القسم الثاني القول في اجتناب المعاصي

صفحة 413

القسم الثاني القول في اجتناب المعاصي

اعلم أن الدين شطران: أحدهما ترك المناهي، والآخر فعل الطاعات. وترك المناهي هو الأشد، فإن الطاعات يقدر عليها كل أحد، وترك الشهوات لا يقدر عليها إلا الصديقون، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المُهاجر مَن هَجَرَ السوءَ والمجاهد من جاهد هواه) واعلم أنك إنما تعصي الله بجوارحك، وهو نعمة من الله عليك وأمانة لديك، فاستعانتك بنعمة الله على معصيته غاية الكفران. وخيانتك أمانة استودعكها الله غاية الطغيان. فأعضاؤك رعاياك فانظر كيف ترعاها، فكلكم راعٍ وكل راعٍ مسؤول عن رعيته. واعلم أن جميع أعضائك ستشهد عليك في عرصات القيامة بلسان طلق ذلق، أي فصيح، تفضحك به على رؤوس الخلائق، قال الله تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور: 24]. وقال الله تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس: 65].

فاحفظ يا مسكين جميع بدنك من المعاصي، وخصوصاً أعضاءك السبعة، فإن جهنم لها سبعة أبواب لكل منهم جزء مقسوم. ولا يتعين لتلك الأبواب إلا من عصى الله تعالى بهذه الأعضاء السبعة وهي العين، والأذن، واللسان، والبطن، والفرج، واليد، والرجل.

أما العين، فإنما خلقت لتهتدي بها في الظلمات، وتستعين بها في الحاجات، وتنظر بها إلى عجائب ملكوت الأرض والسماوات، وتعتبر بما فيها من الآيات، فاحفظها عن أربع: أن تنظر بها إلى غير محرم، أو إلى صورة مليحة بشهوة نفس، أو تنظر بها إلى مسلم بعين الاحتقار، أو تطلع بها على عيب مسلم.

وأما الأذن، فاحفظها عن أن تصغي بها إلى البدعة، أو الغيبة، أو الفحش، أو الخوض في الباطل، أو ذكر مساوئ الناس، فإنما خلقت لك لتسمع بها كلام الله تعالى، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكمة أوليائه، وتتوصل باستفادة العلم بها إلى الملك المقيم والنعيم الدائم في جوار رب العالمين. فإذا أصغيت بها إلى شيء من المكاره، صار ما كان عليك،

صفحة 414

وانقلب ما كان سبب فوزك سبب هلاكك، وهذا غاية الخسران. ولا تظن أن الإثم يختص به القائل دون المستمع، ففي الخبر أن المستمع شريك القائل وهو أحد المغتابين.

وأما اللسان، فإنما خلق لتكثر به ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه، وترشد به خلق الله تعالى إلى طريقه، وتظهر به ما في ضميرك من حاجات دينك ودنياك، فإذا استعملته في غير ما خلق له فقد كفرت نعمة الله تعالى فيه. وهو أغلب أعضائك عليه وعلى سائر الخلق، ولا يكبّ الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؛ فاستظهر عليه بغاية قوتك حتى لا يكبك في قعر جهنم، ففي الخبر: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليُضحك بها أصحابه فيهوي بها في قعر جهنم سبعين خريفاً). وروي أنه قُتل شهيدٌ في المعركة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قائل: هنيئاً له بالجنة فقال صلى الله عليه وسلم: (وما يُدريك؟ لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، ويبخل بما لا يُغنيه).

فاحفظ لسانك من ثمانية:

الأول: الكذب؛ فاحفظ منه لسانك في الجد والهزل ولا تعود لسانك الكذب هزلاً فيدعوك إلى الكذب في الجد، والكذب من أمهات الكبائر. ثم إنك إذا عرفت بذلك سقطت عدالتك والثقة بقولك، وتزدريك الأعين وتحتقرك. وإذا أردت أن تعرف قبح الكذب من نفسك فانظر إلى كذب غيرك، وإلى نفرة نفسك عنه، واستحقارك لصاحبه، واستقباحك لما جاء به؛ وكذلك فافعل في جميع عيوب نفسك، فإنك لا ترى قبح عيوبك من نفسك بل من غيرك، فما استقبحته من غيرك يستقبحه غيرك منك لا محالة، فلا ترض لنفسك ذلك.

