القسم الأول في الطاعات

صفحة 393

القسم الأول في الطاعات

اعلم أن أوامر الله تعالى فرائضُ ونوافلُ: فالفرض رأس المال وهو أصل التجارة وبه تحصل النجاة، والنفل هو الربح وبه الفوز بالدرجات، قال صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تبارك وتعالى: ما تقرَّب إليَّ المُتقرِّبون بمثل أداء ما افترضتُ عليهم، ولا يزال العبدُ يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها).

ولن تصل أيها الطالب إلى القيام بأوامر الله تعالى إلا بمراقبة قلبك وجوارحك في لحظاتك وأنفاسك من حين تصبح إلى حين تمسي؛ فاعلم أن الله تعالى مطلع على ضميرك، ومشرف على ظاهرك وباطنك، ومحيط بجميع لحظاتك وخطراتك وخطواتك، وسائر سكناتك وحركاتك، وأنك في مخالطتك وخلواتك متردد بين يديه، فلا يسكن في الملك والملكوت ساكن ولا يتحرك متحرك إلا وجبار السماوات والأرض مطلع عليه {يَعْلَمُ

صفحة 394
خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19] و{يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7]. فتأدب أيها المسكين ظاهراً وباطناً بين يدي الله تعالى بأدب العبد الذليل المذنب في حضرة الملك الجبار القهار، واجتهد أن لا يراك مولاك حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك، ولن تقدر على ذلك إلا بأن توزع أوقاتك وترتب أورادك من صباحك إلى مسائك، فأصغ إلى ما يلقى إليك من أوامر الله تعالى عليك من حين تستيقظ من منامك إلى وقت رجوعك إلى مضجعك.

صفحة 394

فصل في آداب الاستيقاظ من النوم

فإذا استيقظت من النوم فاجتهد أن تستيقظ قبل طلوع الفجر، وليكن أول ما يجري على قلبك ولسانك ذكر الله تعالى، فقل عند ذلك: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، أصبحنا وأصبح الملك لله، والعظمة والسلطان لله، والعزة والقدرة لله رب العالمين، أصبحنا على فطرة الإسلام، وعلى كلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى ملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين. اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور. اللهم إنا نسألك أن تبعثنا في هذا اليوم إلى كل خير، ونعوذ بك أن نجترح فيه سوءاً أو نجره إلى مسلم أو يجره أحد إلينا. نسألك خير هذا اليوم وخير ما فيه ونعوذ بك من شر هذا اليوم وشر ما فيه.

فإذا لبست ثيابك فانْوِ به امتثال أوامر الله تعالى في ستر عورتك، واحذر أن يكون قصدك من لباسك مراءاة الخلق فتخسر.

صفحة 394

باب آداب دخول الخلاء

فإذا قصدت بيت الخلاء لقضاء الحاجة فقدم في الدخول رجلك اليسرى، وفي الخروج رجلك اليمنى. ولا تستصحب شيئاً عليه اسم الله تعالى ورسوله، ولا تدخل حاسر الرأس ولا حافي القدمين. وقل عند الدخول: باسم الله، أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم؛ وعند الخروج: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، وأبقى علي ما ينفعني.

وينبغي أن تُعِدَّ للغسل قبل قضاء الحاجة، وأن لا تستنجي بالماء في موضع قضاء الحاجة، وأن تستبرئ من البول بالتنحنح والنثر ثلاثاً، وبإمرار اليد اليسرى على أسفل القضيب. وإن كنت في الصحراء فابعد عن عيون الناظرين أو استتر بشيء إن وجدته، ولا تكشف عورتك قبل الانتهاء إلى موضع الجلوس، ولا تستقبل الشمس ولا القمر، ولا

صفحة 395
تستقبل القبلة ولا تستدبرها، ولا تجلس في متحدث الناس، ولا تبل في الماء الراكد وتحت الشجرة المثمرة، ولا في الجُحر. واحذر الأرض الصلبة ومهب الريح احترازاً من الرشاش، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ عامَّةَ عذابِ القبرِ منه). واتكئ في جلوسك على الرجل اليسرى، ولا تبل قائماً إلا عن ضرورة، واجمع في الاستنجاء بين استعمال الحجر والماء، فإذا أردت الاقتصار عن أحدهما فالماء أفضل، وإن اقتصرت على الحجر فعليك أن تستعمل ثلاثة أحجار طاهرة منشفة للعين، تمسح بها محل النجو بحيث لا تنقل النجاسة عن موضعها، وكذلك تمسح القضيب في ثلاثة مواضع من حجر، فإن لم يحصل الإنقاء بثلاثة فتمم خمسة أو سبعة إلى أن ينقى بالإيتار، فالإيتار مستحب والإنقاء واجب. ولا تستنج إلا باليد اليسرى، وقل عند الفراغ من الاستنجاء: اللهم طهر قلبي من النفاق، وحصن فرجي من الفواحش. وادلك يدك بعد تمام الاستنجاء بالأرض أو بحائط ثم اغسلها.

صفحة 395

آداب الوضوء

فإذا فرغت من الاستنجاء فلا تترك السواك، فإنه مطهرة للفم ومرضاة للرب ومسخطة للشيطان، وصلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بلا سواك؛ وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك في كل صلاة)، وعنه صلى الله عليه وسلم: (أُمِرت بالسواك حتى خشيتُ أن يُكتب علي).

ثم اجلس للوضوء مستقبل القبلة على موضع مرتفع كي لا يصيبك الرشاش وقل: بسم الله الرحمن الرحيم، رب أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون. ثم اغسل يديك ثلاثاً قبل أن تدخلهما الإناء وقل: اللهم إني أسألك اليُمْنَ والبركة، وأعوذ بك من الشؤم والهلكة. ثم انو رفع الحدث أو استباحة الصلاة، ولا ينبغي أن تعزب نيتك قبل غسل الوجه فلا يصح وضوءك. ثم خذ غرفة لفيك وتمضمض بها ثلاثاً، وبالغ في رد الماء إلى الغلصمة، إلا أن تكون صائماً، فترفق وقل: اللهم أعني على تلاوة كتابك وكثرة الذكر لك، وثبتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ثم خذ غرفة لأنفك واستنشق بها ثلاثاً، واستنثر ما في الأنف من الرطوبة، وقل في الاستنشاق: اللهم أرحني رائحة الجنة وأنت عني راض؛ وفي الاستنثار: اللهم إني أعوذ بك من روائح النار وسوء الدار. ثم خذ غرفة لوجهك فاغسل بها من مبتدأ تسطيح الجبهة إلى منتهى ما يُقبل من الذقن في الطول، ومن الأذن إلى الأذن في العرض، وأوصل الماء إلى موضع التحذيف، وهو ما يعتاد النساء تنحية الشعر عنه وهو ما بين رأس الأذن إلى زاوية الجبين، أعني ما يقع منه في جبهة الوجه، وأوصل الماء إلى منابت الشعور الأربعة: الحاجبين،

صفحة 396

والشاربين، والأهداب والعذارين؛ وهما ما يوازيان الأذنين من مبتدأ اللحية. ويجب إيصال الماء إلى منابت الشعر من اللحية الخفيفة دون الكثيفة، وقل عند غسل الوجه: اللهم بيِّض وجهي بنورك يوم تبيض وجوه أوليائك، ولا تسوِّد وجهي بظلماتك يوم تسود وجوه أعدائك. ولا تترك تخليل اللحية الكثيفة.

