مقدمة المؤلف – المكتبة الإسلامية الحديثة

مقدمة المؤلف

صفحة 29

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الذي يفتتح بحمده كل رسالة ومقالة، والصلاة على محمد المصطفى، صاحب النبوة والرسالة، وعلى آله وأصحابـه الهادين من الضلالة.

أما بعد: فقد سألتني أيها الأخ في الدين، أن أبثّ[1] إليك غاية العلوم وأسرارها، وغائلة المذاهب[2] وأغوارها، وأحكي لك ما قاسيته في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق مع تباين[3] المسالك والطرق، وما استجرأت عليه من الارتفاع عن حضيض التقليد، إلى يفَاع[4] الاستبصار، وما استفدته أولاً من علم الكلام، وما اجَتَوَيْتُهُ[5] ثانياً من طرق أهل التعليم القاصرين[6] لدرك الحق على تقليد الإمام، وما ازدريته[7] ثالثاً من طرق التفلسف، وما ارتضيته آخراً من طريقة التصوف، وما انجلى لي في تضاعيف تفتيشي عن أقاويل الخلق، من لباب الحق، وما صرفني عن نشر العلم ببغداد مع كثرة الطلبة، وما ردَّني إلى معاودتي بنيْسابورَ بعد طول المدة، فابتدرت لإجابتك إلى مطلبك، بعد الوقوف على صدق رغبتك، وقلت مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه، ومستوثقاً منه، وملتجئاً إليه: اعلموا – أحسن

صفحة 30

الله تعالى إرشادكم، وَأَلَاَنَ للحق قيادكم – أن اختلاف الخلق في الأديان والملل، ثم اختلاف الأمة[8] في المذاهب على كثرة الفرق، وتباين الطرق، بحر عميق غرق فيه الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون، وكل فريق يزعم أنه الناجي، و{كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}.[9] وهو الذي وعدنا بـه سيد المرسلين، صلوات الله عليه، وهو الصادق الصدوق حيث قال: ((ستفترق أمتي ثلاثاً وسبعين فرقة، الناجية منـها واحدة)).[10] فقد كان ما وعد أن يكون. ولم أزل في عنفوان شبابي – منذ راهقت البلوغ، قبل بلوغ العشرين إلى الآن، وقد أناف السن على الخمسين – أقتحم لجّة هذا البحر العميق،[11] وأخوض غَمْرَتَهُ خَوْضَ الجَسُور، لا خَوْضَ الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة، وأتـهجّم على كل مشكلة،[12] وأتقَّحم كل ورطة،[13] وأتفحَّص عن عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة؛ لأميز بين مُحق ومبطل، ومتسنن ومبتدع،[14] لا أغادر باطنيّاً إلا وأحب أن أطلع على باطنيته، ولا ظاهريّاً إلا وأريد أن أعلم حاصل ظاهريته، ولا فلسفياً إلا وأقصد الوقوف على كنـه فلسفته، ولا متكلماً إلا وأجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفياً إلا وأحرص على العثور على سر صفوته، ولا متعبداً إلا

صفحة 31

وأترصد[15] ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقاً[16] معطِّلاً[17] إلا وأتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته.

وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني،[18] من أول أمري وريعان عمري، غريزة وفطرة[19] من الله وضعها في جِبِلَّتي[20] لا باختياري وحيلتي، حتى انحلت عني رابطة التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا؛ إذ رأيت: صبيانَ النصارى لا يكون لهم نشوءٌ إلا على التنصُّر، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهوُّد، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام. وسمعت الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((كل مولودٍ يولدُ على الفطرةِ فأبواهُ يُهوِّدانه وينُصِّرانه ويُمجِّسَانه))[21] فتحرك باطني إلى طلب حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة[22] بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات، وأوائلها تلقينات، وفي تمييز الحق منها عن الباطل اختلافات، فقلت في نفسي: أولاً إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور، فلا بُدَّ من طلب حقيقة العلم

صفحة 32

ما هي؟ فظهر لي: أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب، ولا يفارقه إمكان الغلط والوهم،[23] ولا يتسع القلب لتقدير ذلك؛ بل الأمان من الخطأ ينبغي أنا يكون مقارناً لليقين،[24] مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه – مثلاً – من يقلب الحجر ذهباً والعصا ثعباناً، لم يورث ذلك شكاً وإنكاراً؛ فإني إذا علمت: أن العشرة أكثر من الثلاثة، فلو قال لي قائل: لا بل الثلاثة أكثر، بدليل أني أقلب هذه العصا ثعباناً، وقلبها، وشاهدت ذلك منه، لم أشك بسببه في معرفتي، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه! فأما الشك فيما علمته، فلا. ثم علمت أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه، ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين، فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني.[25]

 

