فصل في تفضيل دمشق على الخصوص

صفحة 29

فصل في تفضيل دمشق على الخصوص

فمن ذلك ما جاء في تفسير آيٍ من القرآن منها قوله تعالى: {وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [سورة المؤمنون: 50] روى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه تلا هذه الآية: {وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ} قال: “أتدرون أين هي؟” قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (هي بالشام، بأرض يُقال لهاا الغوطة، مدينةٌ يقال لها دمشق، هي خير مدائن الشام)[1].

وكذلك قال عبد الله بن عباس، وعبد الله بن سلام، وسعيد بن المسيّب، والحسن البصري رضي الله عنهم[2].

صفحة 30

وعن كعب الأحبار في قوله: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} [سورة التين: 1] قال: “التين”: مسجد دمشق، و”الزيتون”: بيت المقدس، و”طور سينين”: جبل موسى[3].

وعن بشر بن الحارث الحافي[4] قال: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} [سورة الفجر: 7-8]قال: هي دمشق[5].

ومن ذلك أنها مهبط عيسى بن مريم عليه السلام، لنُصرة الدين عند خروج الأعور الكذّاب على ما رواه النّوّاس بن سمعان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: “ينزل عيسى بن مريم على المنارة البيضاء شرقي دمشق”[6].

صفحة 31

ومن ذلك ما رواه عبدالرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه[7] قال: حدّثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: (سَتُفتَحُ عليكم الشام، فإذا خُيّرتُم المنازل فعليكم بمدينة يقال لها دمشق، فإنها معقل المسلمين من الملاحم، وفسطاطهم[8] منها بأرضٍ يقال لها: الغوطة)[9].

فثبت بما ذكرنا تفضيلُ دمشق على سائر بقاع الشام ما عدا بيت

صفحة 32

المقدس. ومما يدل على بركتها وفضيلة أهلها: كثرةُ ما فيها من الأوقاف، على أنواع القربات، ومصارف الخيرات، وأنّ مسجدها الأعظم لا يخلو في معظم الليل والنهار عن تالٍ لكتاب الله، أو مُصَلٍّ أو ذاكر أو عالم أو متعلّم.

ومن ذلك ما حُكِيَ عن صِيانة أهلها ودينهم، ما رواه عبد الرحمن[10] بن يزيد بن جابر قال: باعتِ امرأةٌ طَشْتاً في سوق الصُّفر [بدمشق][11] فوجده المشتري ذهباً، فقال لها: (أما إنّي لم أشترِه إلا على أنه صُفر[12]، وهو ذَهَبٌ فهو لكِ).

فقالت: (ما ورثناه إلا على أنه صفر، فإن كان ذهباً فهو لك)[13]، فاختصما إلى الوليد بن عبد الملك[14]، فأحضر رجاء بن حَيْوَة[15]، فقال: (انظر فيما بينهما)، فعرضه رجاءٌ على المرأة فأبت أن تقبله، وعرضه على الرجل فأبى أن يقبله، فقال: (يا أمير المؤمنين، أعطها ثمنه، واطرحه في بيت مال المسلمين).

وقال زيد بن جابر: رأيت سواراً من ذهب، وزنه ثلاثون مثقالاً[16]،

صفحة 33

معلّقاً في قنديل من قناديل مسجد دمشق[17] أكثر من شهر، لا يأتيه أحد فيأخذه.

  1. [1] أخرجه الزيلعي في “فضائل الشام” الحديث: (14)، وابن عساكر في “تاريخ دمشق” 1/192، قال السيوطي في “الدر المنثور” 5/8: “سنده ضعيف”.
  2. [2] اختُلف في تعيين “الربوة” على أقوال:

    فروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة، والطبراني في “المعجم الأوسط” عن مرة الزهري: أنها الرملة من فلسطين، واستبعده الطبري في “جامع البيان” 18/21؛ لأن ارملة لا ماء بها معين، والله تعالى ذِكْرُهُ وصف هذه الربوة بأنها ذاتُ قرار ومعين.

    وروى ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنها: مصر.

    وروى أيضاً عن سعيد أنها” دمشق.

    وروى عن الضحاك أنها: بيت المقدس؛ وهو الأظهر عند ابن كثير في “تفسيره” 3/346.

