القسم الثالث القول في آداب الصحبة

صفحة 423

القسم الثالث القول في آداب الصحبة

اعلم أن صاحبك الذي لا يفارقك في حضرك وسفرك ونومك ويقظتك، بل في حياتك وموتك، هو ربك وسيدك ومولاك وخالقك، ومهما ذكرته فهو جليسك، إذ قال الله تعالى: (أنا جَلِيْسُ مَنْ ذَكَرَنِي)، ومهما انكسر قلبك حزناً على تقصيرك في حق دينك فهو صاحبك وملازمك، إذ قال الله تعالى: (أنا عند المُنكسرة قلوبهم مِن أجلي)، فلو عرفته حق معرفته لاتخذته صاحباً وتركت الناس جانباً، فإن لم تقدر على ذلك في جميع أوقاتك فإياك أن تخلي ليلك ونهارك عن وقت تخلو فيه لمولاك وتتلذذ معه بمناجاتك له، وعند ذلك فعليك أن تتعلم آداب الصحبة مع الله تعالى؛ وآدابها: إطراق الرأس، وغض الطرف، وجمع الهم، ودوام الصمت، وسكون الجوارح، ومبادرة الأمر، واجتناب النهي، وقلة الاعتراض على القدر، ودوام الذكر، وملازمة الفكر، وإيثار الحق على الباطل، والإياس عن الخلق، والخضوع تحت الهيبة، والانكسار تحت الحياء، والسكون عن حيل الكسب ثقة بالضمان، والتوكل على فضل الله تعالى معرفة بحسن الاختيار. وهذا كله ينبغي أن يكون شعارك في جميع ليلك ونهارك، فإنها آداب الصحبة مع صاحب لا يفارقك، والخلق كلهم يفارقونك في بعض أوقاتك.

وإن كنت عالِماً، فآداب العالِم: الاحتمال، ولزوم الحلم، والجلوس بالهيبة على سمت الوقار مع إطراق الرأس، وترك التكبر على جميع العباد إلا على الظلَمة زجراً لهم عن الظلم، وإيثار التواضع في المحافل والمجالس، وترك الهزل والدعابة، والرفق بالمتعلم، والتأني بالمتعجرف، وإصلاح البليد بحسن الإشارة وترك الحَرَدِ عليه، وترك الأنفة من قول لا أدري، وصرف الهمة إلى السائل وتفهم سؤاله، وقبول الحجة والانقياد للحق بالرجوع إليه عند الهفوة، ومنع المتعلم عن كل علم يضره، وزجره عن أن يريد بالعلم النافع غير وجه الله تعالى، وصد المتعلم أن يشتغل بفرض الكفاية قبل الفراغ من فرض العين، وفرض عينه إصلاح ظاهره وباطنه بالتقوى، ومؤاخذة نفسه أولاً بالتقوى ليقتدي المتعلم أولاً بأعماله ويستفيد ثانياً من أقواله.

وإن كنت متعلماً، فآداب المتعلم مع العالم: أن يبدأه بالتحية والسلام، وأن يقلل بين يديه الكلام، ولا يتكلم ما لم يسأله أستاذه ولا يسأل ما لم يستأذن أولاً، ولا يقول في

صفحة 424

معارضة قوله قال فلان بخلاف ما قلت، ولا يشير عليه بخلاف رأيه فيرى أنه أعلم بالصواب من أستاذه، ولا يسأل جليسه في مجلسه، ولا يلتفت إلى الجوانب بل يجلس مطرقاً عينه ساكناً متأدباً كأنه في الصلاة، ولا يكثر عليه السؤال عند ملله، وإذا قام قام له، ولا يتبعه بكلامه وسؤاله، ولا يسأله في طريقه إلى أن يبلغ إلى منزله، ولا يسيء الظن به في أفعال ظاهرها منكرة عنده فهو أعلم بأسراره، وليذكر عند ذلك قول موسى للخضر عليهما السلام: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} [الكهف: 71] وكونه مخطئاً في إنكاره اعتماداً على الظاهر.

وإن كان لك والدان، فآداب الولد مع الوالدين: أن يسمع كلامهما، ويقوم لقيامهما، ويمتثل لأمرهما، ولا يمشي أمامهما، ولا يرفع صوته فوق أصواتهما، ويلبي دعوتهما، ويحرص على مرضاتهما، ويخفض لهما جناح الذل، ولا يمن عليهما بالبرِّ ولا بالقيام لأمرهما، ولا ينظر إليهما شزراً، ولا يقطب وجهه في وجههما، ولا يسافر إلا بإذنهما.