ثم اغسل يدك اليمنى، ثم اليسرى مع المرفقين إلى أنصاف العضدين، فإن الحلية في الجنة تبلغ مواضع الوضوء، وقل عند غسل اليمنى: اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً؛ وعند غسل الشمال: اللهم إني أعوذ بك أن تعطيني كتابي بشمالي أو من وراء ظهري.

ثم استوعب رأسك بالمسح بأن تبلَّ يديك، وتلصق رؤوس أصابع يديك اليمنى باليسرى، وتضعهما على مقدمة الرأس، وتمرها إلى القفا، ثم تردهما إلى المقدمة، فهذه مرة؛ تفعل ذلك ثلاث مرات؛ وكذلك في سائر الأعضاء وقل: اللهم غشّني برحمتك، وأنزل عليّ من بركاتك، وأظللني تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك؛ اللهم حرم شعري وبَشَري على النار.

ثم امسح أذنيك ظاهرهما وباطنهما بماء جديد، وأدخل مسبِّحَتيك في صماخي أذنيك، وامسح ظاهر أذنيك ببطن إبهاميك وقل: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم أسمعني منادي الجنة في الجنة مع الأبرار.

ثم امسح رقبتك وقل: اللهم فك رقبتي من النار، وأعوذ بك من السلاسل والأغلال.

ثم اغسل رجلك اليمنى ثم اليسرى مع الكعبين، وخلل بخنصر اليسرى أصابع رجلك اليمنى مبتدئاً بخنصرها حتى تختم بخنصر اليسرى، وتدخل الأصابع من أسفل وقل: اللهم ثبت قدمي على الصراط المستقيم مع أقدام عبادك الصالحين. وكذلك تقول عند غسل اليسرى: اللهم إني أعوذ بك أن تزل قدمي على الصراط في النار يوم تزل أقدام المنافقين والمشركين.

وارفع الماء إلى أنصاف الساقين، وراع التكرار ثلاثاً في جميع أفعالك. فإذا فرغت من الوضوء فارفع بصرك إلى السماء وقل: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، عملتُ سوءاً وظلمتُ نفسي، أستغفرك وأتوب إليك فاغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، واجعلني من عبادك الصالحين، واجعلني صبوراً شكوراً، واجعلني أذكرك ذكراً كثيراً وأسبحك بكرةً وأصيلاً.

صفحة 397

فمن قال هذه الدعوات في وضوئه خرجت خطاياه من جميع أعضائه، وختم على وضوئه بخاتم، ورفع له تحت العرش، فلم يزل يسبح لله تعالى ويقدسه ويكتب له ثواب ذلك إلى يوم القيامة.

واجتنب في وضوئك سبعاً: لا تنفض يديك فترش الماء. ولا تلطم وجهك ولا رأسك بالماء لطماً. ولا تتكلم في أثناء الوضوء. ولا تزد في الغسل على ثلاث مرات. ولا تكثر صب الماء من غير حاجة لمجرد الوسوسة، فللموسوسين شيطان يلعب بهم يقال له الوهان. ولا تتوضأ بالماء المشمس ولا من الأواني الصفرية فهذه السبعة مكروهة في الوضوء. وفي الخبر أن من ذكر الله عند وضوئه طهر الله جسده كله، ومن لم يذكر الله لم يطهر منه إلا ما أصابه الماء.

صفحة 397

آداب الغسل

فإذا أصابتك جنابة من احتلام أو وقاع، فخذ الإناء إلى المغتسل واغسل يديك أولاً ثلاثةً، وأزل ما على بدنك من قذر، وتوضأ كما سبق في وضوءك للصلاة مع جميع الدعوات، وأخر غسل قدميك كيلا يضيع الماء. فإذا فرغت من الوضوء فصب الماء على رأسك ثلاثاً وأنت ناو رفع الحدث من الجنابة، ثم على شقك الأيمن ثلاثاً ثم الأيسر ثلاثاً. وادلك ما أقبل من بدنك وما أدبر ثلاثاً ثلاثاً، وخلل شعر رأسك ولحيتك، وأوسل الماء إلى معاطف البدن ومنابت الشعر ما خف منه وما كثف. واحذر أن تمس ذكرك بعد الوضوء، فإن أصابته يدك فأعد الوضوء، والفريضة من جملة ذلك كله: النية وإزالة النجاسة واستيعاب البدن بالغسل.

وفرض الوضوء غسل الوجه واليدين مع المرفقين، ومسح بعض المرفقين، ومسح بعض الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين مرة مرة مع النية والترتيب، وما عداها سنن مؤكدة فضلها كثير وثوابها جزيل، والمتهاون بها خاسر بل هو بأصل فرائضه مخاطر، فإن النوافل جوابر للفرائض.

صفحة 397

آداب التيمم

فإن عجزت عن استعمال الماء لفقده بعد الطلب، أو لعذر من مرض، أو لمانع من الوصول إليه من سبع أو حبس، أو كان الماء الحاضر تحتاج إليه لعطشك أو لعطش رفيقك، أو كان ملكاً لغيرك ولم يبع إلا بأكثر من ثمن المثل، أو كانت بك جراحة أو مرض تخاف منه على نفسك، فاصبر حتى يدخل وقت الفريضة ثم اقصد صعيداً طيباً عليه تراب خالص

صفحة 398
طاهر لين، فاضرب عليه بكفيك ضامّاً بين أصابعك، وانو استباحة فرض الصلاة وامسح بهما وجهك كله مرة واحدة، ولا تتكلف إيصال الغبار إلى منابت الشعر خفَّ أو كثف، ثم انزع خاتمك واضرب ضربة ثانية مفرقاً بين أصابعك، وامسح بهما يديك مع مرفقيك، فإن لم تستوعبهما فاضرب ضربة أخرى إلى أن تستوعبهما، ثم امسح إحدى كفيك بالأخرى، وامسح ما بين أصابعك بالتخليل، وصلِّ به فرضاً واحداً وما شئت من النوافل، فإن أردت فرضاً ثانياً فاستأنف له تيمماً آخر.

صفحة 398

آداب الخروج إلى المسجد

فإذا فرغت من طهارتك فصلِّ في بيتك ركعتي الصبح إن كان الفجر قد طلع، كذلك كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم توجه إلى المسجد، ولا تدع صلاة في الجماعة لا سيما الصبح، فصلاة الجماعة تفضل على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة. فإن كنت تتساهل في مثل هذا الربح فأي فائدة لك في طلب العلم؟ وإنما ثمرة العلم العمل به، فإذا سعيت إلى المسجد فامش على هينة وتؤدة وسكينة، ولا تعجل، وقل في طريقك: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق الراغبين إليك، وبحق ممشاي هذا إليك، فإني لم أخرج أشرّاً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعةً، بل خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

صفحة 398

آداب دخول المسجد

فإذا أردت الدخول إلى المسجد فقدم رجلك اليمنى وقل: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد وصحبه وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك.