الثاني: الخلف في الوعد؛ فإياك أن تعد بشيء ولا تفي به، بل ينبغي أن يكون إحسانك إلى الناس فعلاً بلا قول، فإن اضطررت إلى الوعد فإياك أن تخلف إلا لعجز أو ضرورة، فإن ذلك من أمارات النفاق وخبائث الأخلاق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه فهو مُنافق وإن صام وصلى: من إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان).

الثالث: الغيبة؛ فاحفظ لسانك عنها. والغيبة أشد من ثلاثين زنية في الإسلام، كذلك ورد في الخبر. ومعنى الغيبة أن تذكر إنساناً بما يكرهه لو سمعه، فأنت مغتاب ظالم وإن كنت صادقاً. وإياك وغيبة القراء المرائين، وهو أن تُفهِّم المقصود من غير تصريح فتقول: أصلحه الله فقد ساءني وغمني ما جرى عليه، فنسأل الله تعالى أن يصلحنا وإياه. فإن هذا جمع بين خبيثين: أحدهما الغيبة؛ إذ بها حصل التفهم، والآخر تزكية النفس والثناء عليها بالتحرج والصلاح. ولكن إن كان مقصودك من قولك أصلحه الله تعالى الدعاء، فادع له في السر إن اغتممت بسببه، فعلامته أنك لا تريد فضيحته وإظهار عيبه، وفي إظهارك الغم بعيبه إظهار تعييبه. ويكفيك زاجراً عن الغيبة قوله تعالى: {وَلَا يَغْتَب

صفحة 415

بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12]. فقد شبهك الله بآكل لحم الميتة، فما أجدرك أن تحترز منها. ويمنعك عن غيبة المسلمين أمر لو تفكرت فيه، وهو أن تنظر في نفسك هل فيك عيب ظاهر أو باطن، وهل أنت مفارق معصية سراً أو جهراً، فإذا عرفت ذلك من نفسك فاعلم أن عجزه من التنزه عما نسبته إليه كعجزك، وعذره كعذرك، وكما تكره أن تفتضح وتذكر عيوبك فهو أيضاً يكرهه، فإن سترته ستر الله عليك عيوبك، وإن فضحته سلط الله عليك ألسنة حداداً يمزقون عرضك في الدنيا، ثم يفضحك الله في الآخرة على رؤوس الخلائق يوم القيامة. وإن نظرت إلى ظاهرك وباطنك فلم تطلع فيهما على عيب ونقص في دين ولا دنيا، فاعلم أن جهلك بعيوب نفسك أقبح أنواع الحماقة، ولا عيب أعظم من الحمق، ولو أراد الله بك خيراً لبصرك بعيوب نفسك؛ فرؤيتك نفسك بعين الرضا غاية غباوتك وجهلك. ثم إن كنت صادقاً في ظنك فاشكر الله تعالى عليه ولا تفسده بثلب الناس والتمضمض بأعراضهم فإن ذلك أعظم العيوب.

الرابع: المراء والجدال ومناقشة الناس في الكلام؛ فذلك فيه إيذاء للمخاطب وتجهيل له وطعن فيه، وفيه ثناء على النفس وتزكية لها بمزيد الفطنة والعلم. ثم هو مشوش للعيش، فإنك لا تماري سفيهاً إلا ويؤذيك، ولا تماري حليماً إلا ويقليك ويحقد عليك، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من ترك المراء وهو مبطِلٌ بنى الله له بيتاً في رَبَضِ الجنة، ومن ترك المِراء وهو مُحِقٌّ بنى الله له بيتاً في أعلى الجنة).