واعلم أن الناس بعد هؤلاء في حقك ثلاثة أصناف: إما أصدقاء، وإما معارف، وإما مجاهيل.

فإن بليت بالعوام المجهولين فآداب مجالستهم: ترك الخوض في حديثهم، وقلة الإصغاء إلى أراجيفهم، والتغافل عما يجري من سوء ألفاظهم، والاحتراز عن كثرة لقائهم والحاجة إليهم، والتنبيه على منكراتهم باللطف والنصح عند رجاء القبول منهم.

وأما الإخوان والأصدقاء فعليك فيهم وظيفتان:

إحداهما: أن تطلب أولاً شروط الصحبة والصداقة، فلا تؤاخِ إلا من يصلح للأخوة والصداقة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المرءُ على دِين خليله، فلْينظر أحدُكم مَنْ يُخالل). فإذا طلبت رفيقاً ليكون شريكك في التعلم وصاحبك في أمر دينك ودنياك فراع فيه خمس خصال:

الأولى العقل: فلا خير في صحبة الأحمق، فإلى الوحشة والقطيعة يرجع آخرها، وأحسن أحواله أن يضرك وهو يريد أن ينفعك، والعدو العاقل خير من الصديق الأحمق؛ قال علي رضي الله عنه:

فلا تَصحبْ أخا الجهل … وإيَّاك وإيَّاهُ

فكم من جاهل أردى … حليماً حين واخاهُ

يُقاس المرءُ بالمرءِ … إذا ما المرءُ ماشاهُ

صفحة 425

كحذو النعلِ بالنعلِ … إذا ما النعلُ حاذاهُ

وللشَّيءِ من الشيءِ … مقاييس وأشباهُ

وللقلب على القلب … دليلٌ حين يلقاهُ

الثانية حسن الخلق: فلا تصحب من ساء خلقه، والذي لا يملك نفسه عند الغضب والشهوة، وقد جمعه علقمة العطاردي رحمه الله تعالى في وصيته لابنه لما حضرته الوفاة فقال: يا بني، إذا أردت صحبة إنسان فاصحب من إذا خدمته صانك، وإن صحبته زانك، وإن قعدتْ بك مؤونةٌ مانَك. اصحب من إذا مددت يدك بخير مدها، وإن رأى منك حسنة عدَّها، وإن رأى منك سيئة سدها. اصحب من إذا قلت صدَّق قولك، وإذا حاولت أمراً أعانك ونصرك، وإن تنازعتما في شيء آثرك. وقال علي رضي الله عنه رجزاً:

إن أخاك من كان معكْ … ومن يضرُّ نفسه لينفعكْ

ومَن إذا رَيْبُ الزمان صَدَعَكْ … شتَّت فيك شملَه ليجمَعكْ

الثالثة الصلاح: فلا تصحب فاسقاً مُصراً على معصية كبيرة، لأن من يخاف الله لا يصر على معصية كبيرة، ومن لا يخاف الله لا تؤمن غوائله، بل يتغير بتغير الأحوال والأعراض، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28]. فاحذر صحبة الفاسق، فإن مشاهدة الفسق والمعصية على الدوام تزيل عن قلبك كراهية المعصية ويهون عليك أمرها؛ ولذلك هان على القلوب معصية الغيبة، لا لفهم لها، ولو رأوا خاتماً من ذهب أو ملبوساً من حرير على فقيه لاشتد إنكارهم عليه، والغيبة أشد من ذلك.

الرابعة أن لا يكون حريصاً على الدنيا: فصحبة الحريص على الدنيا سم قاتل؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري، فمجالسة الحريص تزيد في حرصك، ومجالسة الزاهد تزيد في زهدك.

الخامسة الصدق: فلا تصحب كذاباً فإنك منه على غرور، فإنه مثلُ السراب يُقرِّب منك البعيد ويُبعد منك القريب.

ولعلك تعدم اجتماع هذه الخصال في سكان المدارس والمساجد، فعليك بأحد أمرين: إما العزلة والانفراد ففيها سلامتك، وإما أن تكون مخالطتك مع شركائك بقدر خصالهم،

صفحة 426

بأن تعلم أن الإخوة ثلاثة: أخ لآخرتك، فلا تراع فيه إلا الدين. وأخ لدنياك، فلا تراع فيه إلا الخلق الحسن. وأخ لتأنس به، فلا تراع فيه إلا السلامة من شره وفتنته وخبثه.

