القسم الثاني القول في اجتناب المعاصي

صفحة 413

القسم الثاني القول في اجتناب المعاصي

اعلم أن الدين شطران: أحدهما ترك المناهي، والآخر فعل الطاعات. وترك المناهي هو الأشد، فإن الطاعات يقدر عليها كل أحد، وترك الشهوات لا يقدر عليها إلا الصديقون، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المُهاجر مَن هَجَرَ السوءَ والمجاهد من جاهد هواه) واعلم أنك إنما تعصي الله بجوارحك، وهو نعمة من الله عليك وأمانة لديك، فاستعانتك بنعمة الله على معصيته غاية الكفران. وخيانتك أمانة استودعكها الله غاية الطغيان. فأعضاؤك رعاياك فانظر كيف ترعاها، فكلكم راعٍ وكل راعٍ مسؤول عن رعيته. واعلم أن جميع أعضائك ستشهد عليك في عرصات القيامة بلسان طلق ذلق، أي فصيح، تفضحك به على رؤوس الخلائق، قال الله تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور: 24]. وقال الله تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس: 65].

فاحفظ يا مسكين جميع بدنك من المعاصي، وخصوصاً أعضاءك السبعة، فإن جهنم لها سبعة أبواب لكل منهم جزء مقسوم. ولا يتعين لتلك الأبواب إلا من عصى الله تعالى بهذه الأعضاء السبعة وهي العين، والأذن، واللسان، والبطن، والفرج، واليد، والرجل.

أما العين، فإنما خلقت لتهتدي بها في الظلمات، وتستعين بها في الحاجات، وتنظر بها إلى عجائب ملكوت الأرض والسماوات، وتعتبر بما فيها من الآيات، فاحفظها عن أربع: أن تنظر بها إلى غير محرم، أو إلى صورة مليحة بشهوة نفس، أو تنظر بها إلى مسلم بعين الاحتقار، أو تطلع بها على عيب مسلم.

وأما الأذن، فاحفظها عن أن تصغي بها إلى البدعة، أو الغيبة، أو الفحش، أو الخوض في الباطل، أو ذكر مساوئ الناس، فإنما خلقت لك لتسمع بها كلام الله تعالى، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكمة أوليائه، وتتوصل باستفادة العلم بها إلى الملك المقيم والنعيم الدائم في جوار رب العالمين. فإذا أصغيت بها إلى شيء من المكاره، صار ما كان عليك،

صفحة 414

وانقلب ما كان سبب فوزك سبب هلاكك، وهذا غاية الخسران. ولا تظن أن الإثم يختص به القائل دون المستمع، ففي الخبر أن المستمع شريك القائل وهو أحد المغتابين.

وأما اللسان، فإنما خلق لتكثر به ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه، وترشد به خلق الله تعالى إلى طريقه، وتظهر به ما في ضميرك من حاجات دينك ودنياك، فإذا استعملته في غير ما خلق له فقد كفرت نعمة الله تعالى فيه. وهو أغلب أعضائك عليه وعلى سائر الخلق، ولا يكبّ الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؛ فاستظهر عليه بغاية قوتك حتى لا يكبك في قعر جهنم، ففي الخبر: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليُضحك بها أصحابه فيهوي بها في قعر جهنم سبعين خريفاً). وروي أنه قُتل شهيدٌ في المعركة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قائل: هنيئاً له بالجنة فقال صلى الله عليه وسلم: (وما يُدريك؟ لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، ويبخل بما لا يُغنيه).

فاحفظ لسانك من ثمانية:

الأول: الكذب؛ فاحفظ منه لسانك في الجد والهزل ولا تعود لسانك الكذب هزلاً فيدعوك إلى الكذب في الجد، والكذب من أمهات الكبائر. ثم إنك إذا عرفت بذلك سقطت عدالتك والثقة بقولك، وتزدريك الأعين وتحتقرك. وإذا أردت أن تعرف قبح الكذب من نفسك فانظر إلى كذب غيرك، وإلى نفرة نفسك عنه، واستحقارك لصاحبه، واستقباحك لما جاء به؛ وكذلك فافعل في جميع عيوب نفسك، فإنك لا ترى قبح عيوبك من نفسك بل من غيرك، فما استقبحته من غيرك يستقبحه غيرك منك لا محالة، فلا ترض لنفسك ذلك.

الثاني: الخلف في الوعد؛ فإياك أن تعد بشيء ولا تفي به، بل ينبغي أن يكون إحسانك إلى الناس فعلاً بلا قول، فإن اضطررت إلى الوعد فإياك أن تخلف إلا لعجز أو ضرورة، فإن ذلك من أمارات النفاق وخبائث الأخلاق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه فهو مُنافق وإن صام وصلى: من إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان).