ولا ينبغي أن يخدعك الشيطان ويقول لك أظهر الحق ولا تداهن فيه، فإن الشيطان أبداً يستجرُّ الحمقى إلى الشر في معرض الخير، فلا تكن ضحكة للشيطان فيسخر منك؛ فإظهارك الحق حسن مع من يقبله منك، وذلك بطريق النصيحة في الخفية لا بطريق المماراة، وللنصيحة صفة وهيئة ويحتاج فيها إلى تلطف، وإلا صارت فضيحة، وكان فسادها أكثر من صلاحها. ومن خالط متفقهة العصر غلب على طبعه المراء والجدال، وعسر عليه الصمت، إذ ألقى إليه علماء السوء أن ذلك هو الفضل، والقدرة على المحاجة والمناقشة هو الذي يمتدح به. فَفِرَّ منهم فرارك من الأسد، واعلم أن المراء سبب المقت عند الله وعند الخلق.

الخامس: تزكية النفس؛ قال الله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32]. وقيل لبعض الحكماء: ما الصدق القبيح؟ فقال: ثناء المرء على نفسه. فإياك أن تتعود ذلك، واعلم أن ذلك ينقص من قدرك عند الناس ويوجب مقتك عند الله تعالى. فإذا أردت أن تعرف أن ثناءك على نفسك لا يزيد في قدرك عند غيرك، فانظر إلى أقرانك

صفحة 416

إذا أثنوا على أنفسهم بالفضل والجاه والمال كيف يستنكره قلبك عليهم ويستثقله طبعك، وكيف تذمهم عليه إذا فارقتهم. فاعلم أنهم أيضاً في حال تزكيتك لنفسك يذمونك في قلوبهم ناجزاً، وسيظهرونه بألسنتهم إذا فارقتهم.

السادس: اللعن؛ فإياك أن تلعن شيئاً مما خلق الله تعالى من حيوان أو طعام أو إنسان بعينه، ولا تقطع بشهادتك على أحد من أهل القبلة بشكر أو كفر أو نفاق، فإن المطلع على السرائر هو الله تعالى، فلا تدخل بين العباد وبين الله تعالى، واعلم إنك يوم القيامة لا يقال لك لم لم تلعن فلاناً، ولم سكت عنه؛ بل لو لم تلعن إبليس طول عمرك ولم تشغل لسانك بذكره لم تسأل عنه، ولم تطالب به يوم القيامة، وإذا لعنت أحداً من خلق الله تعالى طولبت به. ولا تذمن شيئاً مما خلق الله تعالى، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يذم الطعام الرديء قط، بل كان إذا اشتهى شيئاً أكله وإلا تركه.

السابع: الدعاء على الخلق؛ فاحفظ لسانك عن الدعاء على أحد من خلق الله تعالى، وإن ظلمك فكِلْ أمره إلى الله تعالى، ففي الحديث: (إن المظلوم لَيدعو على ظالمه حتى يُكافئه ثم يبقى للظالم فضلٌ عنده يُطالبه به يوم القيامة). وَطَوَّلَ بعض الناس لسانَه على الحجاج فقال بعض السلف: إن الله لينتقم للحجاج ممن تعرض له بلسانه كما ينتقم من الحجاج لمن ظلمه.

الثامن: المزاح والسخرية والاستهزاء بالناس؛ فاحفظ لسانك منه في الجد والهزل، فإنه يريق ماء الوجه، ويسقط المهابة، ويستجر الوحشة، ويؤذي القلوب. وهو مبدأ اللجاج والغضب والتصارم، ويغرس الحقد في القلوب؛ فلا تمازح أحداً، فإن مازحك فلا تجبه؛ فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وكن من الذين إذا مروا باللغو مروا كراماً.

فهذه مجامع آفات اللسان، ولا يعينك عليك إلا العزلة أو ملازمة الصمت إلا بقدر الضرورة، فقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يضع حجراً في فيه ليمنعه ذلك من الكلام بغير ضرورة، ويشير إلى لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد كلها. فاحترز منه بجهدك، فإنه أقوى أسباب هلاك في الدنيا والآخرة.