  1. recherche site rencontre gratuite [1] أبث إليك: أذكرها لك وأظهرها وأطلعك عليها.
  2. http://weselny-duet.pl/visre/pieor/256 [2] غائلة المذاهب: فسادها وشرها.
  3. see url [3] تباين: اختلاف وتفرق.
  4. opzioni binarie 60 com [4] يفاع: ما ارتفع من الأرض.
  5. lavalife dating service [5] اجتويته: كرهته وبغضته.
  6. http://web-impressions.net/fister/3570 [6] القاصرين: الحاصرين الذين حصروا معرفة الحق على تقليد الإمام.
  7. http://www.shyamtelecom.com/?siterko=trading-online-bancoposta&076=c8 [7] ازدريته: حقرته، وعبته.
  8. go to link [8] الأمة: الأئمة المجتهدون، اختلاف الناس.
  9. http://penizeamy.cz/friopre/769 [9] الروم [32] والمؤمنون الآية [53].
  10. http://www.tentaclefilms.com/?yutie=forex-hft-italia&25a=fb [10] قطعة من حديث رواه أبو داوود رقم (4596 و4597) في السنة، باب شرح السنة ورواه أيضاً أحمد في (المسند) (1024) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ورواه الترمذي باب ما جاء في افتراق الأمة رقم (2642) في الإيمان من حديث أبي هريرة وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حسن صحيح وفي الباب عن سعد وعبد الله بن عمرو وعوف بن مالك انظر جامع الأصول (10/ 7490).
  11. http://devrimcicephe.org/vistawkoe/1362 [11] هذا البحر العميق: يقصد بحر المعرفة.
  12. http://weselny-duet.pl/visre/pieor/107 [12] مشكلة: ما لا يفهم حتى يدل عليه دليل من غيره.
  13. [13] ورطة: كل أمر تعسر النجاة منه، والأمر الغامض العميق الغور.
  14. [14] مبتدع: صاحب بدعة وهو الاختراع في الدين.
  15. [15] أترصد: أراقب.
  16. [16] الزنديق: من يظهر الإيمان ويتجمل به ويبطن الكفر (فارسية معربة).
  17. [17] المعطلة: فرقة تقول: بأن الله عالم بذاته، سميع بذاته لا بصفة زائدة فهم معطلون للصفات.
  18. [18] دأبي وديدني: عادتي وشأني.
  19. [19] الفطرة: الخلقة التي يكون عليها كل موجود أول خلقه، والطبيعة السليمة التي لم تشب بعيب. وفي اصطلاح الفلاسفة: استعداد لإصابة الحكم والتمييز بين الحق والباطل.
  20. [20] الجبلة: الخلقة والطبيعة.
  21. [21] أخرج الشيخان البخاري رقم (1292) و(1293) و(1319). ومسلم (2658) من حديث أبي هريرة. وفي بعض الألفاظ (ما من مولود) ولفظ مسلم: (فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) ولفظ البخاري (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجساه). وفي رواية عند مسلم: فقال رجل: يا رسول الله أرأيتَ لو مات قبل ذلك؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين).
  22. [22] العارضة: المتناقضة، العالقة بدون روية.
  23. [23] الوهم: ما يقع في الذهن من الخاطر والتخيل.
  24. [24] اليقين في الفلسفة: اطمئنان النفس إلى حكم مع الاعتقاد بصحته.
  25. [25] هذه هي النظرة العلمية المنهجية التي وصل إليها بعده بخمسة قرون كل من (ديكارت وفرانسيس بيكون) اللذان يعتبران فاتحة العصر الحديث في الفكر الأوروبي، وذلك بوضعهما المنهاج الجديد وهذا المنهاج الذي وضعاه لا يكاد يختلف في نقطة واحدة مع ما أورده الغزالي في كتبه، وخاصة كتابه هذا (المنقذ من الضلال). ولعلهما اطلعا على فكر الغزالي واستفادا منه واقتفيا أثره في منهجهما. ومن الثابت أن هذا المنهج التجريبي قد نشأ – في ظل الإسلام – في جامعات الأندلس والشرق، يقول (بريفولت) في كتابه: (بناء الإنسانية):

    إن روجر بيكون، درس اللغة العربية، والعلم العربي، والعلوم العربية في مدرسة أكسفورد، على خلفاء معلميه العرب في الأندلس، وليس لروجر بيكون ولا لسميّه (فرنسيس بيكون) الذي جاء بعده الحق في أن ينسب إليهما الفضل في ابتكار المنهج التجريبي. فلم يكن (روجر بيكون) إلا رسولاً من رسل العلم والمنهج الإسلاميين إلى أوروبا المسيحية. وهو لم يمل قط من التصريح بأن تعلم معاصريه للغة العربية وعلوم العرب، هو الطريق الوحيد للمعرفة الحقة. والمناقشات التي دارت حول واضعي المنهج التجريبي، هي طرف من التحريف الهائل لأصول الحضارة الأوروبية، وقد كان منهج العرب التجريبي في عصر (بيكون) قد انتشر انتشاراً واسعاً وانكب الناس، في لهف، على تحصيله في ربوع أوروبا. فهل يفهم محترفو الغزو الفكري؟!

مقدمة المؤلف
 
Top