ومهما رأيتَ في المسجد مَن يبيع أو يبتاع فقل: لا أربح الله تجارتك! وإذا رأيت فيه من ينشد ضالة فقل: لا ردَّ الله عليك ضالتك! كذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإذا دخلت المسجد فلا تجلس حتى تصلي ركعتي التحية، فإن لم تكن على طهارة أو لم ترد فعلها كفتك الباقيات الصالحات ثلاثاً، وقيل أربعاً، وقيل ثلاثاً للمحدث، وواحد للمتوضئ. فإن لم تكن صليت في بيتك ركعتي الفجر فيجزئك أداؤهما عن التحية؛ فإذا فرغت من الركعتين فانو الاعتكاف وادع بما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ركعتي الفجر فقل: (اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها شملي، وتلم بها شعثي، وترد بها ألفتي، وتصلح بها ديني، وتحفظ بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتبيض بها وجهي، وتلهمني بها رشدي، وتقضي بها حاجتي، وتعصمني بها من

صفحة 399
كل سوء، اللهم إني أسألك إيماناً خالصاً دائماً يباشر قلبي، وأسألك يقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لم يصبني إلا ما كتبته علي، ورضني بما قسمته لي، اللهم إني أسألك إيماناً صادقاً ويقيناً ليس بعده كفر، وأسألك رحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة. اللهم إني أسألك الفوز عند اللقاء، والصبر عند القضاء، ومنازل الشهداء وعيش السعداء، والنصر على الأعداء، ومرافقة الأنبياء. اللهم إني أنزل بك حاجتي وإن ضعف رأيي وقصر عملي وافتقرت إلى رحمتك فأسألك يا قاضي الأمور ويا شافي الصدور كما تجير بين البحور أن تجيرني من عذاب السعير، ومن فتنة القبور، ومن دعوة الثبور. اللهم ما قصر عنه رأيي وضعف عنه عملي ولم تبلغه نيتي وأمنيتي من خير وعدته أحداً من عبادك، أو خير أنت معطيه أحداً من خلقك، فإني أرغب إليك فيه، وأسألك إياه يا رب العالمين. اللهم اجعلنا هادين مهتدين غير ضالين ولا مضلين، حرباً لأعدائك، سلماً لأوليائك، نحب بحبك الناس ونعادي بعداوتك من خالفك من خلقك. اللهم هذا الدعاء وعليك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان. وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم ذا الحبل الشديد والأمر الرشيد، أسألك الأمن يوم الوعيد، والجنة يوم الخلود مع المقربين الشهود، الركع السجود، الموفين لك بالعهود، إنك رحيم ودود، وأنت تفعل ما تريد، سبحان من اتصف بالعز وقال به! سبحان ذي الفضل والنعم! سبحان ذي الجود والكرم! سبحان الذي أحصى كل شيء بعلمه! اللهم اجعل لي نوراً في قلبي، ونوراً في قبري، ونوراً في سمعي، ونوراً في بصري، ونوراً في شعري، ونوراً في بشري، ونوراً في لحمي، ونوراً في دمي، ونوراً في عظامي، ونوراً من بين يدي، ونوراً من خلفي، ونوراً عن شمالي، ونوراً من فوقي، ونوراً من تحتي. اللهم زدني نوراً وأعطني نوراً أعظم نور، واجعل لي نوراً برحمتك يا أرحم الراحمين).

فإذا فرغت من الدعاء فلا تشتغل إلى وقت الفرض إلا بذكر أو تسبيح أو قراءة قرآن، فإذا سمعت الأذان في أثناء ذلك فاقطع ما أنت فيه واشتغل بجواب المؤذن، فإذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقل مثل ذلك، وكذلك في كل كلمة إلا في الحيعلتين فقل فيهما: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فإذا قال: الصلاة خير من النوم، فقل: صدقت وبررت وأنا على ذلك من الشاهدين. فإذا سمعت الإقامة فقل مثل ما يقول إلا في قوله: قد قامت الصلاة، فقل: أقامها الله وأدامها ما دامت السماوات والأرض. فإذا فرغت من جواب المؤذن فقل: اللهم إني أسألك عند حضور صلاتك، وأصوات دعاتك، وإدبار ليلك، وإقبال نهارك، أن تؤتي محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، وابعثه المقام

صفحة 400

المحمود الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد يا أرحم الراحمين، فإذا سمعت الأذان وأنت في الصلاة فتمم الصلاة ثم تدارك الجواب بعد السلام على وجهه، فإذا أحرم الإمام بالفرض فلا تشتغل إلا بالاقتداء به، وصلِّ الفرض كما سيتلى عليك في كيفية الصلاة وآدابها.

فإذا فرغت فقل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم؛ اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام، فحينا ربنا بالسلام، وأدخلنا الجنة دار السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، سبحان ربي العلي الأعلى، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله أهل النعمة والفضل والثناء الحسن، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.

ثم ادع بعد ذلك بالجوامع الكوامل ما عَلّمه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عائشةَ رضي الله عنها، فقل: (اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمتُ منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمتُ منه وما لم أعلم، وأسألك الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل ونية واعتقاد، وأعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول وعمل ونية واعتقاد، وأسألك من خير ما سألك منه عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم، وأعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم وما قضيت على من أمر فاجعل عاقبته رشداً).

ثم ادع بما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة رضي الله عنها فقل: (يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث ومن عذابك أستجير. لا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين، وأصلح لي شأني كله بما أصلحتَ به الصالحين).

ثم قل ما قاله عيسى، على نبينا وعليه الصلاة والسلام: (اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره، ولا أملك نفع ما أرجو، وأصبح الأمر بيدك لا بيد غيرك، وأصبحت مرتهناً بعلمي؛ فلا فقير أفقر مني إليك، ولا غني أغنى منك عني. اللهم لا تشمت بي عدوي، ولا تسؤ بي صديقي، ولا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تجعل الدنيا أكبر همي ولا مبلغ علمي، ولا تسلط علي بذنبي من لا يرحمني).

ثم ادع بما بدا لك من الدعوات المشهورات، واحفظها مما أوردناه في كتاب الدعوات من كتاب إحياء علوم الدين.

ولتكن أوقاتك بعد الصلاة إلى طلوع الشمس موزعة على أربع وظائف: وظيفة في الدعوات، ووظيفة في الأذكار والتسبيحات، وتكررها في سبحة، ووظيفة في قراءة القرآن، ووظيفة في التفكر؛ فتفكر في ذنوبك وخطاياك، وتقصيرك في عبادة مولاك، وتعرضك

صفحة 401

لعقابه الأليم وسخطه العظيم، وترتب أوقاتك بتدبيرك أورادك في جميع يومك، لتتدارك به ما فرطت من تقصيرك، وتحترز من التعرض لسخط الله تعالى الأليم في يومك، وتنوي الخير لجميع المسلمين، وتعزم أن لا تشتغل في جميع نهارك إلا بطاعة الله تعالى، وتفصل في قلبك الطاعات التي تقدر عليها، وتختار أفضلها، وتتأمل تهيئة أسبابها لتشغل بها، ولا تدع عنك التفكر في قرب الأجل، وحلول الموت القاطع للأمل، وخروج الأمر عن الاختيار، وحصول الحسرة والندامة بطول الاغترار.

