معاملة الملوك لأهل الشام

صفحة 33

فإذا كان الشام وأهله عند الله بهذه المنزلة، وكانوا في حراسته وكفالته، ودلّت الأدلة على أن دمشق خير بلاد الشام، فلذلك أخبر السلف وشاهد الخلف أنَّ من ملك دمشق من ملوك الإسلام، فبسط على أهلها الفضل، ونشر فيهم العدل، فإن النصر ينزل عليه من السماء، مع ما يحصل له من الود في قلوب الأبرار والأولياء والأخيار والعلماء، ومع ما يلقيه الله من الرعب في قلوب الأضداد والأعداء.

ومن عاملهم من ملوك الإسلام بخلاف ذلك، فأحلّ بهم شيئاً من الضَّرَّاء وأنزل بهم نوعاً من البأساء، أو أخذهم بالجبروت والكبرياء، فإن الله لا يُهمِلُه ولا يُمهِله، بل يعاجله باستلاب ملكه في حياته، أو بإلقائه في أنواع البلاء وأبواب الشقاء، وذلك لأنهم في كفالة رب الأرض والسماء، كما أخبر به خاتم الأنبياء، وكيف لا يكون كذلك وقد اتّصلت أذيَّتُه بالأبدال، وهم أكابر الأولياء، لقول علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: “لا تسبّوا أهل الشام، وسُبُّوا ظلَمَتهم”[1].

وقال عبد الله بن صفوان، أو صفوان بن عبد الله[2]: قال رجلٌ يوم

صفحة 34

صفين: (اللهم الْعَنْ أهل الشام)، فقال أمير المؤمنين عليٌّ[3]: “لا تسبّ[4] أهل الشام جمّاً غفيراً، فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال”[5].

وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: “لا تسبّوا أهل الشام، فإنهم جند الله المقدّم”.

وقد قال عليه السلام حكايةً عن ربّه عزّ وجل: “من آذى لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة”[6]، ومن بارز الله بالمحاربة كان جديراً أن يأخذه أخذ القُرى وهي ظالمة إن أخذه أليمٌ شديد.

وقد قال صلى الله عليه وسلّم: “اللهم مَنْ وَلِيَ من أمرِ أمتِي شيئاً فرَفَقَ بهم، فارفِق به، ومن وَلِيَ من أمرِهم شيئاً فشَقَّ عليهم، فاشقُق عليه”[7]. “فالمقسطون عند الله

صفحة 35

يوم القيامة على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في أنفسهم وأهليهم وما وَلُوا”[8].

وقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلّم أنه قال: “سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمامٌ عادل، وشابٌّ نشأ في عبادة الله عز وجل، ورجلٌ قلبه معلّقٌ بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه”[9].

فبدأ منهم بالإمام العادل، لأن ما يجري على يديه من المصالح العامّة شاملٌ لجميع عباد الله، والخلقُ عباد الله، فأحبّهم إليه أنفعهم لعباده[10].

وقد قال موسى عليه السلام لبنِي إسرائيل: {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [سورة الأعراف: 129].

فيجبُ على ولاة الأمر أن يستحيوا من نظر الله تعالى إليهم، وأن يشكروا إنعامه عليهم، وقد قال تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [سورة إبراهيم: 7].

صفحة 36

اللهم فوفّق ولاة أمور المسلمين للتمسّك بكتابك، والتخلّق بآدابك، والوقوف ببابك، والعكوف على جنابك، واجعلهم سُلَّماً لأوليائك، حرباً لأعدائك، وأعِنْهم على اتباع الحق واجتناب الباطل، بحولك وقوّتك يا رَبَّ العالمين.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه أجمعين

  1. [1] أخرجه الحاكم في “المستدرك” وصححه، وأقره الذهبي، ذكره السيوطي في “الحاوي للفتاوي” 2/243.
  2. [2] وردت بعض الطرق هكذا، وبعض الطرق هكذا، كما قال السيوطي في رسالته “الخبر الدال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال” المتضمنة في كتابه “الحاوي للفتاوي” 2/243، وقد رواه عنه الزهري، والذي يروي عن الزهري هو صفوان بن عبدالله الأكبر بن صفوان بن أمية بن خلف القرشي الجمحي المكي التابعي الثقة، ترجم له الحافظ أبو الحجاج المزي في “تهذيب الكمال” 13/197.
  3. [3] قوله: “أمير المؤمنين…” إلخ سقط من “ط”.
  4. [4] ط: “تلعن” بدل “تسب”، والمثبت موافق للنسختين الخطيتين و”الحاوي للفتاوي” 2/243.
  5. [5] أخرجه ابن أبي الدنيا، والبيهقي، والخلال، وابن عساكر، كما في “الحاوي للفتاوي” 2/243.
  6. [6] لم أجده بهذا اللفظ، لكن روى البخاري (6502) في الرقاق باب التواضع عن أبي هريرة مرفوعاً: “إن الله قال: من عادى ليْ ولياً فقد آذنته بالحرب” إلى آخر الحديث، وفي طريق أخرى: “من أهان لي ولياً”.

    وأخرجه أحمد في “المسند” 6/256 بإسناد لا بأس به عن عائشة مرفوعا بلفظ: “قال الله عز وجل: من آذى لي ولياً فقد استحل محاربتي”.

    وأخرجه ابن أبي الدنيا في “الأولياء”، والحكيم الترمذي، وابن مردويه، وأبو نعيم في “حلية الأولياء”، والبيهقي في “الأسماء والصفات”، وابن عساكر، من حديث أنس بلفظ: “من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة” كما في “إتحاف السادة المتقين” للزبيدي 8/477، وأخرجه أبو نعيم في أول “حلية الأولياء” 1/4 عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: “إن الله عز وجل قال: من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب”.

  7. [7] أخرجه بنحوه مسلمٌ (1828) في الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، والنَّسائيُّ في “السنن الكبرى”، كما في “تحفة الأشراف” (16302) عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعاً.
  8. [8] “وَلُوْا” أي: كانت لهم عليه ولاية. والحديث أخرجه أحمد في “المسند برقم (6492)=2/160، ومسلم (1827) في الإمارة: بب فضيلة الإمام العادل، والنسائي 8/281 في آداب القضاة: باب فضل الحاكم العادل في حكمه، عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
  9. [9] أخرجه البخاري (660)، في الأذان: باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد، ومسلم (1031) في الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
  10. [10]  هذه إشارةٌ مهمةٌ من المؤلف إلى أن الخلق هم (عبادالله) وليسوا بـ(عيال الله)؛ ولا يصحُّ خبرٌ فيه: (عيال الله)، ومنه الخبر المشهور على الألسنة: (الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ الله)؛ لأن الناس كلَّهم عبيدُه، أفادنيه المحدِّثُ عبدُالقادر الأرناؤوط رحمه الله.
معاملة الملوك لأهل الشام
 
Top