الثالث: الغيبة؛ فاحفظ لسانك عنها. والغيبة أشد من ثلاثين زنية في الإسلام، كذلك ورد في الخبر. ومعنى الغيبة أن تذكر إنساناً بما يكرهه لو سمعه، فأنت مغتاب ظالم وإن كنت صادقاً. وإياك وغيبة القراء المرائين، وهو أن تُفهِّم المقصود من غير تصريح فتقول: أصلحه الله فقد ساءني وغمني ما جرى عليه، فنسأل الله تعالى أن يصلحنا وإياه. فإن هذا جمع بين خبيثين: أحدهما الغيبة؛ إذ بها حصل التفهم، والآخر تزكية النفس والثناء عليها بالتحرج والصلاح. ولكن إن كان مقصودك من قولك أصلحه الله تعالى الدعاء، فادع له في السر إن اغتممت بسببه، فعلامته أنك لا تريد فضيحته وإظهار عيبه، وفي إظهارك الغم بعيبه إظهار تعييبه. ويكفيك زاجراً عن الغيبة قوله تعالى: {وَلَا يَغْتَب

صفحة 415

بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12]. فقد شبهك الله بآكل لحم الميتة، فما أجدرك أن تحترز منها. ويمنعك عن غيبة المسلمين أمر لو تفكرت فيه، وهو أن تنظر في نفسك هل فيك عيب ظاهر أو باطن، وهل أنت مفارق معصية سراً أو جهراً، فإذا عرفت ذلك من نفسك فاعلم أن عجزه من التنزه عما نسبته إليه كعجزك، وعذره كعذرك، وكما تكره أن تفتضح وتذكر عيوبك فهو أيضاً يكرهه، فإن سترته ستر الله عليك عيوبك، وإن فضحته سلط الله عليك ألسنة حداداً يمزقون عرضك في الدنيا، ثم يفضحك الله في الآخرة على رؤوس الخلائق يوم القيامة. وإن نظرت إلى ظاهرك وباطنك فلم تطلع فيهما على عيب ونقص في دين ولا دنيا، فاعلم أن جهلك بعيوب نفسك أقبح أنواع الحماقة، ولا عيب أعظم من الحمق، ولو أراد الله بك خيراً لبصرك بعيوب نفسك؛ فرؤيتك نفسك بعين الرضا غاية غباوتك وجهلك. ثم إن كنت صادقاً في ظنك فاشكر الله تعالى عليه ولا تفسده بثلب الناس والتمضمض بأعراضهم فإن ذلك أعظم العيوب.

الرابع: المراء والجدال ومناقشة الناس في الكلام؛ فذلك فيه إيذاء للمخاطب وتجهيل له وطعن فيه، وفيه ثناء على النفس وتزكية لها بمزيد الفطنة والعلم. ثم هو مشوش للعيش، فإنك لا تماري سفيهاً إلا ويؤذيك، ولا تماري حليماً إلا ويقليك ويحقد عليك، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من ترك المراء وهو مبطِلٌ بنى الله له بيتاً في رَبَضِ الجنة، ومن ترك المِراء وهو مُحِقٌّ بنى الله له بيتاً في أعلى الجنة).

ولا ينبغي أن يخدعك الشيطان ويقول لك أظهر الحق ولا تداهن فيه، فإن الشيطان أبداً يستجرُّ الحمقى إلى الشر في معرض الخير، فلا تكن ضحكة للشيطان فيسخر منك؛ فإظهارك الحق حسن مع من يقبله منك، وذلك بطريق النصيحة في الخفية لا بطريق المماراة، وللنصيحة صفة وهيئة ويحتاج فيها إلى تلطف، وإلا صارت فضيحة، وكان فسادها أكثر من صلاحها. ومن خالط متفقهة العصر غلب على طبعه المراء والجدال، وعسر عليه الصمت، إذ ألقى إليه علماء السوء أن ذلك هو الفضل، والقدرة على المحاجة والمناقشة هو الذي يمتدح به. فَفِرَّ منهم فرارك من الأسد، واعلم أن المراء سبب المقت عند الله وعند الخلق.