وليكن من تسبيحاتك وأذكارك عشر كلمات: إحداهن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. الثانية: لا إله إلا الله الملك الحق المبين. الثالثة: لا إله إلا الله الواحد القهار، رب السماوات والأرض وما بينهما، العزيز الغفار. الرابعة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الخامسة: سبوح قدوس رب الملائكة والروح. السادسة: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. السابعة: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأسأله التوبة والمغفرة. الثامنة: اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا رادَّ لما قضيت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. التاسعة: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد وصحبه وسلم. العاشرة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم. تكرر كل واحدة من هذه الكلمات إما مائة مرة، أو سبعين مرة، أو عشر مرات وهو أقله، ليكون المجموع مائة.

ولازم هذه الأذكار ولا تتكلم قبل طلوع الشمس، ففي الخبر أن ذلك أفضل من إعتاق ثمان رقاب من ولد إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام؛ أعني الاشتغال بالذكر إلى طلوع الشمس من غير أن يتخلله كلام.

صفحة 401

آداب ما بين طلوع الشمس إلى الزوال

فإذا طلعت الشمس وارتفعت قدر رمح فصلِّ ركعتين، وذلك عند زوال وقت الكراهة للصلاة، فإنها مكروهة من بعد فريضة الصبح إلى ارتفاع الشمس. فإذا أضحى النهار ومضى منه قريب من ربعه، فصلِّ صلاة الضحى أربعاً أو ستاً أو ثمانياً مثنى، فقد نُقلت هذه الأعداد كلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والصلاة خير كلها، فمن شاء فليستكثر ومن شاء فليستقلل، فليس بين طلوع الشمس والزوال راتبة من الصلاة إلا هذه؛ فما فضل عنها من أوقاتك فلك فيه أربع حالات:

صفحة 402

الحالة الأولى: وهي الأفضل، أن تصرفه في طلب العلم النافع في الدين دون الفضول الذي أكب الناس عليه وسموه علماً. والعلم النافع هو ما يزيد في خوفك من الله تعالى، ويزيد في بصيرتك بعيوب نفسك، ويزيد في معرفتك بعبادة ربك، ويقلل من رغبتك في الدنيا، ويزيد في رغبتك في الآخرة، ويفتح بصيرتك بآفات أعمالك حتى تحترز منها، ويطلعك على مكايد الشيطان وغروره، وكيفية تلبيسه على علماء السوء حتى عرضهم لمقت الله تعالى وسخطه، حيث اشتروا الدنيا بالدين، واتخذوا العلم ذريعة ووسيلة إلى أخذ أموال السلاطين وأكل أموال الأوقاف واليتامى والمساكين، وصرف همتهم طول نهارهم إلى طلب الجاه والمنزلة في قلوب الخلق، واضطرهم ذلك المراءاة والمماراة، والمناقشة في الكلام والمباهاة. وهذا الفن من العلم النافع قد جمعناه في كتاب إحياء علوم الدين، فإن كنت من أهله فحصله واعمل به، ثم علمه وادع إليه؛ فمن علم ذلك وعمل به ثم علّمه ودعا إليه، فذلك يدعى عظيماً في ملكوت السماوات بشهادة عيسى عليه السلام.

فإذا فرغت من ذلك كله، وفرغت من إصلاح نفسك ظاهراً وباطناً، وفَضُلَ شيء من أوقاتك، فلا بأس أن تشتغل بعلم المذهب في الفقه لتعرف به الفروع النادرة في العبادات، وطريق التوسط بين الخلق في الخصومات عند انكبابهم على الشهوات، فذلك أيضاً بعد الفراغ من هذه المهمات من جملة فروض الكفايات. فإن دعتك نفسك إلى ترك ما ذكرناه من الأوراد والأذكار استثقالاً لذلك، فاعلم أن الشيطان اللعين قد دسَّ في قلبك الداء الدفين، وهو حب المال والجاه، فإياك أن تغتر به فتكون ضحكة له فيهلكك ثم يسخر منك. فإن جبرت نفسك مدة في الأوراد والعبارات فكنت لا تستثقلها كسلاً عنها، لكن ظهرت رغبتك في تحصيل العلم النافع ولم ترد به إلا وجه الله تعالى والدار الآخرة، فذلك أفضل من نوافل العبادات مهما صحت النية؛ ولكن الشأن في صحة النية، فإن لم تصح فهو معدن غرور الجهال ومزلة أقدام الرجال.

الحالة الثانية: أن لا تقدر على تحصيل العلم النافع في الدين، لكن تشتغل بوظائف العبادات من الذكر والتسبيح والقراءة والصلاة، فذلك من درجات العابدين وسير الصالحين، وتكون أيضاً بذلك من الفائزين.

الحالة الثالثة: أن تشتغل بما يصل منه خير إلى المسلمين، ويدخل به سرور على قلوب المؤمنين، أو يتيسر به الأعمال الصالحة للصالحين، كخدمة الفقهاء والصوفية وأهل الدين، والتردد في أشغالهم والسعي في إطعام الفقراء والمساكين، والتردد مثلاً على المرضى بالعيادة وعلى الجنائز بالتشييع، فكل ذلك أفضل من النوافل، فإن هذه عبادات وفيها رفق للمسلمين.

صفحة 403

الحالة الرابعة: إن لم تقو على ذلك فاشتغل بحاجاتك اكتساباً على نفسك أو على عيالك، وقد سلم منك المسلمون وأمنوا من لسانك ويدك، وسلم لك دينك إذا لم ترتكب معصية، فتنال بذلك درجة أصحاب اليمين إن لم تكن من أهل الترقي إلى مقامات السابقين؛ فهذا أقل الدرجات في مقامات الدين، وما بعد هذا فهو مراتع الشياطين، وذلك بأن تشتغل والعياذ بالله بما يهدم دينك، أو تؤذي عبداً من عباد الله تعالى، فهذه رتبة الهالكين؛ فإياك أن تكون في هذه الطبقة.

واعلم أن العبد في حق دينه على ثلاث درجات: إما سالم، وهو المقتصر على أداء الفرائض وترك المعاصي. أو رابح، وهو المتطوع بالقربات والنوافل. أو خاسر، وهو المقصر على اللوازم، فإن لم تقدر أن تكون رابحاً فاجتهد أن تكون سالماً، وإياك ثم إياك أن تكون خاسراً.

والعبد في حق سائر العباد له ثلاث درجات: الأولى: أن ينزل في حقهم منزلة الكرام البررة من الملائكة، وهو أن يسعى في أغراضهم رفقاً بهم وإدخالاً للسرور على قلوبهم. الثانية: أن ينزل في حقهم منزلة البهائم والجمادات، فلا ينالهم خيره ولكن يكف عنهم شره. الثالثة: أن ينزل في حقهم منزلة العقارب والحيات والسباع الضاريات، لا يرجى خيره ولا يتقى شره. فإن لم تقدر على أن تلتحق بأفق الملائكة فاحذر أن تنزل عن درجة البهائم والجمادات إلى مراتب العقارب والحيات والسباع الضاريات، فإن رضيت لنفسك النزول من أعلى عليين فلا ترضَ لها بالهوى إلى أسفل سافلين، فلعلك تنجو كفافاً لا لك ولا عليك. فعليك في بياض نهارك أن لا تشتغل إلا بما ينفعك في معادك أو معاشك الذي لا تستغني عنه وعن الاستعانة به على معادك، فإن عجزت عن القيام بحق دينك مع مخالطة الناس وكنت لا تسلم، فالعزلة أولى لك، فعليك بها ففيها النجاة والسلامة. فإن كانت الوساوس في العزلة تجاذبك إلى ما لا يُرضي الله تعالى ولم تقدر على قمعها بوظائف العبادات، فعليك بالنوم فهو أحسن أحوالك وأحوالنا، إذا عجزنا عن الغنيمة رضينا بالسلامة في الهزيمة. فأخِسَّ بحال مَنْ سلامةُ دينه في تعطيل حياته، إذ النوم أخو الموت، وهو تعطيل الحياة والتحاق بالجمادات.