والناس ثلاثة: أحدهم مثله مثل الغذاء لا يُستغنى عنه والأخر مثله مثل الدواء يُحتاج إليه في وقت دون وقت. والثالث مثله مثل الداء لا يُحتاج إليه قط ولكن العبد قد يبتلى به، وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع، فتجب مداراته إلى الخلاص منه، وفي مشاهدته فائدة عظيمة إن وُفقت لها، وهو أن تشاهد من خبائث أحواله وأفعاله ما تستقبحه فتجتنبه؛ فالسعيد من وعظ بغيره، والمؤمن مرآة المؤمن، وقيل لعيسى عليه السلام: من أدبك؟ فقال: ما أدبني أحد ولكن رأيت جهل الجاهل فاجتنبته. ولقد صدق على نبينا وعليه الصلاة ولاسلام، فلو اجتنب الناس ما يكرهونه من غيرهم لكملت آدابهم واستغنوا عن المؤدبين.

الوظيفة الثانية: مراعاة حقوق الصحبة؛ فمنها انعقدت الشركة، وانتظمت بينك وبين شريكك الصحبة، فعليك حقوق يوجبها عقد الصحبة وفي القيام بها آداب؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى) ودخل صلى الله عليه وسلم أجمة فاجتنى منها سِواكَين: أحدهما مُعْوَجٌّ والآخر مستقيم، وكان معه بعض أصحابه فأعطاه المستقيم وأمسك لنفسه المعوج فقال: يا رسول الله، أنت أحق مني بالمستقيم، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما من صاحب يَصحَب صاحباً ولو ساعةً من نهار إلا ويُسأل عن صحبته هل أقام فيها حق الله تعالى أو أضاعه) وقال صلى الله عليه وسلم: (ما اصطحب اثنان قط إلا وكان أحبُّهما إلى الله تعالى أرفقَهما بصاحبه).

وآداب الصحبة الإيثار بالمال، فإن لم يكن هذا فبذل الفضل من المال عند الحاجة، والإعانة بالنفس في الحاجات على سبيل المبادرة من غير إحواج إلى التماس، وكتمان السر، وستر العيوب، والسكوت عن تبليغ ما يسوؤه من مذمة الناس إياه، وإبلاغ ما يسره من ثناء الناس عليه، وحسن الإصغاء عند الحديث، وترك المماراة فيه، وأن يدعوه بأحب أسمائه إليه، وأن يثني عليه بما يعرف من محاسنه، وأن يشكره على صنيعه في وجهه، وأن يذبَّ عنه في غيبته إذا تعرض لعرضه كما يذب عن نفسه، وأن ينصحه باللطف والتعرض إذا احتاج إليه، وأن يعفو عن زلته وهفوته فلا يعتب عليه، وأن يدعو له في خلوته في حياته وبعد مماته، وأن يحسن الوفاء مع أهله وأقاربه بعد موته، وأن يؤثر التخفيف عنه فلا يكلفه شيئاً من حاجاته ويروح قلبه من مهماته، وأن يظهر الفرح بجميع ما يرتاح له من مساره، والحزن على ما يناله من مكاره، وأن يضمر في قلبه مثل ما يظهر فيكون صادقاً في ودّه سراً وعلانية، وأن يبدأه بالسلام عند إقباله، وأن يوسع له في المجلس، وأن يخرج له من مكانه، وأن يشيعه عند قيامه، وأن يصمت عند كلامه حتى يفرغ من كلامه ويترك المداخلة

صفحة 427

في كلامه، وعلى الجملة فيعامله بما يحب أن يعامل به، فمن لا يحب لأخيه مثل ما يحب لنفسه فأخوَّته نفاق، وهي عليه وبال في الدنيا والآخرة، فهذا أدبك في حق العوالم المجهولين وفي حق الأصدقاء المؤاخين.