الخامس: تزكية النفس؛ قال الله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32]. وقيل لبعض الحكماء: ما الصدق القبيح؟ فقال: ثناء المرء على نفسه. فإياك أن تتعود ذلك، واعلم أن ذلك ينقص من قدرك عند الناس ويوجب مقتك عند الله تعالى. فإذا أردت أن تعرف أن ثناءك على نفسك لا يزيد في قدرك عند غيرك، فانظر إلى أقرانك

صفحة 416

إذا أثنوا على أنفسهم بالفضل والجاه والمال كيف يستنكره قلبك عليهم ويستثقله طبعك، وكيف تذمهم عليه إذا فارقتهم. فاعلم أنهم أيضاً في حال تزكيتك لنفسك يذمونك في قلوبهم ناجزاً، وسيظهرونه بألسنتهم إذا فارقتهم.

السادس: اللعن؛ فإياك أن تلعن شيئاً مما خلق الله تعالى من حيوان أو طعام أو إنسان بعينه، ولا تقطع بشهادتك على أحد من أهل القبلة بشكر أو كفر أو نفاق، فإن المطلع على السرائر هو الله تعالى، فلا تدخل بين العباد وبين الله تعالى، واعلم إنك يوم القيامة لا يقال لك لم لم تلعن فلاناً، ولم سكت عنه؛ بل لو لم تلعن إبليس طول عمرك ولم تشغل لسانك بذكره لم تسأل عنه، ولم تطالب به يوم القيامة، وإذا لعنت أحداً من خلق الله تعالى طولبت به. ولا تذمن شيئاً مما خلق الله تعالى، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يذم الطعام الرديء قط، بل كان إذا اشتهى شيئاً أكله وإلا تركه.

السابع: الدعاء على الخلق؛ فاحفظ لسانك عن الدعاء على أحد من خلق الله تعالى، وإن ظلمك فكِلْ أمره إلى الله تعالى، ففي الحديث: (إن المظلوم لَيدعو على ظالمه حتى يُكافئه ثم يبقى للظالم فضلٌ عنده يُطالبه به يوم القيامة). وَطَوَّلَ بعض الناس لسانَه على الحجاج فقال بعض السلف: إن الله لينتقم للحجاج ممن تعرض له بلسانه كما ينتقم من الحجاج لمن ظلمه.

الثامن: المزاح والسخرية والاستهزاء بالناس؛ فاحفظ لسانك منه في الجد والهزل، فإنه يريق ماء الوجه، ويسقط المهابة، ويستجر الوحشة، ويؤذي القلوب. وهو مبدأ اللجاج والغضب والتصارم، ويغرس الحقد في القلوب؛ فلا تمازح أحداً، فإن مازحك فلا تجبه؛ فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وكن من الذين إذا مروا باللغو مروا كراماً.

فهذه مجامع آفات اللسان، ولا يعينك عليك إلا العزلة أو ملازمة الصمت إلا بقدر الضرورة، فقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يضع حجراً في فيه ليمنعه ذلك من الكلام بغير ضرورة، ويشير إلى لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد كلها. فاحترز منه بجهدك، فإنه أقوى أسباب هلاك في الدنيا والآخرة.

وأما البطن؛ فاحفظه من تناول الحرام والشبهة، واحرص على طلب الحلال، فإذا وجدته فاحرص على أن تقتصر منه على ما دون الشبع، فإن الشبع يقسي القلب ويفسد الذهن ويبطل الحفظ ويثقل الأعضاء من العبادة والعلم، ويقوي الشهوات وينصر جنود الشيطان. والشبع من الحلال مبدأ كل شر فكيف من الحرام، وطلب الحلال فريضة على كل مسلم. والعبادة والعلم مع أكل الحرام كالبناء على السِّرجين. فإذا قنعت في السنة بقميص خشن، وفي اليوم والليلة برغيفين من الخُشكار، وتركت التلذذ بأطيب الأدم، لم يعوزك من

صفحة 417

الحلال ما يكفيك. والحلال كثير، وليس عليك أن تتيقن بواطن الأمور، بل عليك أن تحترز مما تعلم أنه حرام، أو تظن أنه حرام ظناً حصل من علامة ناجزة مقرونة بالمال؛ أما المعلوم فظاهر، وأما المظنون بعلامة فهو مال السلطان وعماله، ومال من لا كسب له إلا من النياحة أو بيع الخمر أو الربا أو المزامير وغير ذلك من آلات اللهو المحرمة؛ فإن من علمت أن أكثر ماله حرام قطعاً فما تأخذه من يده، وإن أمكن أن يكون حلالاً نادراً فهو حرام، لأنه الغالب على الظن. ومن الحرام المحض ما يؤكل من الأوقاف من غير شرط الواقف، فمن لم يشتغل بالتفقه فما يأخذه من المدارس حرام، ومن ارتكب معصية ترد بها شهادته فما يأخذه باسم الصوفية من وقف أو غيره فهو حرام.