صفحة 403

آداب الاستعداد لسائر الصلوات

ينبغي أن تستعد لصلاة الظهر قبل الزوال، فتقدم القيلولة إن كان لك قيام في الليل أو سهر في الخير، فإن فيها معونة على قيام الليل، كما أن في السحور معونة على صيام النهار، والقيلولة من غير قيام الليل كالسحور من غير صيام بالنهار. واجتهد أن تستيقظ قبل

صفحة 404

الزوال، وتتوضأ، وتحضر المسجد، وتصلي تحية المسجد، وتنتظر المؤذن فتجيبه، ثم تقوم فتصلي أربع ركعات عقب الزوال، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطولهن ويقول: (هذا وقتٌ تُفتح فيه أبوابُ السماء، فأُحب أن يُرفع لي فيه عملٌ صالحٌ) وهذه الأربع قبل الظهر سنة مؤكدة، ففي الخبر أن من صلاهن فأحسن ركوعهن وسجودهن صلى معه سبعون ألف ملك يستغفرون له إلى الليل. ثم تصلي الفرض مع الإمام، ثم تصلي بعد الفرض ركعتين، فهما من الرواتب الثابتة.

ولا تشتغل إلى العصر إلا بتعليم علم، أو إعانة مسلم، أو قراءة قرآن، أو سعي في معاش تستعين به على دينك. ثم تصلي أربع ركعات قبل العصر، فهي سنة مؤكدة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رَحِمَ اللهُ امرأً صلى أربعاً قبل العصر). فاجتهد أن ينالك دعاؤه صلى الله عليه وسلم، ولا تشتغل بعد العصر إلا بمثل ما سبق قبله.

ولا ينبغي أن تكون أوقاتك مهملة فتشتغل في كل وقت بما اتفق كيف اتفق، بل ينبغي أن تحاسب نفسك، وترتب أورادك في ليلك ونهارك، وتعين لكل وقت شغلاً لا تتعداه ولا تؤثر فيه سواه، فبذلك تظهر بركة الأوقات. فأما إذا تركت نفسك سُدى مهمِلاً إهمال البهائم، لا تدري بماذا تشتغل في كل وقت، فينقضي أكثر أوقاتك ضائعاً، وأوقاتك عمرك، وعمرك رأس مالك، وعليه تجارتك، وبه وصولك إلى نعيم دار الأبد في جوار الله تعالى، فكل نفس من أنفاسك جوهرة لا قيمة لها، إذ لا بدل له، فإذا فات فلا عود له. فلا تكن كالحمقى المغرورين الذين يفرحون كل يوم بزيادة أموالهم مع نقصان أعمارهم، فأي خير في مال يزيد وعمر ينقص. ولا تفرح إلا بزيادة علم أو عمل صالح، فإنهما رفيقاك يصحبانك في القبر حيث يتخلف عنك أهلك ومالك وولدك وأصدقاؤك.

ثم إذا اصفرَّت الشمس فاجتهد أن تعود إلى المسجد قبل الغروب، واشتغل بالتسبيح والاستغفار، فإن فضل هذا الوقت كفضل ما قبل الطلوع؛ قال الله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130].

واقرأ قبل غروب الشمس (والشمس وضحاها) (والليل إذا يغشى) (والمعوذتين) وَلْتَغْرُبْ عليك الشمس وأنت في الاستغفار، فإذا سمعت الأذان فأجبه وقل بعده: اللهم إني أسألك عند إقبال ليلك وإدبار نهارك، وحضور صلاتك وأصوات دعاتك، أن تؤتي محمداً الوسيلة والفضيلة والشرف والدرجة الرفيعة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد. والدعاء كما سبق.

ثم صلِّ الفرض بعد جواب المؤذن والإقامة، وصلِّ بعده ركعتين قبل أن تتكلم فهما راتبتا المغرب، وإن صليت بعدهما أربعاً فهي أيضاً سنة، وإن أمكنك أن تنوي الاعتكاف

صفحة 405

إلى العشاء تحيي ما بين العشاءين بالصلاة فافعل، فقد ورد في فضل ذلك ما لا يحصى؛ وهي ناشئة الليل لأنها أول نشأته، وهي صلاة الأوابين. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 16]، فقال: (هي الصلاةُ ما بينَ العِشاءين إنها تَذهب بمَلاغي أول النهار وتُهذِّب آخرَه) – والملاغي جمع ملغاة وهي من اللغو.

فإذا دخل وقت العشاء فصل أربع ركعات قبل الفرض إحياءً لما بين الأذانين، ففضل ذلك كثير. وفي الخبر أن الدعاء بين الأذانين والإقامة لا يرد.

ثم صلِّ الفرض وصلِّ الراتبة ركعتين، واقرأ فيهما سورة (الم السجدة) و(تبارك الملك) أو سورة (يس) و(الدخان)، فذلك مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وصل بعدهما أربع ركعات، ففي الخبر ما يدل على عظيم فضلهن. ثم صل الوتر بعدها ثلاثاً بتسليمتين أو بتسليمة واحدة؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها سورة سبح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، والإخلاص، والمعوذتين. فإن كنت عازماً على قيام الليل فأخر الوتر ليكون آخر صلاتك بالليل وتراً. ثم اشتغل بعد ذلك بمذاكرة علم أو مطالعة كتاب، ولا تشتغل باللهو واللعب فيكون ذلك خاتمة أعمالك قبل نومك، فإنما الأعمال بخواتيمها.

صفحة 405

آداب النوم

فإذا أردت النوم فابسط فراشك مستقبل القبلة ونم على يمينك كما يضجع الميت في لحده. واعلم أن النوم مثل الموت، واليقظة مثل البعث. ولعل الله تعالى يقبض روحك في ليلتك، فكن مستعداً للقائه بأن تنام على طهارة، وتكون وصيتك مكتوبة تحت رأسك، وتنام تائباً من الذنوب مستغفراً، عازماً على أن لا تعود إلى معصية. واعزم على الخير لجميع المسلمين إن بعثك الله تعالى؛ وتذكر أنك ستضجع في اللحد كذلك وحيداً فريداً، ليس معك إلا عملك، ولا تجزَى إلا بسعيك.

ولا تستجلب النوم تكلفاً بتمهيد الفرش الوطيئة، فإن النوم تعطيل للحياة، إلا إذا كانت يقظتك وبالاً عليك، فنومك سلامة لدينك. واعلم أن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، فلا يكن نومك بالليل والنهار أكثر من ثمان ساعات، فيكفيك إن عشت مثلاً ستين سنة أن تضيع منها عشرين سنة، وهو ثلث عمرك.