وأما البطن؛ فاحفظه من تناول الحرام والشبهة، واحرص على طلب الحلال، فإذا وجدته فاحرص على أن تقتصر منه على ما دون الشبع، فإن الشبع يقسي القلب ويفسد الذهن ويبطل الحفظ ويثقل الأعضاء من العبادة والعلم، ويقوي الشهوات وينصر جنود الشيطان. والشبع من الحلال مبدأ كل شر فكيف من الحرام، وطلب الحلال فريضة على كل مسلم. والعبادة والعلم مع أكل الحرام كالبناء على السِّرجين. فإذا قنعت في السنة بقميص خشن، وفي اليوم والليلة برغيفين من الخُشكار، وتركت التلذذ بأطيب الأدم، لم يعوزك من

صفحة 417

الحلال ما يكفيك. والحلال كثير، وليس عليك أن تتيقن بواطن الأمور، بل عليك أن تحترز مما تعلم أنه حرام، أو تظن أنه حرام ظناً حصل من علامة ناجزة مقرونة بالمال؛ أما المعلوم فظاهر، وأما المظنون بعلامة فهو مال السلطان وعماله، ومال من لا كسب له إلا من النياحة أو بيع الخمر أو الربا أو المزامير وغير ذلك من آلات اللهو المحرمة؛ فإن من علمت أن أكثر ماله حرام قطعاً فما تأخذه من يده، وإن أمكن أن يكون حلالاً نادراً فهو حرام، لأنه الغالب على الظن. ومن الحرام المحض ما يؤكل من الأوقاف من غير شرط الواقف، فمن لم يشتغل بالتفقه فما يأخذه من المدارس حرام، ومن ارتكب معصية ترد بها شهادته فما يأخذه باسم الصوفية من وقف أو غيره فهو حرام.

وقد ذكرنا مداخل الشبهات والحلال والحرام في كتاب مفرد من كتاب إحياء علوم الدين، فعليك بطلبه، فإن معرفته الحلال وطلبه فريضة على كل مسلم كالصلوات الخمس.

وأما الفرج؛ فاحفظه عن كل ما حرم الله تعالى، وكن كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 5-6، والمعارج: 29-30]. ولا تصل إلى حفظ الفرج إلا بحفظ العين عن النظر، وحفظ القلب عن التفكر، وحفظ البطن عن الشبهة وعن الشبع، فإن هذه محركات للشهوة ومغارسها.

وأما اليدان؛ فاحفظهما عن أن تضرب بهما مسلماً، أو تتناول بهما مالاً حراماً، أو تؤذي بهما أحداً من الخلق، أو تخوف بهما في أمانة أو وديعة، أو تكتب بهما ما لا يجوز النطق به، فإن القلم أحد اللسانين، فاحفظ القلم عما يجب حفظ اللسان عنه.

وأما الرجلان؛ فاحفظهما عن أن تمشي بهما إلى باب سلطان ظالم، فإن المشي إلى السلاطين الظلمة من غير ضرورة وإرهاق معصية كبيرة، فإنه تواضع لهم وإكرام لهم على ظلمهم، وقد أمر الله بالإعراض عنهم في قوله تعالى: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ} [هود: 113]. وإن كان ذلك لسبب طلب مالهم فهو سعي إلى حرام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ تَواضع لغنيٍّ ذَهب ثُلثا دينه) وهذا في غني صالح، فما ظنك بالغني الظالم!

وعلى الجملة فحركاتك وسكناتك بأعضائك نعمة من نعم الله تعالى عليك، فلا تحرك شيئاً منها في معصية الله تعالى أصلاً، واستعملها في طاعة الله تعالى، واعلم أنك إن قصرت فعليك يرجع وباله، وإن شمرت فإليك تعود ثمرته، والله غني عنك وعن عملك، وإنما كل نفس بما كسبت رهينة. وإياك أن تقول: إن الله كريم رحيم يغفر الذنوب للعصاة؛ فإن هذه كلمة حق أريد بها باطل، وصاحبها ملقب بالحماقة بتلقيب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث

صفحة 418

قال: (الكَيِّسُ مَنْ دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني) واعلم أن قولك هذا يضاهي قولَ من يريد أن يصير فقيهاً في علوم الدين من غير أن يدرس علماً واشتغل بالبطالة وقال: إن الله كريم رحيم قادر على أن يفيض على قلبي من العلوم ما أفاضه على قلوب أنبيائه وأوليائه من غير جهد وتكرار وتعلم. وهو كقول من يريد مالاً فترك الحراثة والتجارة والكسب وتعطل وقال: إن الله كريم وله خزائن السماوات والأرض، وهو قادر على أن يطلعني على كنز من كنوزه أستغني به عن الكسب فقد فعل ذلك لبعض عباده. فأنت إذا سمعت كلام هذين الرجلين استحمقتهما وسخرت منهما، وإن كان ما وصفاه من كرم الله تعالى وقدرته صدقاً وحقاً. فكذلك يضحك عليك أرباب البصائر في الدين إذا طلبت المغفرة بغير سعي لها، والله تعالى يقول: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39] ويقول: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 16، التحريم: 7] ويقول: {إِنَّ الاَْبْرَارَ لَفِى نَعِيم . وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جحِيم} [الانفطار: 13-14].

فإذا لم تترك السعي في طلب العلم والمال اعتماداً على كرمه، فكذلك لا تترك التزود للآخرة ولا تفتر، فإن رب الدنيا والآخرة واحد، وهو فيهما كريم رحيم، وليس يزيد له كرم بطاعتك، وإنما كرمه في أن ييسر لك طريق الوصول إلى الملك المقيم والنعيم الدائم المخلد بالصبر على ترك الشهوات أياماً قلائل، وهذا نهاية الكرم؛ فلا تحدث نفسك بتهويسات البطالين، واقتد بأولي العزم والنُّهى من الأنبياء والصالحين، ولا تطمع في أن تحصد ما لم تزرع، وليت من صام وصلى وجاهد واتقى غفر له.

هذه جمل مما ينبغي أن تحفظ عنه جوارحك الظاهرة وأعمال هذه الجوارح، فعليك بتطهير القلب فهو تقوى الباطن، والقلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح بها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد، فاشتغل بإصلاحه لتصلح به جوارحك، وصلاحه يكون بملازمة المراقبة.

صفحة 418

القول في معاصي القلب

اعلم أن الصفات المذمومة في القلب كثيرة، وطريق تطهير القلب من رذائلها طويلة، وسبيل العلاج فيها غامض، وقد اندرس بالكلية علمه وعمله لغفلة الخلق عن أنفسهم؛ واستقصينا ذلك كله في كتاب إحياء علوم الدين في ربع المنجيات، ولكننا نحذرك الآن ثلاثاً من خبائث القلب، وهو الغالبة على متفقهة العصر، لتأخذ منها حذرك، فإنها مهلكات في أنفسها، وهي أمهات الجملة من الخبائث سواها، وهي: الحسد والرياء والعجب، فاجتهد

صفحة 419

في تطهير قلبك منها، فإن قدرت عليها فتعلم كيفية الحذر مع بقيتها من ربع المهلكات، فإن عجزت عن هذا فأنت عن غيره أعجز. ولا تظنن أنك تسلم بنية صالحة في تعلم العلم وفي قلبك شيء من الحسد والرياء والعجب، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثٌ مُهلِكات: شُحٌّ مُطاعٌ، وهوىً مُتَّبَعٌ، وإعجابُ المرءِ بنفسه).

أما الحسد فهو متشعب من الشح، فإن البخيل هو الذي يبخل بما في يده على غيره، والشحيح هو الذي يبخل بنعمة الله تعالى وهي في خزائن قدرته تعالى لا في خزائنه على عباد الله تعالى، فشحه أعظم. والحسود هو الذي يشق عليه إنعام الله تعالى من خزائن قدرته على عبد من عباده بعلم، أو مال، أو محبة في قلوب الناس، أو حظ من الحظوظ، حتى إنه ليحب زوالها عنه وإن لم يحصل له بذلك شيء من تلك النعمة، فهذا منتهى الخبث، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحسدُ يأكلُ الحسناتِ كما تأكلُ النارُ الحطبَ).