  3. [3] أخرجه الطبري في “جامع البيان” 30/ 153،154، قال أبو جعفر الطبري بعد أن ذكر الأقوال في تأويل ذلك: “والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال: التين: هو التين الذي يؤكل، والزيتون هو الزيتون الذي يُعصر منه الزيت؛ لأن ذلك هو المعروف عند العرب، ولا يعرف جبلٌ يسمى تيناً، ولا جبل يقال له زيتون، إلا أن يقول قائل: (أقسمَ ربُّنا جل ثناؤه بالتين والزيتون، والمراد بالكلام: القَسَمُ بمنابت التين ومنابت الزيتون)، فيكون ذلك مذهباً، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك دلالة على ظاهر التنزيل، ولا من قول من لا يجوز خلافه؛ لأن دمشق بها منابت التين وبيت المقدس منابت الزيتون”، وقال أبو جعفر أيضاً بعد أن ذكر الأقوال في طور سينين: “جبل معروف؛ لأن الطور هو الجبل ذو النبات، فإضافته إلى سينين تعريف له ولو كان نعتاً للطور كما قال من قال: معناه حسن أو مبارك؛ لكان الطور مُنَوَّناً؛ وذلك أن الشيء لا يضاف إلى نعته لغير علة تدعو إلى ذلك.
  4. [4] بشر بن الحارث الحافي: زاهد جليل مشهور، ثقة قدوة، مات سنة سبع وعشرين ومائتين، وله ست وسبعون. “تقريب التهذيب” 1/98.
  5. [5] ورواه الطبري في “جامع البيان” 30/111 عن المقبري.
  6. [6] أخرجه أحمد في “المسند” 14/181، ومسلم (2137) في الفتن، باب ذكر الدجال وصفة ما معه، ورواه أبو داود (4321) في الملاحم، باب خروج الدجال، والترمذي (2241) في الفتن، باب ما جاء في فتنة الدجال، وابن ماجه (4075) في الفتن، باب فتنة الدجال وخروج عيسى ابن مريم، والحاكم في “المستدرك” 4/492،494، والربعي في “فضائل الشام ودمشق” الحديث (25).

    قال النووي المتوفى سنة 676 في “شرح صحيح مسلم” (5788): “وهذه المنارة موجودةٌ اليوم شرقي دمشق”، وذكرها الحافظ ابن كثير المتوفى سنة 774 في نهاية “البداية والنهاية في الفتن والملاحم” 1/176، بقوله: “رأيت في بعض الكتب أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي جامع دمشق، فلعل هذا هو المحفوظ وتكون الرواية: فينزل على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق، فتصرَّفَ الراوي بالتعبير بحسب ما فهم، وليس بدمشق منارةٌ تُعرف بالشرقية سوى التي إلى شرق الجامع الأموي، وهذا هو الأنسب والأليق، وقد جُدِّد بناءُ المنارة في زماننا سنة إحدى وأربعين وسبعمائة من حجارة بيض”.

    وأخرج ابن عساكر في “تاريخ دمشق” 1/218 عن كعب الأحبار قال: “يهبط المسيح عليه السلام عند القنطرة البيضاء على باب دمشق الشرقي”.

    قلت: على باب دمشق الشرقيِّ الآن مئذنةٌ بيضاء كانت لمسجدٍ دُثِر، ولم يبق منه إلا المئذنة؛ منارةٌ فوق الباب الشرقي للمدينة، ومئذنةُ الأموي شرقيَّ الجامعِ لا شرقيَ دمشقَ، فلعلها المقصودةُ بالآثار وما عناه النووي، كما ذكرتُ.

  7. [7] عبدالرحمن بن جبير، المصري، المؤذن، العامري، ثقة عارف بالفرائض، مات سنة سبع وتسعين ومائة وقيل بعدها. “تقريب التهذيب” 1/475، وأبوه جبير بن نفير، ثقة مخضرم، ولأبيه صحبة، مات سنة ثمانين وقيل بعدها، “تقريب التهذيب” 1/126.
  8. [8] “الفُِسْطاط” بالضم والكسر: المدينة التي فيها مجتمع الناس، وكلُّ مدينةٍ فُسطاط.
  9. [9] أخرجه أحمد في “المسند” 4/160، وأبو داود (4298) في الملاحم، باب في المعقل من الملاحم، والحاكم في “المستدرك” 4/486 وصححه وأقره الذهبي، والربعي في “فضائل الشام ودمشق” حديث (15)، وقوله: “حدثنا أصحابُ محمد صلى الله عليه وآله وسلم” عنى به أبا الدرداء، كما جاء عند الرواة خلا أحمد.
  10. [10] ط: “عبدالله”، وهو عبدالرحمن بن يزيد ين جابر، أبو عتبة الأزدي الداراني، ثقة، مات سنة 153 وقيل بعدها، ترجمه الحافظ ابن عساكر في “تاريخ دمشق” 1/245 من مخطوط الظاهرية.
  11. [11] زيادة من: “ط”.
  12. [12] “الصُّفْر” النُّحاس الأصفر.
  13. [13] قوله: “فقالت ما ورثناه…” إلخ: سقط من “ط”.
  14. [14] الوليد بن عبدالملك بن مروان، أبو العباس، الخليفة الأموي المشهور، باني مسجد دمشق الكبير “الجامع الاموي”، توفي سنة 96هـ.
  15. [15] رَجَاءُ بن حَيْوَة بنِ جرول الكندي، أبو المقدام، شيخُ أهلِ الشام في عصره، مات سنة 112هـ.
  16. [16] يعادل المثقالُ: 4،25غ.
  17. [17] المشهور الآن باسم “الجامع الأموي”.
فصل في تفضيل دمشق على الخصوص
 
Top