وأعد عند النوم سواكك وطهورك. واعزم على قيام الليل أو على القيام قبل الصبح، فركعتان في جوف الليل كنز من كنوز البِر، فاستكثر من كنوزك ليوم فقرك، فلن تغني عنك كنوز الدنيا إذا مت.

صفحة 406

وقل عند نومك: باسمك ربي وضعت جنبي، وباسمك أرفعه، فاغفر لي ذنبي. اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك. اللهم باسمك أحيا وأموت، وأعوذ بك اللهم من شر كل ذي شر، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم. اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين وأغنني من الفقر. اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، إن أمتها فاغفر لها وإن أحييتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين. اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. اللهم أيقظني في أحب الساعات إليك، واستعملني بأحب الأعمال إليك، حتى تقربني إليك زلفى، وتبعدني عن سخطك، بعد أن أسألك فتعطيني، وأستغفرك فتغفر لي، وأدعوك فتستجيب لي.

ثم اقرأ آية الكرسي و{آمَنَ الرَّسُولُ} [البقرة: 285]. إلى آخر السورة، والإخلاص، والمعوذتين، وتبارك الملك. وليأخذك النوم وأنت على ذكر الله تعالى وعلى الطهارة فمن فعل ذلك عرج بروحه إلى العرش وكُتب مصلياً إلى أن يستيقظ. فإذا استيقظت فارجع إلى ما عرَّفتُك أولاً، وداوم على هذا الترتيب بقية عمرك، فإن شقَّت عليك المداومة فاصبر صبر المريض على مرارة الدواء انتظاراً للشفاء، وتفكر في قصر عمرك؛ وإن عشت مثلاً مائة سنة فهي قليلة بالإضافة إلى مقامك في الدار الآخرة وهي أبد الآباد. وتأمل أنك تتحمل المشقة والذل في طلب الدنيا شهراً أو سنة رجاء أن تستريح بها عشرين سنة مثلاً، فكيف لا تتحمل ذلك أياماً قلائل رجاء الاستراحة أبد الآباد؟ ولا تطول أملك فيثقل عليك عملك، وقدر قرب الموت وقل في نفسك: إن أتحمل المشقة اليوم فلعلي أموت الليلة، وأصبر الليلة فلعلي أموت غداً، فإن الموت لا يهجم في وقت مخصوص وحال مخصوص وسن مخصوص، فلا بد من هجومه، فالاستعداد له أولى من الاستعداد للدنيا، وأنت تعلم أنك لا تبقى فيها إلا مدة يسيرة، ولعله لم يبق من أجلك إلا يوم واحد أو نَفَس واحد؛ فقدِّر هذا في قلبك كل يوم، وكلف نفسك الصبر على طاعة الله يوماً فيوماً، فإنك لو قدرت البقاء خمسين سنة وألزمتها الصبر على طاعة الله تعالى نفرت واستعصت عليك، فإن فعلت ذلك فرحت عند الموت فرحاً لا آخر له، وإن سوَّفت وتساهلت جاءك الموت في وقت لا تحتسبه، وتحسرت تحسراً لا آخر له، و(عند الصباح يحمد القوم السرى) وعند الموت يأتيك الخبر اليقين {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [ص: 88].

وإذا أرشدناك إلى ترتيب الأوراد، فلنذكر لك كيفية الصلاة والصوم وآدابهما، وآداب الإمامة والقدوة والجمعة.

صفحة 407

آداب الصلاة

فإذا فرغت من طهارة الخبث، وطهارة الحدث في البدن والثياب والمكان، ومن ستر العورة من السرة إلى الركبة، فاستقبل القبلة قائماً، مزاوجاً بين قدميك بحيث لا تضمهما، واستوِ قائماً. ثم اقرأ (قل أعوذ برب الناس) تحصناً بها من الشيطان الرجيم؛ وأحضر قلبك ما أنت فيه، وفرِّغه من الوسواس، وانظر بين يدي من تقوم ومن تناجي، واستحِ أن تناجي مولاك بقلب غافل وصدر مشحون بوساوس الدنيا وخبائث الشهوات، واعلم أنه تعالى مطلع على سريرتك، وناظر إلى قلبك، فإنما يتقبل الله من صلاتك بقدر خشوعك وخضوعك وتواضعك وتضرعك.

واعبده في صلاتك كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فإن لم يحضر قلبك ولم تسكن جوارحك فهذا لقصور معرفتك بجلال الله تعالى؛ فقدِّر أن رجلاً صالحاً من وجوه أهل بيتك ينظر إليك ليعلم كيف صلاتك، فعند ذلك يحضر قلبك وتسكن جوارحك، ثم ارجع إلى نفسك وقل: يا نفس السوء! ألا تستحين من خالقك ومولاك، إذا قدَّرتِ اطلاعَ عبد ذليل من عباده عليك وليس بيده ضرُّك ولا نفعُك خشعتْ جوارحُك وحسنتْ صلاتُك، ثم إنك تعلمين أنه مطلع عليك ولا تخشعين لعظمته! أهو تعالى عندك أقل من عبد من عباده؟ فما أشد طغيانك وجهلك، وما أعظم عداوتك لنفسك!

فعالج قلبك بهذه الحيل، فعساه أن يحضر معك في صلاتك؛ فإنه ليس من صلاتك إلا ما عقلت منها، وأما ما أتيت به مع الغفلة والسهو فهو إلى الاستغفار والتفكير أحوج.

فإذا حضر قلبك فلا تترك الإقامة وإن كنت وحدك، وإن انتظرت حضور جماعة فأذِّن ثم أقم، فإذا أقمت فانوِ وقل في قلبك: أؤدي فرض الظهر لله تعالى؛ وليكن ذلك حاضراً في قلبك عند تكبيرك. ولا تغرب عنك النية قبل الفراغ من التكبير، وارفع يديك عند التكبير بعد إرسالهما أولاً إلى حذو منكبيك، وهما مبسوطتان وأصابعهما منشورة، ولا تتكلف ضمهما ولا تفريجهما بحيث تحاذي بإبهاميك شحمتي أذنيك، وبرؤوس أصابعك أعلى أذنيك، وبكفيك منكبيك. فإذا استقرتا في مقرهما فكبر ثم أرسلهما برفق. ولا تدفع يديك عند الرفع والإرسال إلى قدام دفعاً، ولا إلى خلف رفعاً، ولا تنفضهما يميناً ولا شمالاً. فإذا أرسلتهما فاستأنف رفعهما إلى صدرك، وأكرم اليمنى بوضعها على اليسرى، وانشر أصابع اليمنى على طول ذراعك اليسرى، واقبض بها على كوعها؛ وقل بعد التكبير: (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً) ثم اقرأ: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79].

صفحة 408

{إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162-163]. ثم قل: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ثم اقرأ الفاتحة بتشديداتها، واجتهد في الفرق بين الضاد والظاء في قراءتك في الصلاة، وقل آمين ولا تصله بقوله {وَلَا الضَّالِّينَ} وصلاً.