والحسود هو المعذب الذي لا يرحم، ولا يزال في عذاب دائم في الدنيا، فهي لا تخلو من خَلق كثير من أقرانه ومعارفه ممن أنعم الله عليهم بعلم أو مال أو جاه، فلا يزال في عذاب دائم في الدنيا إلى موته، ولعذاب الآخرة أشد وأكبر، بل لا يصل العبد إلى حقيقة الإيمان ما لم يحب لسائر المسلمين ما يحب لنفسه، بل ينبغي أن يساهم المسلمين في السراء والضراء، فالمسلمون كالبنيان الواحد يشد بعضه بعضاً، وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو اشتكى سائر الجسد. فإن كنت لا تصادف هذا من قلبك فاشتغالك بطلب التخلص من الهلاك أهم من اشتغالك بنوادر الفروع وعلم الخصومات.

وأما الرياء فهو الشرك الخفي، وهو أحد الشركين، وذلك طلبك المنزلة في قلوب الخلق لتنال بها الجاه والحشمة، وحب الجاه من الهوى المتبع، وفيه هلك أكثر الناس، فما أهلك الناس إلا الناس، ولو أنصف الناس حقيقة لعلموا أن أكثر ما هم فيه من العلوم والعبادات، فضلاً عن أعمال العادات، ليس يحملها عليها إلا مراءاة الناس، وهي محبطة للأعمال كما ورد في الخبر أن الشهيد يؤمر به يوم القيامة إلى النار، فيقول: يا رب استشهدت في سبيلك، فيقول الله تعالى: بل أردت أن يقال فلان شجاع وقد قيل، وذلك أجرك. وكذلك يقال للعالم والحاج والقارئ.

وأما العجب والكبر والفخر فهو الداء العضال؛ وهو نظر العبد إلى نفسه بعين العزة والاستعظام، وإلى غيره بعين الاحتقار والذل، ونتيجته على اللسان أن يقول أنا وأنا؛ قال إبليس اللعين: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12]. وثمرته في المجالس الترفع والتقدم وطلب التصدر فيها، وفي المحاورة الاستنكاف من أن يرد كلامه عليه.

صفحة 420

والمتكبر هو الذي إن وُعظ أنف أو وَعَظَ عنف؛ فكل من رأى نفسه خيراً من أحد من خلق الله تعالى فهو متكبر، بل ينبغي لك أن تعلم أن الخير من هو خير عند الله في دار الآخرة، وذلك غيب موقوف على الخاتمة، فاعتقادك في نفسك أنك خير من غيرك جهل محض، بل يبتغي أن لا تنظر إلى أحد إلا وترى أنه خير منك، وأن الفضل له على نفسك، فإن رأيت صغيراً قلت: هذا لم يعص الله وأنا عصيته فلا شك أنه خير مني، وإن رأيت كبيراً قلت: هذا قد عبد الله قبلي فلا شك أنه خير مني، وإن كان عالماً قلت: هذا قد أعطي ما لم أُعْطَ، وبلغ ما لم أبلغ، وعلم ما جهلت فكيف أكون مثله؟! وإن كان جاهلاً قلت: هذا قد عصى الله بجهل وأنا عصيته بعلم، فحجة الله عليَّ آكد وما أدري بم يختم له، وإن كان كافراً قلت: لا أدري عسى أن يسلك ويختم له بخير العلم، وينسلَّ بإسلامه عن الذنوب كما تنسل الشعرة من العجين، وأما أنا والعياذ بالله فعسى أن يضلني الله فأكفر فيختم لي بشر العمل، فيكون غداً هو من المقربين وأنا أكون من الخاسرين.

فلا يخرج الكبر من قلبك إلا بأن تعرف أن الكبير من هو عند الله تعالى، وذلك موقوف على الخاتمة، وهي مشكوك فيها، فيشغلك خوف الخاتمة عن أن تتكبر مع الشك فيها على عباد الله تعالى؛ فيقينك وإيمانك في الحال لا يناقض تجويزك التغير في الاستقبال، فإن الله مقلب القلوب يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء.