وأما القسم الثالث وهم المعارف؛ فاحذر منهم، فإنك لا ترى الشر إلا ممن تعرفه، أما الصديق فيعينك وأما المجهول فلا يتعرض لك، وإنما الشر كله من المعارف الذين يظهرون الصداقة بألسنتهم. فأقلل من المعارف ما قدرت، فإذا بليت بهم في مدرسة أو مسجد أو جامع أو سوق أو بلد، فيجب أن لا تستصغر منهم أحداً، فإنه لا تدري لعله خير منك، ولا تنظر إليه بعين التعظيم لهم في حال دنياهم فتهلك، لأن الدنيا صغيرة عند الله تعالى صغير ما فيها، ومهما عظم أهل الدنيا في قلبك فقد سقطت من عين الله تعالى. وإياك أن تبذل دينك لتنال به من دنياهم، فلا يفعل ذلك أحد إلا صغر في أعينهم، ثم حرم ما عندهم. وإن عادوك فلا تقابلهم بالعداوة، فإنك لا تطيق الصبر على مكافأتهم، فيذهب دينك في عداوتهم، ويطول عناؤك معهم. ولا تسكن إليهم في حال إكرامهم إياك، وثنائهم عليك في وجهك، وإظهارهم المودة لك، فإنك إن طلبت حقيقة ذلك لم تجد في المائة واحداً، ولا تطمع أن يكون لك في السر والعلن واحد. ولا تتعجب إن ثلبوك في غيبتك ولا تغضب منهم، فإنك إن أنصفت وجدت من نفسك مثل ذلك حتى في أصدقائك وأقاربك، بل في أستاذك ووالديك، فإنك تذكرهم في الغيبة بما لا تشافههم به. فاقطع طمعك عن مالهم وجاههم ومعونتهم؛ فإن الطامع في الأكثر خائب في المآل، وهو ذليل لا محالة في الحال. وإذا سألت واحداً حاجة فقضاها فاشكر الله تعالى واشكره، وإن قصر فلا تعاتبه ولا تشكه فيصير عداوة له؛ وكن كالمؤمن يطلب المعاذير، ولا تكن كالمنافق يطلب العيوب، وقل لعله قصر لعذر له لم أطلع عليه. ولا تعظن أحداً منهم ما لم تتوسم فيه أولاً مخايل القبول، وإلا لم يستمع منك وصار خصماً عليك، فإذا أخطأوا في مسألة وكانوا يأنفون من التعلم فلا تعلمهم، فإنهم يستفيدون منك علماً ويصبحون لك أعداء؛ إلا إذا تعلق ذلك بمعصية يقارفونها عن جهل منهم، فاذكر الحق بلطف من غير عنف، وإذا رأيت منهم كرامة وخيراً فاشكر الله الذي حببك إليهم، وإذا رأيت منهم شراً فكِلْهم إلى الله تعالى، واستعذ بالله من شرهم، ولا تعاتبهم، ولا تقل لهم: لِمَ لَمْ تعرفوا حقي وأنا فلان ابن فلان وأنا الفاضل في العلوم؟ فإن ذلك من كلام الحمقى؛ وأشد الناس حماقة من يزكي نفسه ويثني عليها. واعلم أن الله تعالى لا يسلطهم عليك إلا لذنب سبق منك، واستغفر الله من ذنبك واعلم أن ذلك عقوبة من الله تعالى. وكن فيما بينهم سميعاً لحقهم، أصم عند باطلهم، نطوقاً بمحاسبتهم، صموتاً عن مساويهم واحذر مخالطة متفقهة الزمان،

صفحة 428

لا سيما المشتغلين بالخلاف والجدال، واحذر منهم، فإنهم يتصرفون بك بحسدهم ريب المنون، ويقطعون عليك بالظنون، ويتغامزون وراءك بالعيون، ويُحصون عليك عثراتك في عشيرتهم حتى يجبهوك بها في حال غيظهم ومناظرتهم. لا يقيلون لك عثرة، ولا يغفرون لك زلة، ولا يسترون عليك عورة. يحاسبونك على النقير والقطمير، ويحسدونك على القليل والكثير، ويحرضون عليك الإخوان بالنميمة والبلاغات والبهتان. إن رضوا فظاهرهم الملق، وإن سخطوا فباطنهم الحنق. ظاهرهم ثياب، وباطنهم ذئاب، هذا ما قطعت به المشاهدة على أكثرهم إلا من عصمه الله تعالى؛ فصُحبتهم خُسران، ومعاشرتهم خذلان.

هذا حكم من يُظهر لك الصداقة، فكيف من يجاهرك بالعداوة؟! قال القاضي ابن معروف رحمه الله تعالى:

فاحذر عدوَّك مرةً … واحذر صديقك ألفَ مرةْ

فلربما انقلب الصديـ … قُ فكان أعرف بالمضرَّةْ

وكذلك قيل في المعنى:

عدوُّك من صديقك مُستفادٌ … فلا تستكثرن من الصحابِ

فإن الداء أكثر ما تراه … يكون من الطعام أو الشرابِ

وكن كما قال هلال بن العلاء الرقي:

لما عفوت ولم أحقدْ على أحدٍ … أرَحتُ نفسي من همِّ العداواتِ

إني أحيِّي عدوي عند رؤيته … لأدفع الشر عني بالتحياتِ

وأُظهر البشر للإنسان أبغضه … كأنه قد ملا قلبي مسرَّاتِ

ولستُ أسلم ممن لستُ أعرفه … فكيف أسلم من أهل المودَّاتِ

الناس داءٌ دواء الناسِ تركهمُ … وفي الجفاء لهم قطع الأخوَّاتِ

صفحة 429

فسالِمِ الناسَ تسلمْ من غوائلهم … وكُن حريصاً على كسب المودَّاتِ

وخالِقِ الناسَ واصبر ما بُليتَ بهم … أصمّ أبكم أعمى ذا تقياتِ

وكن أيضاً كما قال بعض الحكماء: الق صديقك وعدوك بوجه الرضا من غير مذلة لهما ولا هيبة منهما، وتوقر من غير كبر، وتواضع من غير مذلة، وكن في جميع أمورك في أوسطها. فكلا طرفي قصد الأمور ذميم. كما قيل:

عليك بأوساط الأمورِ فإنها … طريقٌ إلى نهج الصِّراط قويمُ

ولا تَكُ فيها مفرِّطاً أو مفْرِطاً … فإن كلا حالِ الأمورِ ذميمُ

ولا تنظر في عِطفيك، ولا تكثر الالتفات إلى ورائك، ولا تقف على الجماعات، وإذا جالست فلا تستوفز. وتحفظ من تشبيك أصابعك، والعبث بلحيتك وخاتمك، وتخليل أسنانك، وإدخال إصبعك في أنفك، وكثرة بصاقك وتنخمك وطرد الذباب عن وجهك، وكثرة التمطي والتثاؤب في وجوه الناس وفي الصلاة وغيرها.

وليكن مجلسك هادئاً وحديثك منظوماً مرتباً. وأصغ إلى الكلام الحسن ممن حدثك من غير إظهار تعجب مفرط، ولا تسأله إعادته. واسكت عن المضاحك والحكايات، ولا تُحدِّث عن إعجابك بولدك وشِعرك وكلامك وتصنيفك وسائر ما يخصك. ولا تتصنع تصنُّعَ المرأة في التزيُّن، ولا تتبذل تبذُّلَ العبد. وتوقَّ كثرَ الكُحل والإسراف في الدهن. ولا تلحَّ في الحاجات، ولا تشجع أحداً على الظلم.

ولا تُعْلِمْ أحداً من أهلك وولدك – فضلاً عن غيرهم – مقدار مالك، فإنهم إن رأوه قليلاً هُنْتَ عليهم، وإن رأوه كثيراً لم تبلغ قط رضاهم. واجفهم من غير عنف، وَلِنْ لهم من غير ضعف. ولا تهازل أَمَتَكَ ولا عبدك فيسقط وقارك من قلوبهم. وإذا خاصمت فتوقر، وتحفظ من جهلك وعجلتك، وتفكر في حجتك؛ ولا تكثر الإشارة بيدك، ولا تكثر الالتفات إلى من وراءك، ولا تجثُ على ركبتك، وإذا هدأ غضبك فتكلم. وإذا قرَّبك السلطان فكن منه على حد السنان. وإياك وصديق العافية، فإنه أعدى الأعداء. ولا تجعل مالك أكرم من عرضك.

فهذا القدر يا فتى يكفيك من بداية الهداية، فجرب بها نفسك، فإنها ثلاثة أقسام: قسم في آداب الطاعات، وقسم في ترك المعاصي، وقسم في مخالطة الخلق. وهي جامعة

صفحة 430

لجملة معاملة العبد مع الخالق؛ فإن رأيتها مناسبة لنفسك ورأيت قلبك مائلاً إليها راغباً في العمل بها، فاعلم أنك عبد نَوَّر الله تعالى بالإيمان قلبك، وشرح به صدرك.

وتحقق أن لهذه البداية نهاية، ووراءها أسراراً وأغواراً وعلوماً ومكاشفات، وقد أودعناها في كتاب إحياء علوم الدين، فاشتغل بتحصيله. وإن رأيت نفسك تستثقل العمل بهذه الوظائف، وتنكر هذا الفن من العلم، وتقول لك نفسك: أنَّى ينفعك هذا العلم في محافل العلماء؟ ومتى يقدمك هذا على الأقران والنظراء؟ وكيف يرفع منصبك في مجالس الأمراء والوزراء؟ وكيف يوصل إلى الصلة والأرزاق وولاية الأوقاف والقضاء؟ فاعلم أن الشيطان قد أغواك، وأنساك منقلبك ومثواك، فاطلب لك شيطاناً مثلك ليعلمك ما تظن أنه ينفعك ويوصلك إلى بغيتك. ثم اعلم أنه قط لا يصفو لك في محلتك فضلاً عن قريتك وبلدتك، ثم يفوتك الملك المقيم والنعيم الدائم في جوار رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

القسم الثالث القول في آداب الصحبة
 
Top