واجهر بالقراءة في الصبح والمغرب والعشاء، أعني في الركعتين الأوليين، إلا أن تكون مأموماً، واجهر بالتأمين. واقرأ في الصبح بعد الفاتحة من السور الطوال من المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي الظهر والعصر والعشاء من أواسطه، نحو: (والسماء ذات البروج) وما قاربها من السور، وفي الصبح في السفر (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد). ولا تصل آخر السورة بتكبيرة الركوع، ولكن افصل بينهما بمقدار سبحان الله.

وكن في جميع قيامك مطرقاً قاصراً نظرك على مصلاك، فذلك أجمع لهمك وأجدر لحضور قلبك، وإياك أن تلتفت يميناً وشمالاً في صلاتك.

ثم كبر للركوع وارفع يديك كما سبق، ومد التكبير إلى انتهاء الركوع، ثم ضع راحتيك إلى ركبتيك وأصابعك منشورة، وانصب ركبتيك، ومد ظهورك وعنقك ورأسك مستوياً كالصفيحة الواحدة، وجافِ مرفقيك عن جنبيك، والمرأة لا تفعل ذلك، بل تضم بعضها إلى بعض، وقل (سبحان ربي العظيم) ثلاثاً، وإن كنت منفرداً فالزيادة إلى السبع والعشر حسن. ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائماً، وارفع يديك قائلاً: (سمع الله لمن حمده) فإذا استويت قائماً فقل: (ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد).

وإن كنت في فريضة الصبح فاقرأ القنوت في الركعة الثانية في اعتدالك من الركوع، ثم اسجد مكبراً غير رافع اليدين، وضع أولاً على الأرض ركبتيك ثم يديك ثم جبهتك مكشوفة، وضع أنفك مع الجبهة وجافِ مرفقيك عن جنبيك، وأقل بطنك عن فخذيك – والمرأة لا تفعل ذلك – وضع يديك على الأرض حذو منكبيك، ولا تفرش ذراعك على الأرض، وقل: (سبحان ربي الأعلى) ثلاثاً أو سبعاً أو عشراً إن كنت منفرداً.

ثم ارفع رأسك من السجود مكبراً حتى تعتدل جالساً، واجلس على رجلك اليسرى، وانصب قدمك اليمنى، وضع يديك على فخذيك والأصابع منشورة وقل: (رب اغفر لي وارحمني وارزقني وعافني واعف عني). ثم اسجد ثانية كذلك، ثم اعتدل جالساً للاستراحة في كل ركعة لا تشهد عقبها.

ثم تقوم وتضع اليدين على الأرض، ولا تقدم إحدى رجليك في حالة الارتفاع، وابتدئ بتكبيرة الارتفاع عند القرب من حد جلسة الاستراحة، ومدها إلى منتصف ارتفاعك

صفحة 409

إلى القيام، ولتكن هذه الجلسة جلسة خفيفة مختطفة، وصلِّ الركعة الثانية كالأولى، وأعد التعوذ في الابتداء، ثم اجلس في الركعة الثانية للتشهد الأول، وضع اليد اليمنى في جلوس التشهد على الفخذ اليمنى مقبوضة الأصابع، إلا المسبحة والإبهام فترسلهما، وأشر بمسبحة يمناك عند قولك (إلا الله) لا عند قولك (لا إله) وضع اليد اليسرى منشورة الأصابع على الفخذ اليسرى، واجلس على رجلك اليسرى في هذا التشهد كما بين السجدتين، وفي التشهد الأخير متوركاً، واستكمل الدعاء المعروف المأثور بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، واجلس فيه على وركك الأيسر، وضع رجلك اليسرى خارجة من تحتك، وانصب القدم اليمنى ثم قل بعد الفراغ: (السلام عليكم ورحمة الله) مرتين، الجانبين، والتفت بحيث يرى بياض خديك من جانبيك، وانو الخروج من الصلاة، وانوِ السلام على من على جانبيك من الملائكة والمسلمين. وهذه هيئة صلاة المنفرد.

وعماد الصلاة الخشوع وحضور القلب مع القراءة والذكر بالتفهم. وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ العبدَ ليُصلي الصلاةَ فلا يُكتب له منها سُدُسُهَا ولا عُشْرُهَا، وإنما يُكتب للعبد مِن صلاته بقَدْرِ ما عَقَلَ منها).

صفحة 409

آداب الإمامة والقدوة

ينبغي للإمام أن يخفف الصلاة؛ قال أنس بن مالك رضي الله عنه: ما صليت خلف أحد صلاة أخف ولا أتم من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولا يكبر ما لم يفرغ المؤذن من الإقامة، وما لم تستوِ الصفوف. ويرفع الإمام صوته بالتكبيرات، ولا يرفع المأموم صوته إلا بقدر ما يسمع نفسه. وينوي الإمام الإمامة لينال الفضل، فإذا لم ينوِ صحت صلاة القوم إذا نووا الاقتداء به ونالوا فضل القدوة. ويُسِرُّ بدعاء الاستفتاح والتعوذ كالمنفرد، ويجهر بالفاتحة والسورة في جميع الصبح وأوليي المغرب والعشاء، وكذلك المنفرد. ويجهر بقوله آمين في الجهرية، وكذلك المأموم. ويقرن المأموم تأمينه بتأمين الإمام معاً لا تعقيباً له. ويسكت الإمام سكتة عقب الفاتحة ليئوب إليه نفسه، ويقرأ المأموم السورة في الجهرية إلا إذا لم يسمع صوت الإمام. ولا يزيد الإمام على الثلاثة في تسبيحات الركوع والسجود، ولا يزيد في التشهد الأول بعد قول (اللهم صلِّ على محمد). ويقتصر في الركعتين الأخيرتين على الفاتحة، ولا يطول على القوم، ولا يزيد دعاءه في التشهد الأخير على قدر تشهده وصلاته على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وينوي الإمام عند التسليم

صفحة 410
السلام على القوم، وينوي القوم بتسليمهم جوابه. ويلبث الإمام ساعة بعدها يفرغ من السلام، ويقبل على الناس بوجهه، ولا يلتفت إن كان خلفه نساء لينصرفن أولاً. ولا يقوم أحد من القوم حتى يقوم الإمام. وينصرف الإمام حيث شاء، عن يمينه أو شماله، واليمين أحب إليه. ولا يخص الإمام نفسه بالدعاء في قنوت الصبح بل يقول: (اللهم اهدنا) ويجهر به، ويؤمن القوم ولا يرفعون أيديهم، إذ لم يثبت ذلك في الأخبار. ويقرأ المأموم بقية القنوت من قوله: (إنك تقضي ولا يقضى عليك). ولا يقف المأموم وحده بل يدخل في الصف أو يجر إلى نفسه غيره. ولا ينبغي للمأموم أن يتقدم على الإمام في أفعاله أو يساويه، بل ينبغي أن يتأخر عنه ولا يهوي للركوع إلا إذا انتهى الإمام إلى حد الركوع، ولا يهوي للسجود ما لم تصل جبهة الإمام إلى الأرض.

صفحة 410

آداب الجمعة

اعلم أن الجمعة عيد المؤمنين، وهو يوم شريف خصَّ الله عز وجل به هذه الأمة، وفيه ساعة مهمة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى فيها حاجة إلا أعطاه إياها، فاستعد لها من يوم الخميس بتنظيف الثياب وبكثرة التسبيح والاستغفار عشية الخميس، فإنها ساعة توازي في الفضل ساعة يوم الجمعة. وانوِ صوم يوم الجمعة، لكن مع الخميس أو السبت، إذ جاء في إفاردها نهي.