والأخبار في الحسد والكبر والرياء والعجب كثيرة، ويكفيك فيها حديث واحد جامع، فقد روى ابن المبارك بإسناده عن رجل أنه قال لمعاذ: حدثني حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فبكى معاذ حتى ظننت أنه لا يسكت، ثم قال: واشوقاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى لقائه، ثم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لي: (يا معاذ، إني مُحدِّثُك بحديث إن أنت حفظته نفعك عند الله، وإن أنت ضيَّعته ولم تحفظه انقطعتْ حُجَّتُكَ عند الله تعالى يوم القيامة: يا معاذ إن الله تعالى خلق سبع أملاك قبل أن يخلق السماوات والأرض، فجعل لكل سماء من السبع مَلَكاً بَوَّاباً عليها، فتصعد الحفظةُ بعمل العبد من حين يُصبح إلى حين يُمسي، له نورٌ كنور الشمس، حتى إذا صعدتْ به إلى السماء الدنيا زكَّته وكثَّرته، فيقول المَلَكُ المُوَكَّلُ بها للحفظة: اضربوا بهذا العمل وجهَ صاحبه، أنا صاحبُ الغَيبة أمرني ربي أن لا أدع عمل من اغتاب الناس يُجاوزني إلى غيري قال: ثم تأتي الحفظة بعمل صالح من أعمال العبد له نور فتُزكِّيه وتُكثِّرُه حتى تبلغ به إلى السماء الثانية فيقول لهم الموكَّلُ بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، إنه أراد بعمله عرض الدنيا، أنا ملك الفخر أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، إنه كان يفتخر علي في مجالسهم. قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد يبتهج من صدقة وصلاة وصيام قد أَعجب الحفظة، فيُجاوِزون به إلى

صفحة 421
السماء الثالثة فيقول لهم الملك المُوَكَّلُ بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، أنا ملك الكبر أمرني ربي أن لا أدع عمله يُجاوزني إلى غيري، إنه كان يتكبَّر على الناس في مجالسهم. قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد يزهو كما يزهو الكوكب الدُّرِّيُّ وله دويٌّ من تسبيح وصلاة وصيام وحج وعمرة حتى يُجاوزوا به إلى السماء الرابعة، فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه وظهره وبطنه، أنا صاحب العجب أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، إنه كان إذا عمل عملاً أدخل العجب فيه. قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد حتى يُجاوزوا به إلى السماء الخامسة كأنه العروس المزفوفة إلى بعلها، فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه واحملوه على عاتقه، أنا ملك الحسد إنه كان يحسد من يتعلم ويعمل بمثل عمله، وكل من كان يأخذ فضلاً من العبادة كان يحسدهم ويقع فيهم، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري. قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد له ضوءٌ كضوء الشمس من صلاة وزكاة وحج وعمرة وجهاد وصيام، فيُجاوزون به إلى السماء السادسة، فيقول لهم الملك الموكَّلُ بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، إنه كان لا يرحم إنساناً قط من عباد الله أصابه بلاءٌ أو مرضٌ، بل كان يشمت به، أنا ملك الرحمة أمرني ربي أن لا أدع عمله يُجاوزني إلى غيري. قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد من صوم وصلاة ونفقة وجهاد وورع، له دويٌّ كدوي النحل، وضوءٌ كضوء الشمس، ومعه ثلاثة آلاف ملك، فيجاوزن به إلى السماء السابعة، فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، واضربوا جوارحه، واقفلوا به على صاحبه، أنا صاحب الذكر، فإني أحجُبُ عن ربي كل عمل لم يُرد به وجه ربي، إنه إنما أراد بعمله غير الله تعالى، إنه أراد به رفعة عند الفقهاء، وذكراً عند العلماء، وصيتاً في المدائن، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، وكل عمل لم يكن لله تعالى خالصاً فهو رياءٌ ولا يقبل الله عمل المرائي. قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وصيام وحج وعمرة وخلُق حسن وصمت وذكر لله تعالى، فيُشيِّعَه ملائكة السماوات السبع حتى يقطعوا به الحجب كلها إلى الله تعالى، فيقفون بين يديه ويشهدون له بالعمل الصالح المخلص لله تعالى، فيقول الله تعالى: أنتم الحفظة على عمل عبدي وأنا الرقيب على ما في قلبه، إنه لم يُردني بهذا العمل وإنما أراد به غيري، فعليه لعنتي! فتقول الملائكة كلها: عليه لعنتك ولعنتنا! فتلعنه السماوات السبع ومن فيهن) ثم بكى معاذ وانتحب انتحاباً شديداً، وقال معاذ: قلت يا رسول الله أنت رسول الله وأنا معاذ، فكيف لي بالنجاة والخلاص من ذلك؟ قال: (اقتدِ بي، وإن كان في عملك نقصٌ يا مُعاذ حافظ على لسانك من الوقيعة في

