفظ له، والطبراني في “المعجم الكبير” (13422)، قال الهيثمي في “مجمع الزوائد” 10/57: “رواه الطبراني في “الأوسط”، وأحمد، ورجال أحمد رجال الصحيح غير عبدالرحمن بن عطاء؛ وهو ثقة، وفيه خلاف لا يضر”، وقال الشيخ أحمد شاكر: “إسناده صحيح”، وأخرجه البخاري (1037) في الاستسقاء، باب ما قيل في الزلازل والآيات، وبرقم (7094) في الفتن باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الفتنة من قبل المشرق” عن ابن عمر قال: ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا”، قالوا: يا رسول الله؛ وفي نجدنا، قال: “اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا”، قالوا: يا رسول الله؛ وفي نجدنا، فأظنه قال في الثالثة: “هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان”.
  17. [17] قوله: “عشرة أعشار…” إلخ سقط من: “ط”.
  18. [18] أخرجه الخطيب في “المتفق والمفترق”، وابن عساكر في “تاريخ دمشق” 1/143، وفيه أبو خويلد الدمشقي عن الوَضِيْنِ بن عطاء، قال أحمد: “ما كان به بأس”، ولَيَّنَهُ غيرُه، كما في “كنز العمال” 12/284. وقع في “كنز العمال”: “أبو خليفة”، وهو تحريفٌ صوابُه: أبو خليد، وهو عتبة بن حماد. قال عنه في “تقريب التهذيب” 2/4: “صدوق”.
  19. [19] أخرجه ابن عساكر في “تاريخ دمشق” 1/185.
  20. [20] عمير بن هانئ العَنْسي، أبو الوليد الدمشقي الداراني، ثقة، قتل سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل قبل ذلك “تقريب التهذيب” 2/87. وتحرفت “عمير في الأصل إلى: “عمر”.
  21. [21] مالك بن يَخَامِرَ السكسكيَّ الألهاني الحمصي، صاحب معاذ بن جبل، مخضرم، ويقال: له صحبة، مات سنة سبعين أو اثنين وسبعين: “تهذيب التهذيب” 10/24، و”تقريب التهذيب” 2/227، وتحرفت “يَخامِر” في الأصل إلى: “عامر”.
  22. [22] أخرجه البخاري (7460) في التوحيد: باب قول الله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ}، ومسلم (1037) في الإمارة: باب قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم”
  23. [23] معاوية بن قرة بن إياس بن هلال المزني، أبو إياس البصري، ثقة عالم، مات سنة ثلاث عشرة ومئة، وهو ابن ست وسبعين سنة. “تقريب التهذيب” 2/261.
  24. [24] قال الترمذي في “سننه” 6/353: “قال محمد بن إسماعيل [البخاري]: قال علي بن المديني: هم أصحاب الحديث”.
  25. [25] أخرجه الطيالسي في مسنده: (1076)، وأحمد في “المسند” 3/436 و5/35، والترمذي (2193) في الفتن: باب ما جاء في الشام، وقال: “حسن صحيح”. وروى الشطر الأول منه أبو نعيم في “حلية الأولياء” 7/230،231، وابن حبان في “صحيحه” (2313 موارد)، والخطيب البغدادي في “تاريخ بغداد” 8/417،418، و10/182، وروى الشطر الثاني ابنُ ماجه (6) في المقدمة من “سننه”؛ والحديث صحيح.
  26. [26] أخرجه بنحوه الحاكم في “المستدرك” 4/457، وقال: “صحيح على شرط الشيخين”، وأقره الذهبي.
  27. [27] الوليد بن مسلم، عالم الشام في عصره، ومن حفاظ الحديث، له سبعون تصنيفاً في الحديث والتاريخ يعزُّ وجودها الآن، و”مغازيه” في حكم المفقود من تراثنا، ولعل الإمام العز نقل عنه هنا، توفي سنة 195هـ.
  28. [28] هو كعب بن ماتِعٍ الحِمْيَري، أبو إسحاق، ثقة مخضرم، كان من أهل اليمن فسكن الشام، نُقِلَ عنه بعض الإسرائيليات، مات في خلافة عثمان، وقد زاد على المائة. “تقريب التهذيب” 2/135.
  29. [29] قال ابن خالَوَيْه: سماها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدة أسماء، وهي: طَيْبَةُ، وطَيِّبَةُ، وطَابُةُ، والمُطَيَّبَةُ، والْجابِرَةُ، والْمَجْبُوْرَةُ، والْحَبِيْبَةُ، والْمُحَبَّبَةُ، قال ابن الأثير: إنه أمر أن تسمى المدينة: طيبة، وطابة، هما من الطِّيب؛ لأن المدينة كان اسمها يثرب، والثَّرْبُ الفساد فَنهى أن تُسَّمى به، وسماها: طابة وطيبة، وهما تأنيث: طيْب وطاب، بمعنى الطيب، قال: وقيل: هو الطيب الطاهر، لخلوصها من الشرك وتطهيرها منه. ومنه: “جُعِلَت لي الأرض طَيِّبَةً طهوراً” أي: نظيفة غير خبيثة. “لسان العرب”: (طيب).
  30. [30] زيادة من “تاريخ دمشق” لابن عساكر 1/176.
  31. [31] “الكناسة”: القُمامة.
  32. [32] أخرجه ابن عساكر في “تاريخ دمشق” 1/175،176.
  33. [33] نقل الإمام العز عن كعب الأحبار المشهورِ بنقله عن الإسرائيليات هو من باب قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيثبت عنه في الصحيح: “بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فلْيَتَبَوَّأْ مقعده من النار”. قال الشافعي: المعنى: حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم. انظر “فتح الباري” 6/498، ومقدمتَنا لكتاب السيوطي: “مفحمات الأقران في مبهمات القرآن” ص21.
  34. [34] “مفحمات الأقران في مبهمات القرآن” ص21.
 
Top