المقدمة

صفحة 391

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد رسوله وعبده، وعلى آله وصحبه من بعده.

أما بعد؛ فاعلم أيها الحريص المقبل على اقتباس العلم، المظهر من نفسه صدق الرغبة وفرض التعطش إليه، أنك إن كنت تقصد بطلب العلم المنافسة والمباهاة والتقدم على الأقران واستمالة وجوه الناس إليك وجمع حطام الدنيا، فأنت ساع في هدم دينك وإهلاك نفسك وبيع آخرتك بدنياك، فصفقتك خاسرة وتجارتك بائرة ومعلمك معين لك على عصيانك وشريك لك في خسرانك، وهو كبائع سيف من قاطع طريق كما قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أعانَ على مَعصيةٍ ولو بشطر كلمة كان شريكاً له فيها).

وإن كانت نيتك وقصدك بينك وبين الله تعالى من طلب العلم الهداية دون مجرد

صفحة 392

الرواية فأبشر، فإن الملائكة تبسط لك أجنحتها إذا مشيت، وحيتان البحر تستغفر لك إذا سعيت؛ ولكن ينبغي لك أن تعلم قبل كل شيء أن الهداية التي هي ثمرة العلم، لها بداية ونهاية وظاهر وباطن، ولا وصول إلى نهايتها إلا بعد إحكام بدايتها، ولا عثور على باطنها إلا بعد الوقوف على ظاهرها.

وها أنا مشير عليك ببداية الهداية لتجرب بها نفسك وتمتحن بها قلبك، فإن صادفت قلبك إليها مائلاً ونفسك بها مطاوعة ولها قابلة، فدونك التطلع إلى النهايات والتغلغل في بحار العلوم، وإن صادفت قلبك عند مواجهتك إياها بها مسوقاً وبالعمل بمقتضاها مماطلاً، فاعلم أن نفسك المائلة إلى طلب العلم هي النفس الأمارة بالسوء، وقد انتهضت مطيعة للشيطان اللعين ليدليك بحبل غروره فيستدرجك بمكيدته إلى غمرة الهلاك، وقصده أن يروج عليك الشر في معرض الخير حتى يلحقك بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وعند ذلك يتلو عليك الشيطان فضل العلم ودرجة العلماء وما ورد فيه من الآثار والأخبار، ويلهيك عن قوله صلى الله عليه وسلم: (مَن ازداد علماً ولم يزدد هدىً لم يزدَدْ من الله إلا بُعداً)، وعن قوله صلى الله عليه وسلم: (أشدُّ الناس عذاباً يومَ القيامة عالمٌ لم ينفعه الله بعلمه). وكان صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع وعمل لا يُرفع ودعاء لا يُسمع)، وعن قوله صلى الله عليه وسلم: (مررت ليلةَ أُسريَ بي بأقوامٍ تقرض شفاههم بمقاريض من نارٍ فقلت من أنتم؟ قالوا: كنا نأمر بالخير ولا نأتيه وننهى عن الشر ونأتيه).

فإياك يا مسكين أن تذعن لتزويره فيدلك بحبل غروره، فويل للجاهل حيث لم يتعلم مرة واحدة! وويل للعالم حيث لم يعمل بما علم ألف مرة!

واعلم أن الناس في طلب العلم على ثلاثة أحوال: رجل طلب العلم ليتخذه زاده إلى المعاد، ولم يقصد به إلا وجه الله والدار الآخرة، فهذا من الفائزين، ورجل طلبه ليستعين به على حياته العاجلة، وينال به العز والجاه والمال، وهو عالم مستشعر في قلبه ركاكة حاله وخسة مقصده؛ فهذا من المخاطرين، فإن عاجله أجله قبل التوبة خيف عليه من سوء الخاتمة وبقي أمره في خطر المشيئة، وإن وفق للتوبة قبل حلول الأجل وأضاف إلى العلم العمل وتدارك ما فرط فيه من الخلل، التحق بالفائزين؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. ورجل ثالث استحوذ عليه الشيطان فاتخذ علمه ذريعة إلى التكاثر بالمال والتفاخر بالجاه والتعزز بكثرة الأتباع، يدخل بعلمه كل مدخل رجاء أن يقضي من الدنيا وطره، وهو مع ذلك يضمر في نفسه أنه عند الله بمكانة لاتسامه بسمة العلماء وترسُّمه برسومهم في الزي والمنطق، مع تكالبه على الدنيا ظاهراً وباطناً؛ فهذا من الهالكين ومن

صفحة 393

الحمقى المغرورين، إذ الرجاء منقطع عن توبته لظنه أنه من المحسنين وهو غافل عن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2]. وهو ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا من غير الدَّجَّال أخوفُ عليكم من الدجال)، فقيل: وما هو يا رسول الله؟ فقال: (علماء السوء). وهذا لأن الدجال غايته الإضلال، ومثل هذا العالم وإن صرف الناس عن الدنيا بلسانه ومقاله فهو داع لهم إليها بأعماله وأحواله، ولسان الحال أفصح من لسان المقال، وطباع الناس إلى المشاهدة في الأعمال أميل منها إلى المتابعة في الأقوال؛ فما أفسده هذا المغرور بأعماله أكثر مما أصلحه بأقواله إذ لا يستجرئ الجاهل على الرغبة في الدنيا إلا باستجراء العلماء، فقد صار علمه سبباً لجراءة عباد الله على معاصيه، ونفسه الجاهلة مدلة مع ذلك تمنيه وترجيه، وتدعوه إلى أن يمنَّ على الله بعلمه، وتخيل إليه نفسه أنه خير من كثير من عباد الله. فكن أيها الطالب من الفريق الأول، واحذر أن تكون من الفريق الثاني! فكم من مسوِّف عاجَله الأجلُ قبل التوبة فخسر، وإياك ثم إياك أن تكون من الفريق الثالث فتهلك هلاكاً لا يرجى معه فلاحُك ولا ينتظر صلاحُك.

فإن قلت: فما بداية الهداية لأجرب بها نفسي؟

فاعلم أن بدايتها ظاهرة التقوى، ونهايتها باطنة التقوى، فلا عاقبة إلا بالتقوى، ولا هداية إلا للمتقين. والتقوى عبارة عن امتثال أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه، فهما قسمان. وها أنا أشير عليك بجمل مختصرة من ظاهر علم التقوى في القسمين جميعاً، وألحق قسماً ثالثاً ليصير هذا الكتاب جامعاً مغنياً والله المستعان.

المقدمة
 
Top