صفحة 422

إخوانك من حملة القرآن خاصة، واحمل ذنوبك عليك ولا تحملها عليهم، ولا تزلَّ نفسك بذمِّهم، ولا ترفع نفسك عليهم بوضعهم، ولا تُدخل عمل الدنيا في عمل الآخرة، ولا تراءِ بعملك ولا تتكبر في مجلسك لكي يحذر الناس من سوء خلُقك، ولا تناجِ رجلاً وعندك آخر، ولا تتعظم على الناس فتنقطع خيرات الدنيا والآخرة، ولا تُمزِّق الناس بلسانك فتُمزقك كلاب النار يوم القيامة في النار، قال الله تعالى: {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا} هل تدري ما هن معاذ؟) قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: (كلاب في النار تُنشِط اللحم من العظم)، قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، من يطيق هذه الخصال ومن ينجو منها؟ قال: (يا معاذ إنه ليسيرٌ على من يسَّره الله تعالى عليه، إنما يكفيك من ذلك أن تُحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك، فإذن أنت يا معاذ قد سلمت).

قال خالد بن معدان: فما رأيت أحداً أكثر تلاوة للقرآن العظيم من معاذ لهذا الحديث العظيم. فتأمل أيها الراغب في العلم هذه الخصال، واعلم أن أعظم الأسباب في رسوخ هذه الخبائث في القلب طلب العلم لأجل المباهاة والمنافسة، فالعامي بمعزل عن أكثر هذه الخصال، والمتفقه مستهدف لها، وهو متعرض للهلاك بسببها. فانظر أي أمورك أهم، أتتعلم كيفية الحذر من هذه المهلكات وتشتغل بإصلاح قلبك وعمارة آخرتك، أم الأهم أن تخوض مع الخائضين فتطلب من العلم ما هو سبب زيادة الكبر والرياء والحسد والعجب حتى تهلك مع الهالكين؟

واعلم أن هذه الخصال الثلاث من أمهات خبائث القلوب، ولها مغرس واحد وهو حب الدنيا ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (حب الدنيا رأسُ كل خطيئة)، ومع هذا فالدنيا مزرعة للأخرة، فمن أخذ من الدنيا بقدر الضرورة ليستعين بها على الآخرة فالدنيا مزرعته، ومن أراد الدنيا ليتنعم بها فالدنيا مهلكته.

فهذه نبذة يسيرة من ظاهر علم التقوى، وهي بداية الهداية، فإن جربت بها نفسك وطاعتك عليها فعليك بكتاب إحياء علوم الدين لتعرف كيفية الوصول إلى باطن التقوى. فإذا عمرت بالتقوى باطن قلبك، فعند ذلك ترتفع الحجب بينك وبين ربك، وتنكشف لك أنوار المعارف، وتتفجر من قلبك ينابيع الحكم، وتتضح لك أسرار الملك والملكوت، ويتيسر لك من العلوم ما تستحقر به هذه العلوم المحدثة التي لم يكن لها ذكر في زمن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين.

وإن كنت تطلب العلم من القيل والقال والمراء والجدال، فما أعظم مصيبتك، وما أطول تعبك، وما أعظم حرمانك وخسرانك. فاعمل ما شئت، فإن الدنيا التي تطلبها بالدين لا تسلم لك، والآخرة تسلب منك؛ فمن طلب الدنيا بالدين خسرهما جميعاً، ومن ترك الدنيا للدين ربحهما جميعاً.

صفحة 423
فهذه جمل الهداية إلى بداية الطريق في معاملتك مع الله تعالى بأداء أوامره واجتناب نواهيه. وأشير عليك الآن بجمل من الآداب لتؤاخذ نفسك بها في مخالطتك مع عباد الله تعالى وصحبتك معهم في الدنيا.

القسم الثاني القول في اجتناب المعاصي
 
Top