وقد ذكرنا مداخل الشبهات والحلال والحرام في كتاب مفرد من كتاب إحياء علوم الدين، فعليك بطلبه، فإن معرفته الحلال وطلبه فريضة على كل مسلم كالصلوات الخمس.

وأما الفرج؛ فاحفظه عن كل ما حرم الله تعالى، وكن كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 5-6، والمعارج: 29-30]. ولا تصل إلى حفظ الفرج إلا بحفظ العين عن النظر، وحفظ القلب عن التفكر، وحفظ البطن عن الشبهة وعن الشبع، فإن هذه محركات للشهوة ومغارسها.

وأما اليدان؛ فاحفظهما عن أن تضرب بهما مسلماً، أو تتناول بهما مالاً حراماً، أو تؤذي بهما أحداً من الخلق، أو تخوف بهما في أمانة أو وديعة، أو تكتب بهما ما لا يجوز النطق به، فإن القلم أحد اللسانين، فاحفظ القلم عما يجب حفظ اللسان عنه.

وأما الرجلان؛ فاحفظهما عن أن تمشي بهما إلى باب سلطان ظالم، فإن المشي إلى السلاطين الظلمة من غير ضرورة وإرهاق معصية كبيرة، فإنه تواضع لهم وإكرام لهم على ظلمهم، وقد أمر الله بالإعراض عنهم في قوله تعالى: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ} [هود: 113]. وإن كان ذلك لسبب طلب مالهم فهو سعي إلى حرام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ تَواضع لغنيٍّ ذَهب ثُلثا دينه) وهذا في غني صالح، فما ظنك بالغني الظالم!

وعلى الجملة فحركاتك وسكناتك بأعضائك نعمة من نعم الله تعالى عليك، فلا تحرك شيئاً منها في معصية الله تعالى أصلاً، واستعملها في طاعة الله تعالى، واعلم أنك إن قصرت فعليك يرجع وباله، وإن شمرت فإليك تعود ثمرته، والله غني عنك وعن عملك، وإنما كل نفس بما كسبت رهينة. وإياك أن تقول: إن الله كريم رحيم يغفر الذنوب للعصاة؛ فإن هذه كلمة حق أريد بها باطل، وصاحبها ملقب بالحماقة بتلقيب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث

صفحة 418

قال: (الكَيِّسُ مَنْ دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني) واعلم أن قولك هذا يضاهي قولَ من يريد أن يصير فقيهاً في علوم الدين من غير أن يدرس علماً واشتغل بالبطالة وقال: إن الله كريم رحيم قادر على أن يفيض على قلبي من العلوم ما أفاضه على قلوب أنبيائه وأوليائه من غير جهد وتكرار وتعلم. وهو كقول من يريد مالاً فترك الحراثة والتجارة والكسب وتعطل وقال: إن الله كريم وله خزائن السماوات والأرض، وهو قادر على أن يطلعني على كنز من كنوزه أستغني به عن الكسب فقد فعل ذلك لبعض عباده. فأنت إذا سمعت كلام هذين الرجلين استحمقتهما وسخرت منهما، وإن كان ما وصفاه من كرم الله تعالى وقدرته صدقاً وحقاً. فكذلك يضحك عليك أرباب البصائر في الدين إذا طلبت المغفرة بغير سعي لها، والله تعالى يقول: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39] ويقول: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 16، التحريم: 7] ويقول: {إِنَّ الاَْبْرَارَ لَفِى نَعِيم . وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جحِيم} [الانفطار: 13-14].

فإذا لم تترك السعي في طلب العلم والمال اعتماداً على كرمه، فكذلك لا تترك التزود للآخرة ولا تفتر، فإن رب الدنيا والآخرة واحد، وهو فيهما كريم رحيم، وليس يزيد له كرم بطاعتك، وإنما كرمه في أن ييسر لك طريق الوصول إلى الملك المقيم والنعيم الدائم المخلد بالصبر على ترك الشهوات أياماً قلائل، وهذا نهاية الكرم؛ فلا تحدث نفسك بتهويسات البطالين، واقتد بأولي العزم والنُّهى من الأنبياء والصالحين، ولا تطمع في أن تحصد ما لم تزرع، وليت من صام وصلى وجاهد واتقى غفر له.

هذه جمل مما ينبغي أن تحفظ عنه جوارحك الظاهرة وأعمال هذه الجوارح، فعليك بتطهير القلب فهو تقوى الباطن، والقلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح بها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد، فاشتغل بإصلاحه لتصلح به جوارحك، وصلاحه يكون بملازمة المراقبة.