فإذا طلع عليك الصبح فاغتسل غسل يوم الجمعة، فإن غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، أي ثابت مؤكد.

ثم تزين بالثياب البيض فإنها أحب الثياب إلى الله تعالى، واستعمل من الطيب أطيب ما عندك، وبالغ في تنظيف بدنك بالحلق والقصّ والتقليم والسواك وسائر أنواع النظافة وتطيب الرائحة. ثم بكِّر إلى الجامع، واسْعَ إليه على الهينة والسكينة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (مَن راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرَّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة. فإذا خرج الإمامُ طُويت الصحف ورُفعت الأقلام واجتمعت الملائكة عند المنبر يستمعون الذكر).

ويقال: إن الناس في قربهم عند النظر إلى وجه الله تعالى على قدر بكورهم إلى الجمعة.

ثم إذا دخلت الجامع فاطلب الصف الأول، فإذا اجتمع الناس فلا تتخط رقابهم، ولا تمر بين أيديهم وهم يصلون، واجلس بقرب حائط أو اسطوانة حتى لا يمروا بين يديك،

صفحة 411

ولا تقعد حتى تصلي التحية، والأحسن أن تصلي أربع ركعات، تقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة الإخلاص خمسين مرة، ففي الخبر أن من فعل ذلك لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يُرى له. ولا تترك التحية وإن كان الإمام يخطب، ومن السنة أن تقرأ في أربع ركعات سورة الأنعام والكهف وطه ويس، فإن لم تقدر فسورة يس والدخان والم السجدة وسورة الملك، ولا تدع قراءة هذه السورة في ليلة الجمعة، ففيها فضل كثير، ومن لم يحسن ذلك فليكثر من قراءة سورة الإخلاص.

وأكثر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم خاصة. ومهما خرج الإمام، فاقطع الصلاة والكلام، واشتغل بجواب المؤذن، ثم باستماع الخطبة والاتعاظ بها. ودع الكلام رأساً في الخطبة، ففي الخبر (أنَّ مَن قال لصاحبه والإمام يخطب أنصت فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له) أي لأن قوله أنصت كلام فينبغي أن ينهى غيره بالإشارة لا باللفظ.

ثم اقتد بالإمام كما سبق، فإذا فرغت وسلمت فاقرأ الفاتحة قبل أن تتكلم سبع مرات، والإخلاص سبعاً، والمعوذتين سبعاً سبعاً، فذلك يعصمك من الجمعة إلى الجمعة الأخرى ويكون حرزاً لك من الشيطان، وقل بعد ذلك: اللهم يا غني يا حميد، يا مبدئ يا معيد، يا رحيم يا ودود، أغنني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.

ثم صلِّ بعد الجمعة ركعتين أو ستاً مثنى مثنى، فكل ذلك مرويٌّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحوال مختلفة.

ثم لازم المسجد إلى المغرب أو إلى العصر، وكن حسن المراقبة للساعة الشريفة فإنها مبهمة في جميع اليوم، فعساك أن تدركها وأنت خاشع لله تعالى متذلل متضرع. ولا تحضر في الجامع مَجالس الخلق ولا مجالس القصاص، بل مجالس العلم النافع، وهو الذي يزيد في خوفك من الله، وينقص من رغبتك في الدنيا؛ فكل علم لا يدعوك من الدنيا إلى الآخرة فالجهل أعود عليك منه، فاستعذ بالله من علم لا ينفع.

وأكثر الدعاء عند طلوع الشمس، وعند الزوال، وعند الغروب، وعند صعود الخطيب المنبر، وعند قيام الناس إلى الصلاة، فيوشك أن تكون الساعة الشريفة في بعض الأوقات.

واجتهد أن تتصدق في هذا اليوم بما تقدر عليه وإن قل، فتجمع بين الصلاة والصوم والصدقة والقراءة والذكر والاعتكاف والرباط. واجعل هذا اليوم من الأسبوع خاصة لآخرتك، فعساه أن يكون كفارة لبقية الأسبوع.

صفحة 412

آداب الصيام

لا ينبغي أن تقتصر على صوم شهر رمضان، فتترك التجارة بالنوافل وكسب الدرجات العالية في الفراديس، فتتحسر إذا نظرت إلى منازل الصائمين كما تنظر إلى الكوكب الدري وهم في أعلى عليين.

والأيام الفاضلة التي شهدت الأخبار بشرفها وفضلها وبجزالة الثواب في صيامها: يوم عرفة لغير الحاج، ويوم عاشوراء، والعشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأول من المحرم، ورجب وشعبان. وصوم الأشهر الحرم من الفضائل، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب واحد فرد وثلاثة سرد، وهذه في السنة، وأما في الشهر فأول الشهر وأوسطه وآخره، والأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. وأما في الأسبوع فيوم الاثنين والخميس والجمعة، فتكفَّر ذنوبُ الأسبوع بصوم الاثنين والخميس والجمعة، وتكفر ذنوب الشهر باليوم الأول من الشهر واليوم الأوسط واليوم الآخر والأيام البيض، وتكفر ذنوب السنة بصيام هذه الأيام والأشهر المذكورة.

ولا تظن إذا صمت أن الصوم هو ترك الطعام والشراب والوقاع فقط، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش) بل تمام الصوم بكف الجوارح كلها عما يكره الله تعالى، بل ينبغي أن تحفظ العين عن النظر إلى المكاره، واللسان عن النطق بما لا يعنيك، والأذن عن الاستماع إلى ما حرم الله تعالى؛ فإن المستمع شريك القائل، وهو أحد المغتابين، وكذلك تكف جميع الجوارح كما تكف البطن والفرج، ففي الخبر:( الصوم جُنَّة، فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل، فإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم).

ثم اجتهد أن تفطر على طعام حلال، ولا تستكثر فتزيد على ما تأكله كل ليلة لأجل صيامك، فلا فرق إذا استوفيت ما تعتاد أن تأكله دفعتين في دفعة واحدة، وإنما المقصود بالصيام كسر شهوتك وتضعيف قوتك لتقوى بها على التقوى، فإذا أكلت عشية ما تداركت به فاتك صحوة فلا فائدة في صومك، وقد ثقلت عليك معدتك، وما وعاء أبغض إلى الله تعالى من بطن مُلئ من حلال، فكيف إذا ملئ من حرام!

فإذا عرفت معنى الصوم فاستكثر منه ما استطعت، فإنه أساس العبادات ومفتاح القربات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به). وقال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لَخُلُوْفُ فم الصائم أطيب

صفحة 413

عند الله من ريح المسك، يقول الله عز وجل: إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي فالصوم لي وأنا أجزي به) وقال صلى الله عليه وسلم: (لِلجنة بابٌ يقال له الرَّيَّان لا يَدخله إلا الصائمون).

فهذا القدر من شرح الطاعات يكفيك من بداية الهداية، فإذا احتجت إلى الزكاة والحج، أو إلى مزيد لشرح الصلاة والصيام، فاطلبه مما أوردناه في كتاب إحياء علوم الدين.

 
Top